السبت، 7 أكتوبر 2017

مشروع: معجم العربية الشامل:


مشروع
مُعْجَمُ العَرَبيّة الشامِل

معجم لُغويّ حيٌّ يجمع أشتات العربيّة في ماضيها وحاضرها
يصنع مادّته طلّاب مرحلة الدّكتوراه بأقسام اللغة العربيّة في الجامعات السّعوديّة
يُدير المشروع قسم اللغويّات بالجامعة الإسلاميّة
   

اقترح المشروع وأعدّ خطّته ومنهجه ونماذجه

أ.د. عبدالرّزّاق بن فرّاج الصّاعديّ


بسم الله الرحمن الرحيم

المقــدّمة
لم تَعُد المعاجم صناعة فرديّة واجتهادات عفويّة كما كانت في الماضي، فالمعاجم لدى الأمم الأكثر تطوّرًا وتنظيمًا صناعة لغوية عظيمة ترعاها مؤسّسات متخصّصة وتنفق عليها الحكومات أموالًا طائلة لحفظ المخزون اللفظيّ للغة والعناية بالجانب النّامي في مفرداتها ودلالاتها، وهم يدركون أنّ تحوُّل المعجم إلى بحيرة راكدة مؤذنٌ بهرم اللغة وضعفها وعجزها عن مواجهة مستجدّات العصر والثقافات الأجنبيّة الوافدة. ونرى بالاستقراء والمشاهدة أنّ وراء المعاجم الراكدة أُممًا ضعيفةً متخلّفة، ووراءَ المعاجم الحيّة النامية أممًا حيّةً منتجة، فالمعجم مرآة تعكس التّطور والضعف والجمود.
وتعاني العربية في عصرها الحديث من البطء في صناعة المعاجم والضعف وغياب الخطّة المتكاملة، وتتسم كثير من الجهود بالفرديّة والتشتّت، وعلى الرغم من وجود محاولات تستحقّ التقدير والشّكر لمجمع القاهرة متمثّلة في معاجمه الثّلاثة: المعجم الوسيط والمعجم الوجيز والمعجم الكبير، إلّا أنّ هذا الأخير لم يكتمل بعد، إذ أنجز منه في نحو خمسين سنة ثلث المعجم تقريبًا. ومع وجود محاولات أخرى متفرّقة لمؤسسات غير علمية تسعى لإنجاز معجم تاريخي للعربية، إلا أنّنا لا نرى للجامعات في الوطن العربيّ وكلّيات اللغة العربيّة وأقسامها العديدة مشاركات ناجحة في هذا النشاط اللغويّ المهمّ، فلم تصنع جامعةٌ أو جامعاتٌ معجمًا كاملًا، وإنْ كان ثمّة أعمالٌ يسيرةٌ متفرّقةٌ فهي تتّسم بالفرديّة وتفتقر إلى التّنظيم الجماعيّ، وربّما يستثنى من ذلك المحاولة الجميلة لجامعة النجاح بفلسطين تحت عنوان: (المعجم الجامع) وهو مشروع لطلاب الماجستير، يُعطى فيه الطالبُ بابًا (حرفًا) كاملا أو ما يقارب الباب ويصنع مادّته من جميع المعاجم القديمة والحديثة، ولكن يظهر عند الاطّلاع الفاحص على بعض أبواب المشروع المنشورة على الشبكة العنكبوتية آثارُ الاستعجال وعدم الدقّة لكثرة الجذور المخصصة لطالبٍ في مرحلة الماجستير لم ينضج بعد، كما أنّ رسائل المشروع التي اطّلعت عليها تفتقر إلى جانب الدراسة والتحليل للمادّة المعجميّة المنتجة، وتفتقر إلى عنصر التهذيب والتصويب ودراسة الأوهام في معاجمنا القديمة، ومع ذلك فإنّها محاولة جريئة تحسب لجامعة النّجاح، ولا نعلم أين وصل المشروع في حروف المعجم! 
ومن الأعمال المعجميّة الجماعيّة ما يصنعه مجمع القاهرة في معجمه الكبير، الذي ينتجه عددٌ من الباحثين، وغرضة الاستقصاء والشمول، وقد أنجز منه في نحو خمسين سنة حتّى الآن الثلث تقريبًا، إذ وصل إلى حرف الذال، فإنْ سارَ على هِينَتِهِ هذه فسيحتاج إلى مئة سنة أخرى، وفوق ذلك التباطؤ فهو غير دقيق، فمع أنّه وعد في مقدّمته بأنْ يُمعجم كلّ ما في المعاجم قبله وكتب اللغة إلّا أنّنا نراه يُخلُّ بجذور واردة في بعض مصادره، فمثلًا لم يُورد مادة (حثط) وهي في اللسان عن الأزهريّ وفي التّاج وفي تكملته للزبيديّ، وكتب في أخطاء هذا المعجم الشّيخ حمد الجاسر والدكتور إبراهيم السّامرائي كتابًا(1)، وكَتَبَ غيرُهما.
 ومن تلك الأعمال المعجميّة التي لا تقوم على الفرد مشروعُ الدكتور أحمد مختار عمر: «معجم اللغة العربيّة المعاصرة» الذي أنجزه بمعاونة فريق من الباحثين والورّاقين، وطُبِعَ في أربعة مجلّدات، وهو معجم للألفاظ والأساليب المولّدة.
وقد أدرك اللغويّون أهمّيّة الأعمال المعجميّة الجماعيّة، قال محمّد العدناني: «وأنا أرجو أنْ تتوحّد مجامعنا كلُّها، وتنبثق من ذلك المجمع الموحّد لجنةُ تُؤلِّف مُعجمًا حديثًا، شاملًا ودقيقًا، تُثبت فيه المولّد والمعرّب والدخيل، وتشرف على طباعته ليخرج للناس دون خطأٍ لغويّ أو طباعيّ كما نرى في معجماتِ الغَرْبِ وكُتُبِه»(2).
وإنّي أرى اليوم أنَّ الوقت حان لمشاركة الجامعات لإعداد خُطّةٍ متكاملة لصناعة المعاجم بأنواعها الموسوعيّة المختلفة، فلدينا في المملكة العربيّة السّعوديّة على سبيل المثال العديدُ من أقسام اللغة العربيّة، وفيها ما يُقارب خمسَمئةِ أكاديميٍّ متخصّص في علوم العربيّة، ونحو مئة أكاديميّ متخصّص في المعاجم وأصول اللغة وعلوم الدّلالة، ومثلهم من طُلّاب الدراسات العليا، وهذا يفرض علينا المزيد من المسؤوليّة تجاه العربيّة نحوًا وصرفًا ومعجمًا، ومن التّفريط والتّقصير ألّا نرى أعمالًا فرديّة تفوق أعمال أقسامٍ عريقة، ومن تلك الأعمال الموسوعاتُ الحديثيّة للدكتور بشّار عَوّاد معروف، وكذلك مشروع التّفسير الكبير، له(3). ومن المشروعات الفذّة في اللغة: «دراسات لأسلوب القرآن الكريم» لمحمّد عبدالخالق عُضَيمة وعنه يقول الدكتور  محمود الطّناحي: «وقد بهر النّاس الشّيخ الجليل محمّد عبدالخالق عُضيمة، رحمه الله، بكتابه الفَذّ (دراسات لأسلوب القرآن الكربم) وعمل الشّيخ هذا داخل في ميدان الفهرسة، ولكن أيّ فهرسة! لقد عكف على كتب التّفسير والقراءات والنّحو والإمالي، عكوف العالم الصّابر، الذي تَرَكَ الشّهرة خلف ظهره، ودَبْرَ أُذنيه، فاستخرج من أضابير تلك الكتب الأشباه والنّظائر، ونَسَق ذلك كلّه على الأدوات والأبوب، وساعدته على ذلك حافظةٌ جامعة، وبصرٌ نافذ. وهذا العمل الذي نَهَضَ به الشّيخُ، كانت بعض جامعاتنا العربيّة تستطيع القيام به، لو أنّها اختارت من نابِهيّ كلّ قسم من أقسام اللغة العربيّة شابًّا جَلْدًا...»(4).
ويقول الطناحي مقترحًا مشروعًا: «لو أنّ هؤلاء النّابهين من مُعيدي أقسام اللغة العربيّة اجتمعوا حول قضيّة كُبرى من قضايا اللغة والنّحو، بإشراف أستاذٍ كبيرٍ من المشهودِ لهم بالعلم وسَعَة الاطّلاع وما أكثرهم والحمد لله فاستقرأوا الكتب، واستنطقوا المراجع، لوصلوا إلى ما وصل إليه الشّيخ. ولقد أذكر أنّي اقترحت يومًا ما على بعض من إليهم الأمر: أن نوجّه نفرًا من أبنائنا في الدّراسات العليا العربيّة إلى فهرسة مسائل النّحو والقراءات واللهجات، من الموسوعات الكبرى، مثل البحر المحيط لأبي حيّان. ولكن هذا الاقتراح لم يلقَ استجابة!...»(5).
ولعل من أبرز المشاريع المعجمية التي نحتاج إليها:
1-     معجم كامل شامل للغة العربيّة.
2-     معجم تاريخيّ للعربيّة، وهذا من المشاريع المتعثّرة التي طال انتظارها(6).  
3-    معجم للمصطلحات للعلوم والآداب والفنون.  
4-    المعجم التّأثيليّ، ويُعنى بدراسةٍ تأريخيّةٍ تحليليّةٍ لما يَطرأُ على الألفاظ من تبدُّلٍ وتحوّلٍ وتطوّرٍ في المستويات الصّوتيّة والصّرفيّة والتّركيبيّة والدّلاليّة(7).
وهذا المشروع الذي أسعى إليه وأقدّم فكرته لقسم اللغويّات بالجامعة الإسلاميّة هو من النّوع الأوّل، معجمٌ كاملٌ شاملٌ لما نَطَقتْ به العَرب ووصل إلينا مكتوبًا في مصدرٍ موثوقٍ أو منطوقًا في لهجاتٍ فصيحةٍ وتحقّقت فيه شروطُ الفوائت(8)، يسايرُ الزّمن ليشمل ما ولّدته الأجيال بعد عصور الاحتجاج من الاستعمالات الحيَّة، والدّلالات المستحدثة، معتمدًا على معطيات العصر الحديث في جمع المادّة وتصنيفها وتخريجها وتدقيقها، وشرط ما يدوّن في المعجم أن يكون من الفصيح أو المولّد الموافق لأقسية العربيّة أو الموافق للغة من لغات العرب، ويُستبعد بهذا الشرطِ العامّيُّ والملحونُ من الألفاظ وما يخرج عن المقاييس، ويمكن تسمية هذا المعجم:
معجم العربية الشامل
أو أي اسم يراه القسم الموقّر، وهو في الجملة من نمط (المعجم الكبير) لمجمع القاهرة و(الجامع) لجامعة النجاح،  وشرطه الاستقصاء والشمول للقديم والفائت والمولد والمعرب، ليخرج معجما شاملًا كاملًا، وينشر في صيغتين: صيغة ورقيّة وصيغة إلكترونيّة تفاعليّة.
ويَصنع هذا المعجم طلابُ الدراسات العليا في مرحلة الدكتوراه بالجامعات السّعوديّة بمجموع رسائلهم(9) فيه، ويُشرف عليه قسم اللغويّات في كليّة اللغة العربيّة بالجامعة الإسلاميّة ويتولّى نظام التسجيل فيه وإدارة موقعه الشّبكي ويضع خطّته الزّمنيّة العامّة.
وصناعة هذا المعجم ليست عملًا ميسورًا كما قد يتبادر إلى الذّهن، ففيه الجمع الشّامل والتّهذيب والتّحليل، ومن المعلوم أنّ ألفاظ العربيّة مُفرّقة في المظانّ والذّاكرة الشّفهيّة، فلدينا القديم المشتّت في كتب اللغة والأدب ودواوين الشّعر والمظانّ العامّة، وما أكثر اللغة المفرّقة في المظانّ المختلفة، وهذا حديث طويل:
فَدَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ        ولكنْ حَديثًا ما حَدِيثُ الرّواحلِ
ولدينا المولد، وهو العنصر المتجدّد في اللغة، الذي يحتاج إلى رصد ممنهج، ومن وراء ذلك فإن متن اللغة في معاجمنا القديمة لا يخلو من التّصحيف والتّحريف واضطراب التّرتيب الداخليّ أو انعدامه، ولا يخلو من هفوات المصنّفين، وهفوات الصِّياغة في معاجمنا، ومشكلات تحرير المعنى فيها كثيرة ومتنوّعة. فالجمع الكامل والتّهذيب والاستدراك واستيعاب مستجدّات التّوليد اللفظيّ والدّلاليّ ستكون من سمات هذا المعجم الذي نَصْبُوا إليه ليكون مُعجمًا وافيًا شاملًا كاملًا يمكن أن يقال عن كل جذر فيه: إنّه الجذر الأوفَى حين يُقاس بنظائرِهِ في معاجم العربيّة قديمها وحديثها، وهو من شَرَطِ هذا المعجم.
وإنَّ مَشروعًا كبيرًا وعملًا لغويًّا موسوعيًّا كهذا يحتاج إلى برنامج واضح مُنظّم ترعاه مؤسّسةٌ أكاديمية، ويحتاجُ إنجازه مُكتملًا إلى جَهدٍ كبير ووقت طويل، ربمّا لا يقلُّ عن أربعين سنةً من تاريخ بدءِ انطلاقه، ولكن الثّمرة المرتجاة من إنجاز معجم كبير شامل للعربية وإيجاد موضوعاتٍ جاهزة لرسائل طلابنا تجعلنا لا نستطيل الوقت ولا نستكثر الجهد ولا المال.
ويُمكن لهذا المشروع أنْ يقومَ ويظهر بأقلّ التكاليف حين يتبنّاه قسم اللغويّات أو أقسام اللغويّات؛ لأنّ مادّته ستكون ضمن ما يُطلب من الطّلّاب إعدادُه لنيل درجة الدّكتوراه، وكذلك أبحاث التّرقية لأعضاء هيئة التدريس، لمن يُريد ذلك، ويبقى فيه الجانب المحوسب، أعنى المدوّنة أو المنَصَّة الخاصّة به، ويمكن أن تكون ضمن مَنَصّة النِّتاج العلميّ للجامعة، أو يكون له مدوّنة خاصّة تُعدّها عِمادة تقنية المعلومات بالتّعاون مع كلّيّة اللغة العربيّة.
وفي الختام؛ أتقدّم بالشّكر لزملائي الذين أيّدوا الفكرة من حيث المبدأ كالدّكتور عبدالرّحمن بن عيسى الحازميّ والدّكتور ناجي بن محمدو حين والدّكتور إبراهيم سالم الصّاعديّ والدّكتور حسن بن عبدالمنعم العوفي، وأخصّ بالشّكر الوافر والامتنان الدكتور محمّد بن راجي الصّاعديّ، الذي واكب المشروع مُذْ كان فكرةً وحُلمًا طائشًا، وعايَشَ مراحل إعداده، وأفادني بملحوظاته واقتراحاته، ومنها اقتراحه الدّراسة التّحليليّة لكلّ جذر، فجزاه الله خيرًا.
 وأُقدِّم الشّكر لجميع زملائي في القسم الذين سيقرأون هذا المشروع، فيقبلونه أو يرفضونه، أو يُجرون عليه ما أنتظِرُهُ منهم من تحسينٍ وتهذيب.
وأختم بشكر معالي مدير الجامعة الدّكتور حسن بن حاتم المرزوقيّ على عنايتِهِ واهتمامِهِ فهو باعثُ التّطوير في الجامعة وراعيهِ والمعينُ عليه.
 وأسالُ اللهَ التوفيقَ والعَوْنَ، وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوكيل.
أ.د. عبدالرّزّاق بن فرّاج الصّاعديّ
رمضان 1438هـ الموافق يونيو 2017م
رسالة المشروع:
صناعةُ معجمٍ لغويٍّ شاملٍ حيٍّ بجهدٍ جماعيٍّ منظّم، يجمع أشتات اللغة القديمة المفرّقة في مصادر العربية ويهذّبها ويستدركُ ما فاتَها من فوائت قطعيّة من مصادر التّراث وفوائت ظنّيّة من لهجاتنا، ويساير الزَّمن برصد المولّد الجاري على سَنَن كلام العرب، ويُقدَّم المعجمُ لقرّاء العربيّة إلكترونيًّا وورقيًّا.
الجهة المنفّذة للمشروع:
قسم اللغويّات في كلّيّة اللغة العربيّة بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة.. ويُشاركه أقسام اللغة العربيّة في الجامعات السّعوديّة، بالتّعاون مع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز لخدمة اللغة العربيّة.
مواصفات المشروع:
معجم لغويٌ (إلكتروني/ ورقي) شامل يحوي ما وصل إلينا من اللغة العربيّة المدوّنة في المعاجم وفوائتها ويُعنَى بالمولّد والنّمو اللفظيّ على المستوى المعجميّ، يَصنعه طُلّاب الدّراسات العليا في مرحلة الدكتوراه بالجامعات السّعوديّة بمجموع رسائلهم فيه، ويُشرف عليه وعلى التّسجيل فيه وإدارة موقعه الشّبكي ويضع منهجه وخُطّته الزّمنيّة العامّة قسم اللغويّات في كلّيّة اللغة العربيّة بالجامعة الإسلاميّة.
أهداف المشروع:
من أبرز أهداف هذا المعجم الشّامل:
  1-      صناعةُ معجمٍ شاملٍ موثوقٍ به يجمع ما تفرّق من ألفاظ العربيّة في معاجمها القديمة والحديثة، ولم شتّاتها في معجم واحد.
  2-     البحثُ عن المستدركات أو الفوائت وجمعها من مظانّها المكتوبة أو الشّفويّة.
  3-    تهذيبُ مَتن اللغة من التّصحيف والتّحريف والأوهام.
  4-    رصدُ المولّد وتعزيز العنصر الحيّ النّامي في المعجم.
  5-     تحفيز الأقسام اللغويّة ودفعها للإسهام في جانبٍ لغويٍّ مهمّ وهو إثراء المحتوى اللغويّ وصناعة معجم بمجهود جماعيّ منظّم.
  6-     إتاحةُ المعجم على المدوّنة أو المنَصّة المخصّصة له على الشّبكة العنكبوتيّة ليستفيد منه القُرّاء ويُتاح لهم تدوين تعليقات في ذيل الجذور يُرجي أن تُعِين لجان المراجعة على التصويب والتهذيب.
  7-    العناية بالجانب الحيّ الناّمي للغة (المولّد بعد عصور الاحتجاج إلى اليوم) مع تمييزه من القديم والفوائت بنوعيها. وتمكين النظام الشبكي للمعجم من التحديث السنويّ، ليستوعب ما يجدّ من الألفاظ أو المعاني الجديدة، على غرار المعاجم العالميّة الحيّة كمعجم أكسفورد ومعجم ويبستر المباشر websters-online-dictionary.
  8-   إيجاد مسار بحثي لطلاب الدكتوراه، يَنتج عنه مشروع لغويّ (إلكتروني/ ورقيّ) ضخم ينتج عنه صناعة أكبر معجم في تاريخ العربيّة القديم والحديث.
  9-    إعداد طلاب قادرين على خوض غمار البحث المعجميّ الذي يحتاج إلى النَّفَس الطويل والمزيد من الصبر والدّقّة في الملاحظة، وتعزيز ملكة الملاحظة والنّقد والتّهذيب.

