الجمعة، 9 ديسمبر 2016

التحرير في بيان جمع التغيير:

التحرير في بيان جمع التغيير
سعيد بن عبدالخالق

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،  أما بعد :
     فقد جرى خلافٌ بين أساتذةٍ كرامٍ في مفرد ( تغييرات) ، فذهب الدكتور عبدالرزاق الصاعدي إلى أنه اسم المرّة ( تغييرة )، وقرر ذلك في مقاله ( الرضي يحسم النزاع في مسألة ست تغييرات )، وذهب الدكتور أبو أوس الشمسان والدكتور سليمان العيوني إلى جواز كونه مصدرًا مجردا ( تغيير) جوازًا راجحًا، وجوازِ كونه اسم مرّة ( تغييرة ) جوازًا مرجوحًا .

    ويظهر أثر هذا الخلاف في إضافة العدد إلى ( تغييرات) ، اعتبارًا بالمفرد - على مذهب الجمهور -  في المخالفة بين العدد والمعدود ، فمن جعله ( تغييرة ) قال : ( ثلاث تغييرات) بتذكير العدد ليس غيرُ ، ومن جوّز فيه ( تغيير و تغييرة ) قال :(ثلاثة تغييرات أو ثلاث تغييرات) باعتبار مراد المتكلم .

     وتحقيق المسألة أنّ لفظةَ ( تغيير ) مصدرٌ، والأصل في المصادر أنها لا تُجمع؛ لأنها تدل على الجنس، والجنس واحدٌ يشمل القليل والكثير ، فلا ثانيَ له ليُضمّ إليه، فإذا أُريد بالمصدر أنواعٌ مختلفةٌ جاز تثنيتُه وجمعُه ، وذلك أنه إذا قُصد به نوعٌ معيّن فقد خرج عن دلالة الجنس إلى دلالة النوع، فينزَّل حينئذ منزلة الأسماء من جهة صحة التثنية والجمع، وعلى هذا فيكون (تغييرٌ ) من الأسماء الخماسية التي زِيد قبل آخرها حرفُ مدّ، والعرب تجمع الاسمَ الخماسيَّ المزيدَ قبل آخره حرفُ مدٍّ على ( مفاعيل ) وما يماثله في العِدّة والهيئة وإن خالفه في الوزن ، فتقول : قناديل ومناديل ومساكين وعصافير وقراطيس وتماثيل ، في جمع : قنديل ومنديل ومسكين وعصفور وقرطاس وتمثال .
      وعليه فيُجمع ( تغييرٌ ) إذا صار اسمًا على تغايير قياسًا ، وما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب .

     ولا يجوز أن يُجمع على ( تغييرات ) ؛ لأنه غير داخل في الأنواع التي تُجمع بالألف والتاء ، ولا يصح قياسه على ما شذّ منها مِما مفردُه مذكّرٌ - على القول بقياسيّتها - لانتفاء العلّة التي من أجلها جُمعت بالألف والتاء ، وهي كونها لم تُكسّر على جمعٍ من جموع التكسير .

     والذي يُجمع على (تغييرات ) المصدرُ الدال على الوحدة وهو ( تغييرة ) ، وجمعه بالألف والتاء جمعٌ قياسي لا إشكال فيه .

     فالخلاصةُ أن عندنا جمعَينِ ، جمعًا للمصدر العدديّ وهو ( تغييرات ) ، وجمعًا للمصدر النوعيّ وهو ( تغايير ) ، فمن أراد تعديد المرّات أتى بالأول ، ومن أراد بيان اختلاف الأنواع أتى بالثاني ، وقد أشار ابن الدهّان في شرح اللمع  إلى هذا الفرق فقال (١٧٧/١ تحقيق د. فريد الزامل ) :
"والأَولى إذا أردتَ تثنيتَه وجمعَه أن تقولَ : ضربتُه نوعين من أنواع الضرب وأنواعًا منه .
       فإن قيل : قد أجزتَ جمعَه فقلتَ : ضربةٌ وضَرَباتٌ ، ولم يفتقر إلى شريطة ، وقد حكمتَ بأنه لا بُد في قولك : ضربتُ ضربين  [ في المطبوع (ضربتين) وهو تحريفٌ ظاهرٌ وصوابه في المخطوط ]  من اختلاف النوع حتّى يُثنّى ويُجمع .
فالجواب : أنّ هذا ليس كالأوّل ، وأنّ هذا لِعَددِ المرّات ، ولهذا المعنى جئتَ بتاء التأنيث ، لِتُثبتَ عِدَّة فِعلك ، كما تقول : تمرة وتمرتان وتمَرات ، ولا تقول : تمور إلّا إذا اختلفت أنواعُه".

     وقد كثُر في كلام النحاة  الجمعُ العدديُّ ( تغييراتٌ ) ؛ من قِبَل أنّهم يقصدون بيانَ العدد ولو اختلفت الأنواع  ؛ إذ يلزم من اختلاف الأنواع تعدّدُ المرّات ، فيقولون : في هذه الكلمةِ ثلاثُ تغييراتٍ ، يقصدون بيانَ عددِ التغييرات التي تلحق الكلمة ، وأما إذا نظروا إلى اختلاف الأنواع فإنهم يجمعونه على تغايير كما جاء في كلام بعضهم .

      والذي يدفعني أن أحملَ كلام النحاة على قصد اعتبار العدد أمران :

١- دلالة الجمع بالألف والتاء؛ إذ هي دالّةٌ على الجمع العدديّ كما مرّ، والأصل مطابقة المعنى للفظ .

٢- تذكير العدد مع هذا الجمع في كلام أكثرهم ، فيقولون : ثلاث تغييرات ، مما يدل على أنه جمعٌ لاسم المرّة ( تغييرة ) .

      وليس في عدم استعمال اسم المرّة  دليلٌ على أنّ مفرد تغييرات هو المصدر المجرّد، لأن (تغييرة) ثابت بالنظائر وإن لم يُستعمل كــ( تكبيرة) و( تسليمة ) و(ترويحة ) و(تسبيحة ) .

     وأمّا ماورد في كتب بعضهم من تأنيث العدد نحو : ثلاثة تغييرات ، فلا ينبغي - في تقديري - أن يُعارض به الأصل السابق  ، وإنما يُخرّج ما ورد من ذلك على أحد أمرين :

 ١- تحريفٌ من الناسخ ، خالفتُه النسخ الأخرى ، وقد ثبت هذا في شرحَيْ السيرافي والشاطبي .

٢- توهّمٌ من العالِم نفسِه ، فظنّ أنّ المفرد مذكّرٌ ، وتبعه آخرون ممن نقلوا كلامه، كما في شرح المرادي للألفية  في أول باب النسب ، ونقله الأزهريُّ في التصريح بنصّه ، وربما يكون تحريفًا ؛ لأن كثيرًا ممن نقلوا كلام المرادي كالأشموني والسيوطي والخضري أوردوه على الأصل بتذكير العدد .

     والتوهّمُ في مثل هذا الموضع واردٌ غير مستبعد .

    وهذا التخريج أحسنُ عندي من القول بأن تغييراتٍ جمعٌ لتغييرٍ  ؛ لما في هذا القول من مخالفةٍ لاستعمال العرب في الجمع دون سماعٍ معتبرٍ أو قياس صحيح ، و لما يُفضي إليه من اللبس بين الجمع العددي والجمع النوعي .

     ولو جُوّز جمعُ تغييرٍ على تغييراتٍ لكان جوازًا على ضعفٍ ، لمخالفته للقياس الصحيح والاستعمال الشائع .

    وعلى هذا فالصوابُ في هذه المسألة - في رأيي - ما ذهب إليه الدكتور عبدالرزاق، والله أعلم. وأسأل الله أن يوفّق الأساتذةَ الأفاضلَ لما يحب ويرضى وأن يجزيهم خيرا لما يقدمونه من جهود مباركة لطلاب العلم .

