الأحد، 18 نوفمبر 2018

أنواع الفوائت الظنية وشروطها:


أنواع الفوائت الظنية وشروطها
تعريف الفوائت الظنية:
 هي ألفاظ أو دلالات خَلَتْ منها المعاجم، ولم ترد في مصدر قديم يعتدّ به، مع وجودها في بعض لهجات المنبع وما يرفدُها، وتحققت فيها معايير ترجّح فواتها مع احتمالها التوليد الصحيح.

الفوائت الظنية ثلاثة انواع:
1-    جذورٌ وهذا قليل، ولكنه ليس نادرا، مثل بقص وجغم ودسمر وعذرب وغوش، وكلها مهملات، ووجدنا لها مادة في لهجاتنا وتحققت في فيها شروط الفوائت.
2-    ألفاظٌ أو مشتقاتٌ في جذر مستعمل، وهذا كثير، وهو يشمل المشتقات (الأوزان) السماعية، أما القياسية فليست من هذا؛ لأنهم قد يتركون القياسيات تخفيفا، للعلم بها. وأمثلته في نماذج الفوائت الظنية في القسم الثاني.
3-    دلالةٌ للفظٍ مستعمل، وهذا كثير أيضا. وأمثلته في نماذج الفوائت الظنية التي سيأتي ذكرها في القسم الثاني.

ضوابطها أو شروطها اللازمة ومؤشراتها المرجّحة:
    وضعتُ للفوائت الظنّيّة ضوابطَ أو معاييرَ أو شروطاً إذا تحققت فيها بلغ اللفظ درجة الفائت الظنّيّ، والشروط أو المعايير أو الضوابط نوعان: شروط أو ضوابط لا بد من تحققها فيها وهي ثلاثة ، ومعايير فرعية أو مؤشرات مساعدة مُرجّحة، ليست لازمة، ولكن حين نجد بعضها مع الشروط الثلاثة اللازمة فإنها ترفع من صِدقيّتها وموثوقيتها إلى درجة عالية تقربها من الفوائت القطعية.

     والفرق بين النوعين أن تحقّق الشروط أو الضوابط اللازمة الرئيسة الثلاثة لازم، وإن تخلّف أحدها بطل القول بالفوات الظني، أما المؤشرات المرجّحة فلا يلزم تحققها نظرا لندرة تحققها بسبب طبيعتها، ولا يكون تخلّفها مُخلاً أو مانعاً من حكم الفوات الظني، إلا أن في تحققها أو بتحقق بعضها مزيد تأكيد وتأييد وترجيح للحكم بالفوات، دون أن يغني ذلك شيئاً إنْ تخلّف شرط من الشروط الرئيسة، وفيما يأتي تفصيل ذلك:

أ:  الضوابط أو الشروط اللازمة لمعرفة الفوائت الظنية: وهي ثلاثة:
الشرط الأول: تحقق المعيار اللفظي:
     وأعني به بناءَ الكلمة في أصواتها وصرفها، فيجب أن توافق ما جاء في كلام العرب زمنَ الفصاحة، أصواتاً وصرفاً، والباحثُ اللغويُّ يدركُ السبكَ العربيَّ الفصيح، ويدركُ أيضا ما يلحقُ باللهجات من تغييراتٍ عامّيّةٍ تؤثّر على تصريف كلامهم في كثيرٍ من ألفاظهم الفصيحة، وفي وسعه أن بردِّها إلى أصلها البنائيّ بيسرٍ أو بلطف الصنعة، وكان علماؤنا يأنسون بالمشابهة، وربما قبلوا لفظا أو ردّوه لهذا، وهذا ابن فارس يرد لفظا، ويقول في العلّة: لأنّه لا يُشبه كلام العرب( )، وقال في موضع آخر: وهذا لا يُشبِهُ كلامَ العَرَب( ).
فمن ذلك كلمة: (الخَشِير بمعنى الشريك) و(ارتبش) على وزن افتعل بمعنى اضطرب، فإنّ حروفَهما تشير إلى أنهما من حاقِّ كلام العرب، فهي عربية الصوت والبنية.

     وكذلك (عَرَشَ العظم) إذا أخذ العظم بيديه ونهس بقايا اللحم عليه بأسنانه، وكذلك اعترشه، وعرمشه، وهذا الأخير مفكوك من عرّش، بقلب ثاني المثلين راء، وللفكّ نظائر في كلام العرب.

