الثلاثاء، 18 يوليو، 2017

تعليق على قولٍ للمحدّث عبدالرحمن المعلّمي في أمر حفظ اللغة:

تعليق على قولٍ للمحدّث عبدالرحمن المعلّمي في أمر حفظ اللغة

   سألني أحد الأساتذة الفضلاء في مسألة في اللغة، فقال: ذكر ناصيف اليازجي في المقامات ألفاظا منها (الظَّرْب) و(الحمظ)
في قوله في مقاماته:
والظَّبُّ للهاذِرِ ثُمَّ الضَّبُّ   والظَّرْبُ نَبْتٌ عندَهُمْ والضَّرْبُ
وقال:
والحَمْضُ والحَمْظُ لعَصْرِ الرَّطْبِ      والمَظُّ للّوم ومَضُّ الخَطْبِ
قال صاحبي: ولم أجد الظَّرْب والحَمْظ في المعاجم، فمن أين أتى بهما اليازجي وهو متأخر؟
     قلت: لعلهما مما وقف عليه اليازجي في مصادر لغوية غير المعاجم، والأرجح أنه وجدهما في بعض كتب (الضاد والظاء) وفيها ألفاظ أخلّت بها المعاجم.
    قال: وهل أخلّت المعاجم باللغة؟ وما تعليقك على عبارة رشيقة لعبدالرحمن المعلّمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة، وهي قوله: ((... فأما السنة فقد تكفل الله بحفظها أيضا؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها، لأن محمداً خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع))؟
    قلت: كلامه صحيح في الجملة، ولكن لغة العرب واسعة، وتكثر فيها المترادفات التي يغني بعضها عن بعض، فضياع لفظ لا يؤثر على حال اللغة في الجملة. ثم إنّ كثيرًا مما فات المعاجم هو إما مرصود في كتب اللغة المتنوّعة ودواوين الشعر أو هو مما حفظته الألسن بالتوارث وبقي جاريا على ألسنة بعض العرب في مواطن بعض القائل، والنوعان لا يُعدّان في حكم المفقود، وهما ينتظران الكشف عنهما ومعجمتهما، ويستوجب هذا وأمثاله من ألفاظ اللغة التي لم ترصدها المعاجم بذل الجهد الأكبر من أهل اللغة بعامة وصنّاع المعاجم بخاصة، لاستدراك ما فات الرعيل الأول من المعجميين، وفي لهجاتنا وخبايا الزوايا من كتب التراث الكثير من الفوائت، إلا أن ما في لهجاتنا لا يرقى إلى القطع به، فيبقى في حيّز الظن فائتًا ظنيًّا حتى يظهر دليل أو وثيقة لغوية تقطع بالحكم فواته.
عبدالرزاق الصاعدي

24 شوال 1438هـ

الثلاثاء، 20 يونيو، 2017

هذه عصور الاحتجاج وهذا موقفي منها:

هذه عصور الاحتجاج وهذا موقفي منها

      اضطرب علماء العربية فيما يسمّونه عصور الاحتجاج أو الحدود الزمانية اضطرابا واضحًا،  فلم يكن لهم رأيٌ صريح حاسم في تحديدها في الحاضرة والبادية، ومن أسْفٍ أنهم لم يميزوا بين النحو والمعجم في ذلك، وكل ما راج عند المتأخرين مستنبطٌ من أقوالٍ لبعضهم وأحكام على بعض الشعراء كابن هرمة وبشار وأبي تمام، فزمن الاحتجاج عند بعضهم منتصف القرن الثاني أو نهايته في الحواضر، ويزيدون على ذلك قرنين فيما يخصّ البادية. 

       وغالَى أبو عمروبن العلاء في تحديد زمن الاحتجاج فأخرج الفرزدق وجريرًا من شعراء الاحتجاج وعدّهم مولدَين. قال السيوطي (المزهر  2/ 488): ((كان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد حَسُن هذا المولد حتى هممت أن آمُر صِبياننا بروايته، يعني بذلك شِعرَ جرير والفرزدق، فجعله مولَّداً بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمُخضرمين، وكان لا يَعُدّ الشعر إلا ما كان للمتقدمين.
 قال الأصمعي: جلستُ إليه عَشر حِجَج، فما سمعتُه يحتجُّ ببيت إسلامي. وسُئِل عن المولَّدين فقال: ما كان من حَسَنٍ فقد سُبقوا إليه، وما كان من قبيحٍ فهو من عندهم، ليس النمط واحدًا، هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه كالأصمعي وابن الأعرابي، أعني أن كلَّ واحد منهم يذهبُ في أهل عصره هذا المذهب، ويقدم مَنْ قبلهم، وليس ذلك لشيء إلا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهد، وقلةِ ثقتهم بما يأتي به المولَّدون)). قلت: وهذا الذي نراه في كلام أبي عمرو أقرب إلى المعيار النقدي، فلا يعتد به، والإجماع شبه منعقد على أن شعر الفرزدق وجرير والأخطل مما يحتج به.