كتبه/ سعيد بن عبدالخالق

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

القول الفصل في تأصيل "ستّ تغييرات" و"ستّة تغايير":

القول الفصل في تأصيل "ستّ تغييرات" و"ستّة تغايير"
الجزء الأول: التنظير النحوي والصرفي
    خلاصة ما جاء في المقالة الأولى التي جعلتها بعنوان (الرضي يحسم النِّزاع في مسألة "ستّ تغييرات") أنّ الصّواب أنْ تقول: ستّ تغييرات وستّة تغايير، على قاعدة المغايرة بين لفظ العدد وما يضاف إليه؛ لأن مفرد تغايير: تغيير، وهو مصدر الرباعي فعّل، ومفرد تغييرات تغييرة، وهي اسم المرة من ذلك المصدر، وأن المصادر تلحقها تاء التأنيث لكل ما يراد به دلالة الوحدة أو المرّة، وهو القياس الذي يجري عليه الكلام، وأن هذا المصدر المؤنث يجمع جمع سلامة بالألف والتاء، وما خلا من تاء التأنيث يجمع جمع تكسير عند إرادة التنوّع، ويكون تكسيره على غير وزنٍ، وتكسير ما وزنه تفعيل على تفاعيل، وأنّ كلام العلماء في النوعين يجرى في مجمله على القاعدة، وتاج ذلك قول الرضي في شرح الكافية (القسم الثاني 1/ 687 طبعة جامعة الإمام) في حديثه عن جمع المؤنت السالم حين ذكر أن قياس المصدر الدالّ على المرة أن يجمع جمع سلامة بالألف والتاء، بخلاف المصدر الخالي من التاء فإنه يجمع جمع تكسير، فيقال: ثلاث إكرامات وتخريجات بتجريد العدد من التاء، وثلاثة أكاريم وتخاريج إذا قصدت ثلاثة أنواع من الإكرام؛ لأن أصل الجمع المكسر مذكّر: (إكرام وتخريج) وأصل المجموع بالألف والتاء مؤنث: (إكرامة وتخريجة).

    وكان فيما ذكرته في تلك المقالة غنية للنحويّ والفقيه اللغويّ وحجّة للقطع بصحة (ستّ تغييرات) ولكني رأيت الكلام يستطيل في المسألة ويتشعّب وينحرف بعضه عن الجادّة، فرغبت هنا في مزيدٍ من البحث والبسط ومزيد من المدارسة العلمية مع بعض الأكاديميين الفضلاء ممن خاض في المسألة ووافقني أو خالفني فجعل الصواب (ستّة تغييرات) مع إجازته (ستّ تغييرات) على وجه مرجوح لا راجح، وأما من زعم أنّ (ستّ تغييرات) لحنٌ وسخر من علمائنا الذين تكلموا بها وخطّأهم بغير هُدى ولا وجه حقّ مع خروجه عن أدبيات الحوار العلمي ولجوئه إلى الاستفزاز بأساليب سخيفة فليس للحوار معه أيّ فائدة تُرجى، ولا يُتشاغل بالرّدّ عليه، وكلامي هنا موجّه لأهل العلم والفضل، الذين يعرفون آداب الحوار وهم كُثُر، ومنهم الأستاذ سعيد بن عبدالخالق (وفهمه للمسألة دقيق ولا خلاف بيني وبينه) والأستاذ الدكتور سليمان العيوني، وهو يجيزها ولكنّه يخالفني في الترجيح، فعنده أن الأرجح ستّة تغيرات وأنّ ستّ تغييرات جائزة على ضعفٍ!، وكذلك الأستاذ الدكتور إبراهيم الشَّمسان، وهو يرى أن الفصيح ستّة تغييرات؛ لأن مفرد تغييرات –عنده- تغيير لا تغييرة، كما جاء في آخر مقالاته: (هل نقول: تغيير وستّ تغييرات؟) ويجيز ستّ تغييرات على ضعف، ويرى في توجيهها ما رأيته أوّل الأمر في بعض تغريداتي قبل كتابة مقالي الأول، وذلك باعتبار لفظ الجمع لا المفرد عند المخالفة بين العدد ومعدوده، وهو الرأي المنسوب للكسائي وبعض البغداديين ومنهم ابن قتيبة.. وخصصت الثلاثة بالذكر لأنّ غرضهم علمي، يريدون الوصول إلى الحقّ في المسألة، دون تسفيه الرأي المخالف، فلهم الشكر على ما تفضّلوا به من أُطروحاتٍ مهمّة في حواراتهم.

    إن مفتاح هذه المسألة هو معرفةُ مفرد (تغييرات) ومفرد (تغايير) ويتبع معرفتهما الحكمُ على ضوء قاعدة مخالفة العدد معدوده في التذكير والتأنيث، ثم كيف جرى استعمال ذلك على ألسنة الأئمة الأعلام وأقلامهم؟ هذان سؤالان رئيسان يحسم جوابهما النزاع في المسألة، ويأتي بعد ذلك تفنيدُ اعتراضاتٍ رأيتها في بعض كلام أولائك الزملاء الفضلاء.. فإليكم تفصيل القول:

أولاً: كيف يجمع التفعيل مصدر فعّل؟
      المصدر نوعان، ولكل نوع قياسٌ في الجمع:
    الأول ما خلا من تاء التأنيث، والأصل فيه ألا يجمع، لدلالته على الحدث المجرد، وجمعه بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع، فإن أُريد به الأنواع أو خرج عن المصدرية وانجذب إلى الاسمية جُمع جمع تكسير، لما فيه من معنى الاسمية، وحديثنا هنا عن التفعيل مصدر فعّل، فقياسه أن يجمع على تفاعيل؛ لأنّ ما قبل آخره حرف مدّ، كتفعيل وتفعال وتفعول وما يحمل عليها من السداسي كاستخراج، فيقال في تحميد وتقدير وتغيير مما جاء على تفعيل: تحاميد وتقادير وتغايير، وكذلك أخواتها في هذا الباب وما انجذب منه إلى الاسم، لما فيه من معنى الاسمية، وعلى هذا جرى استعمال الأئمة في كتبهم.
      ومما سمع منه: (التَّصاوير) جمع تصوير، جاء في أحاديث تحريم التصوير، ومنها ما في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها ((أنّها أخبرتهُ أنّها اشترتْ نُمْرُقَةً فيها تَصاوِير)) (البخاري ح 2105 وأخرجه مسلم في اللباس والزينة باب تحريم تصوير صورة الحيوان. رقم 2107) وقال ابن معصوم (الطراز الأول (صور) 8/ 271) ((التَّصَاوِيرُ: التَّماثِيلُ، واحِدُهَا تَصْوِيرٌ، وهو في الأصلِ مصدرٌ سُمِّيَ به ما يُصَوَّرُ ويجعلُ صُورةً)).
      ومنه (التهاويل) جمع تهويل، ففي العين (هول 4/ 87): ((التَّهاويل: جماعة التَّهويل))، وفي الصحاح (هول) 5/ 1855): ((والتهويل: التفزيع. والتهاويل: ما هالك من شئ. وهَوَّلَ القومُ على الرجل))، وقال ابن سيده (المحكم هول 4/ 304): ((قد هَوَّلَ عليه، والتَّهوِيل: ما هُوِّلَ به، قال:
على تَهـاوِيلَ لَها تَهْوِيلُ
... والتَّهاوِيلُ: زِينَة التصاوير والنقوش وَالثيَاب والحلى، واحدها تَهْوِيلٌ)). وقال الفيروزي (القاموس هول 1386): ((والتَّهاويلُ: الألوانُ المختلفة، وزينة التّصاوير والنُّقوش والحَلْي، والتَّهْوِيلُ: واحِدُها)).
     وسيأتي في الجزء الثاني من هذا المقال مزيدٌ من الأمثلة مما جمع على تفاعيل من مصادر جاءت على التفعيل، وهي متّسقة مع القياس لا تندّ عنه، ولذا توسّع فيها العلماء وأجروها في أساليبهم وولّدوا منها ما شاؤوا لعلمهم باطرادها في القياس.
     وما يجمع جمع تكسير في هذا الباب وغيره لا يجمع بالألف والتاء، إلا في ألفاظ قليلة مرصودة حكم عليها النحويون بالشذوذ، وذكروها في كتبهم، ولا يجيزون خروج الباب عن هذا الحدّ إلا على طريق النادر لعلةٍ صحيحة، (ينظر: شرح الرماني 737 تحقيق د. أحمد المعبّدي) لأنه لا حاجة إلي جمعه بالألف والتاء حين يُكسّر، وقال أبو علي الفارسي فيما نقله عنه ابن سيده (المخصص 14/ 119): ((إنما يجمع بالألف والتاء ما لم يكسّر ليكون ذلك كالعوض من التكسير، فأما ما كُسّر فلا حاجة بنا إلى جمعه بالألف والتاء))، وتوهموا في بعض ما خرج عن قاعدتهم التأنيث حين جاء بالألف والتاء، كأَهْل وأَهَلات وإن كانوا قد قالوا: أهالٍ؛ لأنهم قد توهّموا به: أهْلة. (ينظر: المخصص 14/ 119) وقال ابن مالك بعد أن ذكر ما يجمع بالألف والتاء قياسا مطردا: ((وما سِوى ذلك مقصور على السماع)) (شرح التسهيل 1/ 112)، ولذا حاولوا حصر ما خرج عن القياس، قال ابن مالك: (شرح التسهيل 1/ 114): ((فلا يجمع شيء من هذه الأسماء والصفات ونحوها بالألف والتاء إلا إذا سمع، فيعد من الشواذ عن القياس، ولا يُلْحقُ به غيره، فمن الشاذ: سماء وسماوات، وأرض وأرَضات وعُرُس وعُرُسات وعِير وعِيرات، وشمال وشمالات، وخَوْد وخَوْدات، وثَيِّب وثَيِّبات. وأشذّ من هذا الجمع بعض المذكّرات الجامدة المجردة، كحسام وحسامات، وحمّام وحمامات، وسرادق وسرادقات، وكل هذا شاذ مقصور على السماع)).