     ومنه قولُهم: الجُغّمة مقلوب الغُمجة، وقولهم: ادْمَحْ الزَّلّة، وادْمَحْ زَلِّتي، وفلان يدمحُ الزلة؛ أي: يغضي عن الخطأ في حقّه. وفي المعاجم دَمَّحَ الرجلُ رأسَه طأطا وانحنى.. والصلةُ بين المعنى اللهجيِّ هذا والمعنى الأصليِّ واضحة؛ لأنّ من يَدمَحُ الزّلّةَ ويُسامحُ عليها كمن يَحني ظهرَه ويُرخي رأسَه، تساهلا وإغضاءً عن زَلّة صاحبه.
     وأما قولهم في بعض القبائل البدوية بالحجاز وتهامة الحرمين ومنها قبيلتي عوف من حرب: وَضْنَك يُوَضْنِك وَضْنَكةً؛ إذا دمدم بكلام غير مفهوم متضجّرا، مثل حَنْتَم يُحَنْتم حنتمة وحَضْرَمَ يُحضرم حضرمة، فهي مما لم يتحقّق فيه المعيار اللفظي؛ لمخالفته لقياس ائتلاف الحروف في بناء الكلمة العربية، فوَضْنَك وَضنكة يخالف قياسهم؛ لأن حرف العلة لا يكون أصلا في رباعي إلا في باب وسوس، فإن جعلت الواو أصلا خالفت قاعدة صرفية وإن جعلتها زائدة أدى ذلك إلى وزن غير مألوف وهو (وفعل) وإن جعلت النون زائدة أدى ذلك إلى جذر مهمل وهو (وضك) وأبعدها أيضا عن أصل اشتقاقها الذي يدل عليه المعنى وهو ضنك، والصحيح أن وَضْنَك مقلوبة من ضَنْوَك يُضنوِك فتكون الواو زائدة كواو هَرْوَلَ، ويسلم اللفظ من مخالفة ائتلاف الحروف، وضَنْوَك يُضَنْوِك هذا مفكوك من ضَنَّكَ يُضَنِّك؛ أي: من الضّنك، (ضنَّك > ضنوك)؛ لأن المُغضَب الذي يُدمدم بكلام غير مفهوم يشبه المضنوك المشحون بالغضب. ولهذا يمكن أن نقول: إن وَضْنَك ليست من الفوائت الظنية؛ لأن المعيار الأول غير متحقق فيها فهي متفرّعة بالقلب المكاني من ضَنْوَك يُضَنْوِك، والقلب مقصور على السماع، ولا يظهر أن هذا القلب قديم فيها، فهي إلى اللحن الصرفي أقرب.

الشرط الثاني: تحقق المعيار الدلالي:
     وهو أن تكونَ الدلالةُ مناسبةً لحياةِ العربِ في أزمانِ الفصاحة، أي مما هو مألوفٌ في حياتِهم، فإن كانتِ الدلالةُ لشيءٍ حادثٍ في العصورِ المتأخرة مما جدّ في الحياةِ عُرفَ أنها دلالةٌ محدثة، وأنها ليست من فوائتِ المعاجمِ القديمة.
    وحينَ نُنعمُ النظرَ في الأمثلةِ السابقةِ (الجُغْمة والخشير وارتبش وعَرَشَ العظم وعرمشه ويدمحُ الزلة) نجدُ أن الدلالةَ متوافقةٌ مع ما يألفُه العربُ في حياتِهم اليومية، وليستْ دلالةً حادثةً بعدَ أزمانِ الفصاحة.

الشرط الثالث: تحقق المعيار الجغرافي أو الأطلس الجغرافي:
     وأعني به بيئةَ اللهجة، فحينَ تكون اللهجة واسعةَ الانتشار معروفةً في عددٍ من القبائل المتفرقة فإنّ ذلك يرجّح فصاحتها مع الأخذ بالمقياسين السابقين، فكلماتٌ مثل (الخشير والجغمة وعرش العظم وعرمشه ويدمح الزلة) منتشرةٌ بينَ قبائل الجزيرة وبيئاتها، وكذلك الفعل (ارتبش) واسع الانتشار في قبائل حجازية ونجدية وفي منطقة عسير وفي الشمال نواحي حائل وتبوك والجوف.