ضوابط المشروع وإجراءات التسجيل:
يُنشأ للمعجم مدوّنة أو موقع إلكتروني، ويُدار المحتوى اللغويّ والإجرائيّ بإشراف وحدة علميّة بقسم اللغويّات في كلّيّة اللغة العربيّة بالجامعة الإسلاميّة، تتولّى وضع الإجراءات الفنّيّة بالتّنسيق مع عمادة تقنية المعلومات لتنظيم خطوات التّسجيل لرسائل الطُّلّاب بعد موافقة المجالس العلميّة، وتتولّى إدخال المادّة المعجميّة في جذورها في المعجم الإلكتروني، وفق الإجراءات الآتية:
  1-     يتقدّم طالب الدكتوراه الرّاغب في إعداد رسالته ضمن المشروع، (من القسم أو من أي قسم مماثل آخر في المملكة) ويحدّد له عدد الجذور وأوّلها وآخرها، حسب الموضع الذي وصل إليه المعجم، وتسجل باسمه مبدئيًّا.
  2-     يُعطى الطّالب مهلة سِتّة أشهر بعد حجز الجذور، فإن لم يستطع تسجيل رسالته يلغى التّسجيل المبدئي وتعطى الجذور لغيره.
  3-    تقدر اللجنة العلميّة عدد الجذور لكلّ طالب بنحو أربعين جذرًا متوسّطًا (يحدد مقدار الجذر المتوسّط من قبل اللجنة ليكون معيارا يقاس عليه، ويكون اللسان أو التّاج مقياسا مستأنسا به، فيُحدّد للطّالب بعدد الصفحات فيه، فتزيد الجذور أو تنقص بناء على حجم المادة لا العدد وحده).
  4-    يلتزم الطالب بالخطّة الصّارمة ومواصفات الجذر، وفق المنهج الذي سيأتي ذكره مُفصّلا، ولا تجاز الرّسالة التي تخالف المنهج.
  5-    بعد الانتهاء من مناقشة الرّسالة وإجازتها يُرصد المتن اللغويّ للجذور التي أنجزها الطالب ويتاح للقُرّاء في المدوّنة، وفي نهاية كلّ جذر يُكتب اسم الطالب الذي أعدّ المادّة المعجميّة للجذر، ويستغنى عن قسم الدّراسة، ويمكن أخذ أبرز ما فيه ليكون ضمن المقدّمة العامّة للمعجم.
  6-    يُتاح لعضو هيئة التّدريس المشاركة في صناعة المعجم الشامل بغرض الاستفادة من ذلك في أبحاث الترقية لأستاذ مشارك أو أستاذ، ويقبل منه واحدة واحدة فقط في المرتبة الواحدة، على ألا يقلّ عدد الجذور عن خمسةَ عشرَ جذرًا من الجذور المتوسّطة أو ما يُعادلها، وتُعَدّ على ضوء المنهج المعتمد للمعجم وشروطه وضوابطه، وتأخذ طريقها إلى المنَصّة الإلكترونية للمعجم.
  7-    وتتاح فرصة المشاركة لصناعة المعجم لعامّة الباحثين اللغويين، بموافقة اللجنة العلميّة للمعجم، ولا يدخل المنَصّة الإلكترونية إلا ما يكون ملتزما بمنهج المعجم وشروطه وتجيزه اللجنة.
منهج إعداد المادة المعجميّة:
1-   جمع المادّة المعجميّة من جميع المعاجم القديمة ابتداء بالعين وانتهاء بالتّاج ويضاف إليها ما في المعاجم الحديثة، وتهذيب المادّة والاستدراك عليها، ورصد الموَلّد الذي تستوعبه مقاييس اللغة. ولا يُنَصّ على المصدر في المادة المعجمية المنقولة من المعاجم القديمة إلا عند الحاجة ولأغراض التّحقيق والتّرجيح، وأما ما يُستدرك من فوائت المعاجم والمولّد فيُنصّ على مصدره.
2-   بناء المعجم في التّرتيب الخارجي للجذور على نظام التّرتيب الأبتثي (الألف بائي) الذي سارت عليه المدرسة الثّالثة الشّائعة عند المعاصرين(10).
3-   يكون التّرتيب الدّاخلي للمشتقّات في الجذر على النّحو الآتي:
أولا: تُصنّف المادّة في الجذور خمسةَ أقسامٍ أو فروع، يُميّز كلّ منها برمزه الخاصّ عند رأس أوّل فقرة منه، ويُفصل بينها بثلاث نجمات ( *** ) والأقسام أو الفروع الخمسة هي:
·        يُبدأ الجذر بإيراد المادة المستقاة من المعاجم القديمة من العين إلى التاج، ولا يُرمز لها بشيء؛ لأنها الأصل.
·        يعقبها المادة المستدركة على نصوص المعاجم القديمة، وتنقسم قسمين: فوائت قطعية، ورمزها (فق) وفوائت ظنية، ورمزها (فظ).
·        ثم يُرصد المولّد بعد عصور الاحتجاج، ويشمل المحدث، ورمزه (مو) .
·        ثم المعرّب والدّخيل إن وُجِد في الجذر، ويُذكر في كلّ مادّة ما عرّبته مجامع اللغة العربيّة.
·        ويُختم الجذرُ بالمصطلح إن وُجد- ويُراد به المصطلح العلميّ دون التّوسع فيه، ورمزه (مص).

وتكون الأقسام الخمسة بهذا التّرتيب في كلّ جذر إن وُجدت مادّتها، وأمّا الأعلام والمعرّب فيكونان في ذيل الفرع الذي ينتميان إليه من الفروع الخمسة، وسيأتي الحديث عن الرموز .

ثانيا: تُصنّف المشتقّات على منهج المعجميّين المحدثين(11)، وهو:
-        تقديم الأفعال على الأسماء.
-        تقديم المجرد على المزيد.
-        تقديم المعنى الحِسّيّ على المعنى العقليّ، والحقيقيّ على المجازيّ، وذلك في المشتقّ (البناء) الواحد.
-        تقديم الفعل اللازم على المتعدّي

ثالثا: تُرتّب الأفعال على النّحو الأتي:
أ‌-      الثّلاثي المجرد:
فَعَل يفعُل كنَصَر ينصُر.
فَعَل يفعِل كضَرَب يضرِب.
فَعَل يفعَل كفَتَح يفتح.
فَعِل يفعَل كعَلِم يعلَم
فَعُل يفعُل كشَرُف يشرُف.
فَعِل يفعِل كحَسِب يحسِب.
ب‌-  الثّلاثي المزيد يرتّب ترتيبًا هجائيًّا على الوجه الآتي:
الثّلاثيّ المزيد بحرف:
أفعل، نحو: أكرم.
فاعل، نحو: شارك.
فعّل، نحو: كسّر.
فعلل، الملحق بالثلاثي، نحو قردد وجلبب.
فعلى، نحو سَلْقَى
فَعْنَل، نحو قَلْنس
فَعْوَل، نحو: هرول
فَعْيَل، نحو: شَرْيَف.
فَنْعَل، نحو: سنبل.
فَوْعَل، نحو: جورب.
فَيْعَل، نحو: سيطر.
الثّلاثيّ المزيد بحرفين:
افتعل، نحو: افترش.
افعلّ، نحو: احمرّ.
إفعلّ، نحو: إردبّ.
أُفْعُول، نحو: أُمْلود.
انفعل، نحو: انكسر.
تفاعل، نحو: تشاور.
تفعّل، نحو: تخرّج.
تفوعل، نحو: تجورب.
فعلعل؛ نحو: صمحمح
فعلول، نحو: حَلَكوك.
فعنعل، نحو: عقنقل.
فعنلى، نحو: حَبَنطى.
فعوعل، نحو: عثوثل.
فِعْيَول، نحو: عِذْيَوط.
نَفْوَعِل، نحو: نَخْوَرِش.
الثّلاثيّ المزيد بثلاثة أحرف:
استفعل، نحو: استخرج
افعالّ، نحو: احمارّ
افعنلى، نحو: اسلنقى
افعوعل، نحو: اعشوشب
افعوّل، نحو: اجلوّذ
افوعلّ، نحو: اكْوَهَدَّ
ت‌- الرّباعيّ، ويرتب على الصُّور الآتية:
             -  المجرد: نحو دحرج وجعفر (و يعامل الرّباعيّ المضاعف معاملة الرّباعيّ غير المضاعف، فيُوضع في جذر مستقلّ، كزلزل وكبكب، يُوضعان في: [ز ل ز ل] و[ك ب ك ب]
-  المزيد بحرف: تفعلل؛ نحو تدحرج.
- المزيد بحرفين:
افعللّ، نحو: ارجحنّ.
افعنلل، نحو: احرنجم.
ث‌- الخماسيّ:
المجرّد، ويليه المزيد، وهو نادر الزّوائد، كعضرفوط.

4-   تحليل المادّة في كلّ جذر: حجم المادّة في الجذر ومقدار ما أضافه الباحث.. ما في الجذر من مشتقّات.
5-   الإشارة لانفراداتِ المعجميين، وتوثيق الفوائت القطعيّة.
6-   ما يُنقل من غير المعاجم يجب ذكر مصدره ورقم الصّفحة، ويوضع بين معقوفين: [ ] وكذلك ما ينقل من معجم مما جاء في غير مادّته.
7-   يوضع الدّخيل في جذر مستقلّ يناسب نُطقه.
8-   تُحصي جذور الثّلاثيّ فيذكر المستعمل منها والمهمل (في القطعة المخصّصة له من المعجم) أي مما يقع بين أوّل جذر وآخر جذر مما خُصّص له من جذور.
9-   الرّأي أو التّرجيح أو الاختيار لكاتب الجذر يُصدّر بكلمة: أقول.
10-                    يُوضع الرّباعيّ المضاعف في جذر مستقل. وما كانت زيادته زيادةً لغويّة يعامل حرفه الزّايد معاملة الأصلي، نحو زُرْقُم ودِلْقِم ورَعْشَن،  في جذر رباعيّ [ز ر ق م] و[د ل ق م] و[ر ع ش ن]
11-                    عدم الإسراف في الرموز، وتعتمد الرّموز الآتية:
مو= مولّد، مب= معرّب، دخ= دخيل، فق= فوائت قطعية، فظ= فوائت ظنية، مص: مصطلح، مج=يعني أقره مجمع لغوي، ويلحق به مقرّ المجمع، فمثلا يقال: مج القاهرة، مج دمشق وهكذا. وتوضع هذه الرموز مفسرة في ذيل كل صفحة للتيسير على القارئ.
12-                    التّخفّف من الشّواهد بأنواعها، ويذكر منها ما تَمّسُّ له الحاجة، وعند تنوّعها ويُقدّم الشاهدُ القرآنيّ ثم الحديث ثم الشعر ثم أمثال العرب وأقوالهم.
13-                    حصر الجذور المستعملة والمهملة من الثّلاثيّ والاكتفاء بالمستعمل من الرّباعيّ والخماسيّ لصعوبة حصرهما ولعدم فائدته.
14-                    معالجة قصور التّعريف، وتجنّب التّعريف الدّوريّ، والتّعريف بكلمة: معروف ونحوها.
15-                    عند اختلاف عبارات المعجميّين في تفسير الكلمة يُختيار أدقّها وأوضحها، مع تجنّب التّطويل والحشو والتّكرار.
16-                     مع الفعل الثّلاثيّ المجرد تُذكر مصادره كلّها؛ لأنّ السّماع فيها غالب على القياس، ولا تذكر مصادر مزيد الثّلاثيّ والرّباعيّ والخماسيّ لاطرادها، ويُذكر ما شذّ منها، وهو قليل، مثل أَدْرَكَه دَرَكًا، وتَوَضّأ وُضُوءًا، وتَطَهّر طَهُورًا، وصَلَّى صَلاة.
17-                    دراسة ما وُجِد في بعض الجذور من الفوائت الظّنّيّة، والتحقق منها على ضوء شروط الفوائت الظّنّيّة اللازمة والمساعدة(12).
18-                    دراسة الظّواهر اللغويّة البارزة.
19-                    دراسة تداخل الأصول في الجذور المكلّف بها الباحث.
20-                    لا يُذكر النّسب القياسيّ، ويُذكر منه الشّاذ؛ كالصّنعانيّ في النّسبة إلى صنعاء والسِّجزي في النّسبة إلى سِجِسْتان، والدّاوردي في النسبة إلى دراب جرد (بلد بفارس). وينبّه على شذوذها.
21-                    تُذكر جموع التّكسير؛ لأن السّماع فيها غالب، ولا تذكر جموع السلامة.
22-                    يُقتصر في المبني للمجهول على ما نَصّت عليه المعاجم القديمة.
23-                    تذكر المعاني المجازيّة المهمّة، وتفريغ مجازات معجم أساس البلاغة في المعجم، لقدّمها وأهمّيتها.
24-                    في قسم الدراسة يبرز الباحث ما أضافة إلى المعجم العربي تهذيبًا وتصويبًا واستدراكًا.
مصادر المعجم الشامل:
            يجب على الطالب أن يرجع إلى كل المعاجم القديمة والحديثة وأن يفتش في مظانّ اللغة المتنوعة، ويمكن تصنيف المصادر التي يجب أن يستقى منها المادة المعجم لـ (معجم العربية الشامل) كما يأتي:
أولا: المصادر القديمة:
   أ -      معاجم الألفاظ، وأوّلها العين للخليل وآخرها التّاج للزَّبيديّ(13).
   ب‌- معاجم المعاني
   ت‌- معاجم الأبنية.
   ث‌- الرسائل اللغوية الصغيرة.
   ج‌-  معاجم غريب القرآن.
   ح‌-  معاجم غريب الحديث والآثار.
   خ‌-   كتب اللغة العامة، ومنها الكتب المتخصصة ككتب الإبدال والأضداد والمترادف والمشجّر والمسلسل ونحوها.
   د‌-     كتب التصويب اللغوي القديمة، كالفصيح وشروحه ودرة الغواص وشروحها ونحو ذلك، مع تحقيق ما يؤخذ به.
   ذ‌-     دواوين الشعر وكتب الأدب والتراجم.
   ر‌-    شروح دواوين الشعر.
   ز‌-    كتب التفسير والحديث:
   س‌-                       كتب التاريخ والبلدان.

   ش‌-                       ما صححته أو أجازته مجامع اللغة العربية (ويذكر في قسم المولد).