     ولم أجد فيما شذ عن القياس وذكروه في كتبهم شيئًا من باب (تفعيل) فيعلم بذلك أنه كغيره في القياس المطرد، يجمع جمع تكسير، ولا يجمع جمع سلامة بالألف والتاء، فليس لأحد أن يدّعي أن تغييرًا جُمع على تغييرات؛ لأن القياس يأبى هذا، وليس ثمة سماعٌ به، فهو مما كُسِّر على تغايير ومنع من تغييرات، فإن قال: إنهم يقولون في أساليبهم: (فيه من التغيير عدة تغييرات) (وهناك تغييرات: الأول منها) ونحو هذا، قلتُ: هذا منقوض بما سيأتي في الجزء الثالث إن شاء الله.

    والثاني ما فيه تاء التأنيث من المصادر، وهو ما دلّ على الوحدة، ويسمّى اسم المرّة، ويجمع قياسًا بالألف والتاء، وباب هذا الجمع أن يكون للمؤنث الذي فيه علامة التأنيث أو المذكر المسمى باسمٍ فيه هاء التأنيث أو المنعوت بنعت فيه هاء التأنيث، كما يقول السيرافي (شرح الكتاب 14/ 240)، وهو عند التفصيل جمعٌ لخمسة أشياء أوجزها ابن مالك في التسهيل بقوله: ((يُجْمَعُ بالألف والتاء قياسًا، ذُو تاء التأنيث مطلقا، وعلمُ المؤنث مطلقا، وصفة المذكر الذي لا يعقِل، ومُصَغَّرُه، واسمُ الجنس المؤنث بالألف إن لم يكن فَعْلى فَعْلان أو فَعْلاء أفعل غير منقولين إلى الاسمية حقيقة أو حكما. وما سِوى ذلك مقصور على السماع)) (التسهيل 20 وشرحه 1/ 113) وقال: ((ذو تاء التأنيث مطلقا)) ليدخل في ذلك العَلَم واسم الجنس والمدلول فيه بالتاء على تأنيثٍ أو مبالغةٍ أو اسم مَرّةٍ في المصدر، وما سِوى هذه الأنواع الخمسة مقصور على السماع كما قال (شرح التسهيل 1/ 114)، فيحفظ ولا يقاس عليه، كما يقول ابن عقيل في المساعد 1/ 76، وأصل هذا قول سيبويه: (3/ 615) في باب (ما يجمع من المذكّر بالتاء لأنه يصير إلى تأنيثٍ إذا جمع): ((فمنه شيءٌ لم يُكسّر على بناء من أبنية الجمع بالتاء إذ مُنِعَ ذلك، وذلك قولهم: سرادقاتٌ، وحمَّاماتٌ، وإواناتٌ، ومنه قولهم: جملٌ سبحلٌ وجمالٌ سبحلاتٌ، وربحلاتٌ، وجمالٌ سبطراتٌ. وقالوا: جوالقٌ وجواليقُ فلم يقولوا: جوالقاتٌ حين قالوا: جواليق))، ثم قال عَقِيب هذه الشواذّ: ((فهذه حروف تُحفظ ثم يُجاء بالنظائر)) يعني الجمع بالألف والتاء فيما ليس فيه هاء، كما يقول السيرافي (شرح السيرافي 14/ 241).

    وجاء جمع تلك الشواذ بالألف والتاء تعويضا لها عما فاتها في بابها وهو جمع التكسير، كما قال الفارسي فيما سبق نقله، وإلى هذا يشير الرماني في الشرح (737 تحقيق د. أحمد المعبدي) فيقول: ((ليكون عوضا مما منع من ذلك، ولا يجوز خروجه عن هذا الحد إلا على طريق النادر لعلة صحيحة. وجُمِعَ سرادق: سرادقات؛ لأنه لم يكسّر، وكذلك حمّام وحمّامات)). كما أن ما جمع بالألف والتاء لا يجمع جمع تكسير، فــ((ـلا يجوز في جوالق: جوالقات؛ لأنه كُسِّر على جواليق، ولا يجوز خِنْصِرات ولا مِحْلجات لقولهم: خناصر ومحالج، وإن كان تكلم به المولّدون، ومذهب العرب فيه على ما بيّنا، ويجوز عِيرات حين لم يكسّروها، وجاء على طريق النادر بُوان وبُوانات وبُون، ووجهه أنه جمع بُوانات على قياس الباب، ثم احتيج إلى تكسيره فقيل: بُون على التشبيه بغيره من نحو: خِوان وخُون))، وقريب من هذا ما في شرح التسهيل (1/ 114) لابن مالك.

     ويزيد أبو حيان (التذييل 2/ 100) المسألة بيانًا إذ يقول: ((وبعض هذه الأسماء كُسّر، ومنهم من فصل في ذلك، فقال: إما أن يكون المذكر المكبر جُمع جمع تكسير أو لا، وكذلك أيضاً المؤنث المكبر الذي ليس بعلم، ولا فيه علامة تأنيث، إما أن يكون جُمِعَ جمع تكسير أو لا، فإن كان النوعان جُمعا جمع تكسير فلا يجوز أن يجمعا بالألف والتاء، وذلك نحو: جُوالق وأرنب وخِنْصِر... وقد شذّ من ذلك بُوان وبُوانات وعُرس وعُرسات وضِفْدَع وضِفْدِعات؛ لأنّ العرب قد كسّرتها، فقالوا: بُونٌ وأعراسٌ وضَفادع، ولذلك لُحِّنَ أبو الطيب في قوله:
إذا كان بعضُ الناسِ سَيفاً لدولة     ففي النــــــــاس بُوقاتٌ لها وطُبُـولُ
فجمع بُوقاً على بُوقات وقد كسّرته العرب فقالوا: أبواق. وإن لم يكونا جُمِعا جمع تكسير جاز أن يجمعا جمع سلامة بالألف والتاء قياساً مطرداً. وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أخيراً، فتقول في: حَمّام وسِجِلّ وسُرادق وإصْطَبْل: حَمّامات وسِجِلّات وسُرادقات وإصطبلات. وهذا المذهب هو ظاهر كلام سيبويه))، وهو يريد ما ذكرتُهُ آنفا من كلام سيبويه.

