الجمعة، 30 أغسطس 2013

نفاضة الجراب 46: الزمن اللغويّ أو النحويّ مخادعٌ 2/2

قلت في المقالة السابقة أن التقسيم الثلاثي للزمن (ماضٍ ومضارع "حاضر" ومستقبل) تقسيم افتراضي، وأنه مخادع، وأن حقيقة الزمن لا تقبل هذا التقسيم، وأن الزمن الحقيقي غير هذا، وأنه أكثر تعقيدا.. وهنا تتمة المقالة السابقة عن حقيقة الزمن وأسراره، فأقول في شذرات وتفاريق وخواطر متفرّقة:

1- الزمن عند الفلاسفة والفيزيائيين موضوع كبير ومعقّد، وهندسة إقليدس تنهار.. إنها لا تصلح للكون.. والزمن يدخل على الخط ليبعثر الخطوط المستقيمة.!

2- العقل البشري قاصر ومحدود، والإنسان لا يستوعب كنه العدم، ولا يدرك التوقف المطلق للزمن.. إنّ مجرّد تخيل العدم المطلق لشيء مذهل ومخيف.

3- للنحاة زمانهم الخاص، ولكنه لا يمثّل حقيقة الزمن، فالزمن الماضي افتراضي، وكذلك المستقبل.. أما الزمن الحقيقي فهو الحاضر.. هو هذه اللحظة.. وهو وليد الحركة الدوّارة، وحين تتوقف الحركة يتوقف الزمن.

4- الزمن الحقيقي هو (الثانية اللحظية) المتنقّلة التي نجري فيها أو معها (زمكانياً) فالزمن الماضي يتلاشى ويبقى أثر الحركة، والزمن المستقبل معدوم لأنه لم يحدث بعد. 

5- لا زمن إلا الحاضر، أما الماضي فيبقى حدثا محنطا مفرغا من الزمن، كالمومياء الفرعونية، فرغت من الزمان، وبقى الحدث.

6- فيزيائيا يستحيل وجود مكان ثابت ثباتاً مطلقاً في الكون؛ لأن الكون مبني على الحركة، والحركة تُوجد الزمانَ، وهو البعد الرابع.

7- إمكانية التصرف في اللحظة الحاضرة مع امتناعه فيما مضي أو ما لم يأتِ بعد يدل على أن الزمن هو الثانية المتدفقة التي يجري فيها الحدث.

8- يؤكد ذلك الإمام الشافعي في لقطة شاعرية حين قال:

ما مضى فاتَ والمؤمّلُ غيبٌ * ولك الساعةُ التي أنت فيها

9- والشاعر ابن زيدون سبق آينشتاين إلى نظرية نسبية الزمن حين قال:
إن يطُلْ بعدَكِ ليلي فلكم * بتّ أشكو قِصَرَ الليلِ معكْ

10- وقبلهم جميعا قال عز وجل ( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )
11- إن الحدث تصنعه مخلوقات الله عز وجل بتدبيره وإرادته، فالكواكب تدور حول الشمس فيتولد لنا الزمن السيال اللحظي مع الحركة.
12- الكون مبني على الدوائر، فكل شيء في الكون مبني على خاصية الدوران والتعاقب.. ولا يوجد شيء مستقيم استقامة مطلقة.
13- الدوائر والزمن أساس الكون.. وصورة الطواف حول الكعبة رمز كونيّ مدهش يحاكي خلق الله في ملكوته!
14- ثمة ثقوب سوداء مستطيلة يسمونها الثقوب الدودية، يدعي فزيائيون أنه يمكن من خلالها السفر إلى الماضي، أو الانتقال من مجرة إلى مجرة، باختصار مليارات السنين، والعقل عاجز عن إدراك ذلك.
15- يستحيل (التزامن أو التواقت) بين كوكبين متباعدين، ويستحيل طبعا التزامن أو التواقت مع كائنات في برج العقرب مثلاً، أو في مجرّة غير مجرّتنا.
16- عجلة الزمن هي العجلة الوحيدة التي يستحيل إيقافها.
17- مفردات الزمن في تاج العروس للزبيدي.. دراسة تحليلية.. يصلح موضوعا لرسالة دكتوراه.
18- وأخيراً أقول حين تأمل الزمن الفيزيائي: سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
نشر المقال في جريدة المدينة، ملحق الرسالة، الجمعة 1434/10/22 هـ 2013/08/30 م العدد: 18391
تويتر @sa2626sa