    وقال السيوطي في (الاقتراح ص 120): ((أجمعوا على أنه لا يحتجّ بكلام المولّدين والمحدثين في اللغة العربية))، ثم ذكر فائدة (ص 122) قال: ((أول الشعراء المحدثين: بشّار، وقد احتج سيبويه في كتابه ببعض شعره تقرّبا إليه؛ لأنه كان هجاه لتركه الاحتجاج بشعره. ذكره المرزباني وغيره)).
      ونقل ثعلب عن الأصمعي (وهو من أرباب التشدّد في اللغة) قوله: ((خُتِمَ الشعر بإبراهيم بن هَرْمة، وهو آخر الحجج)) (الاقتراح 122، 123) ومعلوم أن وفاة ابن هرمة كانت سنة 176هـ
     وذكر البغدادي في مقدمة الخزانة (ص 1/ 5، 6) كلاما مطوّلا في هذا، وقسم الشعراء إلى طبقات، قال: ((قال الأندلسي فِي شرح بديعية رَفِيقه ابن جابر عُلُوم الأدب سِتَّة اللُّغَة والصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع والثَّلاثة الأول لا يستشهد عليها إلَا بكَلام العَرَب دون الثَّلاثة الأخيرة فإنّهُ يستشهد فيها بكَلام غيرهم من المولدين لأنَها راجعة إلى المعاني ولا فرق في ذلك بين العَرَب وغيرهم إذ هو أَمرٌ راجع إلى العقل ولذلك قبل من أهل هذا الفَنّ الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطّيب وهلم جرا هـ
وأَقُول: الكَلام الّذي يستشهد به نوعانِ شعر وغيره فقائل الأول قد قسمه العلماء على طَبَقَات أَربع:
      الطَّبَقَة الأولى: الشُّعَرَاء الجاهليون، وهم قبل الإِسلام كامرئ القَيْس والأعشى.
      الثَّانِيَة: المخضرمون، وهم الَّذين أدركوا الجاهليّة والإسلام كلبيد وحسان.
   الثّالثة: المتقدّمون، ويُقال لهم الإسلاميون، وهم الَذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق.
    الرَّابِعَة: المولدون، ويُقال لهم المحدثون، وهم من بعدهم إلى زَماننا كبشار بن برد وأبي نواس.
فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إِجماعًا وأما الثَّالِثَة فالصَّحيح صِحة الاستشهاد بكلامها، وقد كانَ أَبُو عَمْرو بن العَلاء وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البَصريّ وعبد الله بن شبْرمَة يُلحِّنون الفرزدقَ والكميتَ وذا الرمة وأضرابَهم)).

    وقال ابن الطيب الفاسي في فيض نشر الاقتراح 1/ 611: ((وبعضهم فرق بينهما، فقال: المولدون من بعد الإسلام كبشار، والمحدثون من بعدهم كأبي تمّام، وفي ذلك كلام طويل أودعناه غير كتاب، كشرح شواهد البيضاوي وشرح كفاية المتحفظ، وحاصله أن الشعراء طبقات)).

    فأنت ترى أن اللغويين يتفاوتون في تحديد عصور الاحتجاج، لكن السائد عند المتأخرين أن عصور الاحتجاج عصران، ينتهى أولهما في منتصف القرن الثاني في الحواضر وأما ثانيهما فعصر الاحتجاج في البادية، وهو مختلف فيه، فيرى بعضهم أنه ينتهي بنهاية القرن الثالث، ويرى بعضهم أنه منتصف القرن الرابع، وحدّده بعضهم بنهايته، ويشهد لهذا الأخير صنيع أبي منصور الأزهري (ت 370هـ) في التهذيب ونقله عن أعراب نجد الذين وقع في أسرهم، وكذلك صنيع الجوهري (ت 492هـ) إذ قال في مقدمة الصحاح إن من مصادره مشافهته العرب العاربة في ديارهم بالبادية .

     وهذا التأطير الزماني مقبولٌ بل واجب في النحو والتصريف من أجل بناء معيارية مستنبطة من نصوص لم يداخلها اللحن، وأما المعجم فينبغي أن يستثنى من ذلك، لأن اللحن إنّما فَشَا في التراكيب والبِنَى الصرفية، وأمّا الوحدات المعجميّة فبقيت -في الجملة- سليمة إلى القرن الثامن، وبخاصة في البادية، بل إننا في زماننا اليوم نجد ألفاظًا من الغريب والحوشي متوارثة من فصيح العربية مما يظنه اللغوي من كلام العامة فتفجأهُ مطالعةُ المعاجم إذ يجد فيها ما يُصدِّق كلامَهم، فإن كانوا يحافظون على الغريب والحوشي فهم أولى بغيره، فعلينا ألا نستهين بالمعجم البدوي، وبخاصّة حين يكون واسع الحيّز المكاني، في قبائل عدة، على الشرط الذي بنيتُهُ في معايير الفوائت الظنية.  
     ويُصدِّقُ منهجي في مدِّ عصر الاحتجاج في المستوى المعجمي دونَ النحويّ والصرفيّ أنّ الزمخشري كان يُدوِّن سماعاتِه في القرن السادس، ويروي عن أعراب الحجاز، ويُمعجم كلامهم في معجمه الفذّ أساس البلاغة، ورأيت الصغاني يفعل مثل فعله، ولكن بحذر، ثم فَعَلَ فعلهما الزَّبيديُّ في التاج، ولكن على استحياء شديد.  

عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة
25 رمضان 1438هـ الموافق 20 يونيو 2017م

السبت، 20 مايو، 2017

جمع "الردّادي" مداخلة لغوية بصحبة عالمين كبيرين: عائض الردادي وإبراهيم الشمسان:

جمع "الردّاديّ"
مداخلة لغوية بصحبة عالمين كبيرين: عائض الردّادي وإبراهيم الشّمسان

      كتاب جميل وحافل بالمادة التاريخية الاجتماعية والوثائق والأنساب واللهجات جاءني هدية من يد مؤلفه الأستاذ الدكتور عايض الردادي وعنوانه: "قبيلة الردَادّة: نسبهم وتاريخهم وأعرافهم وبيئتهم وديارهم" والدكتور عائض (عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة) أديب وبحّاثة ثَبْتٌ صاحب قلم رصين، تربطني به صداقة قديمة، وله مكانة خاصة في نفسي.. وأول ما قرأته من كتابه (الفصل الرابع) وفيه مادة لغوية ثرية عنوَنَ لها بـ (المعجم اللغوي التاريخي).

     قرأتُ الباب ونقلت منه بضعَ كلمات ناقشتُها في مجمع اللغة الافتراضي، ومما قرأته في هذا الكتاب الثري تحقيق المؤلف لاسم قبيلته العريقة تحت عنوان "جمع الردّاديّ" 1/ 49، 50، ذكر فيه الوجه الأفصح، وهو: الرّدَادّة، على وزن فعاعلة، وذكر معه وجهين أحدهما: الرّدَادِدَة (بفك التضعيف وذكر أن القياس الإدغام) والآخر: الرّدارِدَة، براء قبل الدال الثانية، وذكر في تحقيقه اللطيف بعض النقول والتوجيهات المهمة، ونقل عن الجزيري وأيوب صبري والمستشرق أوبنهايم والبتنوني، وأردف ذلك بقوله: ((وتَنطِق بعضُ القبائل المجاورة على ساحل البحر الأحمر وبعض قبائل مسروح الجمع: الرَّداردة، بزيادة راء بعد الألف، وهم ينطقون المفرد صحيحا: الرّدّاديّ، وقد ورد هذا الجمع في وثيقة حلف ذوي مِسْحَم من الردَادّة مع الأشراف القُرُون من سكان ينبع مكتوبة عام 1259)) وختم بقوله1/ 50: ((فإذن؛ هناك ثلاثة جموع للردادي، هي: الرَّدَادّة والرَّدَادِدَة والرَّدَارِدَة، والصحيح المتداول على الألسنة وعند المؤلفين منذ القدم هو الأول، أما الآخران فلفظ لبعض القبائل المجاورة، وإنما ذكرنا ذلك استكمالا للبحث لا لكونه صحيحًا)).

    وهذا تحقيق لغوي جميل أفدتُ منه، ثم قرأتُ في كتاب (من شجون اللغة) ص159، 160 للأستاذ الدكتور إبي أوس إبراهيم الشمسان تعليقًا لطيفًا استعرض فيه كلام الدكتور عائض في هذه المسألة اللغوية، وأضاف إضافات جديرة بالاهتمام، منها تعليقه على ما جاء في نقل الرّدّادي عن أوبنهايم: (الرّدَادِدة) بأنه الأصل في الوزن قبل الإدغام، فلا تعد هذه صورة مغايرة للصورة الأولى، لأنها أصلها قبل الإدغام، وتناول الجمع الذي شاع في بعض القبائل المجاورة أعني: الردّاردة، وذكر الشمسان أن هذا اللفظ جاء من باب التخلص من المتماثلين بقلب أحدهما حرفا أخر، فقلبت الدال الأولى راء، وليست زائدة.