     ولهذا كله قال الرضي (القسم الثاني 1/ 687 طبعة جامعة الإمام) قولته الفذّة عند حديثه عن جمع المؤنث السالم: ((ومنه قولك الإكرامات والتخريجات والانطلاقات ونحوها؛ لأن الواحد: إكرامة وتخريجة بتاء الوحدة، لا إكرام وتخريج. وجمع المجرد: أكاريم وتخاريج عند اختلاف الأنواع (يعني حين يجوز جمعه) فالإكرامات كالضربات والقتلات، والأكاريم كالضروب والقتول. فلذا يقال ثلاث إكرامات وتخريجات بتجريد العدد من التاء، وثلاثة أكاريم وتخاريج إذا قصدت ثلاثة أنواع من الإكرام))؛ لأنه وجد أن المصادر بغير التاء تجمع جمع تكسير، فجعل بابها التكسير، على ما جاء في كلام العرب، وباب اسم المرة التأنيث على القياس، فالأصل أنّ كل ما جاء من المصادر مجموعا بالألف والتاء فهو للمرّة (تفعيلة) وكل ما جاء مكسّرا فمفرده مذكر (تفعيل) ولا يختلط هذا بهذا إلا في السهو أو الوهم أو التوهّم، كما سيأتي.

     وبهذا يظهر جليا لكل ذي نظر أن الصواب الذي يوافق كلام العرب وما استقرّ لدى النحويين أنّ يقال: ستّ تغييرات وستة تغايير، ولا يقال: ستّة تغييرات، خلافًا لأصحابنا، أعني الدكتور إبراهيم الشمسان والدكتور سليمان العيوني.
     وسيأتي الكلام في الجزء الثاني على الشواهد وأساليب العلماء مما يثبت ما ذهبت إليه ويقطع به، ويليه إن -شاء الله- ذكرُ الملحوظات وتفنيدُ الاعتراضات.

(يتبع)
عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة - الجمعة 2 ديسمبر 2016م

الأربعاء، 30 نوفمبر 2016

مصطلحات سيبويه التي عرفها المحقق عبد السلام هارون في فهارس النص:

[1] مدخل لفهم كتاب سيبويه
مصطلحات سيبويه التي عرفها المحقق عبد السلام هارون في فهارس النص
 يوسف السناري
بسم الله الرحمن الرحيم
         الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
         أما بعد... فهذه ورقة صغيرة في مصطلحات كتاب سيبويه، التي نص عليها العلامة عبد السلام هارون في فهرس تحقيقه للكتاب، وقد جمعتها لقارئ الكتاب؛ كي تكون مدخلا له في قراءته؛ إذ كانت شذرَ مذرَ في فهارس النص، وجمعُها في ثبَتٍ واحدٍ حقٌّ على أهل اللسان العربي المبين، وقد عزوت أرقام الصفحات التي جاءت في فهارس الكتاب كما هي، ولم أعز إلى موضع النقل من الفهرس حتى لا يضطرب الأمر على مَن يريد المراجعة، ومن أراد مراجعة الفهرس فيمكنه الرجوع إليه عن طريق الحرف المعزَى إليه، وبذلك أكون قد ضمنت للقارئ الموضعين: موضع المعرَّف في نص الكتاب، وموضع التعريف الذي ذكره المحقق في فهارس النص.
        وإن لي في مصطلحات الكتابِ شيئًا ذا بالٍ، سأذكره لك عما قريب إن قدر الله تعالى لي ذلك، وأشكر الله على ما أنعم به عليَّ، كما أشكر العلامة الدكتور عبد الرزاق الصاعدي على إتاحة نشر ورقتي هذه في مجمعه الموقَّر والحمد لله رب العالمين.
البدء في المقصود:
1-الاتساع بمعنى مجاز الحذف. (1/221-216) (حرف الهمزة).
2-اسم الآلة: يسميه سيبويه: اسم ما عالجت به. (4/94-95). (حرف الهمزة).
3-اسم التفضيل: أفعل التفضيل. (حرف الهمزة).
4-اسم الزمان: يسميه سيبويه: الحسن. (4/88). (حرف الهمزة).
5-اسم المكان، يسميه سيبويه: اسم الموضع. (4/87). (حرف الهمزة).
6-الإضافة بمعنى النسبة وبمعنى المضاف والمضاف إليه. (3/335)، و (3/81-82). (3/335). (حرف الهمزة). وقال: النسب: يسميه سيبويه: باب الإضافة، وباب النسبة. (3/335). (حرف النون).
7-الإضراب: يسميه سيبويه الانقطاع والقول على كلامين. (3/172، 178، 188). (حرف الهمزة).
8-الأفعال الخمسة: يعبر عنها سيبويه بتثنية الأفعال المضارعة وجمعها. (1/19-20)، (3/522-523، 525). (حرف الهمزة).
9-الإمالة يسميها: بالإجناح (3/287). (حرف الهمزة).
10-اللام الفارقة: يسميها: لام التوكيد. (4/233)، (2/140)، (4/233). (حرف الهمزة، إن المخففة من الثقيلة).
11-باء الإضافة: الجر. (4/214). (حرف الباء).
12-التحذير: يسميه: النهي. (1/253، 257، 273، 249). (حرف التاء).
13-التكرير يطلقه على التوكيد أو عطف البيان (3/508). (حرف التاء).
14-الجار والمجرور: استعمله بمعنى المضاف والمضاف إليه. (1/177). (حرف الجيم).
15-الحال يسميه خبرا، وصفة. (2/49، 50، 81، 87، 92)، (2/121). (حرف الحاء).
16-الصفة بمعنى التوكيد. (2/351، 359، 385، 391).
17-صلة الموصول يسميها سيبويه: الحشو (2/105-108). (حرف الصاد).
18-الخبر: المسند إليه. (حرف الخاء).
19-الضمير يسميه الإضمار أو علامة الإضمار أو علامة المضمر. (2/5-6، 78، 350-397، 4/189-202). (حرف الضاد).
20-ظروف الزمان يسميها ظروف الدهر (1/419). (حرف الظاء).
21-العَلَم يسميه بالعلامة. (2/5). (حرف العين).
22-علم الجنس: يسميه ما يكون الاسم الخاص شائعا في الأمة. (2/93-96). (حرف العين).
23-القلب يطلقه على عدة أمور:
الأول: عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة (2/50-51).
الثاني: التقديم والتأخير في المبتدأ أو الخبر (3/135، 137).
الثالث: تقديم الجواب على الشرط. (3/83). (حرف القاف).
24-لام الجر: لام الإضافة (4/217). (حرف اللام).
25-لام النافية للجنس، ويسميها: العاملة عمل إن. (2/274). (حرف اللام).
26-المفعول له: يسميه سيبويه حينا: ما ينتصب من المصادر لأنه عذر (مفعول لأجله). (1/367-372). (حرف الميم).
27-المقصور: يسميه سيبويه: المنقوص. (3/386، 390-391، 413). (حرف الميم).
وقال أيضا: المقصور الثلاثي (ويسميه سيبويه المنقوص) (3/342).
وقال أيضا: المنقوص: يسميه سيبويه: ما آخره ياء تلي مكسورا. (3/414، 415).
28-النصبة بمعنى الفتحة. (2/204). (حرف النون).
29-ياء المتكلم: يسميها (ياء الإضافة) في معظم المواضع. على سبيل المثال: (2/385)، (4/203).  (حرف الياء).

انتهت الورقة، والحمد لله رب العالمين، كتبها: يوسف السناري، مصر.