ص‌-                       المسموع من اللهجات البدويّة ممّا تحقّقت فيه شروط الفوائت الظّنّيّة، ومن مصادرها المكتوبة: معجم الأصول الفصيحة للألفاظ الدّراجة للعُبًوديّ، وكلمات قضت للعُبُوديّ أيضا، وفصيح العامي في شمال نجد لعبدالرحمن السويداء، وفوائت المعاجم للصّاعديّ، وإرشيف المادة اللهجيّة لمجمع اللغة الافتراضيّ(14) (وتُدوّن في المستدرك بوصفها فوائتَ ظنية).
ثانيا: المصادر الحديثة:
   أ‌-      المعاجم المعاصرة(15).
   ب‌-  كتب اللغة والأدب والثقافة.
   ت‌-  كتب التصويب الغوي الحديثة، مع تحقيق ما يؤخذ به.
   ث‌-  المدونات العربية.
اللجنة العلمة:
يكوّنها مجلس القسم وتُعنى بتجزئة الجذور وتسجيلها للرّاغبين من طُلّاب الدكتوراه وغيرهم من الرّاغبين في المشاركة من أعضاء هيئة التّدريس أو غيرهم. وفق ضوابط تضعها اللجنة ويُقرّها القسم.
اللجنة الفنّيّة:
يُكوّنها مجلس القسم، وتُعنَى بمتابعة مُدوّنة المعجم وإدارة محتواه، بالتّنسيق مع عمادة تقنية المعلومات.
إجراءات المجالس العلميّة:
يُعرض الموضوع أولا على مجلس القسم لاتخاذ التّوصية المناسبة وتحديد الأُطُر العامّة والشّروط والضّوابط للتّسجيل للرّاغبين من طُلّاب الدكتوراه في المشروع ثمّ تعرض التّوصية على مجلس الكلّيّة ثمّ مجلس الدّراسات العليا.
نماذج لمتن المعجم والدّراسة التّحليليّة
وهي الجذور : [ب ح ث] و[هـ ج س] و[غ ط ش] ومحتواها في معاجمنا مُتوسّط.
أولا: ثلاثة نماذج (جذور) للمتن المعجميّ(16)
[ب ح ث]
بَحَثَ التّرابَ يَبْحَثُه بَحْثاً: نبشه، وبَحَثَ فيه، وفي التّنزيل: ]فبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأَرْضِ[ وبَحَثَ عن الشّيء: فَتَّشَ عنه ونَقَّبَ، وبَحَثَ عن الخبر: استعلم عنه واستقصاه، قال حسّان بن ثابت (17):
ودعِ السؤالَ عن الأمورِ وبحثَها     فَلَرُبّ حــافِرِ حُفرَةٍ هُوَ يُصْرَعُ
وباحَثَه يُباحِثُه مُباحثة: حاوره وجادله وبيّن له مقصوده بالدّليل.
وبَحَّثَ عن الأشياء يُبحِّثُ تَبْحيثًا: فَتَّشَ عنها، فهو مُبَحِّثٌ.
وابْتَحَثَه وابْتَحَثَ عنهُ: بحث عَنهُ، وقال أبو الورقاءُ عُقبة بنُ مُليص المُقلَّديّ في هجاء جرير(18):
إنَّ الذَّي يَسْعى بِحُــرِّ بلادِنا   كمُبْتَحثٍ ناراً بكفٍّ يُثيرُها
وقال النّابغة الجعديّ(19):
وأَقْبِلْ على رَهْطِي ورَهْطِكَ نَبْتَحِثْ      مَساعيَنا حَتَّى ترى كيـفَ نَفْعَلا
وابْتَحَثَ الصّبيُّ: لَعِبَ بالتّراب فهو مُبْتَحِثٌ، وأنشد الأصعميُّ(20):
كأنَّ آثـارَ الظَّــرابِي تَنْتَـقِثْ
حَوْلَكَ بُقَّيْرَى الوَليدِ المبتَحِثْ
وفي بعض نسخ القاموس: «وانْبَحَثَ: لَعِبَ به» أي: بالتّراب. قال الشّارح في التّاج: هكذا في نسختنا بتقديم النّون على الموحدة، والصّواب: وابتحث، من باب الافتعال. قلت: ويبدو أنّه الصّواب كما في ديوان الأدب والتّهذيب والصّحاح والمحكم واللسان.

وتَباحَثَ الرّجلان تجادلا وتحاورا وتبادلا البَحْث، ويقال: تباحثَ القومُ الأخبار وتنابثوا الأسرار. وفي المثل: عَرِّضْ للكريم ولا تُبَاحِثْ؛ أي: لا تبيّن حاجتك له ولا تُصرّح؛ فإنّ التّعريض يَكْفيه.
وتَبَحَّثَه وتَبَحّثَ عنه بمَعْنى واحدٍ: بَحَثَ عنهُ وتَطَلّبه وفَتَّشَ عَنهُ.
واستَبْحَثَه واستبحث عنهُ: بحث عنه، كتَبَحَّثَه وتَبَحَّثَ عنه، وفلانٌ يَسْتَبِحثُ الأخبارَ؛ أي: يَستَنْشِئُها ويتتبّعُها.
والبَحْثُ: المعْدِنُ يُبْحَث فيه عن الذَّهَب والفِضَّة.
والبَحْثُ: الحَيَّةُ العظِيمةُ؛ لأَنّها تَبحَثُ التُّرَابَ. (وانظر: حفث).
والبَحْثُ: مصدر بَحَثَ، وهو باحِث وبحّاث وبحّاثة، وفي المثل: (كالباحِثِ عن الشَّفْرَة) وفي آخَرَ: (كباحِثَةٍ عن حَتْفِها بظِلْفِها) وذلك أنَّ شاةً بَحَثَتْ بظِلْفِها عن سِكِّينٍ في التُّرَاب، فذُبِحَت به؛ يُضْرب في الشّيء طلب فيُؤَدِّي بصاحِبِهِ إلى التّلف.
وبَحَّاثٌ اسْم رجلٍ من الصّحابَةِ.
والبُحاثة كسُلافَةٍ: التُّرَاب الَّذِي يبْحَث فِيهِ عَن الشَّيْء.
والبُحْثة: لُعبة للصّبيان، وهي أَن يُخفي أحدُهم شيئًا في التُّرَاب ثمَّ يبحث عنهُ وجاء في الحديث: (أَنّ غُلامَيْن كانا يَلعَبانِ البُحْثَةَ) والجمع: بُحَثٌ، واختلفوا في ضبط باء البُحْثة، فهي بالفتح في الفائق والنّهاية وتكملة الصّغاني والقاموس (ضبط حركة لا ضبط حرف) وضبطه ابن معصوم باللفظ ونَظَّرَه في الطّراز الأوّل بـ (هَضْبة)، وجاءت بضمّ الباء في التّهذيب واللسان، وقال الزّبيديّ في التّاج: ووَجَدْتُه في بعض الأُمهات مضبوطاً بالقلم مضمومَ الأَول. قلت: ولعلّه الأرجح، إذ يُناظره في معناه: البُحاثة والبُحَّيْثَى، وهما بالضّم كما سيأتي.
ولَعِب بالبُحَاثةِ بالضمّ- أَي: التُّراب الَذي يُبْحَث عمّا يُطلَب فيه.
والبَحُوث من الإبل والدَّوابّ التي تبحث التُّراب بأرجلها وتثيره وراءَها.
والبُحُوث -جمع بَحْث اسم لسورة براءة، لما فيها من البَحْثِ عن المنافقينَ وكشفِ أسرارهم، ولذلك سُمِّيَت المُبَعْثرَة والحافرة؛ لأنّها حفرت عن قُلُوب المنافقين. واختلفوا في حركة بالباء، فهي بالضّم (البُحُوث) في أغلب المصادر، كالدلائل لثابت وغريب الحديث للخَطّابي والنّهاية لابن الأثير واللسان والتّاج، وجاءت بالفتح (البَحوث) في بعض المصادر، كالفائق للزّمخشريّ والقاموس والطّراز الأوّل، قال ابن الأثير: في حديث المِقداد: قال أبَتْ علينا سُورَةُ البُحُوث انفِرُوا خِفافاً وثِقالًا، يعني سُورَةَ التَّوْبَة، سُمِّيَت بها لما تضمَّنتْ منَ البَحث عن أَسرار المنافِقينَ، وهو إثارَتُها والتَّفتيش عنها؛ قال: والبُحُوث جمع بَحْث، قال: ورأيتُ فِي الفَائِقِ سُورَةَ البَحُوث بِفَتْحِ البَاء، فإِنْ صَحَّتْ فهي فَعُول من أبنية المُبالَغَة، ويَقَعُ على الذَّكر والأُنْثَى كامرَأَةٍ صَبُورٍ، ويَكُونُ من بابِ إِضافةِ المَوْصُوف، ورآها صاحب التّاج بالفتح في نسخته من القاموس، ورجّح الضّم. أقول: لا أقطع بتخطئة أحدهما، إذ يصحّ الوجهان لغة فيهما، ولعلّها رُوِيتْ بهما.
البَحِيث على وزن أمير: السِّرّ، ومنه المثل: (بدا بَحِيثُهم) أي سِرُّهم.
والمبْحَث: البَحْثُ ومكانه، الجمع مَباحث. ومَباحث البَقَر: المكان القَفْر أو المكان المجهول، ومنه المثل: (تركته بمباحث البقر) أي: حيث لا يُدْرَى أين هو، ويُستعار لمن في نَسبه خَلْطٌ ومَغْمَزٌ، فيقال: في نَسَبِهِ مَباحثُ.
والمباحثة: المفاتشة.
والباحِثاءُ بالمدّ: من جِحَرةِ اليَرابِيع؛ وتُرابٌ يُخَيَّل إليك أنّه القاصِعاءُ وليس بها. والجميعُ باحِثاواتٌ.
والبُحَّيْثَى مثالُ خُلَّيْطَى وسُمَّيْهَى: لعبةٌ يلعبون بها بالتُّرابِ.
***
(فظ): البُحَيثة: الفَحِث، وهي مَعِدةُ الحَيوان؛ طبقاتٌ عديدة وجيوب لطَحن النّبات، يضرب بها المثل لكثرة الجيوب. مسموعة في بعض لهجات القبائل الحجازية بين الحرمين ووادي الصفراء، ومسموعة في نجد والعالية، ومن المسموع منها في وادي الصفراء غرب المدينة المنورة أنّ الأمّ حين تميز بين ولديها وتفاضل بينهما تقول: هذا ولد الكُبيدة (أفضلهما) وهذا ولد البُحيثة (أسوأهما). وفي منطقة الجوف نجد الاسمين البُحيثة والفُحيثة. وبعضهم في نجد يقلبها قلبا مكانيا ويُشدّد الياء تشبيها بياء النّسب، فيقول: البحْثِيّة. ولم تذكر المعاجم البُحَيثة وكذلك الفُحَيثة، إلا أن ابن التَّسْتري ذكر : الفُحيثة، إذ قال: «الفَحْث: أنثى، تصغيرها فُحَيثة، وهي معلّقة لكلّ ذي كَرِش، ذات أطباق كثيرة، يجتمع فيها الفَرث وهو الزِّبْل»(21)، والمعاقبة بين الفاء والباء ظاهرة بينهما، وهي في بحث وفحث قديمة، والفحث لغة في البَحْث يقال: فَحَث عن الخبر فحثا؛ أي: بحث عنه وفحصت (كما في المحكم)، وبحث في الأرض وفحث. ولعل الباء هي الأصل؛ لأن البحث أكثر استعمالا، فربما كانت البُحيثة هي الأصل، والفحيثة التي ذكرها ابن التستري مبدلة منها. ينظر: معجم الفوائت الظنية.
***
(مو) البَحْث: عمل عِلميّ يُبْنَى على منهج معين ليفضي إلى نتائج، تقليدٌ علميٌّ مولّدٌ شائعٌ في أروقة الجامعات، وهو عُرفًا- إثبات نسبة إيجابيّة أو سلبيّة بين شيئين على طريق الاستدلال، وجمعه بُحُوث وأَبْحاث.
والبَحْثُ الميدانيّ: دراسة تستقصي الموضوع في بيئته.
وآداب البَحْث والمناظرة: صناعةٌ نظريةٌ يُستفاد منها كيفية المناظرة وشرائطها، صيانةً عن الخطأ وإلزامًا للخصم وإفحامه.
والشّيء معروض على بساط البحث: معروض للمناقشة والتّفكير، والأمر على طاولة البحث: قابل للنِّقاش. وهو تحت البحث، وقيد البحث، ومحلّ البحث: تجري دراسته، ولم يُتَّخذ بشأنه قرار نهائيّ. وقُتِل الموضوعُ بحثًا : إذا دُرس من كلّ جوانبه ولم يبق فيه ما يضاف إليه. وحَلْقة بَحْثٍ: مجموعة صغيرة من الباحثين ينخرطون في حوار علميّ مكثّف لتقديم دراسة أو توصية علميّة.
ومناهج البَحْثُ: مناهج خاصّة للدراسة العلوم، درجت عليها فئات التخصص في أروقة الجامعات.
والمبْحَث: فرع من البحث، في عرف الباحثين، والجمع مباحث.
ومَبْحَث العِلّة الغائيّة: مصطلح عند الفلاسفة.
والمباحث: جهازُ أمْنٍ سرّيّ عسكريّ داخليّ للدولة، ويسمى: مباحث أمن الدولة. والمباحث الجنائية: جهاز مسؤول عن منع الجرائم والكشف عنها.
ومُباحَثة وجمعها مُباحثات، مصدر باحَثَ: مُداولة، وتفاوض وتبادُل رأيٍ تمهيدًا للاتّفاق على أمر.  
بَحَثِيٌّ: ناقد. نقله دوزي.
بحّاث: فاحص، محقق، مستقص. نقله دوزي.
المِبْحَثة: البحث والتحقيق ج مباحث. كذا في معجم محيط المحيط، ولم أجدها في غيره، وأحسبها مولّدة.
الباحوث: اسم عائلة في جزيرة العرب.
(يكتب اسم الباحث الذي أعدّ الجذر)
[هـ ج س]
هَجَسَ الأَمرُ في صَدرِهِ يَهْجِسُ هَجْسًا: خَطَر ببالِهِ ووَقَع في خَلَدِه، ومنه حَدِيث قَباث: وما هو إلّا شَيءٌ هَجَسَ في نفسي، ومنه الحديث: وما يَهْجِسُ في الضَّمَائِر؛ أي: يَخطِرُ بها، ويَدُورُ فيها من الأَحادِيث والأفكار والهموم. 
وهَجَسَه عن الأمر رَدَّهُ عنه وعاقه.
هاجَسَه يُهاجسه: سارَّهُ.
انْهَجَسَ: مطاوع هَجَسَ، يقال: هَجَسَه عن الشيء فانهَجَسَ عنه؛ أَي: رَدَّه عنه فارْتَدّ.
تَهاجَسا: تَسارّا.
تَهَجَّسَ الخُبْزُ: ظَلَّ فطيرًا لم يختمر عجينُه.
الهَجْسُ: النّبأةُ والصَّوْت الخَفيّ يُسمع ولا يُفهم، وكلّ ما يَدُور في النَّفس من الأحاديث والأفكار مثل الوَسْوَاس، قال الشّاعر(22):
فطَأْطَأَتِ النَّعامةُ من بعيدٍ     وقد وقَّرْتُ هاجسَها وهَجْسي
والهَجْسُ: الظَّن. والهَجْسُ الحركة الخفيّة، قال طَرَفَة بن العَبْد يَصِفُ ناقَتَهُ(23):
وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرى     لِهَجْسٍ خَفيٍّ أو لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الهاجِس: الخاطر بالبال والهَمُّ، صِفَةٌ غَالِبَةٌ غَلَبَةَ الأَسماءِ، والجَمْعُ الهَوَاجِسُ. قال ذو الرمة(24):
وتَهْجِـيْرَ قَذّافٍ بأجْـرامِ نَفْسِهِ      على الهَوْلِ لاحَتْهُ الهُمُوْمُ الهَوَاجِسُ
والهاجسات مثله، قال مُهلهل بن ربيعه(25):
أنّ في الصَّدْرِ من كُلَيْبٍ شُجُونا      هاجِسَاتٍ نَكَأْنَ مِنهُ الجَراحا
المَهْجُوس يُقَال وَقَعُوا في مَهْجُوسٍ من الأَمر؛ أي: في ارتباك واختلاط وعَماء منه. قال صاحب التّاج: والّذي في نصِّ ابن الأعرابيّ: وقعوا في مَهْجُوسَةٍ، وقال غيرُه: في مَرْجُوسَةٍ، وهو الأَعْرَفُ.
والهَجَّاس ككَتّان: الأسَدُ المُتَسَمِّعُ، وقال الشاعر الهُذَليِّ يصف الأسَد(26):
يَحْمي الصَّريْمَةَ أُحْدَانُ الرِّجالِ له     صَيْدٌ ومُسْتَمِعٌ باللَّيْلِ هَجّاسُ
 وهَجَّاس: اسم رجل جاهليّ.
الهَجِيسة: والغَرِيضُ من اللَّبَنِ في السِّقاءِ، وهو أوّل ما يتغيّر، كالخامِطُ والسّامِطُ، رواه الأزهريّ عن أبي زيد في النّوادر، وشَكّ فيه، وقال: والّذي أَعرِفه في الألبان بهذا المَعنى الهَجِيمة، ولا أدرِي الهَجِيسة لُغَة بمعناها أَو صَحَّفه الكاتِب! ورواها بالسّين الخَطّابيّ في غريب الحديث والهروي في الغريبين والأصفهاني في المجموع المغيث. وصحّحها الزمخشريّ في الفائق والصغاني في التّكملة والعُباب بحديث عمر -رضي الله عنه- وفيه: أنَّ السّائبَ بن الأقْرَع قال: حَضَرْتُ طَعامَهُ فَدَعا بلَحْمٍ غَليظٍ وخُبْزٍ مُتَهَجِّسٍ، أي فَطِيْرٍ لم يَخْتَمِر عَجِيْنُه، قالا: وأصْلُه من الهَجِيسة، وزاد الصغاني: ثمَّ اسْتُعْمل في غيره.
المُتَهَجِّس: يُقَال: خُبْزٌ مُتَهَجِّسٌ: فَطيرٌ لم يَخْتَمِرْ عَجينُهُ.. وروى حَمَّاد بنُ سَلمة عَن عَطاء عن السَّائِب ابن الأَقْرَع قَالَ: حضرتُ طعامَ عُمرَ فَدَعَا بلَحْمٍ غليظ وخُبز مُتَهجِّس. قال ابن الأثير في النّهاية: ورَواهُ بعضُهم بالشِّينِ، وهو غَلَط.
والهُجَيْسِيُّ - مثال نُمَيْرِيٍّ مصغّرًا-: اسم فَرَسٌ كانَ لِبَني تَغْلِب، قال أَبو عُبَيدة: هو ابن زادِ الرَّكْبِ. قال الزَّبيديّ في التّاج: قلت: وزَادُ الرَّكْبِ: فَرَسُ الأَزْدِ.
***
(فظ) هَوْجَس الرّجلُ يُهَوْجِس، إذا اسْتَغْرَقَ في التّفكير وانشغل بالُهُ بأمرٍ ما، والمصدر الهَوْجَسة، والاسم الهاجُوس والهَوْجاس والجمع هَواجيس. وهذا الفعل والاسمان من الألفاظ الشّائعة المسموعة في عموم قبائل الحجاز وتهامة الحرمين وتهامة عسير والسّراة ونجد وشمال الجزيرة وشرقها وهي من الألفاظ الشّاعرية في شعرهم الشّعبي، وثلاثتهنّ من أبنية العربية، وتحققت فيها شروط الفوائت الظّنّيّة، ومعيار رابع مرجّع، وهو معيار «اللغات المهاجرة» [ينظر: فوائت المعاجم 2/813، 814]
***
(مو) الهُجَاس: حالة مَرَضيّة تتّصف بالمبالغة في القَلَق بشأن الصِّحّة والتَّفسيرات المتشائمة لأعراض مرضيّة تصيب بعض أعضاء الجسم أو وظائفه. انظر: معجم اللغة العربيّة المعاصرة.
(يكتب اسم الباحث الذي أعدّ الجذر)