    وإذ أشكر للأستاذين الكبيرين ما تفضّلا به من تحقيق لغوي لطيف في هذه المسألة أودّ أن أضيف ثلاثة جموع أخرى لم ترد في كلامهما، لعلها تتمّم مسألة الجمع لاسم هذه القبيلة العريقة، وهي: (الرَّدّادَة) و(الرّدَادِيَة) و(الرّدَايدَة):

     فـأمّا (الرَّدّادَة) - بدال مشدة قبل الألف ودال مخففة بعدها على مثال الخيّالة – فشائع عندنا في بعض القبائل المحيطة بالمدينة، وسمعته كثيرًا في محيطي قبيلة عوف، وسمعتهم يقولون: فَرْع الردّادَة، وأصل الوزن هنا صيغة فعّال الدالّة على النسب، من أهل الحِرَف والجماعات، ثم لحقتها تاء التأنيث للدلالة على الجمع، مثل جمّال وجمّالة وخيّال وخيّالة وقرّاش وقرّاشة، وقد سمعناهم يقولون: سوق الحبّابة، أي أهل الحَبّ، وصبّابة القهوة، وكنت أحسب أن هذا الوزن المؤنث بالتاء الدّالّ على الجمع من تحريفات العامّة لصيغة (فعّال) الدالّة على النسب دون ياء، حتى رأيت ابن السكيت يقول في إصلاح المنطق 338: ((وتقول: هؤلاء قوم رَجَّالةٌ، وهؤلاء قوم خَيَّالةٌ، أي أصحاب خيل, وتقول: هذا رجل نابل ونَبَّال، إذا كانت معه نبل)) ومثله قول ابن دريد في الجمهرة ج م ل 1/ 491: ((وقد قالُوا: جَمَّال وجَمّالة، كما قالُوا: حَمّار وحَمّارة؛ كَلَام عَرَبِيّ صَحِيح)) وذكر قول الشَّاعر:
حتَّى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ     شلاً كما تَطرُدُ الجَمّالةُ الشُّرُدا

     وأما (الرّدَادِيَة) –بدال مكسورة بعد الألف وياء مفتحوة مخفّفة ليست للنسب- فمسموع لدى الجُبّر من بني عمرو وغيرهم، وأصله الرّدَادِدَة (الردَادّة) ولكنه جاء على لغة الفك أو المخالفة الصوتية، وهو نهج عربي قديم، يقلبون ثالث الأمثال حرفَ علة، كما في قولهم تظنّيت أي تظنّنت، وقصّيتُ أظفاري، أي قصّصتها، وومنه قوله عزّ وجلّ: (ثمّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى) أصله يتمطّط، وقوله: (وخابَ مَنْ دَسَّاها) والأصل: دسّسها، إذ توالت في لفظ الرّدَادّة ثلاثة أمثال بينها حاجز غير حصين وهو الألف، فجاز الفك بالمعتل أو المخالفة بقلب ثالث الأمثال حرفَ علة، وهو سلوكُ تعرفه العربية.
وأما (الرّدَايِدَة) فكسابقه وهو إمّا على القلب المكاني منه أو على الفك بقلب الدال الوسطى حرف علة، وهو في الحالتين عربي صحيح.

    وأما تفسير وجه الراء فيما رواه الدكتور عائض عن بعض العرب أعني (الرّداردة) فهو جارٍ على الفك بالمخالفة أو الإبدال من (الرَّدَادّة وأصله الرّدَادِدة) قلبوا أول المثلين من جنس فاء الكلمة وحوّلوا الجذر الثلاثي إلى رباعي مضاعف، كما حولوا زلّل إلى زلزل، وصرّر إلى صَرْصَرَ، يفكون ثاني الأمثال بإبداله حرفاً من جنس الحرف الأوّل في الكلمة، وكذا فعلوا في الرّدَادّة (الرّدادِدة) فقلبوا الدال الوسطى راء، وهذا عربي عريق.
وخلاصة ما سُمع في جمع اسم هذه القبيلة العريقة خمسة جموع: (الرّدادّة) فعاعِلة و(الردَارِدة) فعاللة و(الردَادِيَة) محوّل من فعاعلة و(الرّدَايدة) كسابقه، و(الردّادَة) فعّالة، وأعلاها الأول، وكلها مما يصح في كلام العرب بالقياس على ما سمع في عصور الاحتجاج، وأما (الردادِدة) بالفك وإظهار الدالين فلا يعدُّ وجهًا سادسًا، وأحسبه غير مسموع، وهو أصل الوجه الأول.  



عبدالرزاق الصاعدي 
نشرت في الجزيرة الثقافية
السبت 20 مايو 2017م

السبت، 22 أبريل، 2017

عين (الغاية) وجذرها وحيرة ابن جنّي فيها:

عين (الغاية) وجذرها وحيرة ابن جنّي فيها

      الغاية من الثنائي: (غيّ) وألفها منقلبة عن ياء، وهي قبل الإعلال: غَيَيَةٌ، ويدل على هذا الأشتقاقُ، ومنه قولهم في الفعل منها: غيّيتُ غاية، وأغييت، وتغيّيتها، وتغايوا، وغاييت إليه بالشيء، وهو مسموع، ولم يقولوا: غوّيت وأغويت وتغوّيت وتغاووا وغاويت. ويؤيده أيضا قولهم في تصغير الغاية: غُيَيّة، ولم يقولوا: غُوَيّة.