الجمعة، 18 نوفمبر 2016

القرار الخامس والعشرون: الواو المقحمة بين الصفة الموصولة وموصوفها:


القرار الخامس والعشرون
 الواو المقحمة بين الصفة الموصولة وموصوفها
      شاع في استعمال بعض المحدثين إقحامُ الواو بين الصفة الموصولة (الذي وفروعه) وموصوفها، مع اتصالها بموصوفها وتبيينها إياه، كقول القائل: ((هؤلاء هم حماة اللغة، والذين أخرجوا أحدث معاجمها)) يريد الذين.. وقوله: ((هذا أحد إنجازات السلطان والتي تمتد إلى عدة أجيال)) فيوهم ظاهر الأسلوب أنه من باب العطف والتغاير بين الصفة وموصوفها، مع أن المتكلم يريد معنى النعت لا عطف المتغايرات، فيلتبس مراد المتكلم ويخفى أو يعتريه ضعف التركيب.
     واستعمالها في هذا الأسلوب الشائع مع الاسم الموصول لا يستقيم؛ لكون المراد من استعمال الواو العاطفة المغايرة. وعطف الصفة على موصوفها في العموم يخالف الأصل، فلا يقال: شَهِدَ بهذا زيدٌ والفقيهُ، على أن الفقيه صفةٌ لزيد؛ إنما: شَهِدَ بهذا زيدٌ الفقيهُ، ((ولم تُعْطَف الصفةُ على الموصوف من حيث كان الشيء لا يعطف على نفسه لفساده))؛ لأن ((الصفة والموصوف كالشيء الواحد))، وما ورد من شواهد محتملة العطف بين الصفة وموصوفها مختلَفٌ في توجيهه.
     والمستفيض في فصيح كلام العرب مجيء الواو عاطفةً بين صفات متغايرة في مدلولها متحدة في موصوفها، فإنْ تكرر الاسم الموصول جاز العطف عليه، لتغاير الصفات، كقول الله عز وجل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذي خَلَقَ فَسَوَّى، والَّذي قَدَّرَ فَهَدَى، والَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى{، وقوله: }ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ{، وقوله: }فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ{ فالواو هاهنا تأتي بعد تكرار الموصول لتعطف بين صفات متغايرة وهي عربية ثبت استعمالها في فصيح الكلام، بخلاف المقحمة بين الصفة وموصوفها، ولذا خلا الموصول الأول منها؛ لأنه صفة لما قبله.
قرار المجمع:
    بعد الاطلاع على الورقات الأربع المقدمة في هذا الموضوع وما أثارته من نقاشات علمية عُرضت مسودة القرار على لجنة علمية فرأت بالإجماع أن هذه الواو المقحمة بين الصفة الموصولة وموصوفها تغيّر بإقحامها المعنى وتحوله من النعت إلى عطف المتغايرات؛ لأنها توهم العطف خلافا لمراد المتكلم، فوجب حذفُها والاستغناء عنها دفعًا للبس وموافقةً للشائع الفصيح من كلام العرب القائم على الوضوح والبيان لا على الإشكال والإيهام، فإن تكرر الاسم الموصول جاز دخول الواو عليه، لأنها حينئذ تخرج من الوصف إلى عطف الصفات.
مجمع اللغة الافتراضي
المدينة المنورة
18 صفر 1438هـ الموافق 18 نوفمبر 2016م

أعضاء اللجنة العلمية وأصواتهم لهذا القرار:
(الأسماء مرتبة على الحروف)
1- د. أحمد البحبح = موافق
2- أ.د. أنس محمود فجّال = موافق
3- د. البندري السديري = موافقة
4- د. حسن العمري = موافق
5- د. حسن قابور = موافق
6- د. خالد أبو حكمة = موافق
7- د. سامي الفقيه الزهراني = موافق
8- أ. سعيد صويني = موافق
9- د. صالح عياد الحجوري = موافق
10- د. عبدالعزيز العمري = موافق
11- أ.د. عبدالله بن حمد الدايل = موافق
12- د. عبدالله عثمان اليتيمي = موافق
13- أ.د. عمر علوي بن شهاب = موافق
14- د. مبارك بن لافي الكلبي = موافق
15- د. محمد بن علي العمري = موافق
16- أ. محمد العلالي = موافق
17- د. محمد المزاح القحطاني = موافق
18- د. محمد نافع الحربي = موافق
19- د. معتاد الحربي = موافق
20- د. مكين بن حوفان القرني = موافق
21- د. نصّار حميد الدين = موافق
22- د. نوح الشهري = موافق
23- أ. يوسف السّنّاري = موافق
24- أ.د. عبدالرزاق الصاعدي (رئيس اللجنة) موافق


الأوراق المقدّمة للقرار

 (واو الذي) المقحمة بين الصفة وموصوفها
د. أحمد البحبح/ جامعة عدن
   شاع في استعمال بعض الكُتَّاب لاسيما المعاصرون منهم إقحامُ الواو العاطفة على الاسمِ الموصول الذي والتي وفروعهما ، الواقعِ صفةً لذات موصوفة، فترتَّب من إقحام هذه الواو العطفُ بين الصفةِ الواقعةِ اسمًا موصولًا وموصوفِها(1). وعطف الصفة على موصوفها في عمومه خلاف الأصل(2)، فلا يقال : شَهِدَ بهذا زيدٌ والفقيهُ ، على أن الفقيه صفةٌ لزيد ؛ إنما : شَهِدَ بهذا زيدٌ الفقيهُ ، (( ولم تُعْطَف الصفةُ على الموصوف من حيث كان الشيء لا يعطف على نفسه لفساده)) (3) ؛ لأن (( الصفة والموصوف كالشيء الواحد))(4)، وما ورد من شواهد محتملة العطف بين الصفة وموصوفها مختلَفٌ في توجيهها .
   ولقد أوهم إقحامَ الواوِ على الاسم الموصول عدمُ التفريق بين الواو العاطفةِ صفاتٍ متغايرةً لموصوف واحد في الاستعمال الفصيح ، والواوِ العاطفةِ صفةً على موصوفها فيما هو خلاف الأصل . والمستعمل المشيع في فصيح كلام العرب هو أن تأتي الواو عاطفةً بين صفات متغايرة في مدلولها متحدة في موصوفها ، كأن يقال : (أعجبني محمدٌ الذي يهتم بدروسه ، والذي يحب أساتذته ، والذي يتواضع لزملائه). فالواو هاهنا عطفت بين صفات متغايرة أُولاها صفة الاهتمام بالدروس ، وثانيها صفة حبِّ الأساتذة ، وثالثها صفة التواضع للزملاء ، وهذه الصفات المتغايرة موصوفها واحدٌ هو محمد(5) ؛ وهذه الواو فصيحة ثبت استعمالها في فصيح الكلام – على ما سيأتي لاحقًا من شواهد -  ، ولا يُفهَم بدخول الواو العاطفةِ المغايرةُ في الذوات ؛ لأن الذات واحدةٌ تعدَّدت صفاتها فجاز العطف بين صفاتها ، وهذا على خلاف أن تدخل الواو السابقة للاسم الموصول للعطف بين ذاتٍ وصفتها ، نحو قول بعضهم : محمد مهتم بدروسه والذي يحب أساتذته والذي يتواضع لزملائه . فالواو هاهنا عاطفة بين الموصول الواقع صفةً وبين الذات الموصوفة (محمد) ، واستعمالها هاهنا لا يستقيم - في نظري - ؛ لكون المعنى من استعمال الواوِ المغايرةَ ؛ فدلَّ ذلك على أن الذي يحب أساتذته غيرُ الذاتِ (محمد) المهتم بدروسه؛ لأن الواو عطفت بين صفة وموصوفها فاحتملت المغايرة بين المتعاطفين على أن يكون ما أصلُه صفةٌ (الذي يحب أساتذته) غيرَ ما أصلُه موصوفُ هذه الصفةِ الذي هو (محمد). وعلى وفق عدم التفريق بين الأمرين في مجيء الواو العاطفة بين صفات متغايرة لموصوف واحد في الاستعمال الفصيح ، وفي مجيء الواو السابقة للموصول بين صفة وموصفها فيما هو خلاف الأصل، وَقَعَ الوهمُ في كتابات بعضهم فعَطَفَ بين الموصولِ الواقع صفةً وموصوفِه ظنًّا منهم أن استعماله فصيح ، فتغيَّر المعنى؛ إذ صار ما أصله صفة لموصوفه مغايرًا لموصوفه ، فاحتمل الموصولُ المعطوف بالواو غيرَ المعطوف عليه . قال أبو حيان عند قوله سبحانه : {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ }(6) في سياق ذكر الأقوال المتعددة في تفسير {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}: (( وقيل هو الله تعالى، قاله الحسن وابن جبير والزجاج، وعن الحسن : لا والله ما يعني إلا الله؛ والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيني وبينكم. قال ابن عطية: ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف وذلك لا يجوز وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض. انتهى؛ وليس ذلك كما زعم من عطف الصفة على الموصوف؛ لأنّ (مَنْ) لا يُوصَف بها، ولا لشيء من الموصولات إلَّا بالذي والتي وفروعهما وذو وذوات الطائيتين. وقوله: وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض، ليس على إطلاقه بل له شرط وهو أن تختلف مدلولاتها، ويعني ابن عطية لا تقول مررت بزيد والعالمِ فتعطف والعالم على الاسم وهو عَلَمٌ لم يلحظ منه معنى صفةٍ... ولما شعر بهذا الاعتراض مِن جعْلِه معطوفًا على الله قدَّر قوله: بالذي يستحق العبادة؛ حتى يكون من عطف الصفات بعضها على بعض لا من عطف الصفة على الاسم))(7). وعلى وفق ذلك درج النحويون والمفسرون في توجيه الشواهد القرآنية المتضمنة عطفَ صفات متعددة – لاسيما الموصولات بالذي والتي وفروعهما -  على موصوف واحد هو ذاتٌ متصفة بتلكم الصفات المتغايرة، وجعلوا ذلك من باب العطف بين الصفات، ولا يستقيم ذلك في الذوات؛ لأن (( أداة العطف إن توسطت بين الذوات اقتضت تغايرها بالذات(8)، وإن توسطت بين الصفات اقتضت تغايرها بحسب المفضولات)) (9). ومن الشواهد القرآنية على عطف الصفات في الصلات الاسمية:
-{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}. [البقرة : 2-4]
-{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}. [آل عمران : 68]
-{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. [الأنعام : 150]
-{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}. [الأعراف : 156]
-{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}. [الأنفال : 36]
-{إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ}. [يونس : 7]
-{فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ }.[الشعراء:77-82].
- { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }.[المجادلة : 11] (10).
 ومما سبق يتبيَّن أن الواو العاطفة الداخلة على الاسم الموصول الذي والتي وفروعهما الواقعِ صفةً استُعْمِلت استعمالين:
الأول : عَطَفَتْ بين صفات متغايرة لموصوف متَّحد الذات، وعطْفُها لمقاصد دلالية بلاغية يستدعيها سياق الكلام، واستعمالها هاهنا ثابتٌ في فصيح الكلام.
والآخر: عطفت بين صفةٍ وموصوفهِا، فغيَّرت معنى الكلام وجعلت ما هو في أصله صفةٌ مغايرًا لموصوفه؛ لأن العطف مشعرٌ بالتغاير، واستعمالها هاهنا بعيدٌ عن مقصد الكلام ومدلوله.