 [غ ط ش]

غَطَشَ اللَّيْلُ يَغْطِشُ غَطَشًا، فهو غاطِش: أَظْلَمَ. وغَطَش فلانٌ غَطْشًا وغَطَشانًا: مشى رُويدا من مَرَض أو كِبَر.
وغَطِشَ الرجلُ يغطَش غَطَشا: كانَ بعينه غَطَشٌ، كأنْ ينظر ببعضها.
وأغْطَشَ الليلُ: أظلم، وأغْطَشَهُ اللهُ: أظلمه، لازم ومتعدّ، وفي التَّنزيل: }وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها{ وأغطش الْقَوْم: دخلُوا فِي الظلام.
وتغاطشَ عنه: تغافل، وتعامى فهو مُتغاطش.
وغَطِّشْ لي شَيْئا حَتَّى أذكُرَ، أَي: افْتَحْ لي وجهًا، وغطِّشْ لي ووَطِّشْ لي: هيّئ لي وجهًا العمل والرّأي والكلام.
وتغَطَّشَتْ عينُهُ: أظلمت وضعف بصرها.
واغْطاشَّ البَصَرُ، كاحْمارَّ: مِثْلُ غَطِشَ.
والغَطْشُ: السَّدَفُ: يقالُ: أَتَيْتُه غَطْشاً.
الغَطَشُ: السَدَفُ، يُقَالُ: أتيتُهُ غَطَشاً، والغَطَش في العين: شِبه العَمَش، يقال: في عينه غَطَشٌ، وهو أغطش وهي غطشاء وغطشى وغَطِشة، والجمع: غُطْش وغَطِشات. وقال أبو تُرابٍ: الغَطَشُ والغَبَشُ واحِدٌ.
ورجل غَطِش، بَيِّن الغَطَشِ.
وفلاةٌ غَطْشاء وغَطْشَى: مُظلمة، غَمَّة المَسَالِك، لا يُهْتَدَي فيها، وقال الأَصمَعيّ في باب الفَلَوَات: الأرضُ اليَهْماءُ: الّتى لا يُهْتَدى فيها لطَرِيقٍ، والغَطْشَى مِثْلُه. قال الأعشى(27):
ويهماءَ بِاللَّيْلِ غطشى الفلا      ةِ يؤنِسُني صـــوتُ فَيـادها
والغُطاش: ظُلمة اللَّيْل واختلاطه.
ولَيْلٌ غَاطِشٌ وأغْطَشُ: أي مظلم مُطْلَخِمٌّ.
وفلاة غَطْشاء، وغَطِيش: لا يُهتدي فيها لطريق.
ومياهٌ غُطَيْش: مِن أسْمَاءِ السراب، عن ابن الأَعرابِي قال أبو عليّ: وهو تَصْغير الأغطش، تَصْغِير تَّرْخِيم، وذلك لأنّ شدَّة الحر تَسْمَدِرُّ فيه الأبصارُ فيكون كالظّلمة، ونَظِيره: صَكْةُ عُمَىّ.
والتَّغْطِيشُ: المُظْلِمُ، وَصْفٌ بالمصدر، قال رُوْبَةُ يَصِفُ كِبَرَهُ(28):
أَرْمِيـهِمُ بالنَّـظَرِ التَّغْطِيشِ
 وهَزِّ رَأْسِى رَعْشَةَ التَّرْعِيشِ
والمُغَطِّش: اسم رجل.
***
(فق) اغْطَوْطَشَ فعلٌ على وزن افْعَوْعَلَ وَرَد في شِعر قَيس بن الملوَّح العامريّ في قوله(29):
وما اغْطَوْطَشَ الغِرْبِيبُ واسوَدَّ لونُهُ     وما مَرّ طُولَ الدَّهْرِ ذِكْرُكِ في صدري
أي: ما أغطش الغرابُ الأسودُ واشتدَّ سواده. واشتقاقه من قولهم: غَطَشَ الليلُ فهو غاطش؛ أي مظلم، وفلاة غطشى: لا يُهتدى لها.
***
(مو) ليس في الجذر مولّدات صالحة.
(مص) ليس في الجذر  مصطلحات.

(يكتب اسم الباحث الذي أعد الجذر)






ثانيًا: قسم الدراسة (دراسة الجذور)(30):

الدراسة التّحليليّة للجذر [ب ح ث]
(ملاحظة: تُدرس جميع الجذور المخصصة للباحث دراسة شاملة في القسم الأوّل من الرّسالة على عادة الدّراسات في تحقيق النّصوص، ويكون القسم الثّاني المتن اللغويّ للجذور المخصصة للطالب، وإنْ رأى قسم اللغويات أن يُقرّ ما فعلتُه هنا أعني تأخير الدراسة عن متن المعجم- فهو وَجْهٌ حسن).
أ‌- المعنى العامّ للجذر: تدور دلالة الجذر [ب ح ث] على معنى واحد، وهو التّنقيب الحِسّيّ بالحفر والنّبش وطلب الشّيء، قال ابن فارس: «الباء والحاء والثّاء أصلٌ واحد، يدلّ على إثارة الشّيء»(31).
ب- تقليبات الجذر من حيث الاستعمال والإهمال:
المستعمل من تقليباته جذران، هما: ب ح ث/ ح ب ث.
المهمل من تقليباته أربعة جذور، وهي: ب ث ح/ ح ث ب/ ث ب ح/ ث ح ب.
ت- تحليل مادّة الجذر:
بحث جذر صغير في معاجم العربية، ومادته شبه مكررة في المعاجم القديمة، وأوسعها ما في التاج، والمستعمل من مشتقات هذا الجذر بناء على ما في المعاجم القديمة:

أولا: أبنية الأفعال:
بحث (فعل)، وبَحّث (فعّل) وباحث (فاعَلَ) وابتحث (افتعل) وتبحّث (تفعّل) وتباحث (تفاعل) واستبحث (استفعل).

ثانيًا: أبنية الأسماء: 
البَحْث) (فَعْل) وباحث (فاعل) وبحّاث (فعّال) وبحّاثة (فعّالة) ومبحث (مَفْعَل) والبُحاثة (فُعالة) والبَحوث (فَعُول) والبُحُوث (فُعُول) وأبحاث (أفعال) والبُحَّيْثَى (فُعَّيلَى) والبَحيث (فعيل) والمبتحِث (مُفتعِل) والمباحثة (مُفاعلة) والباحِثاء (فاعِلاء)
ث-   مستدركاته:
فائت ظنّيّ: البُحَيْثة (فُعَيْلة) مسموعة في عدد من البيئات والقبائل في جزيرة العرب وتحقّقت فيها شروط الفوائت الظّنّيّة.

ج-  مُوّلدات الجذر:
جاء فيه من المولّدات: البحث (فَعْل) والمبحث (مَفْعَل) والمَباحث (مفاعل) والباحوث (فاعول) المبحثة (مفعلة) وانفرد بها البستانيّ في محيط المحيط.
فيه من الأسماء: بَحَّاثٌ اسْم رجلٍ من الصّحابَةِ، والباحوث اسم عائلة مولّد معاصر.
ليس فيه مُعرّب ولا دخيل.

ح-       التّصويب والتّحقيق:
جاء في جذر (ب ح ث) ثلاث كلمات وَرَدَ من كلٍّ منها صورتان:
الأولى: البُحُوث والبَحُوث، قالوا: سورة البُحُوث، بضم الباء جمع بحث- وجاء ذلك في الدّلائل في غريب الحديث لثابت وغريب الحديث للخطابي والنّهاية لابن الأثير واللسان والتاج، وجاءت بالفتح (البَحوث) في بعض المصادر، كالتّهذيب والفائق للزّمخشريّ والقاموس والطِّراز الأوّل، وروى ابن الأثير: حديث المِقداد «قال أبَتْ علينا سُورَةُ البُحُوث انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا». وذكر أنّ المراد سُورة التَّوبة، وأنها سُمِّيت بها لما تضمَّنت من البحث عن أسرار المنافقين، وهو إثارتُها والتّفتيش عنها. وأنّ البُحُوث جمع بَحْث. وقال: رأيتُ في الفائق: (سُورَةَ البَحُوث) بفتح الباء، فإنْ صَحَّتْ فهي فَعُول من أبنية المبالغة، ويقع على الذَّكر والأُنثى كامرأةٍ صَبُور، ويكون من باب إضافة الموصوف إلى الصِّفة.
وقال صاحب التّاج: «ومثله في نسختنا»، ثم نقل تعليل ابن الأثير في الفائق، وذكر أنّه رآها بالفتح في نسخته من القاموس، ورَجَّحَ الضّمّ. وأقول: لا يُقطع بتخطئة أحدهما، إذ يصح الوجهان لغة فيهما، ولعلّها رُوِيَتْ بهما.

الثانية: ورد في بعض نسخ القاموس: «وانْبَحَثَ: لَعِبَ به» أي: بالتّراب، على صيغة انْفَعَلَ، قال شارح القاموس في التّاج: هكذا في نسختنا بتقديم النّون على الموحّدة، والصّواب: وابْتَحَثْ، من باب الافتعال، وكذلك جاءت (انْبَحَثَ) في بعض نسخ الطِّراز الأوّل وفي مطبوعته: ابْتَحَثَ.
وقال الشِّدياق في الجاسوس بعد أنْ نقل كلام صاحب التّاج: «وفي النّسخه النّاصريّة: ابْتَحَثَ على افْتَعَلَ، وفي كثير من النّسخ: انْبَحَثَ، وكذلك قوله بعده: وابْتَحَثَ: لَعِبَ به، هو في النّسخة المذكورة على افْتَعَلَ، فالمصنف بَرِيءٌ من هذا التّحريف، ولكن كان عليه أن يصرّح بتعدية بَحَثَ وابْتَحَثَ بنفسه»(32).
وسبب اضطراب النسخ تقارب الرسم والصيغتين (ابْتَحَثَ) و(انْبَحَثَ) والصحيح (ابْتَعَثَ) لتعديته في الرّوايات، بخلاف انْفَعَلَ فهو موضوع لبابِ المطاوعة، كصَدَعْتُ الجدار فانْصَدَعَ، ولا يكون إلا لازمًا، وأمّا افْتَعَلَ فيأتي لاتخاذ الفاعل لنفسه ما يدلّ عليه أصل الفعل، فقولهم: ابْتَحَثَ الصّبيّ عن الشّيء أو ابْتَحَثَ بالتّراب، أي لعب به، أو اتّخذه للعب، ويتعدّى (افْتَعَلَ) بنفسيه أو بالحرف، فجاء منه هنا: بحثتُ عن الشيء وابْتَحَثْتُ عنه؛ أي: فتَّشتُ عنه، وقالوا: اسْتَبْحَثْتُ وابْتَحَثْتُ وتبحّثتُ، وجاء في التّهذيب: «افتحَثْتُ ما عند فُلاَنٍ وابْتَحَثتُ بمعنى واحد»، وقد جاء (ابْتَحَثَ) على الوجه الصّحيح في أكثر المعاجم، كديوان الأدب والتّهذيب والصّحاح وتكملة الصّغاني والمحكم والمخصّص ومختار الصّحاح واللسان والتّاج.

الثّالثة: البُحْثة: لعبة للصِّبيان، وهي أَن يخفي أحدهم شَيْئًا في التُّرَاب ثمَّ يبحث عنهُ وجاءَ في الحَديث: (أَنَّ غُلامَيْن كانا يَلعَبانِ البُحْثَةَ) والجمع: بُحَثٌ، واختلفوا في ضبط باء البُحْثة، فهي بالفتح -مضبوطة ضبط قلم- في الغريبين والفائق والنّهاية وتكملة الصَّغاني والقاموس، وضَبَطه ابن معصوم باللفظ، ونَظَّرَه ابن معصوم في الطِّراز الأول بـ (هَضْبة)، وجاءت بضمّ الباء في التهذيب واللسان، وقال الزّبيديّ في التّاج: ووجدْتُه في بعض الأُمهات مضبوطاً بالقلم مضمومَ الأَوّل. قلت: ولعلّه الأرجح، إذ يناظره في معناه: البُحاثة والبُحَّيْثَى، وهما بالضّمّ كما سيأتي.

خ‌-       انفرد معجم مُحيط المحيط للبُستانيّ بهذه الكلمة: «المَبْحِثة: البَحْث والتّحقيق ج مباحث» ولم أقف على مصدرٍ لها، ولعلّها مولدة.
د‌-        جاءت مادّة الجذر شاملة لما اعند مقارنة ما جاء في هذا الجذر بأكبر المعاجم العربيّة على الإطلاق (المعجم الكبير) نجد.