     فإن كانتِ الكلمة محصورةً في قبيلةٍ أو بيئةٍ واحدةٍ فحسب دعا ذلك إلى التريّث قبلَ الحكم بأنها من فوائت المعاجم، مع أنّ علماءنا القدما أثبتوا في معاجمهم ما يُسمعُ من قبيلةٍ واحدة أو من شاعر واحد، لكننا في مقامِ احتراز، فيحسنُ التشدّدُ هنا؛ لأنّ أمرَ الفوائتِ ظنيّ.

     فكلماتٌ مثل: الجُغمة، والخَشير، وارْتَبَشَ فهو مرتَبِش، ويدمَحُ الزّلّة، والرَّهْوة: المكانُ المرتفع، والشَّرْوَى وشرواك؛ أي: مثيلُك، وأزْرَيتُ بمعنى عجَزْتُ عن فعلِ شيء، والهَمْطُ وهو الهذرُ في الكلام، وانحاشَ بمعنى هربَ وولّى، وارجَهَنّ بمعنى جلسَ وسكن، والعَزْقُ بمعنى التضييق، ومُتَحَشِّد؛ أي: مُستحٍ؛ هي مما ينتشر بينَ قبائل الجزيرة وبيئاتها.
     وأنبّهُ على أمر مهم وهو أن القطعَ أو الجزمَ بالفوات أمرٌ لا سبيلَ إليه مالم نجدْ شاهداً قديما، ولكنَّ هذه المقاييسَ الثلاثةَ هي للتقريب، أو لنقلْ للترجيحِ، فحينَ نقول إن هذه الكلمةَ من الفوائتِ الظنية، يعني هذا القولُ غلبةَ الظنّ بأنها من الفوائت؛ لتعذّر القطعِ بالفائت بغيرِ شاهد. واجتماع هذه المعايير الثلاثة في كلمة أو دلالةٍ لهجيةٍ حريّ بأن يقربَها من درجة اليقين حين يُحكمُ بأنها من الفوائت، دونَ الجزمِ المطلقِ بذلك؛ لتعذّر القطع بالفائت دونَ شاهدٍ أو نصٍّ قديم، بخلافِ الفوائتِ القطعية، فهي مرصودةٌ في مصدرٍ قديمٍ موثوق، كدواوينِ الشعرِ وكتبِ الأدبِ واللغة والنوادر ومصادر التراثِ الموثوقِ بها.

ب: المؤشرات المساعدة المرجّحة غير اللازمة، وهي أربعة:
     ذكرت فيما سبق ثلاثة ضوابط أو شروط للحكم على كلمة أو دلالة في لهجاتنا بأنها من فوائت المعجم.. وهنا أذكر مؤشرات مساعدة أو مرجّحة ومقوّية لما سبق، ولكن لا يلزم تحققها في كل فائت ظني لما أسلفت، وهي:

1-  اللهجات المهاجرة، وأعني بهذا أن تؤكد لهجة مهاجرة لفظة أو دلالة فتوافق الفروع الأصول؛ أي: توافق ما في أصولها في جزيرة العرب، وهذا يحدث في لغات القبائل المهاجرة من المشرق إلى المغرب العربي إبّان الهجرات الأولى في زمن الفتوحات وما أعقبه من موجات للهجرة والاستقرار  هناك،  فيدل اتفاق الفرع والأصل على قدم الكلمة أو الدلالة، لأنها وصلت إلى لغات المغاربة منذ زمن مبكر مع القبائل التي هاجرت إلى تلك الديار أيام الفتوحات الإسلامية أو في الهجرات المتعاقبة لقبائل من سُليم وهُذيل وتميم استوطنت الشَّمال الإفريقي، ومن آخرها تغريبة بني هلال، فالتوافق يشير إلى قدم اللفظ أو المعنى، وأنه يرجع إلى أيام الفصاحة؛ لأن استعماله - في الغالب - كان شائعا قبل نزوح تلك القبائل إلى المغرب العربي بزمن يكفي لشيوعه وتمسكّ المهاجرين والباقين في ديارهم به، ليبقى راسخا حيًّا في البيئتين على الرغم من تباعدهما وشبه انقطاع الصلة بينهما مما يجعلنا نطمئن كثيرا إلى قدم اللفظ عند تحقق هذا المعيار الرابع إلى جنب المعايير الثلاثة الرئيسة اللازمة، ومثال ذلك كلمة الجُغمة بمعنى الجرعة من الماء، وجذرها مهمل، وهي منتشرة في لهجاتنا في الحجاز ونجد وعسير واليمن وعمان، وقد تحققت فيها الشروط الثلاثة ويضاف إليها هذا المعيار المُرجح أعني اللهجات المهاجرة، إذ وجدناها مستعملة في شرق الجزائر وجنوب تونس وفي ليبيا، وهذا يجعلنا أكثر طمأنينة في الحكم عليها بالفوات.