([1]) من ذلك على سبيل المثال ما جاء في كتابٍ من إصدارات مجمع اللغة بالقاهرة بعنوان (كلماتي مع الخالدين) لمحمود حافظ ، قال فيه : ((وكيف لا أتهيَّب هذا الموقف وأمامي هذه القمم الشامخة من جهابذة اللغة وهذه الصفوة الرائدة من أساطين العلم والأدب ، والذين بلغ بهم المجمع هذه المكانة الرفيعة التي يتسنمها اليوم)) فأقحم الواو على الاسم الموصول(الذين) الواقع صفة ، فدل المعنى على التغاير بين الذين بُلِغوا المكانة الرفيعة وجهابذة اللغة وأساطين العلم والأدب ، والكاتب لم يقصد هذا التغاير ؛ إنما أراد وصفهم بهذا الوصف ، فوضع الواو في غير موضعها. ونحوه ما جاء في مجلة مجمع اللغة بالقاهرة : ((هؤلاء هم سدنةُ اللغةِ وحماتُها، والذين أخرجوا أحدث معاجمه)) فإقحام الواو قبل الموصول جعلهم جماعتين متغايرتين دلالة على عطف المتغايرينِ ، فخالفَ مقصود َالمتكلمِ الذي أراد وصفهم بإخراج أحدث المعاجم .
([2]) ينظر : تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل) :3/ 26، وتفسير الفخر الرازي:19/ 56 .
([3]) المحتسب : 2/ 101 .
([4]) الفصول المفيدة في الواو المزيدة : 142 .
([5]) مع التنبيه على أن عطف الصفات جاء لمقاصد دلالية بلاغية يستدعيها السياق، والأصل فيها أن تأتي نعوتًا من غير أن تُوصَلَ بحرف العطف ، نحو قوله سبحانه : {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون : 4-7].
([6]) الآية (43) من سورة الرعد .
([7]) البحر المحيط : 5/ 390-391 .
([8])  قال ابن عاشور عند تفسير آيات الرعد[19-22] : (( وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد، وليس من عطف الأصناف))13/126، وينظر فيه 18/10 ، وقال في موضع آخر : (( واعلم أن عطف الصفات بالواو المفيد مجرد التشريك في الحكم دون حرفي الترتيب: الفاء وثم، شأنه أن يكون الحكم المذكور معه ثابتًا لكل واحد اتصف بوصف من الأوصاف المشتق منها موصوفه لأن أصل العطف بالواو أن يدل على مغايرة المعطوفات في الذات ))22/24 ، ينظر فيه 25/110. 
([9]) الكليات:1081.
([10]) وينظر سورة (المؤمنون) الآيات3-9، 58-60 ، وينظر أيضًا في بيان عطف الصفات في هذه الشواهد القرآنية وفي غيرها، في الآتي تمثيلًا لا حصرًا : البحر المحيط: 1/ 167، 2/ 418، 5/ 131، 8/ 235، وروح المعاني:3/ 197، 14/ 181، 16/ 287، والتسهيل لعلوم التنزيل: 1/ 36، 2/ 90، والبرهان في علوم القرآن: 3/ 475-477، ومغني اللبيب: 465، والتحرير والتنوير:3/ 185.  
*****  

ملخص الكلام على واو الاسم الموصول المقحمة

كتبه/ يوسف السناري

    أولا: [النعت بالأسماء الموصولة]: الأصل في باب النعت أن ينعت بالمشتقات، وهي: اسم الفاعل واسم المفعول، والصفة المشبهة، والمصدر، وأفعل التفضيل. وينعت بالجامد المؤول بالمشتق كالأسماء الموصولة وهو ما نريده في بحثنا هذا. وليس كل الأسماء الموصولة ينعت بها بل الذي ينعت به من الأسماء الموصولة ما ابتدئ بهمزة وصل كالذي والتي واللتان، واللذان، والذين واللائي واللاتي... إلى آخره. فلا ينعت بمن وما الموصولتين، وتؤوَّل هذه الأسماء المنعوت بها بمشتق، فإذا قلت: "جاءني زيد الذي قام". كأن التقدير: زيدٌ القائم. النتيجة: النعت بالأسماء الموصولة كثير وثابت في كتاب الله وفي أشعار العرب ونثرها. ومثال النعت بالأسماء الموصولة في كتاب الله قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء:1]


 [مسألة زيادة واو العطف]: زيادة واو العطف أمر يصححه الكوفيون ويمنعه البصريون وابن جني. ينظر: الخصائص (2 /262) مسألة: يجوز تعدد النعت لمنعوت واحد من غير أن تذكر الواو في النعت بالمشتق، فنقول: هو العالم، الثقة، الثبت، الحجة. ويجوز أن تذكر فنقول: هو العالم والثقة والثبت والحجة. وفي هذا يقول الدكتور محمود سليمان ياقوت في كتابه النحو التعليمي ص (674): "ويجوز التفريق بين النعوت بالواو في بعض الجمل، ويصبح ما بعد الواو اسما معطوفا حين الإعراب ولكنه نعت من حيث المعنى، ومن ذلك: "ابتعد عن مصاحبة صديقٍ مختالٍ مغرورٍ" ... تستطيع التفريق بينهما بالواو نحو: ... مختالٍ ومغرورٍ". انتهى كلامه.