الدّراسة التّحليليّة للجذر [هـ ج س]:
أ‌-      المعنى العام للجذر: تدور دلالة الجذر [هـ ج س] على معنى واحد، وهو الخاطر والنّبأ الخفيّ.
ب‌-  تقليبات الجذر من حيث الاستعمال والإهمال:
المستعمل من تقليباته ثلاثة جذور، وهي: هـ ج س/ س هـ ج/ ج هـ  س.
المهمل من تقليباته ثلاثة جذور، وهي: هـ س ج/ س ج هـ/ ج س هـ.
ت‌- تحليل مادّة الجذر:
هذا الجذر من الجذور المتوسّطة الأقرب إلى القِصَر:
1-     فيه من أبنية الأفعال ما يأتي:  (فَعَلَ) يتعدّى بنفسه ويتعدّى بحرف الجرّ، ومضارعه (يفعِل) و(فاعل) هاجَسَ، و(انفعل)  انهجس، (وتفاعل) تهاجَس، و(تفعّل) تهجّس.
2-     وجاء فيه من الأسماء: (فَعْل) الهَجْسُ، مصدرًا، واسمًا، وجمعه (فواعل) هواجس، واسم (المفعول) مهجوس، و(فعّال) وهَجّاس، و(فَعِيلة) هَجِيسة، واسم الفاعل (متَهَجِّس) والتّصغير المنسوب: (هُجَيْسِيُّ)
ث‌- مستدركات الجذر: فيه من الفوائت الظّنّيّة: (فوعل) هَوْجَس، ومصدره الهَوْجَسة، والاسم (فاعول) الهاجُوس، و(فَوعال) الهَوْجاس والجمع هَواجيس.
ج‌-  مولّدات الجذر: فيه من المولّد: (فُعال) الهُجاس، وهو أقرب إلى المصطلحات الطّبّيّة.
ح‌-  التّصويب والتّحقيق:
وَرَدَ في هذا الجذر: الهَجِيسة، على وزن (فَعِيلة) وهي الغَرِيضُ من اللَّبَن في السِّقاءِ، وهو أوّل ما يتغيّر منه، كالخامِطُ والسّامِطُ. رواها الأزهريّ عن أبي زيد في النّوادر وتشكّك فيها، قال: والّذي أعرفه في الألبان بهذا المعنى الهَجِيمة، ولا أدري الهَجِيسة لُغَة بمعناها أو صَحَّفه الكاتِب!.
وتحقيق ذلك يقودُنا إلى الحديث عن (الهَجِيمة) وهي عربيّة ثابتة عنهم، رَوَتْها مصادر اللغة القديمة، قالوا: الهَجِيمةُ من اللَّبَنِ: الثَّخِينُ قبل أنْ يُمْخَض، وممّن رواها أبو عبيد القاسم بن سلّام في الغريب المصنّف2/ 473 عن أبي الجرّاح وأبي زيادٍ الكلابيّ والكسائيّ، ورواها أبو عمرو الشّيبانيّ في الجيم 3/ 322 قال: «الهَجِيمة من اللَّبن تحقُنه في السّقاءِ الجديد ثمّ تشربه ولا تَمْخَضه»، ورواها عنه ابن السّكّيت في إصلاح المنطق(33)، وكراع في المنتخب(34)، والفارابي في ديوان الأدب(35)، فهل (الهجيسة) محرّفة منها؟ الظاهر أنها عربية صحيحة مرادفة للهجيمة وليست محرفة منها، لأمرين:
 الأول: ورودها في رواية عدد من اللغويين الثقات كأبي زيد (ينظر: تهذيب اللغة وينظر: غريب الحديث للخطابي(36)، ورواها الصاحب بن عبّاد(37)، والزمخشري(38)، وابن الجوزي(39)، وأبي موسى الأصفهاني في والمجموع المغيث(40)، والصغاني (التكملة(41)، والعباب(42)، وابن منظور(43)، والفيروزي(44).
والثاني: ورود معناها في لفظ آخر، وهو الخبز المتهجّس، وبهذا صحّحها الزمخشري، قال عَقِيب إيراده رواية السائب بن الأقرع من قول عمر رضي الله عنه «حضرتُ طعامَه فدعا بلحم غليظ، وخبز مُتَهجِّس»: «أي الفطير، من الهجيسة، وهي الغريض من اللبن»(45)، ومثله قول الصغاني عقيب إيراده رواية أبي زيد في الهجيسة: «والّذِي يدلّ على صحّة قول أبي زيد حديثُ عمرَ - رضي الله عنه - أنَّ السائبَ بن الأقْرع قال: حضرتُ طعامَه فدعا بلحم غليظ، وخبز مُتَهجِّس، أي فَطِيرٍ لم يَخْتَمِرْ عجينُه؛ أصله من الهَجِيسة، ثمّ استُعْمِل في غيره»(46)، ومثله في العباب(47)، وورد هذا الحديث في عدد من كتب غريب الحديث(48).
والذي يظهر بعد هذا أنّ الهَجِيسة والهَجِيمة من المترادفات، ولا عِبرة بتشكُّك الأزهريّ -رحمه الله-إذ رواها جَمعٌ من علماء اللغة، وصحّحها الزّمخشريّ والصّغانيّ، وروى تصحيحه ابن منظور والزَّبيديّ، ومن سَمِعَ أو رَوَى حُجّة على من لم يسمع أو يَرْوِ.

الدّراسة التّحليليّة للجذر [غ ط ش]
أ‌-      المعنى العام للجذر: تدور دلالة الجذر [غ ط ش] على معنى واحد، وهو إظلام خفيف وضعف في الرُّؤية، وقال ابن فارس: «الغين والطّاء والشّين أصلُ واحد صحيح، يدلّ على ظُلمة وما أشبهها»(49).
ب‌-  تقليبات الجذر من حيث الاستعمال والإهمال:
المستعمل من تقليباته جذر واحد، وهو: غ ط ش
المهمل من تقليباته خمسة جذور، وهي: غ ش ط/ ط غ ش/ ط ش غ/ ش غ ط/ ش ط غ.
ت- تحليل مادّة الجذر:
هذا الجذر من الجذور المتوسّطة الأقرب إلى القِصر:
1- فيه من أبنية الأفعال ما يأتي: (فَعَلَ/ يفعِل) غَطَشَ يغطِش، و(فَعِلَ/ يفعَل) غَطِشَ/ يغطَش، و(أفْعَل) أغْطَشَ، و(فَعَّلَ) غَطَّشَ، و(تَفاعَلَ) تغاطش، و(تَفَعَّل) تَغَطَّش، و(افْعَالَّ) اغْطَاشَّ.
2- وفيه من الأسماء: (فَعْل) الغَطْش، و(فَعَل) الغَطَش، و(فَعِل) الغَطِش، (أفْعل) أغطش، و(فَعِيل) غَطِيش، (فُعال) غُطاش، و(فَعْلاء) غطشاء، و(فِعْلَى) غطشى، (تفعيل) تغطيش، (مُفعّل) المغطّش، (فُعْل) غُطْش.
ث‌-           مستدركات الجذر: فيه من الفوائت القطعيّة: (افعوعل) اغْطَوْطَشَ، وهذا الفعل لم يرد في معاجم اللغة، وهو من الفوائت، والذي ورد فيها من أوزان هذا الفعل: غَطَشَ وغَطَّشَ وأغطش وتغطّش وتغاطش واغطاشّ.
ج-            مولّدات الجذر: لم أقف في هذا الجذر على مولّدات صالحة.
ح‌-           التصويب والتحقيق: ليس فيه من التصويب والتحقيق ما يُوقف عنده.



ملحق
تعريف وجيز بالفوائت الظَّنّيّة وضوابطها

اجتهد صُنّاع المعاجم العراقيّون في عصور الاحتجاج في جمع لغة العرب الخُلّص، وبذلوا ما يسعهم في التثبّت واستقصاء ألفاظها وغريبها وشواردها، ومع ذلك فاتهم كثير، كما قالوا هم في مناسبات عديدة، لسعة لغة العرب وتنوّع لهجاتها وتعدّد بيئاتها وقبائلها وبُعد المسافة بين العِراق ومرابع القبائل في نجد والحجاز والسراة واليمن وعُمان، وكان راوي اللغة العراقي أو صانع المعجم في القرون الأولى يروي عن أعرابٍ في أطراف الجزيرة المتاخمة للبصرة، ويأخذ ممن يردون على العراق من أبناء القبائل، وطاف بعضهم بالبادية النجدية أو الحجازية في طريق الحج، ولكنهم لم يحيطوا بالقبائل في ديارها ومرابعها، ولم يوغلوا إلى قلب نجد ولم يصلوا إلى جنوبها، ولم يَطُوفوا على أعراب الحجاز في ديارهم وأوديتهم المتفرقة، ولم يقتحموا السراة وجبالها وأوديتها ولم ينحدروا إلى قبائل تهامة الجنوبية، لم يستطيعوا فعل ذلك لقلة حيلتهم، فبلاد العرب واسعة مترامية الأطراف وعرة التضاريس، فليس غريبًا أنْ يفوتهم في التّدوين شيءٌ من مَتن اللغة، والفائت نوعان:
أحدهما: ما نجده في نصوص قديمة صَحَّتْ عن العرب في وثيقة يُعتدُّ بها، كدواوين الشّعر وكتب اللغة والأدب، أو مصدر موثوق، وأسمّيه الفوائت القطعيّة.
والآخر: ما نسمعه في لهجاتهم في جزيرة العرب من بقايا الفِصاح الجارية على ألسنتهم في أقوالهم وأشعارهم وأمثالهم وحكاياتهم وتراثهم الشّعبيّ الموروث عن أجدادهم، ويوشك بعضه أنْ يندثر للتّغيير النوعيّ المتسارع في نمط الحياة العصريّة، وأسمّيه الفوائت الظّنّيّة؛ لاحتماله وجهين: الفَوات والتّوليد، فجاءت الفَرَضيّة مبنيّة على التّرجيح وغَلَبة الظّنّ دون اليقين، قياسًا على ما نراه في لهجاتهم من محافظتها على مخزونها اللغويّ من الحوشيّ والغريب مع الشائع، فما من لهجة معزوّة إلى قبيلةٍ في كُتُب اللغة إلا ونجدُها اليومَ في لهجاتنا البدويّة على حالها الأولى أو على حالٍ قريبةٍ منها، ومن العجز والظّلم والتّفريط في ألفاظنا أنْ نَرَى في لهجاتنا في ديارها ألفاظًا لم ترد في المعاجم ونحكم عليها بأنّها عامّيّة، دون دليل، فلا يكفي خلوُّ معاجمنا العراقية منها لوَسْمِها بوسم العامّيّة، مع علمنا بأنّ معاجمنا ناقصة، وأنّ اللحن إنما شاع بعد عصور الاحتجاج في المستوى النحويّ والمستوى الصّرفيّ، وأنّ الوحدات المعجميّة في مجموع الأصوات والدّلالة ظَلَّتْ محافظةً على أصولها، تتناقلها الألسن جيلًا بعد جيل، كما يتناقلون الألفاظ المشهورة التي لم تتغير وبقيت على حالها، وهي المكوِّن الرئيس في لهجاتنا.
ولا تُرَدُّ فرضيّةُ الفوائت الظّنّيّة بالافتقار إلى رواية أو سماع قديم أو نصّ يُركن إليه، إذ لا نعدم الوسائل اللغويّة مما يُمكن أنْ يُستأنس به ويُعين على التّرجيح، فحين نفتقر إلى اليقين لا نُهمل رُجحان الظّنّ، وقد عمل به أسلافنا عند الحاجة، حين مَعجموا ألفاظًا في معاجمهم بنوا رأيهم فيها على ترجيح أو ظّنٍّ(50)، ونصّوا على شكّهم فيه تحوّطًا،  وهذ غير قليل عند ابن دريد (وكُتِبَتْ فيه رسالةُ دكتوراه في القسم) والمرجِّحات هي الشّروط والمعايير التي تضبط فرضيّة الفوائت الظنية، وهي نوعان: شروط لازمة، ومعايير فرعيّة أو مؤشّرات مساعدة مُرجّحة، ليست لازمة، أوجزها في الآتي:
أ-  الضّوابط أو الشّروط اللازمة لمعرفة الفوائت الظّنّيّة: وهي ثلاثة:
الشّرط الأوّل: تحقّق المعيار اللفظي: وأعني به بناء الكلمة الصّوتيّ والصّرفيّ وموافقتها ما جاء في كلام العرب زمنَ الفصاحة.
الشّرط الثّاني: تحقّق المعيار الدّلاليّ: وهو أن تكون الدّلالةُ مناسبةً لحياة العرب في أزمان الفصاحة، أي مما هو مألوفٌ في حياتهم، فإنْ كانتِ الدّلالةُ لشيءٍ مُحدثٍ في العصور المتأخّرة مما جدّ في الحياة عُرِفَ أنّها دلالةٌ مولّدة، وأنّها ليست من فوائت المعاجم.
الشّرط الثّالث: تحقّق المعيار الجغرافيّ أو الأطلس الجغرافيّ؛ وأعني به بيئة اللهجة، فإنّ سَعة الانتشار للفظ في عددٍ من القبائل المتفرّقة، وسَماعه من كبار السِّنّ الذين لم يتأثّروا بالإعلام؛ يرجّح قِدمه مع الأخذ بالمقياسين السّابقين. فكلماتٌ مثل: الجُغمة، والخَشير، وارْتَبَشَ فهو مرتَبِش، ويدمَحُ الزّلّة، والرَّهْوة بمعنى المكان المرتفع، والشَّرْوَى وشرواك؛ أي: مثيلُك، وأزْرَيتُ بمعنى عجَزْتُ عن فعلِ شيء، والهَمْطُ وهو الهذرُ في الكلام، وانحاشَ بمعنى هربَ وولّى، وارجَهَنّ بمعنى جلسَ وسكن، والعَزْقُ بمعنى التضييق، ومُتَحَشِّد؛ أي: مُستحٍ؛ وغاشَ الماءُ يغوشُ بمعنى فار، وزهملتِ المرأة ولدها إذا لفّته بالقماش، وسعسعَ الرجلُ يُسعسعُ إذا أكثر من الخروج وهامَ في الطرقات، وشعثرَ الشيءَ بمعنى فرّقه، وتشلبطَ الرجلُ الشجرةَ إذا تسلّقها، وفَخَتَ يَفْخَتُ وفاخَتَ يُفاخت إذا خالفَ وفارق، وتقرفطَ القِماش، وزرفلَ في سيرِه بمعنى أسرع، والزقط بمعنى اللقط، والقشروب، والعذروب؛ ونحو ذلك من الألفاظِ اللهجيةِ؛ هي مما ينتشرُ بينَ قبائل الجزيرة وبيئاتها، وتتحقّقُ فيه الشروطُ الثلاثة.

ب: المؤشرات والمعايير المساعدة المرجّحة غير اللازمة، وهي أربعة:
1- اللهجات المهاجرة، وأعني بهذا أن تؤكد لهجة مهاجرة لفظة أو دلالة فتوافق الفروع الأصول؛ وهذا يحدث في لغات القبائل المهاجرة من المشرق إلى المغرب العربي إبّان الهجرات الأولى في زمن الفتوحات وما أعقبه من موجات للهجرة والاستقرار  هناك.
2- نظريّة الاشتقاق الأكبر عند ابن جني.
3-            الاستئناس بنظريّة ثنائيّة الألفاظ.
4- الاستئناس باللغات العروبيّة (اللغات السّاميّة).
واجتماع هذه الشّروط الثّلاثة في كلمة أو دلالةٍ مع معيار مساعد من الأربعة حَرِيٌّ بأنْ يُعزّز الثّقة بها حين الحكمِ بالفَوات، مع الاحتراز بالظّنّ؛ لتعذّر الجزم به دونَ شاهدٍ أو نصٍّ قديم، فحَسُنَ تسمية هذا النّوع من ألفاظنا الباقية في لهجاتنا بالفوائت الظّنّيّة؛ لأنّها تحتمل وجهين: الفَوات والتَّوليد. وقد سنحت فرصة التّطبيق لهذه المعايير على ألفاظ جمعتها بمعاونة الرّواة أعضاء مجمع اللغة الافتراضيّ خلال خمس سنوات، ورصدتُ طائفة منها وأوصيت بإلحاقها بالمعاجم بوصفها الظّنّي، كما يدخل المولد بوصفِ التّوليد. 
وللتوسع في نوعَي الفوائت والوقوف على شروطهما وضوابطهما وأمثلتهما يمكن الرجوع إلى ما كتبتُهُ مطوّلًا ومُفصّلًا في: «فوائت المعاجم: الفوائت القطعيّة والفوائت الظّنّيّة»(51).