2- نظرية الاشتقاق الأكبر عند ابن جني، وهي تعين في الحكم بالفوات الظني، وكان ابن جنّي وشيخه أبو عليّ الفارسي يستعينان بالاشتقاق الأكبر (التقليبات) ويخلدان إليه, مع إعواز الاشتقاق الأصغر( ) في مواضع منها بحثه الجريء عن المعنى العام للتقليبات الستة للثلاثي، وكذلك محاولة الكشف بالتقليب عن حقيقة ما خفي من حروف العلة، كاستدلاله بأن لام الشظا واو لا ياء، فقال : «لام (الشظا) مُشكلة، ولا دلالةَ في شَظِيَ يَشْظى، إلَّا أنَّهم قد قالوا فيما يُساوِقه: الشُواظ والوَشِيظة، ولم أرَ هنا الياء، وهذا مذهبٌ كان أبو عليٍّ يأخذ به. ومعنى الوشيظ والشظا متقاربان لأنَّ الوشيظة: قُطَيعة عظم لاصقةٌ بالعظم الصميم، وهذا نحو الشظا والشَّظِيَّة؛ فهذا يقوي الواو»( )، فجعل ابنُ جني الوَشيظةَ والشُّواظَ دليلاً على لام (الشظا) بالاشتقاق الأكبر، فحكم بواويتها، ولنا أيضا أن نستدلّ بهذا الاشتقاق الأكبر على صحّة السماع في لهجاتنا، وهذا موضع دقيق ونفيس جدا. وهو «أن تأخذ أصلًا من الأصول الثلاثي، فتعقد عليه وعلى تقاليبه، الستة معنًى واحدًا, تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه, وإن تباعد شيء من ذلك عنه رُدَّ بلطف الصنعة والتأويل إليه, كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد... فمن ذلك تقليب "ج ب ر   فهي –أين  وقعت- للقوة والشدة، ... ومن ذلك تراكيب "ق س و " "ق وس " "وق س " "وس ق " "س وق "  وأهمل " س ق و " , وجميع ذلك إلى القوة والاجتماع... ومن ذلك تقليب "س م ل " "س ل م " "م س ل " "م ل س " "ل م س " "ل س م " والمعنى الجامع لها المشتمل عليها الإصحاب والملاينة»( ).

      وكان ابن جني يدرك ما في تطبيق الاشتقاق الأكبر على كثير من الجذور من صعوبة بالغة، ويرى عدم اطّراده، قال: «واعلم أنّا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة, كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة. بل إذا كان ذلك الذي هو في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذرًا صعبًا, كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبًا وأعز ملتمسًا»( ).

     ومع تلك الصعوبة يمكن الأُنسُ بهذا الاشتقاق الذي ذكره ابن جنّي متى أمكن الوصول إليه وحين نجد معاني الجذور (التقليبات) دائرةً حول معنى واحد أو متقارب كلها أو المستعمل منها فإن هذا يفيد بأن ما يتفق مع هذا المعنى مما نجده في لهجاتنا ولا نجده في المعاجم ومما تحققت فيه الشروط الثلاثة هو من الفوائت الظنية، التي عززتها نظرية الاشتقاق الأكبر.