     ولابن جني (المنصف 2/ 131، 143) مذهب في عينها شابه التردد والحيرة، فهي عنده واوية العين، إذ قال: ((وينبغي عندي أن يكون اشتقاقها من غَوَى، يَغْوِي، وذلك لأنّ الغاية إنما جعلت لترشد الضالّ وتهديه، وتزيل عنه الغيّ)) ثم ساق السماع فيما ظهر من عينها من روايات الخليل وأبي عبيدة وأبي عمرو الشيباني، وهي صريحة وقاطعة بأن ألفها ياء، فقال عَقِيبَ ذلك: ((ولولا السماع لكانت من الواو)) 2/ 143، وهذه حذلقة منه، فكيف يفترض لها اشتقاقا ولديه سماعٌ صريح؟!! ووجه الإشكال عنده أن السماع فيها عارضَ ما افترضه من اشتقاق لها، وهو أن تكون من ((غَوِيَ يَغْوِى)) وهذا محض افتراض يبطله السماع، وكان الأجدر به ألا يستمسك به، ثم إن افتراض اشتقاق الغاية من غَوِي بعيدٌ ومتكلّف.

     وقد جاء في العين: الغايةُ: مدى كل شيء وقُصارُه. وأَلِفُه ياءٌ، وهو من تأليف غين وياءين، وتصغيرها: غُيَيّة، وكذلك كل كلمةٍ مما يظهر فيه الياء بعد الألف الأصلية، فألفها ترجع في التصريف إلى الياء، ألا ترى أنك تقول: غَيَّيْتُ غايةً. ويقال: اجتمعوا وتَغايَوا عليه فقتلوه، ولو اشتق من الغاوي لقالوا: تَغاوَوْا.

     والذي أراه وأُوجبه فيها أن تكون الغاية يائية العين؛ لأن الاشتقاق ناطق بالياء فيها، وأمّا ما جاء في التاج 39/ 204 في قوله: ((والغاية: المدى، وألفه واو، وتأليفه من غين وياءين)) فسهو ظاهر، والصواب: ((وألفه ياء)) لقوله عَقِيبه: ((وتأليفه من غين وياءين)) وهو ينقل في هذا من اللسان 15/ 143 أو التهذيب 8/ 222 أو العين 4/ 457، وقد جاء النصّ في هذه المصادر الثلاثة على الصواب، وهم ينقلون من العين.. فوجب تصحيح نسخة التاج.  

عبدالرزاق الصاعدي

25 رجب 1438هـ الموافق 22 إبريل 2017م

الجمعة، 31 مارس، 2017

توجيه قولهم: سمعتُ لغاتَهم (بفتح التاء):

توجيه قولهم: سمعتُ لغاتَهم (بفتح التاء)
      يقتضي ظاهر القياس كسر التاء في هذا المثال؛ لأن ما يجمع جمع مؤنث سالما ينصب بكسرة نيابة عن الفتحة، تقول: رأيت مسلماتٍ وسمعت لغاتٍ كثيرةً، والعرب تقول: سمعت لغاتِهم، ولكن ثمة رواية عن أبي الجرّاح والكسائي وغيرهما أن بعض العرب يقولون: سمعت لغاتَهم، بفتح التاء، ومثله إنشاد البغدادين لبيت أبي ذؤيب الهذلي:


فلمّا جَلاها بالإيامِ تحيّزتْ      ثُباتًا عليها ذُلُّها واكتئابُها

بفتح تاء ثُبات، والرواية المشهورة بكسرها.. وفي فتح تاء (لغاتَهم) في تلك الرواية أوجه من التأويل أشار إليها جماعة من الصرفيين كأبي علي الفسوي في كتاب الشعر 1/ 169- 171، وابن يعيش في شرح التصريف الملوكي 190 وابن مالك في شرح التسهيل 1/ 87، 88، وهي - مع ما ظهر لي فيها- كما يأتي:
الوجه الأول: أنها جمع لغة، بالألف والتاء، وقياسها الكسر في النصب، وهو المسموع، ولكن نُصبت بالفتحة توهما أن الألف أصلية، كألف قضاة، فلغات على على هذا الوجه جمع سالم، وهو الظاهر وإليه أذهب، ووزن لغات هنا: فُعات بحذف لام الكلمة، والمفرد لغة ووزنه: فُعَة، وأصله قبل الحذف: لُغْوَة. 
الوجة الثاني: أنها: لُغَاة، على وزن (فُعَلة) جمع لاغٍ كقضاة وحُفاة جمع قاضٍ وحافٍ، وأصلها: لُغَوة، أعلّت وجوبا لتحرك الواو وانفتاح ما قبلها، وتنصب بالفتحة، تقول: رأيت قضاتَهم وحُفاتَهم وسمعتُ لُغاتَهم أي كلام لغاتهم أي كلام اللغين منهم، والألف في لُغاتهم على هذا الوجة لام الكلمة وليست ألف جمع السلامة. ويضعف هذا الوجه سماعها من العرب بالكسرة: سمعت لغاتهم، والشيء لا يكون جمع سلامة وجمع تكسير في وقت واحد، فغلب عند حمل الوجه الخارج عن القياس على التوهم كما قلت في الوجه الأول.
الوجة الثالث: أن (لغاتَهم) -بالنصب- مفرد جاء على فُعَلة (لُغَوَة) مثل نُعَرَة (الخيلاء والكبر) ونُقَرة (داء يصيب الغنم)، على لغة التتميم، أي رد اللام كقولهم: سُماةٌ، لغة في الاسم،  فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فوجب هنا النصب في قولهم: سمعت لغاتَهم أي لُغَوَتَهم، وهي مفرد، ولا يشكل على هذا إضافة المفرد إلى ضمير الجماعة؛ لأنه ورد عن العرب إضافة المفرد إلى ضمير الجماعة، كقول الشاعر:
كُلُوا في بعض بطْنِكُمُ تصحّوا      فإنّ زمانَكم زمــنٌ خميصُ
فأفرد بطنا مع إضافته إلى ضمير الجماعة. ورد ابن مالك هذا الوجه الذي ذكره أبو علي الفسوي من أربعة وجوه ذكرها في شرح التسهيل (1/ 88):
1- أن جمعيّة لغات في غير (سمعت لغاتَهم) ثابتة بإجماع، والأصل عدم الاشتراك لا سيما بين إفراد وجمع.
2- أن التاء في هذا الجمع عوض من اللام المحذوفة، فلو ردت لكان ذلك جمعا بين عوض ومعوض منه، وذلك ممنوع.
3- أن قائل (تحيزت ثباتا)في قول إبي ذؤيب الهذلي يصف مُشتار عسل من شق جبل، والعادة جارية بأن النحل التي تكون هناك إذا نُفِّرت بالإيام، وهو الدخان، اعتزلت مع يعاسيبها ثبة ثبة، فمعنى ثبات إذن جماعات، لا يستقيم المعنى بغير ذلك.
4- أن بعض العرب قال: رأيت ثباتَك، بفتح التاء، حكاه ابن سيده، وهذا نص في الجمعية التي لا يمكن فيها ادعاء الإفراد.


الوجه الرابع: لغة الإشباع، ونبهني إليها الدكتور مكين القرني، فكأنّ الألف في (لغاتهم) ناشئة من إشباع فتحة الغين فقالوا: (سمعت لُغاتهم) يريدون: لغتَهم، ومنه قرئ في الشواذ: (كسراب بقيعة): (كسراب بقيعات) كديماتٍ وقيمات، في ديمةٍ وقيمة.

    وخلاصة الكلام في هذه المسألة في قولهم (سمعت لغاتَهم) أنها جمع على الوجهين الأول والثاني، ومفرد على الوجهين الثالث والرابع، وأميل إلى الوجه الأول، وهو الأقرب عندي.
عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة 
3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م

السبت، 4 مارس، 2017

فرضية الفوائت الظنية:

فرضية الفوائت الظنية
     اجتهد صُنّاع المعاجم العراقيّون في عصور الاحتجاج في جمع لغة العرب الخُلّص، وبذلوا ما يسعهم في التثبّت واستقصاء ألفاظها وغريبها وشواردها، ومع ذلك فاتهم كثير، كما قالوا هم في مناسبات عديدة، لسعة لغة العرب وتنوع لهجاتها وتعدد بيئاتها وقبائلها وبعد المسافة بين العراق ومرابع القبائل في نجد والحجاز والسراة واليمن وعُمان، وكان صانع المعجم العراقي يروي عن أعراب في أطراف الجزيرة المتاخمة للبصرة، ويأخذ ممن يردون على العراق من أبناء القبائل، وطاف بعضهم بالبادية النجدية أو الحجازية في طريق الحج، ولكنهم لم يحيطوا بالقبائل في ديارها ومرابعها، ولم يوغلوا إلى قلب نجد وجنوبها، ولم يطوفوا على أعراب الحجاز في ديارهم وأوديتهم المتفرقة، ولم يقتحموا السراة وجبالها وأوديتها ولم ينحدروا إلى قبائل تهامة الجنوبية، لم يستطيعوا فعل ذلك لقلة حيلتهم فبلاد العرب واسعة مترامية الأطراف وعرة التضاريس، فليس غريبا أن يفوتهم في التدوين شيء من متن اللغة، والفائت نوعان:
    أحدهما: ما نجده في نصوص قديمة صحّت عن العرب في وثيقة يعتدّ بها، كدواوين الشعر وكتب اللغة والأدب، وأسميه الفوائت القطعية.
     والآخر: ما نسمعه في لهجاتهم في جزيرة العرب من بقايا الفصاح الجارية على ألسنتهم في أقوالهم وأشعارهم وأمثالهم وحكاياتهم وتراثهم الشعبي الموروث عن أجدادهم، ويوشك بعضه أن يندثر للتغيير النوعي المتسارع في نمط الحياة العصرية، وأسميه الفوائت الظنية؛ لاحتماله وجهين: الفَوات والتوليد، فجاءت الفرضية مبنية على الترجيح وغلبة الظن دون اليقين، قياسًا على ما نراه في لهجاتهم من محافظتها على مخزونها اللغوي من الحوشي والغريب والشائع، فما من لهجة معزوة إلى قبيلة في كتب اللغة إلا نجدها اليوم في لهجاتنا البدوية على حالها الأول أو على حال قريبة منها، ومن العجز والظلم والتفريط في ألفاظنا أن نرى في لهجاتنا في ديارها ألفاظًا لم ترد في المعاجم ونحكم عليها بأنها عامّيّة، دون دليل، فلا يكفي خلوّ معاجمنا العراقية منها لوسمها بالعامية، مع علمنا بنقص المعاجم وأن اللحن شاع بعد عصور الاحتجاج في التراكيب (المستوى النحوي) ثم البِنى الصرفية (المستوى الصرفي) وأن الوحدات المعجمية في مجموع الأصوات والدلالة ظلت محافظة على أصولها، تتناقلها الألسن جيلا بعد جيل، كما يتناقلون الألفاظ المشهورة التي لم تتغير وظلت باقية على حالها، وهي المكوّن الرئيس في لهجاتنا.
     ولا تُرَدُّ فرضية الفوائت الظنية بالافتقار إلا رواية أو سماع قديم أو نص يُركن إليه، إذ لا نعدم الوسائل اللغوية مما يمكن أن يُستأنس به ويُعين على الترجيح، فحين نفتقر إلى اليقين لا نهمل رجحان الظّنّ، وقد عمل به أسلافنا عند الحاجة، حين مَعجموا بعض الألفاظ في معاجمهم وبنوا رأيهم فيها على الظّنّ والترجيح، وهو غير قليل عند ابن دريد (وكُتِبَ فيه رسالة دكتوراه) والمرجّحات هي الشروط والمعايير التي تضبط فرضية الفوائت الظنية، وهي نوعان: شروط لازمة، ومعايير فرعية أو مؤشرات مساعدة مُرجّحة، ليست لازمة، أوجزها في الآتي:

أ-  الضوابط أو الشروط اللازمة لمعرفة الفوائت الظنية: وهي ثلاثة:
      الشرط الأول: تحقق المعيار اللفظي: وأعني به بناء الكلمة الصوتي والصرفي وموافقتها ما جاء في كلام العرب زمنَ الفصاحة.
    الشرط الثاني: تحقق المعيار الدلالي: وهو أن تكون الدلالةُ مناسبةً لحياة العرب في أزمان الفصاحة، أي مما هو مألوفٌ في حياتِهم، فإن كانتِ الدلالةُ لشيءٍ محدثٍ في العصور المتأخرة مما جدّ في الحياةِ عُرفَ أنها دلالةٌ مولدة، وأنها ليست من فوائت المعاجم.
    الشرط الثالث: تحقق المعيار الجغرافي أو الأطلس الجغرافي؛ وأعني به بيئة اللهجة، فإنّ سعة الانتشار للفظ في عددٍ من القبائل المتفرقة، وسماعه من كبار السن الذين لم يتأثروا بالإعلام؛ يرجّح قِدمه مع الأخذ بالمقياسين السابقين. فكلماتٌ مثل: الجُغمة، والخَشير، وارْتَبَشَ فهو مرتَبِش، ويدمَحُ الزّلّة، والرَّهْوة: المكانُ المرتفع، والشَّرْوَى وشرواك؛ أي: مثيلُك، وأزْرَيتُ بمعنى عجَزْتُ عن فعلِ شيء، والهَمْطُ وهو الهذرُ في الكلام، وانحاشَ بمعنى هربَ وولّى، وارجَهَنّ بمعنى جلسَ وسكن، والعَزْقُ بمعنى التضييق، ومُتَحَشِّد؛ أي: مُستحٍ؛ وغاش الماء يغوش بمعنى فار، وفَخَتَ يَفْخَت وفاخَتَ يُفاخت، وتقرفط، والفام، والقحيز، والقشروب، والعذروب؛ هي مما ينتشر بينَ قبائل الجزيرة وبيئاتها، وتتحقق فيه الشروط الثلاثة.
ب: المؤشرات والمعايير المساعدة المرجّحة غير اللازمة، وهي أربعة:

1- اللهجات المهاجرة، وأعني بهذا أن تؤكد لهجة مهاجرة لفظة أو دلالة فتوافق الفروع الأصول؛ وهذا يحدث في لغات القبائل المهاجرة من المشرق إلى المغرب العربي إبّان الهجرات الأولى في زمن الفتوحات وما أعقبه من موجات للهجرة والاستقرار  هناك.
2-   نظرية الاشتقاق الأكبر عند ابن جني.
3-   الاستئناس بنظرية ثنائية الألفاظ.
4-   الاستئناس باللغات العروبية (اللغات السامية).