تَمَّ المقترحُ بحَمْدِ الله وفضلِهِ
في رمضان 1438هـ  الموافق يونيو 2017م

  

فهرس المحتوى

المقدمة ................................................................................................................................ 2
رسالة المشروع ..................................................................................................................... 8
الجهة المنفّذة للمشروع ......................................................................................................... 8
مواصفات المشروع .............................................................................................................. 8
أهداف المشروع ................................................................................................................... 8
ضوابط المشروع وإجراءات التسجيل .................................................................................. 9
منهج إعداد المادّة المعجمية .................................................................................................. 10
مصادر المعجم الشامل ......................................................................................................... 16
اللجنة العلمة ...................................................................................................................... 17
اللجنة الفنية ....................................................................................................................... 17
إجراءات المجالس العلمة .................................................................................................... 17
نماذج للمعجم والدراسة التحليلية ...................................................................................... 18
أولا: أولا: ثلاثة نماذج (جذور) للمتن المعجمي .:............................................................. 18
[ب ح ث] .............................................................................................................. 18
[هـ ج س] ................................................................................................................ 22
[غ ط ش] .............................................................................................................. 24
ثانيا: قسم الدراسة: دراسة الجذور  ...................................................................................... 26
الدراسة التحليلية للجذر [ب ح ث] ................................................................................... 26
الدراسة التحليلية للجذر [هـ ج س] .................................................................................... 29
الدراسة التحليلية للجذر [غ ط ش] ................................................................................... 30
ملحق: الفوائت: أنواعها مظانّها وضوابطها .......................................................................... 33

 ــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــ



(1) بعنوان: نظرات في المعجم الكبير وضع مجمع اللغة العربيّة في القاهرة من حرف الهمزة إلى آخر حرف الثاء.
(2) معجم الأخطاء الشائعة 8.
(3) وهو من مشروعات مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، ويعد من المشروعات الكبرى لتفسير القرآن الكريم على شبكة الإنترنت.
(4) فهارس كتاب الأصول في النحو لأبي بكر بن السراج صنعة محمود الطناحي ص 10، 11.
(4) فهارس كتاب الأصول في النحو لأبي بكر بن السراج صنعة محمود الطناحي ص 11، 12.
(6)  ثمة محاولات في بعض دول الخليج لصناعة معجم تاريخي، وقد وضعت أسسه وبدأ العمل فيه وأمل أن يكتمل.
(7) ينظر: Lehman, op. cit. 24  وأعمال ندوة المعجم التاريخي 1/ 64.
(8) سيأتي ذكرها في ملحق في نهاية هذا المقترح.
(9) ويُمكن لأعضاء هيئة التدريس أن يشاركوا فيه، ويجوز احتساب مشاركاتهم فيه لأغراض الترقية على ألا يَقلَّ ما يقدمونه في البحث الواحد عن خمسةَ عشر جذرًا.
(10) وهي المدرسة المنسوبة للزّمخشريّ في أساس البلاغة، وقد سبقه أبو عبيد الهَرَويّ المتوفّى سنة 401هـ في (الغريبين) والقزّاز المتوفى سنة 412هـ في (الجامع) وهو معجم كبير مفقود، ورأيت منه قطعة صغيرة منه.
(11) ينظر: مقدّمة المعجم الوسيط 29، 30، وصناعة المعجم الحديث 110، وصناعة المعجم التّاريخيّ للغة العربيّة 459.
 انظر شروط الفوائت في الملحق من هذا المشروع.
(13)    ومن أبرزها: العين للخليل، والجمهرة لابن دريد، والبارع للقالي، والتّهذيب للأزهريّ، والمحيط للصّاحب بن عَبّاد، والصّحاح للجوهريّ، والمقاييس والمجمل لابن فارس، والمحكم لابن سيده، وأساس البلاغة للزّمخشريّ، والتّكملة والذّيل والصّلة والعباب الزّاخر للصَّغاني، والتّنبيه والإيضاح لابن بَرّي، والمغرب للمطرّزي، ولسان العرب لابن منظور، والمصباح للفيومي، والقاموس المحيط للفيروزيّ، والطّراز الأوّل لابن معصوم، وتاج العروس للزّبيديّ. 
(14)      يحتوي إرشيف مجمع اللغة الافتراضي مادّة كبيرة تزيد عن ثلاثين ألف صفحة، ويشتمل على نحو أربعة آلاف مادة لهجيّة، ولكنه يحتاج إلى دراسة واعية وتطبيق شروط الفوائت الظنية بصرامة. وسيتاح لمن أراد أن يشتغل على هذا المشروع (سيكون تحت تصرف قسم اللغويات).
(15)    ومنها: محيط المحيط للبستناني، وأقرب الموارد للشّرتونيّ، والمساعد للأب أنستاس الكرملي، والمنجد للمعلوف، ومتن اللغة لأحمد رضا، والبستان وفاكهة البستان لعبدالله البستاني، والرائد لجبران مسعود، والمعجم الوسيط والمعجم الكبير وهما لمجمع القاهرة، ومعجم الطالب لجبران مسعود، والمعجم العربي الأساسي الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتونس، والمنجد في اللغة العربية المعاصرة فريق بإشراف صبحي حمودي، ومعجم اللغة العربيّة المعاصرة لأحمد مختار عمر، والغنيّ الزّاهر لعبد الغني أبي العزم.
(16) وهو الجزء الأهم في المشروع.
(17) ديوانه 316.
(18) شرح نقائض جرير والفزدق 1/ 174 طبعة الإمارات بتحقيق محمد إبراهيم حور.
(19) ينظر شرح أبيات سيبويه 2/ 251 والموازنة 490؛ وبلا نسبة في الكتاب 3/ 513؛ والمقاصد النحوية 4/ 325
(20) التهذيب (نقث 9/ 82، والتكملة والذيل والصلة (بحث) 1/ 350، وتاج العروس 5/ 164 (بحث)، 375 (نقث).
(21) في كتابه: المذكر والمؤنث 95.
(22) التهذيب (جس) 6/ 33 وشرح الحماسة للمرزوقي 2/ 690.
(23) ديوانه 27، وشرح المعلّقات التسع 53، والجمهرة (هجس) 1/ 476.
(24) ديوانه 2/ 1134.
(25) ديوانه .
(26) البيت لأبي ذؤيب الهذليّ، أو لمالك بن خالد الخُناعيّ، في شرح أشعار الهذليين ص 227، 443، والعباب (هرس) 216، ونسبه ابن قتيبة في المعاني الكبير 1/ 251 لمالك بن خالد الخُناعيّ.
(27) ديوانه 126،  والمقصور والممدود لابن ولاد 91.
(28) ديوانه 79، والتهذيب (غطش) 16/ 161.
(29) شرح ديوان قيس بن الملوح 100.
(30) هذه الدراسة لن تكون ضمن المتن اللغويّ للمعجم، ولن ترصد في المدونة الإلكترونية، ولكن الغرض منها رصد ثمرتها في مواضعها من المتن، مما يصلح للجذر كالتهذيب والتحقيق، وفيها من بعد ذلك تدريب الطُّلّاب على التّحليلِ اللغويّ الجادّ للمادّة المعجميّة التي يصنعونها والتّنقيبِ فيها.
(31) المقاييس (بحث) 1/ 204.
(32) الجاسوس 433.
(33) 350.
(34) 1/ 344.
(35) 1/ 437.
(36) 2/ 58.
(37) المحيط للصاحب (هجس) 3/ 367.
(38) الفائق 4/ 94.
(39) غريب الحديث (هجس) 2/ 491.
(40)  3/ 480.
(41) 3/ 445.
(42)  العباب (هجس) 316.
(43) اللسان 6/ 246.
(44) القاموس (هجس) 749.
(45) الفائق 4/ 94.
(46) التكملة 3/ 445.
(47) العباب (هجس) 316.
(48) ينظر: الغريبين 10/ 4538، وغريب الحديث للخطابي 2/ 58، والفائق 4/ 94، والمجموع المغيث 3/ 480.
(49) المقاييس (غطش) 4/ 430.
(50) توسعت في تحليل ما جاء عنهم في هذا الموضوع في مبحثٍ بعنوان (رواية اللغة في معاجمنا بين اليقين والظّنّ والشّكّ) ينظر: فوائت المعاجم 1/ 106- 144.
(51) 1/ 33- 88.

الأربعاء، 23 أغسطس 2017

تذكير الألقاب العلمية والمناصب للإناث كقولهم: فلانة رئيس القسم:

تذكير الألقاب العلمية والمناصب للإناث
 كقولهم: فلانة رئيس القسم

يجري على ألسنة كثير من اللغويين والمثقفين والإعلاميين قولهم: الدكتورة فلانة رئيس القسم، وهي أستاذ مشارك، وفلانة استشاري جراحة، وفلانة سكرتير المدير، وفلانة مستشار نفسي، وكذلك يقولون: فلانة ملك البلاد، وهي رئيس الوزراء، ونحوه في الألقاب العلمية والمهنية والمناصب وما يتصل بها. وهذا موضع دقيق في العربية ذو علّة لطيفة، وهو -أيضا- مما يشكل على من لا يعرف علّته وقاعدته، فيضطرب بين المطابقة والمخالفة، ويتخبّط فيه على غير هُدًى.

فما الصواب في ذلك؟ وما القاعدة التي تحكمه؟ وهل جرى على ألسنة العرب شيء منه؟ 
هذه أسئلة مهمة، فأقول في الجواب: لعل أقدم من تناول هذا الموضوع بوضوح تامّ هو الفراء في كتابه المذكر والمؤنث(1) وأشار إلى علّته اللغويّة، وعنه نقل من جاء بعده، وابتدأ قوله بتقرير الأصل في اللغة وهو المطابقة ((رجل كريم وامرأة كريمة)) وأشار إلى المعدول أو المصروف عن أصله، نحو امرأة قتيل وكفّ خضيب وعنز رميّ، وذكر علته، ثم قال: ((فإن قال القائل: أفرأيت قول العرب: (أميرُنا امرأةٌ) و(فلانةٌ وصيُّ بني فلان) و(وكيلُ فلان) هل ترى هذا من المصروف؟ [أي من المعدول من مفعول إلى فعيل]؟  قلت: لا، إنما ذُكّر هذا؛ لأنه إنما يكون في الرجال دون النساء أكثر ما يكون، فلما احتاجوا إليه في النساء أجروه على الأكثر من موضعيه.
وتقول: (مؤذّن بني فلان امرأة) و(شهوده نساء) و(فلانة شاهد له) لأن الشهادات والأذان وما أشبهه إنما يكون للرجال، وهو في النساء قليل، وربما جاء في الشعر بالهاء، قال عبدالله بن همام السلولي:
                          فلو جاءوا ببَرّةَ أو بهِنْدٍ     لبايَعْنَا أَمِيــــــرةَ مُؤمنينا
وليس خطأ أن تقول: وصيّة ووكيلة، إذا أفردتها وأوردتها بذلك الوصف)). انتهى كلام الفراء.

وعلّة التذكير هي: أنّ تلك الصفات أو الألقاب تشيع في الرجال أكثر من النساء؛ أي أنها غالبة في الرجال قليلة في النساء أو نادرة، فأجرَوه على أصله في التذكير، ويفهم من كلام الفرّاء أنه يُوجب التذكير، لذا قال: ((وربما جاء في الشعر بالهاء)) وأيضا من إشارته أنه عند قَطعِهِ عن الإضافة ليس خطأً أن تقول: وَصيّة ووكيلة.  

وروى كلامَ الفرّاء وتعليلَه جماعةٌ من اللغويين، كابن السّكّيت في المقصور والممدود(2) وابن سِيدَه في المخصّص(3) وأبي بكر الأنباريّ (ت 328هـ ) في كتابه (المذكر والمؤنث(4) والفيّوميّ في المصباح(5). وزاد أبو بكر الأنباري زيادة مهمة وهي قوله: ((وربما أدخلوا الهاء، وأضافوا، فقالوا: فلانة أميرةُ بني فلان، ووكيلةُ بني فلان، ووصيةُ بني فلان...  وكذلك يقولون: فلانة كفيلةُ بني فلان، فيدخلون الهاء؛ لأنّ الكفالة تكون من الرجال والنساء، وكان السِّجِستاني يُسوّي بين كفيلٍ وأميرٍ، وهذا غلطٌ منه؛ لأنّ الإمارة لا تكاد تكونُ في النساء، والكفالة تكون في الرجال والنساء. وقال أبو زيد الأنصاري: سمعتُ العرب تقول: وكيلات، فهذا يدلّ على وكيلة))(6).

       ثم أصدر مجمع القاهرة في عام 1978م قرارًا يقضي بعدم جواز وصف المرأة دون علامة التأنيث في الألقاب والمناصب والأعمال، ونَصُّ قراره: ((لا يجوز في ألقاب المناصب والأعمال –اسما كان أو صفة- أن يُوصفَ المؤنثُ بالتذكير، فلا يُقال: فلانة أستاذ، أو عضو، أو رئيس، أو مدير))(7)ولكن ما ذهب إليه المجمع من منعٍ يخالف ما رواه الفرّاء وإشارته الضمنيّة إلى وجوب التّذكير، ويخالف ما انتهى إليه المطرّزي (ت 610هـ) في المغرب في الأسماء دون الأوصاف، إذ قال: ((والإمام من يُؤتمّ به؛ أي يُقتدى به، ذكرًا كان أو أنثى، ومنه: (قامتِ الإمامُ وسطهنّ)  وفي بعض النسخ (الإمامة) وتَرْكُ الهاء هو الصواب؛ لأنه اسمٌ لا وصف))(8). ونقله عنه الفيّومي في المصباح.

وخلاصة ما سبق:
    1-  أنّ التّذكير في الألقاب والأوصاف للإناث مسموعُ عن العرب في عصور الاحتجاج.
    2-  أنّه يكون فيما يشيع في الرجال ويقلّ في النساء أو يندر.
    3-  أنهم حين احتاجوا إليه في النِّساء أَجرَوه على الأكثر في مَوضعه.
    4-  أنّ في التذكير إشارة إلى أنّ الصّفة خاصّة بالرّجال أو غالبة عليهم.
    5-  أنّ التذكير في هذا يقع على سبيل الوجوب عند بعضهم، وعلى سبيل الجواز عند بعضهم.
    6-  أنّه حين يُفرد لا يصحّ فيه إلا التأنيث فتقول: هي مؤذّنة، ووكيلة، وأميرة، ورئيسة، ووصيّة.
    7-  فرّق بعضهم بين الأسماء والصّفات، فأجاز تذكير المؤنث في الأسماء أو ما يحمل عليه وطابق في الصفات.
    8-  أوجب المطرزي التذكير في نحو (هي الإمام وسطهنّ) ووافقه الفيّومي، ومنعا المطابقة؛ أي التأنيث، فحجّرا واسعا.
   9-  أوجب مجمع القاهرة المطابقة، ومنع التذكير للإناث، فحجّر بذلك واسعًا، وخالف الرواية المنقولة عن العرب، ولو جعله راجحًا أو اختيارًا لكان أحسن.

  رأيي الخاص في المسألة:
الرأي الذي أنتهي إليه في هذه المسألة هو جواز الوجهين بالقيد أو العلّة التي ذكرها الفرّاء وابن السّكّيت وأبو بكر الأنباري وابن سيده، ولا سبيل إلى تخطئة من يقيس عليها من المعاصرين، ولكني أرى أنّ التّذكير في هذا هو المذهب الأقلّ للعرب، خلافا للمطرزي والفيّومي، فاختار المطابقة في كلّ ذلك؛ لأنّ التذكير في الألقاب والمهن للإناث أسماءً كانت أو أوصافًا قد يفتح بابًا للاضطراب، ثم إنّ ما يكثر للرّجال في زمان قد يتغيّر في أزمان لاحقة أو بيئات مختلفة، وقد تتساوى بينهما كرئاسة الأقسام العلمية مثلا، فهي للرجال في الجامعات الذّكوريّة وللإناث للجامعات النّسائيّة، فالأرجح أنّ يقال: الدكتورة فلانة أستاذة مساعدة أو الأستاذة المساعدة، وهي رئيسة القسم أو عميدة الكلية، وفلانة رئيسة الوزراء أو أميرة البلاد أو مديرة البنك، ونحو هذا(9)، فليس في التأنيث في هذا الباب ما يعيبه.  

  عبدالرزاق الصاعدي - المدينة المنورة

1 / 12/ 1438هـ الموافق 23/ 8/ 2017م 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
(1) ص 54، 55,
(2) لم أقف عليه في المطبوع منه، وعنه نقل الفيومي في المصباح مادةة أمم.
(3) المخصص 17/ 35، 36.
(4) المذكر والمؤنث 1/ 141 -143.
(5) المصباح (أمم)
(6) المذكر والمؤنث 1/ 143، 144.
(7) في دورته الرابعة والأربعين (الجلسة السابعة المعقودة في 21 مارس 1978م). وينظر: تصحيحات لغوية لعبداللطيف الشويرف 652.
(8) المغرب (أمم) 1/ 45.
(9) ومنه: فلانة عضوة هيئة التدريس، ومنعه بعضهم بحجة أن العضو اسم جامد، وأنه لم يسمع عن العرب: عضوة، وأجازه بعضهم؛ لأنه نقل من الاسمية إلى الوصفية، كما قيل في الشِّلْو وهو العضو: شلوة وفي الثبج وهو الوسط: ثبجة، وأجاز مجمع القاهرة: هي عضوة، بالتاء، وأجازها مطفى جواد في قل ولا تقل 1/ 83 وعبداللطيف الشويرف في تصحيحات لغوية 651.