الجمعة، 23 أغسطس 2013

نفاضة الجراب 45 : الزمن اللغوي أو النحوي مخادع 1/ 2

ما الزمن؟ ما حقيقته؟ أين يذهب الزمن الحاضر؟ أين يذهب الزمن الماضي وأين يختبئ؟ أسئلة سهلة ولكن الإجابة صعبة؛ وقد تعلمنا في اللغة والنحو أن الزمن ثلاثي: ماض ومضارع ومستقبل، والحق أن هذه الأزمان الثلاثة أزمان افتراضية، أو أزمان لغوية مخادعة، فما الزمن الحقيقي إذن؟ وهل يمكن أن يعرف كنهه؟ يقول العالم الفيزيائي المصري الدكتور أحمد زويل: أنا ألّفت كتاباً عن الزمن ولكني لا أدري ما هو الزمن!
قلتُ: إن الزمن اللغوي أو النحوي زمن افتراضي عقلي، أما مفهوم الزمن الحقيقي فمعقّد، إن الزمن هو البعد الرابع على ما قرّره آينشتاين، ولا يوجد زمن في الفراغ، والزمن الماضي انقضى، والمستقبل زمن افتراضي. والزمن الحقيقي هو الحاضر، بل هو اللحظة التي أنت فيها، هو هذه الثواني المتنقّلة مع عقارب الساعة، ومعها تتفاعل أجسادنا وعقولنا ودقّات قلوبنا، وحركة الخلايا في أجسادنا، وما عدا ذلك فهو زمن مفترض، ليس له وجود حقيقي، فهو زمن عقلي، فالزمن الماضي يتلاشي ويبقى أثر الحركه، والزمن المستقبل معدوم؛ لأنه لم يحدث بعد، ويبقى الزمن الحاضر، الذي يسميه النحاة: المضارع.
هذه خلاصة الزمن، وفيما يلي تفاريق وخواطر في الموضوع:
1- الزمن مرتبط بالحركة.. والكون قائم على الحركة، ولا توجد حركة دون زمن، ولا يوجد زمن دون حركة.
2- الحدث تصنعه مخلوقات الله عز وجل بتدبيره، فالكواكب تدور حول الشمس فيتولد لنا الزمن السيال اللحظي مع الحركة.
3- الزمن يذهب ويبقى الحدث الملموس، يبقى أثره على المكان، فالزمن لا يمكن تحنيطه، تلك صورتي أو صورتك في زمن تلاشى، ذهب الزمن وبقيت صورة الحدث محنطة.
4- عندما ترى المكان ترى أثر الزمان وتعرف أنه مر من هنا وعبر من غير رجعة.. لكنه أحدب.. فيجعل المكان (والكون) أحدب.. حتى الإنسان يحدودب بفعل الزمن الأحدب.
5- الزمن الماضي يُسترجع في الذاكرة فقط من خلال آثاره في الأحداث، لكن الزمن بذاته لا يمكن استرجاعة أبداً؛ لأنه تلاشى.
6- العدم وبداية الزمن ونهاية الزمن معضلات، عقل الإنسان محدود ولا يستوعب كنه العدم ولا كنه النهاية المطلقة للزمن.
7- الزمن ليس قسيماً للحركة، بل هو ناتج عنها، ولو توقفت حركة الأرض لتوقف الزمن، يعني أن الحركة تولّد الزمن.
8- ثمة آثار أدبية مرتبطة بالزمن في تراثنا، ولا أعرف في التراث العالمي عملا أدبيا فلسفيا ناقش هذا الموضوع بعمقِ (بروست) وسحره في رائعته الأدبية في التاريخ: البحث عن الزمن المفقود.
9- إن إدراك أسرار الكون عندي هواية ورغبة، وهي مما يزيد إيماني وخشوعي أمام الخالق الجبّار، والزمن يشغلني منذ ربع قرن، ولم أصل فيه إلى شيء مؤكد.. (للموضوع صلة)


أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدة المدينة، ملحق الرسالة، الجمعة 1434/10/15 هـ 2013/08/23 م العدد : 18384
http://www.al-madina.com/node/473327

الأربعاء، 21 أغسطس 2013

آلية التعريب والتصويت في حساب المجمع في تويتر:

منهجنا في التعريب

    إن شعارنا عند التعريب أو الترجمة هو (صحة التعريب/الترجمة ومعرفة الذوق العام للناس) ولذا ستكون الآلية محققة لهذين الشرطين: (سلامة اللفظ ومراعاة الذوق العام) وسننتهج آلية تحقّق لنا هذا، وهي تتمثل في الخطوات الآتية: 


    1-    يُطرح المصطلح المراد تعريبه/ترجمته للمناقشة في حساب المجمع في تويتر ويعطى الوقت الكافي للحوار والأخذ والرد، وإبداء المقترحات.

   2-    تعرض الألفاظ المقترحة لتعريب المصطلح على لجنة من علماء اللغة، ويكون تداولها الرأي عن طريق الرسائل الخاصة لحساب المجمع.

   3-    تختار اللجنة ثلاثة مصطلحات أو نحوها مما تم اقتراحه في النقاش المفتوح أو من غيره، على أن تكون المصطلحات المختارة سليمة لغة ومناسبة لدلالة المصطلح، وصالحة للتعريب، ويكون اختيار الألفاظ بالأغلبية عند اختلاف أعضاء اللجنة.

   4-    تُعرض المصطلحات المختارة للتصويت عليها من قبل الجميع، في حساب المجمع.

   5-    يصدر القرار بأغلبية الأصوات لأحد الألفاظ المطروحة للتصويت مع مراعاة أن أصوات اللجنة العلمية تعادل 70% والباقي وهو 30% للمصوتين في التصويت العام.


     وبهذا نحقق الأمرين المستهدفين: تمحيص الألفاظ وصحتها واحترام الذوق العام للناس ليكون ذلك أدْعَى إلى القبول والانتشار. والتوفيق بيد الله عز وجل.

المشرف على مجمع اللغة الافتراضي
الأربعاء، 21 أغسطس، 2013

القرار المجمعي التاسع: تعريب (ترجمة) (البايو- Bio) في تويتر:

 
يقرر مجمع اللغة الافتراضي بعد المناقشة والتحليل اللغوي والتصويت أن تعريب (ترجمة)  "البايو- Bio" في تويتر هو: (النُّبذة) ويأمل المجمع تداوله ونشره.

(( وقد كانت نتائج التصويت لتعريبه (البايو-Bio) كما يأتي: : النبذة 203 / المُعرِّف 191 / التعريف 83 /التوقيع 44 /اللمحة 27 /السيرة 20 /الوصف 13 /الرؤية 11 /الترجمة))