 [عطف الشيء على نفسه أو العطف بالمترادفات]: مسألة عطف الشيء على نفسه تدخلنا في مسألة حقيقة وجود الترادف وعدمه في اللسان العربي، وبعض العلماء يستدل على عطف الشيء على نفسه بقول يعقوب عليه السلام في الكتاب {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. فقالوا: البث هو الحزن، والراجح التفريق بين البث والحزن بأدلة لا يناسب ذكرها هنا.


 مواضع الواو قبل الموصول: الموضع الذي يصح أن تذكر قبله هذه الواو فيقال: "والذي" "والذين" و"والتي" ... هي: أولا: يصح ذكر هذه الواو قبل الموصول إذا تقدمها موصول مطابق له ويكون الأول نعتا لمنعوت متقدم عنه. كقول الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [الأعلى:2].


ثانيا: يصح ذكر هذه الواو قبل الاسم الموصول إذا كان المعطوف والمعطوف عليه متغايرين، فالأول شيء والثاني شيء آخر. كقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم:9]. [اقتراح التسمية]: أقترح بأن تسمى هذه الواو بواو الاسم الموصول أو واو الموصول المقحمة حتى تعم كل الأسماء الموصولة التي ابتدئت بهمزة الوصل كالذي والتي والذين... إلى آخره.



ثالثا: [القرار]: الراجح ترك استعمال هذه الواو في الأساليب المعاصرة؛ لعدم وجود أدلة قوية تصححها، فهي خطأ انتشر وتسرب في أقلام الكَتَبَة من المعاصرين، ولم نجد نصا صريحا يصححه من كلام المتقدمين، فهجره واجب؛ لأمن اللبس والخلط في توهم عدد المنعوت والمقصود واحد، والله أعلم. والله الموفق وهو المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 


 *****

قرار واو الذي: أوراق مقدمة

كتبه سعيد صويني

بسم الله الرحمن الرحيم. ورقة استرشادية. واو الاسم الموصول بين الحذف والإثبات والتشوه والعلاج. وهي تلك الواو التي تسبق الاسم الموصول: ( والذي، والتي، واللذان، واللتان، والذين، واللاتي، واللائي، واللوائي ). أولا: صور وحالات حذف الواو: * وقوع الاسم الموصول منفردا أو متكررا موقع الإخبار، والابتداء، والاستئناف، والوصف، والبدل، ومثله عطف البيان: 1-"اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ". سورة الشورى ( 17 ). 2-"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ". سورة الأنعام ( 20 ). 3-"الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ". سورة الأعراف ( 92 ). 4-" فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ". سورة الماعون (4-6 ). * وحذف واو الموصول، وبخاصة عند تكراره، في هذه المواضع وجوبا؛ وحسن حذف الواو بسبب أمن اللبس، وقوة وكمال الاتصال في المعنى بين أطراف الجمل، ولإرادة الفصل وعدم الاشتراك في الفعل أو الوصف. ثانيا: صور وحالات إثبات الواو: * وقوع الاسم الموصول موقع العطف، والاشتراك، والاستئناف، والقسم، والتوكيد، والاعتراض، والتخصيص، والتعدد: 1- "قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ". سورة طه ( 72 )، ومثله: "لا، والذي يحلف به"، "والذي نفسي بيده". 2-"وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا". سورة الطلاق ( 4 ). 3-"الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا". سورة النساء ( 76 ). 4-"الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ". سورة التوبة ( 79 ). 5-"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ". سورة المائدة ( 55 ). 6-"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ". سورة الأعلى (1-4). * وإثبات الواو قبل الاسم الموصول في هذه المواضع وجوبا يأتي لدفع توهم الوصف، وعند عدم أمن اللبس، ودفع توهم خلاف المقصود، وإرادة الاشتراك في الفعل، والارتباط بوجه جامع والتنوع والتعدد وإفادة المغايرة وهي أصل العطف بالواو. *** تلخيص: وهذا مما أفدته من استعمالات الواو العاطفة والوصل والفصل وذلك من كتاب ( الفصول المفيدة في الواو المزيدة - صلاح الدين كيكلدي العلائي ) مما له تعلق بالورقة هنا. الفصل بحذف واو الموصول: -التعلق بين الجملتين بالتأكيد أو الصفة يوجب الفصل. -عدم التعلق بين الجملتين ووجود اللبس بالعطف يوجب الفصل. -الانقطاع بين الجملتين يوجب الفصل. -كمال الاتصال يوجب الفصل. -الاستئناف يوجب الفصل. الوصل بالعطف وإثبات واو الموصول: -يجب العطف لدفع توهم خلاف المقصود. -والحاصل أنه متى كانت الجملة الثانية مطابقة للأولى لم يعطف وكذلك إذا كانت مغايرة لها إلا أن يكون نوع ارتباط بوجه جامع. *** الصور المشوهة وطرق علاجها: الصورة الصحيحة: جاء المعلم الذي حضر بالأمس، والذي ألقى الدرس. الصورة المشوهة: جاء المعلم والذي حضر بالأمس، والذي ألقى الدرس. حيث وقع التغاير بين المعلم وبين الذي حضر بالأمس من جهة،ووقع الاشتراك في المجيء من اثنين بدلالة العطف بالواو من جهة ثانية، وحصل الوهم واللبس خلافا لقصد المتكلم من إرادة الوصف والتخصيص. والعلاج باستعمال الضمير على نحو: جاء المعلم وهو الذي حضر بالأمس، والذي ألقى الدرس، حيث زال اللبس بالضمير. وكذلك باستعمال التأكيد على نحو: جاء المعلم والذي نفسه حضر بالأمس والذي ألقى الدرس، حيث زال اللبس بالتأكيد بنفسه. *** اعتبر هذه الصورة صحيحة وسليمة: المعلم الذي شرح الدرس. المعلم الذي شرح الدرس ماهر. جاء الطبيب الذي فحص المريض. جاء الطبيب الذي فحص المريض والذي وصف الدواء. *** واعتبر هذه الصور مشوهة ومعيبة: المعلم والذي شرح الدرس. المعلم والذي شرح الدرس ماهر. جاء الطبيب والذي فحص المريض. جاء الطبيب والذي فحص المريض والذي وصف الدواء. *** وخلاصته: التشوه حاصل بسبب إخراج الكلام من الوصف أو الإخبار إلى الفصل والمغايرة ، ومن حالة الإفراد في الفعل إلى حالة الاشتراك في الفعل، ومن الوضوح في المقصد من الكلام إلى اللبس والإيهام فيه. استعمال القرآن صريح في إرادة الوصف أولا ثم العطف ثانيا وذلك عند تكرار الاسم الموصول. وهذا ملموس في سورة المؤمنون وسورة الأعلى والفرقان والشعراء. قد أفلح المؤمون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم ....، والذين هم... إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو ..، والذي هو... سعيد صويني، مصر.


 *****

واو الاسم الموصول من منظور الدراسات النحوية الحديثة

د. عبدالرحمن القرشي

        بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد ....

       فقد تابعت النقاش المثمر في مجمع اللغة الافتراضي بخصوص الواو التي تقع أحياناً قبل الاسم الموصول، وبحكم أنني مهتم بدراسة النحو المقارن وأعمل حالياً على كتابة ورقة بحث باللغة الإنجليزية عن الجمل الموصولة في اللغة العربية وتحليلها في ظل نظريات النحو الحديثة ومقارنتها باللغات الأخرى، أود أن أشارك أعضاء المجمع الكرام وأهل الاختصاص بعض الأفكار بخصوص الجمل الموصول من منظور الدراسات النحوية الحديثة وأطرحها للنقاش آمِلاً أن يعود ذلك بالفائدة علي وعلى القُراء الكرام.