     ومن ذلك قولهم: عَمَكَ الرّجلُ الشيءَ يَعمُكُه عَمكا إذا عَرَكَه، وعَمَكَ أنفَه إذا حَرَّكه مع ضغطٍ عليه، وتَعَمَّك البعيرُ بغيرِه إذا عَرَكَ أنفَه بغيره، ومن مجاز عمك: تَعَمَّكَ الرجل برفاقه مازحهم وعاضلهم، وتعمّكتِ المرأةُ بزوجها مازحَتْه ولاطفَتْه وعَرَضَت له. و(عمك) في هذا الاستعمال اللهجي جذرٌ مهل، وهو مقلوبُ (عكم) المعجمي، ويؤيد صحّته تأمل المعنى في بعض تقليبات هذا الجذر: (عكم): فمنها يقال عكمت الناقة؛ أي: جمعت شحماً على شحم. و(مكع): مهمل و(كعم): يقال: كعم الرجل المرأةَ إذا قبّلها بطريقة تجمُّعِ الفمِ بعضه على بعض و(كمع): الكميع الضجيع وكامع المرأة إذا ضمّها إليه، وكأنّه يجمعُ جسدَها بعضَه على بعض، و(عكم) يقال: عكم المتاعَ جمعَ بعضَه على بعض، ويُلحظ أنّ الدلالة العامّة هي الجمع والتقبّض، فيستأنس بهذا في دلالة (عمك) اللهجية محلّ البحث، وهو جذر مهل في المعاجم، فقولهم: عَمَكَ أنفّه حرّكه وجمع بعضه على بعض يدلُّ على صحّة هذا الاستعمال؛ لأنّ فيه معنى التجمّع الذي نراه في تقليبات هذا الجذر على طريقة الاشتقاق الأكبر.

3- الاستئناس بنظرية ثنائية الألفاظ أو الجذور، وهي النظرية القائلة بأن اللغة مرّت في مرحلة من مراحل  تطورها بالثنائية، أي كانت ثنائية الجذور، ثم تطورت إلى الثلاثية والرباعية والخماسية، مثل الأصل (غَمْ) تدور دلالته الأصلية حول الستر والتغطية بالماء، وسيل الماء وجرعه، فيفكّ تضعيف الثلاثي المضعف منه (غمَّ) فتنشأ جذور ثلاثية تحمل المعنى الأصلي مع تنويع طفيف في الدلالة يخصص كل أصل منها ويميزه عن غيره، وهي: غمْ - غمّ > غمت > غمج > غمد > غمر > غمز > غمس > غمص (غمصت العين: سال غمصها) غمض > غمل > غمن > غمو > غمي.

     فإن وجد فعل في لهجاتنا ولم تذكره المعاجم واتّسَقَ الفعل مع باقي المفكوكات من الثنائي فإن ذلك يرجّح صحته ويؤيده، وقد نجد المفكوكات المتطوّرة من الثنائي (الثلاثي المضعف) ولا نجده في لهجاتنا، فتصححه المفكوكات منه، وأضرب لهذا النوع الأخير مثالاً واحدا، وهو أن الفعل (لقّ) يلقّ في لهجاتنا يعني لمع وأضاء، أو أن الشيء شديد البياض والنظافة، وهذا المعنى لم يُذكر في معاجمنا، ولكنهم ذكروا المعنى في مفكوكه (لهق) قال صاحب التاج: «ولَهِقَ الشيءُ كفرِح لَهَقاً. ولهَقَ مثل مَنَع لهْقاً، فَهُوَ لهِقٌ: ابيضَّ شَديداً»( ).

     ونرى ذلك في الثلاثي المتطور من الجذر الثنائي (لق) بتصديره بهمزة (ألق) ومعناه البياض واللمعان، ومنه تألّق البرق. فهذان الفرعان المعجميان (ألق) و(لهق) بمعنى البياض الشديد يصحّحان ما في لهجاتنا في قولهم: لقّ يلقّ؛ أي: لمع وأشتدّ بياضه.

     ومن هذا قولهم: شلّ الحَجَرَ يشلُّهُ؛ بمعنى رفعه، وهي مسموعة في عدد من لهجات القبائل في عسير وما حولها وحضرموت، وليست في المعاجم، ولكن فيها الثلاثي الأجوف المفكوك من شلّ أعني: شال، ففي الصحاح( ): شُلْتُ بالجرّة أشول بها شولا: رفعتها، وشالت الناقة بذنبها تشوله وأشالته، أي: رفعته، قال النّمر بن تولب يصف فرسا( ):
جمُـومُ الشَّدِّ شائلةُ الذُّنابَى         تخالُ بياضَ غُرّتِها سِراجا
وفي اللسان: «ورَبَع الحَجَرَ يَرْبَعُه رَبْعاً وارتبعه: شالَه ورفعه»( ). والظاهر أن شلّ بمعنى شال من الفوائت الظنية، وقد تحققت فيها الشروط الثلاثة، وتؤيدها الثنائية فشال مفكوك من شلّ. ومثل هذا كثير لا يكاد يحصى.