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

القرار السادس والعشرون: إجازة قولهم: (خَدَمات) حملا على المفرد: خَدْمة

القرار السادس والعشرون
إجازة قولهم: (خَدَمات) حملا على المفرد: خَدْمة

خَطَّأَ بعضُ مجامع اللغة العربية القولَ الشائع: (خَدَمات) ورأى أنّ الصّواب (خِدْمات) ملزمًا بأن يكون مفرده خِدْمة بكسر الخاء لا غير، وقال في ذيل تنبيهه: ((والمجمع إذ ينبّه على هذا، ليدعو الجميعَ على تحرّي الصواب في النطق؛ حفاظًا على لغة الضاد، وحماية لها من التحريف والتصحيف)).
وكذلك خَطَّأَ (خَدَماتٍ) جماعة من اللغويين المعاصريين منهم الدكتور أحمد مختار عمر [في كتابه معجم الصواب اللغوي 1/ 345] وذكر أنها مرفوضة، وعلّة الرّفض حملها على المفرد خِدْمة بكسر الخاء.
وإنكارُهم هذا الجمعَ مبنيٌّ على كسر الخاء في مفرده، ولعل لغة الفتح لم تبلغهم، فقد نقل ابن سيده في المحكم الوجهين الكسر والفتح في خاء خدمة، وعزا سماع الفتح للّحيانيّ، وهو من الثقات(1)، قال ابن سيده: ((خَدَمَه يَخدُمُه ويَخْدِمه، الكسرُ عن اللَّحيانيّ، خَدْمَة، عَنهُ أَيْضا، وخِدْمة: مَهَنَه، وقيل: الفَتْح المصدر، والكسر الاسم)). [المحكم خ د م 5/ 90]، ونقله عن ابن سيده ابنُ منظور في اللسان [خ د م 12/ 167]، والزّبيدي في التاج [خ دم ]، دون نكير عليه، وأجاز الفيروزي الوجهين، قال: ((خَدَمَهُ يَخْدِمُهُ ويَخْدُمُه خِدْمَة، ويُفْتَحُ، فهو خادِمٌ)). [القاموس خ د م 1420].
ومع صحة الوجهين - فتح الخاء في (خدمة) وكسرها - يكون الحكم للقاعدة المقررة عند الصرفيين في باب جمع الثلاثي الصحيح بالألف والتاء، وهذه خلاصتها: 
1-             (فَعْلة) ويأتي فيها فَعَلات للأسماء وفَعْلات للصفات(2)، ومثالها: جَفْنة وجَفَنات من الأسماء، وصَعْبة وصَعْبات من الصفات.
2-             (فُعْلة) يجوز فيها ثلاثة أوجه: فُعُلات وفُعَلات وفُعْلات، ومثالها: حُجْرة: حُجُرات وحُجَرات وحُجْرات.
3-             (فِعْلة) يجوز فيها ثلاثة أوجه: فِعِلات وفِعَلات وفِعْلات، ومثالها: سِدْرة وسِدِرات وسِدَرات وسِدْرات.
وعلى ضوء ما سبق يمكن توجيه (خَدَمات) في قول المعاصرين بأحد وجهين:
     الأول: أنْ يحمل على المفرد (خَدْمة) في الرواية المنقولة عن اللحياني في المصادر الموثوقة، ويشكل على هذا أن يقول قائل: ما الدليل على أنهم أرادوا هذا المفرد؟ ويمكن أن يجاب بأن شيوع هذا الجمع يحيي ذلك المفرد المسموع عن العرب المهجور عند المتأخرين، كما شاع الجمع: (النُّحاة) وساغ في جمع (النحويّ) مع إماتة مفرده (الناحي)، فربط جمع شائع بمفرد مهجورٍ موافقٍ له في قياس الصناعة أقرب إلى الصواب(3) من الحكم بالخطأ.

     الثاني: أن يحمل على المفرد (خِدْمة) كما هو الظاهر، ويحمل على الوجه الثاني الجائز في هذه البنية، وهو (فِعَلات) فكأنهم قالوا: (خِدَمات) ثم فتحوا الفاء للمجانسة أو على الإتباع العكسي طلبًا الخفة.


القرار السادس والعشرين 


       ((يرى مجمع اللغة الافتراضي أنّ الجمع الشائع في كلام المعاصرين في قولهم (الخَدَمات) بفتح الخاء والدال  جمعٌ صحيح على قياس كلام العرب؛ لأنه محمول على المفرد خَدْمة في الرواية المنقولة عن اللحياني في المصادر الموثوقة، ويرى أنّ في ردّ هذا الجمع تضييقًا لواسع في لغة العرب، فيكون مجملُ ما يجوز في جمع هذا اللفظ بالألف والتاء أربعةَ أوجه: خِدِمات وخِدَمات وخِدْمات لمن جمع المفرد خِدْمة، وخَدَمات لمن جمع خَدْمة)).



أصوات اللجنة العلمية لهذا القرار:
   -       د. أحمد البحبح (متحفظ)
   -       د. تركي بن صالح المعبّدي (متحفظ)
   -       أ. حمزة عثمان الأنصاري (مقبول)
   -       أ. حمود العبيد (مقبول)
   -       د. خالد أبو حكمة (مقبول)
   -       د. خالد الشبل (مقبول)
   -       أ.د. سالم بن سليمان الخمّاش (مقبول)
   -       أ. سعيد بن عبدالخالق (مقبول)
   -       أ.د. سيف الدين الفقراء (مقبول)
   -       د. صالح بن عيّاد الحجوري (مقبول)
   -       د. عبدالعزيز العُمَري (مقبول)
  -       د. عبدالكريم الزهراني (مقبول)
  -   د. عبدالله عثمان اليتيمي (مقبول)
   -     أ.د. عبدالله عويقل السلمي (مقبول)
   -       د. عبدالهادي الغامدي (مقبول)
   -       د. مبارك بن لافي الكلبي (مقبول)
-  د. محمد بن راجي الصاعدي (مقبول)
   -       أ. محمد العلالي (مقبول)
   -       أ. محمد مبخوت (مقبول)
   -      د. محمد نافع (مقبول)
   -       د. مكين بن حوفان القرني (متحفظ)
   -       د. ناصر الهذيلي (مقبول)
   -       أ. وائل الهنيدي (مقبول)

مداخلة للدكتور أحمد البحبح:
     أشكركم على الثقة التي منحتموني إياها في ضَمِّي للجنة التصويت العلمية، وأما بشأن القرار فأنا متحفظ على القرار للسببينِ الآتيينِ :
1- أن حمل خَدَمات على جواز فتح فاء الكلمة في المفرد خَدْمة فيه نظرٌ من جهة أن بعض من أجاز الفتح فرّق بين فتح الخاء وكسرها، فجعل الفتح للمصدر والكسر للاسم، ولا شك أن ما شاع في عصرنا في قولهم خَدَمات بفتح الفاء والعين مراد منه الاسمية الذاتية لا المصدرية الحدثية المجردة، فقولهم على سبيل المثال: تُقدِّم الدولة خدمات مجانية ؛ يُقصَد بها الدلالة على أشياء ذاتية لا الدلالة على الحدث المجرد، ويزاد على ذلك أنّ خَدْمةً إذا دلّت على المصدرية فالأصل فيها ألا تُجمَع؛ لأن المصدر اسم دالٌّ على مطلق الحدث مجرَّدًا من الزمنية ومتجرِّدًا عن الذاتية ، غيرَ مقيَّدٍ بمكانٍ ، واقعًا على القليل والكثير ، لازمًا الإفرادَ ما لم يُحدَّد أو يُقيَّد ؛ فإذا حُدِّدَ وقُيِّدَ وجُرِّدَ من الحدثية المطلقة وخرج في دلالته عن العموم والإبهام لِمَقْصَدِ اختلاف الأنواع والأَضْرُب جاز تنثيتُه وجمعُه انجذابًا من المصدرية إلى الاسمية ، وفي بُنية خَدْمة الدالة على المصدرية ليس ثَمَّ حاجةٌ لجمعها وجذبها إلى الاسمية؛ لأن الاسم خِدْمة.بكسر الخاء مسموع مستعمل، وليس في جمعه المسموع عن العرب فتحُ فاءِ الكلمة وعينُها ، فإنْ عُدَّت خَدْمة بفتح الخاء اسم ذات جاز لنا أن عُدَّ الجمع خَدَمات المشيع في عصرنا جمعًا لهذا المفرد، غير أن المتكلم أهمل المفرد المفتوح العين واستعمل المكسور العين، ولم يغير في الجمع تبعًا لتغيير مفرده، أو قد يكون ذلك من باب تداخل اللهجات .
2- أن افتراض فتح الفاء والعين في الجمع خَدَمات على احتمال التخفيف من الجمع المسموع بكسر الفاء وفتح العين بتحويل كسرة الفاء فتحةً مجانسة مع فتح العين، فيه نظرٌ أيضًا ؛ لأن الاسم الثلاثي المكسور العين المختوم بالتاء الذي على زنة فِعْلة أصلُ جمعِه كسر الفاء والعين على زنة فِعِلات، ويقابله في المضموم العين الذي على زنة فُعْلة الجمعُ على فُعُلات بضم الأول والثاني،وفي الجمعينِ بكسر الاول والثاني على فِعِلات ، أو بضمهما على فُعُلات ، استثقالٌ عند بعض العرب، فلجؤوا إلى التخفيف فيهما تارة بإسكان العين وتارة بفتحها، فدل ذلك على أن فِعَلات في جمع فِعْلة، هو تخفيف من فِعِلات، فإنْ عَدَدْنا فَعَلات تخفيفًا منه صار تخفيفًا من تخفيفٍ يفتقر إلى سماع يعضده في هذه الصيغة؛ غير أنّ ما افتُقِر من تخفيف المخفَّف في هذه الصيغة في مسموع كلام العرب، ثابتٌ في صِيَغٍ أخرى مثل اسم المفعول من الثلاثي الأجوف اليائي، نحو مَبِيْع؛ إذ الأصل فيه مَبْيُوع، فانتقلت حركة الضم من الحرف المعتل إلى الصحيح قبله، فالتقى ساكنان الياء والواو، فحُذِفت واو مفعول على مذهب الجمهور،ثم كُسِرت الباء مجانسة للياء، فقيل مَبِيْع؛ وفي ذلك تخفيف من تخفيف. وعلى وفق هذينِ السببينِ كان موقفي من هذا القرار هو التحفُّظ بعدم جوازه أو منعه، وإن كان الميل للجواز على الحمل على المفرد المهمل، وعلى الشبيه والنظير في تخفيف المخفَّف في صيغ أخرى هو أقرب عندي من المنع . والله أعلم.

مداخلة الدكتور عبدالعزيز العُمَري:
     كنت ممن يخطئ جمع (خدَمات) بفتح الدال؛ وفقًا للقاعدة المعروفة، دون الوقوف على رأي المانعين، ولم أقف على رأيهم في رواية اللحياني، وأنا في سفر وبعيد عن مصادري الآن.
والذي يظهر لي أن المسألة من شقين:
١/ اللفظ: أرى فيه جواز جمع (خدَمات) بناء على مفردة (خَدمة) بفتح الفاء، ويكون قبوله بمعزل عن جمع (خِدمة) بالأوجه الثلاثة، ولا يظهر لي صحة قبوله جمعا لـ(خِدمة) بكسر الفاء بالإتباع.
 فالألفاظ الأربعة جائزة.
٢/ الدلالة: فيه تفصيل:
- على القول بأن خَدمة وخِدمة مصدران فدلالتهما واحدة في الأوجه الأربعة الجائزة.
- على القول بالتفريق بأن الفتح للمصدر والكسر للاسم (وهو مخالف للمشهور من التنصيص على وجه الكسر وحده للمصدر) فيكون بينهما فرق دقيق جدا، وهو أن دلالة جمع المصدر (خدَمات) مبني على إرادة التنوع ، أما الاسم فهو ظاهر فيه ابتداء. والله أعلم.


صدر القرار في يوم السبت 27/ 11/ 1438هـ 19/ 8/ 2017م

_______________________

(1) وثّقه الأزهري وذكر أنه من أصحاب النوادر، وجعله من الطبقة الثالثة نظير لأبي عبيد القاسم بن سلام ومحمد بن زياد الأعرابي وأبي عمرو الشيباني وابن السكيت، ونقل عن المنذريّ عن أبي جعفر الغَسّانيّ عن سَلَمة بن عاصِم أنّه قال: كان اللِّحياني من أحفظ النَّاس للنوادر عن الكسائي والفرّاء والأحمر، وقال: وأخبرني أنّه كان يَدْرُسها باللّيل والنّهار، حتّى في الخلاء. وقال: أخبرني أبو بكر الإياديّ أنه عرض (النّوادر) الّذي للِّحياني على أبي الهيثم الرَّازيّ، وأنه صحّحه عليه. (ينظر: تهذيب اللغة 1/ 21، 22) ووثّقه ابن سيده وأكثر من النقل عن في المحكم والمخصص وزاد نقله عنه في المحكم وحده عن 1400 موضع.

(2) أجاز بعضهم تسكين العين في جمع (فَعْلة) في الأسماء لوروده في بعض اللغات عن العرب، وخصه بعضهم بضرورة الشعر، والمشهور التفريق بينهما، يجعلون تسكين العين للصفة مثل خَدْلة وخَدْلات وسَهْلة وسَهْلات. قال أبو البركات الأنباري في الإنصاف [1/ 37]  وأما فتح العين فلأجل الفصل بين الاسم والصفة، فإن ما كان على فَعْلَة من الأسماء فإنه يفتح منه العين نحو قَصَعَات وجَفَنَات، وما كان صفة فإنه لا تحرك منه العين نحو خَدْلَات وصَعْبَات.

(3) وعلى نحو هذا حملَ ابنُ السِّيد البطليوسي (المحامد) على (المحمدة) خلافًا لبعض اللغويين الذين حملوه على (الحمد) وحكموا عليه بالشذوذ، قال ابن السيد: ((لأنّ المحمدة نطقت بها العرب نثرا ونظما... فإن كانت المحمدة موجودة في كلامهم مشهورة في استعمالهم فما الذي يحوجنا إلى أن نجعل المحامد جمعا للحمد على غير قياس؟!)) الاقتضاب 5.
عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة


الثلاثاء، 18 يوليو 2017

تعليق على قولٍ للمحدّث عبدالرحمن المعلّمي في أمر حفظ اللغة:

تعليق على قولٍ للمحدّث عبدالرحمن المعلّمي في أمر حفظ اللغة

   سألني أحد الأساتذة الفضلاء في مسألة في اللغة، فقال: ذكر ناصيف اليازجي في المقامات ألفاظا منها (الظَّرْب) و(الحمظ)
في قوله في مقاماته:
والظَّبُّ للهاذِرِ ثُمَّ الضَّبُّ   والظَّرْبُ نَبْتٌ عندَهُمْ والضَّرْبُ
وقال:
والحَمْضُ والحَمْظُ لعَصْرِ الرَّطْبِ      والمَظُّ للّوم ومَضُّ الخَطْبِ
قال صاحبي: ولم أجد الظَّرْب والحَمْظ في المعاجم، فمن أين أتى بهما اليازجي وهو متأخر؟
     قلت: لعلهما مما وقف عليه اليازجي في مصادر لغوية غير المعاجم، والأرجح أنه وجدهما في بعض كتب (الضاد والظاء) وفيها ألفاظ أخلّت بها المعاجم.
    قال: وهل أخلّت المعاجم باللغة؟ وما تعليقك على عبارة رشيقة لعبدالرحمن المعلّمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة، وهي قوله: ((... فأما السنة فقد تكفل الله بحفظها أيضا؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها، لأن محمداً خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع))؟
    قلت: كلامه صحيح في الجملة، ولكن لغة العرب واسعة، وتكثر فيها المترادفات التي يغني بعضها عن بعض، فضياع لفظ لا يؤثر على حال اللغة في الجملة. ثم إنّ كثيرًا مما فات المعاجم هو إما مرصود في كتب اللغة المتنوّعة ودواوين الشعر أو هو مما حفظته الألسن بالتوارث وبقي جاريا على ألسنة بعض العرب في مواطن بعض القائل، والنوعان لا يُعدّان في حكم المفقود، وهما ينتظران الكشف عنهما ومعجمتهما، ويستوجب هذا وأمثاله من ألفاظ اللغة التي لم ترصدها المعاجم بذل الجهد الأكبر من أهل اللغة بعامة وصنّاع المعاجم بخاصة، لاستدراك ما فات الرعيل الأول من المعجميين، وفي لهجاتنا وخبايا الزوايا من كتب التراث الكثير من الفوائت، إلا أن ما في لهجاتنا لا يرقى إلى القطع به، فيبقى في حيّز الظن فائتًا ظنيًّا حتى يظهر دليل أو وثيقة لغوية تقطع بالحكم فواته.
عبدالرزاق الصاعدي

24 شوال 1438هـ

الثلاثاء، 20 يونيو 2017

هذه عصور الاحتجاج وهذا موقفي منها:

هذه عصور الاحتجاج وهذا موقفي منها

      اضطرب علماء العربية فيما يسمّونه عصور الاحتجاج أو الحدود الزمانية اضطرابا واضحًا،  فلم يكن لهم رأيٌ صريح حاسم في تحديدها في الحاضرة والبادية، ومن أسْفٍ أنهم لم يميزوا بين النحو والمعجم في ذلك، وكل ما راج عند المتأخرين مستنبطٌ من أقوالٍ لبعضهم وأحكام على بعض الشعراء كابن هرمة وبشار وأبي تمام، فزمن الاحتجاج عند بعضهم منتصف القرن الثاني أو نهايته في الحواضر، ويزيدون على ذلك قرنين فيما يخصّ البادية. 

       وغالَى أبو عمروبن العلاء في تحديد زمن الاحتجاج فأخرج الفرزدق وجريرًا من شعراء الاحتجاج وعدّهم مولدَين. قال السيوطي (المزهر  2/ 488): ((كان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد حَسُن هذا المولد حتى هممت أن آمُر صِبياننا بروايته، يعني بذلك شِعرَ جرير والفرزدق، فجعله مولَّداً بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمُخضرمين، وكان لا يَعُدّ الشعر إلا ما كان للمتقدمين.
 قال الأصمعي: جلستُ إليه عَشر حِجَج، فما سمعتُه يحتجُّ ببيت إسلامي. وسُئِل عن المولَّدين فقال: ما كان من حَسَنٍ فقد سُبقوا إليه، وما كان من قبيحٍ فهو من عندهم، ليس النمط واحدًا، هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه كالأصمعي وابن الأعرابي، أعني أن كلَّ واحد منهم يذهبُ في أهل عصره هذا المذهب، ويقدم مَنْ قبلهم، وليس ذلك لشيء إلا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهد، وقلةِ ثقتهم بما يأتي به المولَّدون)). قلت: وهذا الذي نراه في كلام أبي عمرو أقرب إلى المعيار النقدي، فلا يعتد به، والإجماع شبه منعقد على أن شعر الفرزدق وجرير والأخطل مما يحتج به.