أولاً: أود أن أعطي القاري الكريم فكرة عن الجمل الموصولة في اللغة الإنجليزية في ظل نظريات النحو الحديثة. تنقسم الجمل الموصولة لعدة أقسام والتي تنطبق على العديد من اللغات الأخرى وهي كالآتي:


١. الجمل الموصولة الاعتيادية (Ordinary Relative Clauses):

وهي التي يسبق فيها الاسم الموصول اسماً ظاهراً وتكون جملة صلة الموصول بمثابة صفةٍ له. وهذا النوع ينقسم أيضاً لقسمين:

أ‌.       الجمل الموصولة المقيدة (Restrictive Relative Clauses):

ب‌.  وهي التي يكون وجودها ضرورياً لتعريف الاسم الذي يسبقها كونه مبهماً بغيرها وهي أيضاً تحصر المعنى وتقيده ولذلك سميت المقيدة وهي لا يصح حذفها إذا وردت لأن يؤثر على كمال معنى الرسالة و مثال ذلك ما يلي:

1. The books which I bought yesterday are very helpful.

                        ١.  الكتب الذي اشتريتها بالأمس مفيدةٌ جداً.

 ب. الجمل الموصولة الاعتراضية أو غير المقيدة (Non-Restrictive Relative Clauses):

وهي التي تفيد معناً أو وصفاً إضافياً للاسم الذي يسبقها كونه علماً أو معروفاً للسامع من قبل ولذلك يصح حذفها إذا وردت لأنه لا يوثر على كمال معنى الرسالة ومثال ذلك ما يلي:  

2. Jeddah, which I like, is a very big city.

               ٢. جدةً التي أحب مدينة كبيرة جداً.

 تمتاز الجمل الموصولة المعترضة عن الجمل الموصولة المقيدة أيضاًً في اللفظ وفي الكتابة، إذ يجب أن يسبقها سكتة بسيطة في اللفظ ويجب أن يسبقها ويتبعها فاصلة في الكتابة وذلك ليتحقق فصلها عن الاسم الذي يسبقها حتى لا يحدث لبس لدى السامع حيث أنه يمكن في اللغة الإنجليزية وفي لغات أخرى كثيرة استعمال نفس الجملة الموصولة مرة كجملة مقيدة ومرة كجملة اعتراضية كما يتضح في الأمثلة التالية:

3. The swans, which are white, are in that part of the lake.

4. The swans which are white are in that part of the lake.


عند ترجمة هذين المثالين إلى اللغة العربية لا يرد لدى المستمع العربي إلا معناً وحداً وهو " البجع الذي لونه أبيض يقع في ذلك الطرف من البحيرة". على أي حال، يسهل التمييز بين المثالين السابقين في اللغة الإنجليزية وذلك بفضل استخدام السكتة في اللفظ والفاصلة في الكتابة في المثال الثالث حيث أن المقصود هنا "أن البجع يقع في ذلك الطرف من البحيرة وهو كله أبيض اللون". أما المثال الرابع فيفيد الحصر أو التمييز هنا حيث أن المقصود هو أن "البجع الذي لونه أبيض فقط يقع في ذلك الطرف من البحيرة".

هذا فيما يخص القسم الأول وهو الجمل الموصولة الاعتيادية ونوعيها. ننتقل الآن للقسم الثاني وهو الجمل الموصولة الحرة.

٢. الجمل الموصولة الحرة (Free Relative Clauses):

وهي التي لا يسبق فيها الاسم الموصول اسماً ظاهراً وتسمى أيضاً headless relative clauses  وتعني الجملة الموصولة التي ليس لها رأس -إن صح قول ذلك- لأن علماء النحو يعتبرون الاسم الذي يسبق جملة صلة الموصول "head  "وتعني الرأس، ومثال ذلك ما يلي:

5. Who broke the window will be punished.

            ٥. الذي كسر النافذة سيعاقب.

ويوجد أنواع أخرى من الجمل الموصولة كالجمل الموصولة الظرفية والتي لا مجال لذكرها هنا كونها غير مرتبطة بموضوع النقاش.

ثانياً: وبعد أن تعرفنا على أنواع الجمل الموصولة في اللغة الإنجليزية، دعونا نتعرف على أنواع الجمل الموصولة من منظور الدراسات النحوية الحديثة. من هذا المنظور، تنقسم  الجمل الموصولة في اللغة العربية إلى قسمين رئيسين وهما: الجمل الموصول الاعتيادية والجمل الموصولة الحرة مثل "جاء الذي ألف الكتاب"و "اشتريت ما أحب" ورأيت من زارني" وغيرها.

الجمل الموصولة الاعتيادية أيضاً تنقسم لنوعين: مقيدة وغير مقيدة والأمثلة على ذلك ما يلي على التوالي:

          ٦. المدينة التي عشت بها جميلة وكبيرة.

         ٧. مدينة جدة التي عشت بها جميلة وكبيرة.

في نطري أن هناك فرق بين الجملة السابعة والجملة الثامنة حيث أن المدينة المقصودة هنا غير معروفة للسامع وبالتالي جاءت جملة صلة الموصول لتصفها أو تعرفها وقد يصح أن نقول إنها جاءت لتحصر وتقيد المقصود. بينما جدة أو مدينة جدة هي اسم علم معروف للسامع وبالتالي جملة صلة الموصول أصبحت اعتراضية تضيف للمقصود ولا تحصره وتقيده. التفريق بين النوعين يكون سهلاً إذا كان الاسم الذي يسبق الذي اسماً علماً، أما إذا كان غير ذلك فيصعب التفريق كونه لا يوجد سكتة في اللفظ ولا فاصلة في الكتابة في الجمل الموصولة في اللغة العربية بخلاف الحال في اللغة الإنجليزية واللغات الأخرى.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل اللغة العربية عاجزة عن إيصال المعنيين الواردين أعلاه في المثاليين الثالث والرابع؟ لقد تنين لي بعد التمعن أننا نستطيع إيصال هذين المعنيين إذا أضفنا الواو قبل الاسم مع الجمل الموصولة غير المقيدة أو المعترضة وحذفنا الواو مع الجمل الموصولة المقيدة كما موضح في الآتي:

       ٨. البجع والذي لونه أبيض يقع في ذلك الطرف من البحيرة.

      ٩. البجع الذي لونه أبيض يقع في ذلك الطرف من البحيرة.

أصبح المعنى في المثال الثامن يفيد أن البجع الذي يقع في ذلك الطرف من البحيرة كله أبيض اللون بينما في المعنى في المثال التاسع يفيد بأن البجع الذي لونه أبيض فقط يقع في ذلك الطرف من الحديقة.

 في رأي أن استخدام الواو هنا هو للفصل بين الاسم والجملة الموصولة إذ يستوجب استخدامها وجود سكتة قصيرة بعد الاسم وقبل  "والذي". الدليل على أن هذه الواو للفصل هو مثال أبو بكر الشهير الورد التراث العربي وهو أن أبا بكر رضي الله عنه مر برجل معه ثوب فقال له: أتبيع الثوب؟ فقال الرجل: لا عافاك الله، فقال أبو بكر: لقد عُلِّمتم لو كنتم تعلمون، قل: لا، وعافاك الله.

وبالقياس على هذا، نستطيع القول أن هذه الواو هي واو الفصل لأنه باستخدامها مع السكتة القصيرة المصاحبة لزوماً في الجمل الموصول يتحقق الفصل بين الاسم والجمل الموصولة وبذلك تصبح اعتراضية وتتوافق مع نظيراتها في اللغات الأخرى.

يجدر الإشارة هنا إلى أن استخدام الضمير العائد وهو الهاء في "لونه" قد أزال اللبس المحتمل في أن الواو في المثال الثامن ماهي إلا واو عطف تعطف الجملة الموصولة الحرة على الاسم.

هذا والله تعالى أعلم وأرجو أن أكون قد وفقت في طرحي هذا كما أرجو المعذرة إن كنت قد أخطأت كوني لست من أهل التخصص في نحو اللغة العربية.
مجمع اللغة الافتراضي
المدينة المنورة
18 صفر 1438هـ الموافق 18 نوفمبر 2016م