تاريخ القرار 13 /10 /1434هـ الموافق 20 /8/ 2013م

الجمعة، 19 يوليو 2013

نفاضة الجراب 44 فضائل الصمت

نفاضة الجرب 44
فضائل الصَّمْت
هذه شذراتٌ وتفاريقُ من نفاضة جرابي في شيء من فضائل الصمت:
1- لن تجد ألذّ من الصَّمْت والتأمّل، مع أنه في العزلة قد يبدو مخيفاً ومرعباً.
2- للكلام براعة وللصمت نبل.!
3- حين تكون في صحراء ممتدة حيت لا شيء يتحرك.. يمكنك أن تسمع صوت الصمت.!!
4- حين تُقفِرُ من أحاسيسك أمام جليسك ينقذك الصمت.!
5- عجيب أن تأنس بعواء الذئب، ويفزعك صوتُ إنسان.!!
6- كان الأُحَيمر السعديّ يأنس بصوت الذئب ويفزع من صوت الإنس، وهو القائل:
عَوى الذِئبُ فَاستَأنَستُ بالذئبِ إذعَوى * وصَـوَّتَ إِنســانٌ فكِدتُ أَطيـرُ
7- جاء في أخبار أبي تمّام: تكلم رجل في مجلس الهيثم بن صالح فهذر ولم يُصب، فقال: يا هذا، بكلام أمثالِك رُزِقَ الصمتُ المحبة.!
8- قال قسامة بن زهير: يا معشر الناس إن كلامكم أعثر من صمتكم، فاستعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الصواب بالفكر.
9- جاء في سنن الترمذي (من صمتَ نجا)
10- قال ابن أبي الدنيا: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس.
11- قيل: الصمتُ منامُ العقل، والنطقُ يقظته، ولا منام إلا بيقظةٍ، ولا يقظة إلا بمنامٍ.
12- قال المدائني: يقال: العلم يرشدك، وترك ادعائه ينفي الحسد عنك، والمنطق يبلغك الحاجة، والصمت يلبسك المحبة.
13- وفي فضل الصمت قال الشاعر أُحَيحة بن الجُلاح:
والصمتُ أجملُ بالفتَى * ما لم يكن عيٌّ يشينُهْ
والقولُ ذو خطلٍ إذا * ما لم يكـنْ لُبٌّ يُعِينُهْ
14- قال الجاحظ في البيان والتبيين: كان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة بعد المُقعطل، يقال له الصموت؛ لأنه لما طال صمته ثقل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوّى، ولا يكاد يبين.
15- قال شاعر الوجدان إبراهيم ناجي:
لِمَنِ الصمتُ والفؤادُ المُشرّدْ / أينَ من أسكرَ الرُّبَى حينَ غرّدْ؟
طائرٌ أم رأتْ عيونُ الأماني / حُلُماً مثـل غيـرِه قد تَبَـدَّدْ
16- كان أعرابيّ يجالس الشَّعبيّ، فيطيلُ الصمت، فقال له: ألا تتكلم؟ فقال: أسمع وأعلم، وأسكت فأسلم.
17- ذُكر الصَّمت والمنطق عند الأحنف فقال رجلٌ: الصَّمت أفضل وأحمد. فقال: صاحب الصمت لا يتعداه نفعه، وصاحب المنطق ينتفع به غيره. والمنطق الصَّواب أفضل.
18- قال ابن سلام: قال بعض أشياخنا: كان ربيعة الرأي مِكثاراً، فسمعا أعرابي يوماً يتكلّم، فلما كان عند انقضاء مجلسه سأله رجل: ما تعدون العيّ عندكم بالبادية؟ فقال الأعرابيّ: ما هذا فيه منذ اليوم، يعني إكثار ربيعة.
19- إنك لم تندم على الصمت قط، وإن كان منك عيّاً، وإنك ندمتَ على الكلام مراراً وإن كان منك صواباً.
20- أخيرا أجدني أُردد مع الشاعر :  
متْ بداءِ الصمتِ خيرٌ لكَ من داءِ الكلام.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدم المدينة، ملحق الرسالة
الجمعة 1434/9/10 هـ 2013/07/19 م العدد : 18349
http://www.al-madina.com/node/467003