    وقال السيوطي في (الاقتراح ص 120): ((أجمعوا على أنه لا يحتجّ بكلام المولّدين والمحدثين في اللغة العربية))، ثم ذكر فائدة (ص 122) قال: ((أول الشعراء المحدثين: بشّار، وقد احتج سيبويه في كتابه ببعض شعره تقرّبا إليه؛ لأنه كان هجاه لتركه الاحتجاج بشعره. ذكره المرزباني وغيره)).
      ونقل ثعلب عن الأصمعي (وهو من أرباب التشدّد في اللغة) قوله: ((خُتِمَ الشعر بإبراهيم بن هَرْمة، وهو آخر الحجج)) (الاقتراح 122، 123) ومعلوم أن وفاة ابن هرمة كانت سنة 176هـ
     وذكر البغدادي في مقدمة الخزانة (ص 1/ 5، 6) كلاما مطوّلا في هذا، وقسم الشعراء إلى طبقات، قال: ((قال الأندلسي فِي شرح بديعية رَفِيقه ابن جابر عُلُوم الأدب سِتَّة اللُّغَة والصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع والثَّلاثة الأول لا يستشهد عليها إلَا بكَلام العَرَب دون الثَّلاثة الأخيرة فإنّهُ يستشهد فيها بكَلام غيرهم من المولدين لأنَها راجعة إلى المعاني ولا فرق في ذلك بين العَرَب وغيرهم إذ هو أَمرٌ راجع إلى العقل ولذلك قبل من أهل هذا الفَنّ الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطّيب وهلم جرا هـ
وأَقُول: الكَلام الّذي يستشهد به نوعانِ شعر وغيره فقائل الأول قد قسمه العلماء على طَبَقَات أَربع:
      الطَّبَقَة الأولى: الشُّعَرَاء الجاهليون، وهم قبل الإِسلام كامرئ القَيْس والأعشى.
      الثَّانِيَة: المخضرمون، وهم الَّذين أدركوا الجاهليّة والإسلام كلبيد وحسان.
   الثّالثة: المتقدّمون، ويُقال لهم الإسلاميون، وهم الَذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق.
    الرَّابِعَة: المولدون، ويُقال لهم المحدثون، وهم من بعدهم إلى زَماننا كبشار بن برد وأبي نواس.
فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إِجماعًا وأما الثَّالِثَة فالصَّحيح صِحة الاستشهاد بكلامها، وقد كانَ أَبُو عَمْرو بن العَلاء وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البَصريّ وعبد الله بن شبْرمَة يُلحِّنون الفرزدقَ والكميتَ وذا الرمة وأضرابَهم)).

    وقال ابن الطيب الفاسي في فيض نشر الاقتراح 1/ 611: ((وبعضهم فرق بينهما، فقال: المولدون من بعد الإسلام كبشار، والمحدثون من بعدهم كأبي تمّام، وفي ذلك كلام طويل أودعناه غير كتاب، كشرح شواهد البيضاوي وشرح كفاية المتحفظ، وحاصله أن الشعراء طبقات)).

    فأنت ترى أن اللغويين يتفاوتون في تحديد عصور الاحتجاج، لكن السائد عند المتأخرين أن عصور الاحتجاج عصران، ينتهى أولهما في منتصف القرن الثاني في الحواضر وأما ثانيهما فعصر الاحتجاج في البادية، وهو مختلف فيه، فيرى بعضهم أنه ينتهي بنهاية القرن الثالث، ويرى بعضهم أنه منتصف القرن الرابع، وحدّده بعضهم بنهايته، ويشهد لهذا الأخير صنيع أبي منصور الأزهري (ت 370هـ) في التهذيب ونقله عن أعراب نجد الذين وقع في أسرهم، وكذلك صنيع الجوهري (ت 392هـ) إذ قال في مقدمة الصحاح إن من مصادره مشافهته العرب العاربة في ديارهم بالبادية .

     وهذا التأطير الزماني مقبولٌ بل واجب في النحو والتصريف من أجل بناء معيارية مستنبطة من نصوص لم يداخلها اللحن، وأما المعجم فينبغي أن يستثنى من ذلك، لأن اللحن إنّما فَشَا في التراكيب والبِنَى الصرفية، وأمّا الوحدات المعجميّة فبقيت -في الجملة- سليمة إلى القرن الثامن، وبخاصة في البادية، بل إننا في زماننا اليوم نجد ألفاظًا من الغريب والحوشي متوارثة من فصيح العربية مما يظنه اللغوي من كلام العامة فتفجأهُ مطالعةُ المعاجم إذ يجد فيها ما يُصدِّق كلامَهم، فإن كانوا يحافظون على الغريب والحوشي فهم أولى بغيره، فعلينا ألا نستهين بالمعجم البدوي، وبخاصّة حين يكون واسع الحيّز المكاني، في قبائل عدة، على الشرط الذي بنيتُهُ في معايير الفوائت الظنية.  
     ويُصدِّقُ منهجي في مدِّ عصر الاحتجاج في المستوى المعجمي دونَ النحويّ والصرفيّ أنّ الزمخشري كان يُدوِّن سماعاتِه في القرن السادس، ويروي عن أعراب الحجاز، ويُمعجم كلامهم في معجمه الفذّ أساس البلاغة، ورأيت الصغاني يفعل مثل فعله، ولكن بحذر، ثم فَعَلَ فعلهما الزَّبيديُّ في التاج، ولكن على استحياء شديد.  

عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة
25 رمضان 1438هـ الموافق 20 يونيو 2017م

السبت، 20 مايو 2017

جمع "الردّادي" مداخلة لغوية بصحبة عالمين كبيرين: عائض الردادي وإبراهيم الشمسان:

جمع "الردّاديّ"
مداخلة لغوية بصحبة عالمين كبيرين: عائض الردّادي وإبراهيم الشّمسان

      كتاب جميل وحافل بالمادة التاريخية الاجتماعية والوثائق والأنساب واللهجات جاءني هدية من يد مؤلفه الأستاذ الدكتور عايض الردادي وعنوانه: "قبيلة الردَادّة: نسبهم وتاريخهم وأعرافهم وبيئتهم وديارهم" والدكتور عائض (عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة) أديب وبحّاثة ثَبْتٌ صاحب قلم رصين، تربطني به صداقة قديمة، وله مكانة خاصة في نفسي.. وأول ما قرأته من كتابه (الفصل الرابع) وفيه مادة لغوية ثرية عنوَنَ لها بـ (المعجم اللغوي التاريخي).

     قرأتُ الباب ونقلت منه بضعَ كلمات ناقشتُها في مجمع اللغة الافتراضي، ومما قرأته في هذا الكتاب الثري تحقيق المؤلف لاسم قبيلته العريقة تحت عنوان "جمع الردّاديّ" 1/ 49، 50، ذكر فيه الوجه الأفصح، وهو: الرّدَادّة، على وزن فعاعلة، وذكر معه وجهين أحدهما: الرّدَادِدَة (بفك التضعيف وذكر أن القياس الإدغام) والآخر: الرّدارِدَة، براء قبل الدال الثانية، وذكر في تحقيقه اللطيف بعض النقول والتوجيهات المهمة، ونقل عن الجزيري وأيوب صبري والمستشرق أوبنهايم والبتنوني، وأردف ذلك بقوله: ((وتَنطِق بعضُ القبائل المجاورة على ساحل البحر الأحمر وبعض قبائل مسروح الجمع: الرَّداردة، بزيادة راء بعد الألف، وهم ينطقون المفرد صحيحا: الرّدّاديّ، وقد ورد هذا الجمع في وثيقة حلف ذوي مِسْحَم من الردَادّة مع الأشراف القُرُون من سكان ينبع مكتوبة عام 1259)) وختم بقوله1/ 50: ((فإذن؛ هناك ثلاثة جموع للردادي، هي: الرَّدَادّة والرَّدَادِدَة والرَّدَارِدَة، والصحيح المتداول على الألسنة وعند المؤلفين منذ القدم هو الأول، أما الآخران فلفظ لبعض القبائل المجاورة، وإنما ذكرنا ذلك استكمالا للبحث لا لكونه صحيحًا)).

    وهذا تحقيق لغوي جميل أفدتُ منه، ثم قرأتُ في كتاب (من شجون اللغة) ص159، 160 للأستاذ الدكتور إبي أوس إبراهيم الشمسان تعليقًا لطيفًا استعرض فيه كلام الدكتور عائض في هذه المسألة اللغوية، وأضاف إضافات جديرة بالاهتمام، منها تعليقه على ما جاء في نقل الرّدّادي عن أوبنهايم: (الرّدَادِدة) بأنه الأصل في الوزن قبل الإدغام، فلا تعد هذه صورة مغايرة للصورة الأولى، لأنها أصلها قبل الإدغام، وتناول الجمع الذي شاع في بعض القبائل المجاورة أعني: الردّاردة، وذكر الشمسان أن هذا اللفظ جاء من باب التخلص من المتماثلين بقلب أحدهما حرفا أخر، فقلبت الدال الأولى راء، وليست زائدة.

    وإذ أشكر للأستاذين الكبيرين ما تفضّلا به من تحقيق لغوي لطيف في هذه المسألة أودّ أن أضيف ثلاثة جموع أخرى لم ترد في كلامهما، لعلها تتمّم مسألة الجمع لاسم هذه القبيلة العريقة، وهي: (الرَّدّادَة) و(الرّدَادِيَة) و(الرّدَايدَة):

     فـأمّا (الرَّدّادَة) - بدال مشدة قبل الألف ودال مخففة بعدها على مثال الخيّالة – فشائع عندنا في بعض القبائل المحيطة بالمدينة، وسمعته كثيرًا في محيطي قبيلة عوف، وسمعتهم يقولون: فَرْع الردّادَة، وأصل الوزن هنا صيغة فعّال الدالّة على النسب، من أهل الحِرَف والجماعات، ثم لحقتها تاء التأنيث للدلالة على الجمع، مثل جمّال وجمّالة وخيّال وخيّالة وقرّاش وقرّاشة، وقد سمعناهم يقولون: سوق الحبّابة، أي أهل الحَبّ، وصبّابة القهوة، وكنت أحسب أن هذا الوزن المؤنث بالتاء الدّالّ على الجمع من تحريفات العامّة لصيغة (فعّال) الدالّة على النسب دون ياء، حتى رأيت ابن السكيت يقول في إصلاح المنطق 338: ((وتقول: هؤلاء قوم رَجَّالةٌ، وهؤلاء قوم خَيَّالةٌ، أي أصحاب خيل, وتقول: هذا رجل نابل ونَبَّال، إذا كانت معه نبل)) ومثله قول ابن دريد في الجمهرة ج م ل 1/ 491: ((وقد قالُوا: جَمَّال وجَمّالة، كما قالُوا: حَمّار وحَمّارة؛ كَلَام عَرَبِيّ صَحِيح)) وذكر قول الشَّاعر:
حتَّى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ     شلاً كما تَطرُدُ الجَمّالةُ الشُّرُدا

     وأما (الرّدَادِيَة) –بدال مكسورة بعد الألف وياء مفتحوة مخفّفة ليست للنسب- فمسموع لدى الجُبّر من بني عمرو وغيرهم، وأصله الرّدَادِدَة (الردَادّة) ولكنه جاء على لغة الفك أو المخالفة الصوتية، وهو نهج عربي قديم، يقلبون ثالث الأمثال حرفَ علة، كما في قولهم تظنّيت أي تظنّنت، وقصّيتُ أظفاري، أي قصّصتها، وومنه قوله عزّ وجلّ: (ثمّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى) أصله يتمطّط، وقوله: (وخابَ مَنْ دَسَّاها) والأصل: دسّسها، إذ توالت في لفظ الرّدَادّة ثلاثة أمثال بينها حاجز غير حصين وهو الألف، فجاز الفك بالمعتل أو المخالفة بقلب ثالث الأمثال حرفَ علة، وهو سلوكُ تعرفه العربية.
وأما (الرّدَايِدَة) فكسابقه وهو إمّا على القلب المكاني منه أو على الفك بقلب الدال الوسطى حرف علة، وهو في الحالتين عربي صحيح.

    وأما تفسير وجه الراء فيما رواه الدكتور عائض عن بعض العرب أعني (الرّداردة) فهو جارٍ على الفك بالمخالفة أو الإبدال من (الرَّدَادّة وأصله الرّدَادِدة) قلبوا أول المثلين من جنس فاء الكلمة وحوّلوا الجذر الثلاثي إلى رباعي مضاعف، كما حولوا زلّل إلى زلزل، وصرّر إلى صَرْصَرَ، يفكون ثاني الأمثال بإبداله حرفاً من جنس الحرف الأوّل في الكلمة، وكذا فعلوا في الرّدَادّة (الرّدادِدة) فقلبوا الدال الوسطى راء، وهذا عربي عريق.
وخلاصة ما سُمع في جمع اسم هذه القبيلة العريقة خمسة جموع: (الرّدادّة) فعاعِلة و(الردَارِدة) فعاللة و(الردَادِيَة) محوّل من فعاعلة و(الرّدَايدة) كسابقه، و(الردّادَة) فعّالة، وأعلاها الأول، وكلها مما يصح في كلام العرب بالقياس على ما سمع في عصور الاحتجاج، وأما (الردادِدة) بالفك وإظهار الدالين فلا يعدُّ وجهًا سادسًا، وأحسبه غير مسموع، وهو أصل الوجه الأول.  



عبدالرزاق الصاعدي 
نشرت في الجزيرة الثقافية
السبت 20 مايو 2017م

السبت، 22 أبريل 2017

عين (الغاية) وجذرها وحيرة ابن جنّي فيها:

عين (الغاية) وجذرها وحيرة ابن جنّي فيها

      الغاية من الثنائي: (غيّ) وألفها منقلبة عن ياء، وهي قبل الإعلال: غَيَيَةٌ، ويدل على هذا الأشتقاقُ، ومنه قولهم في الفعل منها: غيّيتُ غاية، وأغييت، وتغيّيتها، وتغايوا، وغاييت إليه بالشيء، وهو مسموع، ولم يقولوا: غوّيت وأغويت وتغوّيت وتغاووا وغاويت. ويؤيده أيضا قولهم في تصغير الغاية: غُيَيّة، ولم يقولوا: غُوَيّة.

     ولابن جني (المنصف 2/ 131، 143) مذهب في عينها شابه التردد والحيرة، فهي عنده واوية العين، إذ قال: ((وينبغي عندي أن يكون اشتقاقها من غَوَى، يَغْوِي، وذلك لأنّ الغاية إنما جعلت لترشد الضالّ وتهديه، وتزيل عنه الغيّ)) ثم ساق السماع فيما ظهر من عينها من روايات الخليل وأبي عبيدة وأبي عمرو الشيباني، وهي صريحة وقاطعة بأن ألفها ياء، فقال عَقِيبَ ذلك: ((ولولا السماع لكانت من الواو)) 2/ 143، وهذه حذلقة منه، فكيف يفترض لها اشتقاقا ولديه سماعٌ صريح؟!! ووجه الإشكال عنده أن السماع فيها عارضَ ما افترضه من اشتقاق لها، وهو أن تكون من ((غَوِيَ يَغْوِى)) وهذا محض افتراض يبطله السماع، وكان الأجدر به ألا يستمسك به، ثم إن افتراض اشتقاق الغاية من غَوِي بعيدٌ ومتكلّف.

     وقد جاء في العين: الغايةُ: مدى كل شيء وقُصارُه. وأَلِفُه ياءٌ، وهو من تأليف غين وياءين، وتصغيرها: غُيَيّة، وكذلك كل كلمةٍ مما يظهر فيه الياء بعد الألف الأصلية، فألفها ترجع في التصريف إلى الياء، ألا ترى أنك تقول: غَيَّيْتُ غايةً. ويقال: اجتمعوا وتَغايَوا عليه فقتلوه، ولو اشتق من الغاوي لقالوا: تَغاوَوْا.

     والذي أراه وأُوجبه فيها أن تكون الغاية يائية العين؛ لأن الاشتقاق ناطق بالياء فيها، وأمّا ما جاء في التاج 39/ 204 في قوله: ((والغاية: المدى، وألفه واو، وتأليفه من غين وياءين)) فسهو ظاهر، والصواب: ((وألفه ياء)) لقوله عَقِيبه: ((وتأليفه من غين وياءين)) وهو ينقل في هذا من اللسان 15/ 143 أو التهذيب 8/ 222 أو العين 4/ 457، وقد جاء النصّ في هذه المصادر الثلاثة على الصواب، وهم ينقلون من العين.. فوجب تصحيح نسخة التاج.  

عبدالرزاق الصاعدي

25 رجب 1438هـ الموافق 22 إبريل 2017م