4- الاستئناس باللغات العروبية (اللغات السامية) لتأصيل لفظ لهجي غير مُمعجم مما يكون لفظه ومعناه أو بعضه في لغة من اللغات السامية، مع توفّر شروط الفوائت الظنية الرئيسة الثلاثة، فالعروبيّات (الساميات) متقاربة لفرّعها من أصل واحد قديم، وثمة ألفاظ فاتت المعاجم ولم تزل حيّة في موروثنا اللهجي في جزيرة العرب، وهي من بقايا مشترك عروبيّ قديم، وقد يموت اللفظ في بعض العروبيّات ويبقى حيّا في بعضها.
وما أحسنَ قولَ العبودي: «رُبّ لفظٍ مات في كل اللغات الساميّة الحيّة المعروفة، ولكنه بقي في لغة العامّة في بلادنا يدلّ على عروبته ومن ثَمّ ساميّته»( ).

    وهناك أوزان مشتركة بين الساميات، مثل فاعول، فيرى الأب مرمرجي الدومنكي( ) أن وزن (فاعول) ساميّ الوضع والاستعمال؛ لوروده في أغلب الألسن السامية ولهجاتها، وهو كثير الورود في السريانية للدلالة على اسم الفاعل والصفة والمبالغة، كما يطلق أحياناً على اسم العين، لكّنه وارد أيضا في العربية. وإن كان ذلك أقلّ مما في السريانية للتعبير عن الاسمية واسم الفاعل واسم الآلة والوعاء .

    وانتهى عبد الله الجبوري -بعد دراسة نصوص متفرّقة- إلى أن صيغة فاعول صيغة عربية صحيحة وإنْ ورد منها شيء من الأصل السرياني فهو إرث لغوي قديم ساميّ( ) .

    ويقول الجبوري: «إن الآرامية (ومنها السريانية) هي الصورة المتقدّمة للعربية القديمة المتطوّرة، والعبرانية هي فرع من الآرامية.. لأجل هذا تتبعت ألفاظا وردت في لهجتي: الموصل ولبنان لأنهما حفظا إرثا من الأصول الآرامية»( ).

    ومما في لهجاتنا في قبائل الحجاز ونجد وعسير فعل تَشَنْقَلَ فهو مُتَشَنْقِل، أي سقط على رأسه أو ظهره مع ارتفاع قدميه، وشَنْقَلَ رجله رفعها على جانب، وهذا المعنى لم يرد في معاجمنا، ويحتمل هذا الفعل أن يكون رباعيا من شنقل أو ثلاثيا من شقل والرباعي شبه مهمل، والثلاثي فقير جدا في معجمنا حتى قال ابن فارس: (شقل) الشين والقاف واللام ليس بشيء، وقد حُكي فيه ما لا يعرّج عليه( ).

     وعند تحليل الفعل شنقل وتشنقل على ضوء العروبيات (الساميّات) يظهر لنا وجهان في تأصيله؛ أحدهما: أن يكون من (شقل) فتكون النون زائدة، والآخر: أن يكون من (شنق) فتكون اللام زائدة، وبعض العروبيّات ترجح اشتقاقه من (شقل)، ففي الإثيوبية سقل (س=ث في العربية): عَلِقَ، وجذر العبرية (شقل) يدل على الوزن، وفي السريانية (شقل) يعني: وزن، ورفع، وفي الأكادية (شقالو): وزن ورفع، وهذه الموازنات مع تحقق الشروط الثلاثة ترجع أنّ (شنقل) رجلَه -بمعنى رفعها مما هو مسموع في بعض لهجاتنا- من الفوائت الظنية.
     ومما يُؤنس فيه بالموازنات العروبية (الساميّة) الفعل (ذَلَفَ يذلف) فليس في جذر (ذلف) في معاجمنا القديمة  شيء من معنى ذلف اللهجية التي بمعنى غَرَبَ عن الوجه وتنحّى شبه مطرود أو مغضوب عليه، حين يقال في لحظات الامتعاض مع الازدراء: اذْلِفْ عن وجهي، أي أغرب عن وجهي. وهذا المعنى عام في أغلب لهجات الحجاز  في قبائل كهذيل وسليم وحرب وجهينة ومطير وعتيبة وعدوان وفي عموم قبائل نجد، ويقولونها في قبائل الحجر من عسير يقولون على سبيل المثال: فلان ذلف أي ارتحل لكن لا يعلم إلى أين. و تستخدم للطرد بنفس المعنى اذْلف، وبالمعنى نفسه في منطقة الظاهرة في عُمان.