     واجتماع هذه الشروط الثلاثة في كلمة أو دلالةٍ مع معيار مساعد من الأربعة حريّ بأن يعزّز الثقة بها حين الحكم بالفَوات، مع الاحتراز بالظن؛ لتعذّر الجزم به دونَ شاهدٍ أو نصٍّ قديم، فحَسُنَ تسمية هذا النوع من ألفاظنا الباقية في لهجاتنا بالفوائت الظنيّة؛ لأنها تحتمل وجهين: الفَوات والتَّوليد. وقد سنحت فرصة التطبيق لهذه المعايير على ألفاظ جمعتها بمعاونة الرواة أعضاء مجمع اللغة الافتراضي خلال خمس سنوات، ورصدتُ طائفة منها في كتابي "فوائت المعاجم" وأوصيت بإلحاقها بالمعاجم بوصفها الظّنّي كما يدخل المولد بوصف التوليد.

عبدالرزاق الصاعدي

5/ 6/ 1438هـ

الخميس، 2 مارس، 2017

اشتقاق الفعل (جاب) بمعنى أحضر الشيءَ:

     اشتقاق الفعل (جاب) بمعنى أحضر الشيءَ

    نقل الأديب أبو تراب الحزمي خبرًا للذهبي في تاريخ الإسلام (14/ 691 ت بشار)  في أحداث سنة 659هـ  فيه الفعل جاب بمعنى أحضر، قال الذهبي: ((وكانت الوقعة عند قبر خالد إلى قريب الرَّسْتَن، وذلك يوم الجمعة خامس المحرَّم، وقُتل منهم فوق الألف، ولم يُقتَل من المسلمين سوى رجلٍِ واحد. ثُم جاءت رؤوسهم إلى دمشق. قلت: حكى أَبِي أنهم جابوها في شرائج، وكنّا نتعجّب من كبر تلك الرؤوس لأنّها رؤوس المُغْل)) انتهى. 

      وثمة نصوص قبل الذهبي بقرون؛ منها نصٌّ لأبى بكر عبد الله بن أبى عبد الله محمد بن عبد الله المالكى (توفى بعد 460 هـ) في كتابه (رياض النفوس في طبقات علماء القيروان ص 2/ 368 تحقيق بشير البكّوش) قال فيه: ((قال لي أبو رزين حَشَدني حاشِد السودان قديما إلى رقاده فبذل أهل البلد للحاشد دينارين ليتركني فأبى بكل حيلة، فأخذني ومضى إلى رقادة، وأبو معلوم الكتامي يسمي [الناس] المحشودين، فلما قربت منه نظر إلي وقال: من أمركم أن تجيبوا هذا؟ وهو لا يعرفني، فقال: [جيبوا] دواة وقرطاسًا، وكتب: يا معشر الحَشَّاد...))

    أقول: جاب هذه التي في كلام المالكي والذهبي وغيرهما هي عينها جاب في كلام الناس اليوم في جزيرة العرب، وهي موروثة عن أجدادهم، منذ قرون لا نعلم عدّتها، وجاب في القرآن والمعجم بمعنى قطع الشيء (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) أي قطعوه، وجاب هذه مفكوكة بلا ريب من الثنائي جبّ، بقلب أوّل مثلية حرف علّة، والجبّ القطع، فجبّ الصخر وجابه بمعنًى. وأما جاب بمعنى أحضر الشيء فتحتمل عند التحليل اللغوي ثلاثة أوجه:

    الأول: أن تكون مختزلة من الفعل جاء وباء التعدية بعده (جاء+ بـ كذا)، فقالوا بعد التسهيل والحذف: جابه، أي جاء به، ثم توهّموا الباء لام الفعل، فغدت منه وصرّفوه فقالوا: جابه يجيبه، وهو جايب ومجيوب. وهو مذهب بعض اللغويين ومنهم دوزي في تكملة المعاجم العربية، وقد نقل نص المالكي الآنف الذكر في رسم (حاشد) وللاختزال نظائر في كلامهم.

    والوجه الثاني: أن تكون مقلوبة من فعل الجبابة، أي من جباه يجبيه، والجباية استخراج الأموال من مظانها وإحضارها إلى الوالي، وفعلها جَبَى يَجْبِي، ثم قلبوه فقالوا: جاب، على وزن فلع، وتوسعوا في دلالته فجعلوه لمعنى إحضار الشيء والإتيان به مطلقا. 

   والوجه الثالث: أن تكون جاب بمعنى أحضر قديمة كجاب المعجمية التي بمعنى قطع ولكن دلالتها فائتة لم ترصد، ولا نملك دليلا يصحح هذا الاحتمال فيبقى احتمالا. 

    وثمة سؤال: لمَ اختفت في لهجاتنا جاب بمعنى قطع وبقيت جاب بمعنى أحضر؟ 

عبدالرزاق الصاعدي 
المدينة المنورة 
3/ 6/ 1438هـ الموافق 2/ 3/ 2017م