الجمعة، 12 يوليو 2013

نفاضة الجراب 43 وقفة مع بحر المنسرح

نفاضة الجراب 43

وقفة مع بحر المنسرح
      سبق أن صنّفت بحور الشعر إلى أربعة أقسام، بحور شريفة وبحور عريقة وبحور ضعيفة وبحور خبيثة، وجعلت المنسرح من القسم الثاني ( البحور العريقة) وأنه يتعذّر عليه أن يدرك البحور الشريفة (الطويل والكامل والبسيط والوافر والخفيف) وعراقة المنسرح جاءته من قصائد جياد متفرّقة في تراثنا، نظمت عليه، كمرثية أوس بن حجر:
أيّتهَا النفسُ أجملِي جَزَعَاً * إن الذي تحذرِينَ قد وقـعَا
وفائية قيس بن الخَطيم:
ردَّ الخليطُ الجمالَ فانصرفُوا* ماذا عليـهمْ لو أنّهمْ وقفُـوا
      والمنسرح من البحور الوسطى، وهو البحر الثاني من دائرة المجتلب، ووزنه المفكوك من الدائرة: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن مرتين ، ويزعمون أن الخليل سماه منسرحا لانسراحه وسهولته، والصحيح أنّه سمّي لانسراحه مما يقع في أمثاله سمي منسرحا كما يقول التبريزي في الكافي، أي مفارقته عما يحصل بأشكاله، فإن مستفعلن في ضربه لا تأتي تامة، بل يلزم الطي فيها، فتأتي (مستعلن) والغالب في عروضه أن تأتي مطوية مستعلن، ومن هنا انسرح عن غيره، وتكثر الزحافات في حشوه، ويقع الخبن في مفعولاتُ فتتحول إلى معولاتُ، ولذا يبدو مضطرب الوزن قريبا من النثر.
ووزن المنسرح عند حازم القرطاجني (مستفعلاتن مستفعلن فاعلن) وهذا عبث، ولولا دوائر الخليل لما انضبط علم العروض.
وثقل المنسرح وكزازته واضطرابه راجع إلى أمرين:
        الأول: تفعيلة مفعولاتُ في وسطه، ووتدها المفروق، وما يصيبها من زحافات تقربها من النثر.
       والثاني: الطي اللازم في ضربه (مستعلن) وهو أي هذا الطّيّ- غالب في عروضه. مع كثرة الزحافات، ولذا تراه مضطرب النغم.
      وقد لاحظ ذلك الاضطراب بعض العروضيين، قال جلال الحنفي: وهو في بعض صوره يبدو مشدودا إلى النثر شيئا من الشد، مما يفهم منه أنه من أسبق البحور ظهورا إلى المجالات الشعرية، وأقدمها في مضمار التطور.
     وصوّر عبدالله الطيب المنسرح بصورة الراقص المتكسّر وأنه يصلح للغناء، وأن فيه من اللين والتثنّي والتأنّث ما فيه، وأنه يصلح للنوح والردح، ويصلح للرثاء والنقائض، وما بينهما من غزل وشبيهه، ولذا وجد فيه الحجازيون بحرا يلائم مذاهبهم اللينة الغنائية في العصر الأموي، فشاع عندهم، ولكنه قل عند شعراء الفخامة أمثال كثيّر والأخطل وجرير والفرزدق والقطامي وابن الرقاع.
      ويراه إبراهيم أنيس بحرا ثقيلا يشقّ على ناظمه، قال: هذا هو البحر الثاني الذي أبى معظم شعرائنا المحدثين النظم منه أولم يستريحوا إليه، وإلى موسيقاه، ولعل الذين حاولوه منهم إنما أُعجبوا بقصائد معيّنة قالها القدماء من هذا الوزن، فنسجوا على منوالها، ولعلّهم وجدوا في النظم منه عنتا ومشقّة، ونحن حين نقرأ قصائده لا نكاد نشعر بانسجام في موسيقاه، ويخيّل إلينا أن الوزن مضطرب بعض الاضطراب، وقد هجره المحدثون وأغلب الظنّ أنه سينقرض من الشعر في مستقبل الأيام.
     ومع هذا أُعجب الدكتور عبداللطيف عبدالحليم بالمنسرح فأصدر ديوانا كاملا كلّ قصائده من المنسرح، ولعلّ ذلك كان نكاية بإبراهيم أنيس وبرأيه في المنسرح وانتصاراً لهذا البحر.. وأنا مع أنيس لا أستسيغ إيقاع هذا البحر، وأره سائرا في طريقه إلى الهجر عند المعاصرين لما فيه من التيبس والعسر والاضطراب والكآبة.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدة المدينة، ملحق الرسالة: الجمعة 1434/9/4 هـ 2013/07/12 م العدد : 18342
http://www.al-madina.com/node/465622

الجمعة، 5 يوليو 2013

نفاضة الجراب 42 قرار (بدل فاقد) بعد مناقشته والتصويت عليه

قرار (بدل فاقد) بعد مناقشته والتصويت عليه
كتبتُ قبل أشهر مسوّدة قرار (بدل فاقد) ونُشرتْ في حلقاتٍ على صفحات هذا الملحق المتميز (ملحق الرسالة) ثم عُرضت مسوّدة القرار على عددٍ من المتخصّصين في العربية من المملكة وغيرها، وهم كُثُر، يزيد عددهم عن مئة، تَم التواصل معهم بطرق التواصل الحديثة، وممّن عُرضت عليهم مسوّدة القرار أعضاءُ قسم اللّغويّات بكليّّة اللّغة العربيّة بالجامعة الإسلاميّة، وعدد من الأساتذة في أقسام اللغة العربيّة بالجامعات السعودية، وجامعاتٍ عربية، بالإضافة إلى أعضاء (مجمع اللغة الافتراضي) في حسابه على تويتر من أهل التخصص، وقد تفضّل بالرّدّ ممّن استُطلعت آراؤهم وطُلب منهم النّظر في مسوّدة القرار (تسعةٌ وسبعون عضواً) وكانت النتيجة كما يأتي:

أولا: أربعةٌ وسبعون عضواً أجازوا الاستعمال الشائع (فدل فاقد)

ثانياً: خمسةُ أعضاءٍ لم يجيزوه، وتمسّكوا بالأصل (بدل مفقود)

فصدر قرار المجمع بالأغلبيّة، ونصُّ القرار:
((يرى مجمع اللغة الافتراضي أنَّ الأصل في الأوراق الثبوتيّة التي فُقِدَتْ واستُخرج بديلٌ عنها أنْ تُسمّى: (بدل مفقود) ويُجيز المجمع الاستعمالَ الشائع المعاصر (بدل فاقد) ويرى أنّه صحيح لفظاً ومعنى، وأن غرضه الاتّساع في اللغة، أو المجانسة اللفظية والمشاكلة مع قولهم: (بدل تالف) وهو محمولٌ في التصريف على العدول في الصيغة، إما من باب فاعل بمعنى مفعول، أو من باب النّسب الشاذّ، بمعنى ذي فقد، كنظائره ممّا جاء في القرآن والحديث النبويّ وفصيح كلام العرب، ولوجود ما يؤمن به اللّبس، وهو إضافةُ كلمة (بدل) إلى (فاقد) فالبدل للمفقود وليس للفاقد، وهنا يُؤمن اللّبس، أو يُحمل على تضمين الفعل (فَقَدَ) معنى (ضاعَ) فيكون لازماً، ويكون الشيءُ فاقداً أي ضائعاً.
ويرى المجمع أنّ أجازته على هذه الأوجه اللغويّة أولى من تعسّف الرّدّ وتخطئة الناس، فاللغة استعمالٌ وقياس، وجريان هذا اللفظ على الألسن مساير لقانون علم اللغة الاجتماعيّ ولا يُنافي أقيسة العربيّة المشار إليها)) انتهى.

وثمّة تعليقاتٌ وآراء لعدد من الأساتذة وردت من بلدانٍ مختلفةٍ وجامعات عديدة، ولبعضهم أقوالٌ مطوّلة في تعليل القرار وقبوله، ولضيق المساحة فإنّي أكتفي بنقل تعليقٍ واحد، للأستاذ الدكتور عبدالكريم عوفي من الجزائر، قال: ((إن استعمال الناس في اللغة المعاصرة (بدل فاقد) استعمال تؤيّده أصول التقعيد اللغويّ والنحويّ (السّماع والقياس) وشواهدُهُ من الكلام العربيّ الفصيح؛ شعره ونثره،كثيرةٌ ومتنوعة، ولعلّ أهل العربيّة المعاصرة يريدون مجاراة السّلف فيما جرَوا عليه من التّوسّع في الاستعمال والمجانسة وطلب الخفّة، وهو مسلك أخذ به كثيرٌ من علماء التصويب اللّغويّ على مرّ الأعصُر، كما جاء في حيثيّات القرار ومسوّغاته، ثم إنّ كلماتٍ كثيرةً مماثلةً نسمعها في عربيّتنا المعاصرة، في الأقاليم المختلفة، في المشرق والمغرب، تجري على ألسنة العامّة، وهي ذات أصول فصيحة، لكنّ منشئي النصوصِ الإبداعية والإعلامية يهجرونها ظنّا منهم أنّها ليست سليمة، ولذلك لا نرى مانعاً في استعماله))

وهناك تعليقات وآراء لعدد من الأساتذة، من السعودية ومصر والمغرب، تم توثيقها في حيثيات القرار، ويمكن الرجوع إليها في أرشيف المجمع.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدة المدينة - ملحق الرسالة
الجمعة 1434/8/26 هـ 2013/07/05 م العدد : 18335
http://www.al-madina.com/node/464298