     وقد تحققت في هذه الكلمة شروط الفوائت الظنية وزاد عليها من المؤشرات المساعدة المرجّحة أنها موجودة في بعض اللغات السامية، وقد جرى بيني وبين الدكتور سالم الخماش حوار علمي عنها في موقع التواصل (تويتر)، وأيّد أن تكون من الفوائت الظنية وأن لها جذورا في بعض الساميّات تدعمها، وأفادني برأيه محررا في رسالة إلكترونية، ونصّها: «ذلف يبدو أنها واحدة من المفردات الموجودة في اللهجات الحديثة، وفي بعض اللغات السامية... وبالبحث في مراجع الساميات وجدنا مشتقات تقوي إلى حد ما المعاني الموجودة في اللهجات العربية الحديثة:
لهجات اللغة العربية الجنوبية:
لهجة الدثينة (جنوب اليمن) ذَلَف "قفز"
الحرسوسية: ذِلوف elōf "قفز"
الجبالية: ذُلُف olof "قفز"( )
وذكر Leslau في قاموس الجعزية zalaf التي تعني "نقط، سال" (صفحة 637)، وقد قابلها بالجذر السامية التالية:
العبرية القديمة" زالـﭗ zālap "سال"
السريانية zelap زِلَـﭗ "سال، نقط"
ولكنه قابله أيضا بالجذر العربي دلف بالدال غير المعجمة»( )
    وختم بقوله: «وفي نظري أنه كان هناك جذر سامي هو ذ ل ف lf وكان معناه يدور حول معاني "سال، نقط، سرَب" هذا الجذر تعرض لتغيير في اللفظ والدلالة. فات اللغويين العرب المعنى الأصلي ولم يذكروا منه إلا "استواء قصبة الأنف" الذي أرى أنه من معنى "سلاسة سطح الأنف، وهو معنى قريب للسيلان. ولكن هذا المعنى بقي مائلا في لهجات العربية الشمالية الحديثة في شكل مجازي "ذهب، غاب، اختفى" وفي لهجات العربية الجنوبية الحديثة في معنى "قفز"، وفي معاني زلف في الإثيوبية الجعزية زلف "نقط، سال"، وكذلك في العبرية والسريانية التي تغير فيهما الذال إلى زاي.كذلك لا نستبعد أن زلف ودلف في العربية هي امتداد للجذر السامي ذلف»( ).
    ومن ذلك أيضا الفعل الرباعي (تقرفط) الثوبُ أو القماش أو الجلد فهو متقرفط في لهجات شريحة واسعة في الجزيرة وعدد من القبائل في الحجاز ونجد وعسير وعمان أي تجعد  وانكمش، وتوسّعوا فيها فقالوا : تقرفط الرجل إذا انكمش على نفسه وتكوّر متجمعا ضامّا يديه ولافّا جسده في لحاف لاتقاء البرد، وسمع فيها القلب المكاني: متقرفط ومتقفرط، فهذا الفعل الرباعي ليس في المعاجم وقد تحققت فيه الشروط الثلاثة، وزيادة على ذلك نجد أن الاستئناس ببعض الساميات قد يفيدنا، ويدلنا على قدم هذا الفعل، ومجيئة بصور مقاربة في بعض الساميات، ففي السريانية جذر مشابه لجذر تقرفط في المعنى وقريب منه وهو "قرفد" تقبض، وفي الآرامية: قاپـَد : انقبض، التفّ وربما كان التغيير الصوتي من ق پ د إلى ق ف ط أو العكس( ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تركت المراجح هنا وهي في الكتاب (فوائت المعاجم).