الأربعاء، 13 يونيو 2018

هل الحرف المشدد حرفان أم حرف واحد أطيل زمنه؟:


هل الحرف المشدد حرفان أم حرف واحد أطيل زمنه؟

          ثَمَّةَ خلاف بين اللُّغويِّين المتأخِّرين في أصل المشدَّدِ نحو (عَدَّ) أثلاثيٌّ هو أم ثُنائيٌّ ؟فقد ذهب فريق إلى أنَّه ثنائيٌّ لا زيادة فيه، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفٌ واحدٌ. أمَّا الفريق الآخر فيوافق القدامى في أنَّ ذلك ثلاثيٌّ، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفان؛ أوَّلهما ساكن، وثانيهما متحرِّكٌ.

          ويحتجُّ الفريق الأوَّل بالنَّظرة الوصفيَّة الصَّوتيَّة للأصوات المتحرِّكة والصَّوامت الَّتي تؤكِّد -بزعمهم- أنَّ المشدَّد حرفٌ واحدٌ طويلٌ يساوي زمنه زمن صوتين.

          ومن هنا كان يقول (ماريوباي): إنَّ «اصطلاح: السَّاكن المضعَّفِ (doubleconsonant) هو اصطلاحٌ مُضَلَّلٌ حقًّا[!] لأنَّه قد استعير من طريقة الكتابة؛ ففي النُّطق يُمَدُّ الصُّوت السَّاكن بتطويل مُدَّة النُّطق به؛ إذا كان هذا المدُّ ممكناً. ويكون هذا ممكناً إذا لم يكن الصُّوت السَّاكن انفجاريًّا. وبما أنَّ الانفجاريَّ لا يمكن مدُّه عند نُقْطَةِ مخرجه، فإنَّ ما يسمَّى تطويلاً بالنِّسبة له يكون عن طريق إطالة مُدَّةِ قفل الطَّريق أمام الصَّوت قبل تفجيره».

          ومن ثَمَّ قال (فندريس): «من الخطأ أن يقال بأنَّه يوجد ساكنان في: أَتَّ (atta) وساكنٌ واحدٌ في: أَتَ (ata) فالعناصر المحصورة بين الحركتين في كلتا المجموعتين واحدة، عنصر انحباسيٌّ يتبعه عنصر انفجاريٌّ، ولكن بينما نجد العنصر الانحباسيَّ في: أتَ (ata) يتبع العنصر الإنفجاريَّ مباشرةً، نجده في (atta) ينفصل عنه بإمساكٍ يطيل مدى الإغلاق».

ومن هنا رأى (رِينَان)( -أيضاً- أنَّ المضعَّف ثنائيٌّ، ولا يعدُّ ثلاثيًّا إلاَّ لاعتباراتٍ صرفيَّةٍ.
ووافقهم الدُّكتور سلمان العانيُّ في تعريف التَّضعيف بأنَّه « إطالة الأصوات المتمادَّة، وقَفْلٌ أطولُ في الوقفيَّات».

          والحروف المضعَّفة عند « كانتينو » « هي الَّتي يمتدُّ النُّطق بها، فيضاهي مداها مدى حرفين بسيطين تقريباً، وتُرسم هذه الحروف عادةً في الأبجديَّة الأوروبِّيَّة بحرفين متتابعين: ب ب (bb) م م (mm)».

وأخذ برأيهم الدُّكتور رمضان عبدالتَّوَّاب بقوله: « إنَّ ما نعرفه باسم الحرف المشدَّد، أو الصَّوت المضعَّف ليس -في الحقيقة- صوتين من جنس واحدٍ؛ الأوَّل ساكنٌ، والثَّاني متحرِّكٌ؛ كما يقول نحاة العربيَّة؛ وإنَّما هو في الواقع صوتٌ واحدٌ طويلٌ؛ يساوي زمنه زمن صوتين اثنين ».

          وهذا الَّذي قالوه لم يكن خافياً على القدامى؛ فقد كان ابن جِنِّي يرى أنَّ «الحرف لمَّا كان مُدْغَماً خَفِيَ؛ فنبا اللِّسان عنه وعن الآخر بعده نبوةً واحدةً؛ فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد».

          ورُويَ عن الزَّمخشريِّ وغيره  نحوه.

          وعلى الرّغم من ذلك فإنَّ القدامى كانوا يفرِّقون بين وصف الظَّاهرة الصَّوتيَّة وحقيقة الأصول؛ فلم يؤثر عنهم أنَّهم يعُدُّون المضعَّف أصلاً وحداً؛ وليس في وضعهم الثُّلاَثِيَّ المضعَّفَ في باب الثُّنائيِّ في معاجم التَّقليبات دليلٌ؛ كما سبق به البيان، بل كانوا ينصُّون على أنَّ المضعَّف حرفان. ومن أقدم من نبَّه على ذلك الخليل في قوله: « اعلم أنَّ الرَّاء في اقْشَعَرَّ واسْبَكَرَّ هما راءان أُدغمتْ واحدةٌ في الأخرى، والتَّشديد علامة الإدغام ».

          ونحو ذلك ما قاله ابنُ يعيش وابنُ الحاجبِ.

          ولعلَّ وراء عَدِّ بعض المتأخِّرين المضَعَّفَ حرفاً واحداً مذهَبَهم في الثُّنائيّة، ومحاولةَ الانتصارِ له؛ لأنَّ الثُّلاثيَّ المضعّف نحو «صَدَّ» هو الأصل الثَّنائيُّ عند كثير من الثُّنائيِّين، ولابُدَّ أن يكون كذلك، لأنَّ الثُّلاثيَّ -عندهم- ليس أصلاً.
          ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ مذهبهم في عدَّ المشدَّدِ حرفاً واحداً؛ أطيلَ صوته، فيه نظرٌ؛ فالإدغام أن يؤتى بحرفين ساكنٍ فمتحرِّكٍ فيتَّصلان من غير أن يُفَكَّ بينهما، إلاَّ إذا أريد ذلك بالوقوف وقفةً لطيفةً على السَّاكن، ثمَّ الاستئناف بالمتحرِّك.
          ويظهر ذلك في الموازنة بين كلمتين متشابهتين في الفاء والعين، ومختلفتين في اللاَّم؛ وإحداهما مضَعَّفةٌ؛ نحو «عَدْلٍ» و «عَدٍّ» فإنَّكَ إذا تأمَّلتَ ذلك، ونطقتَ الكلمتين، ووقفتَ وقفةً لطيفةً على السَّاكن فيهما - لن تجد فرقاً بينهما في عدد الحروف والحركات والسَّكنات؛ فالأولى ثلاثيَّةٌ، وكذلك الثَّانية؛ وهي (عَدْ-دٌ) وأصلها «عَدَدٌ» وكذلك «شَرْقٌ» و«شَرٌّ» و «بَرْقٌ» و«بَرٌّ» و«سِلْمٌ» و«سِلٌّ» ونحو ذلك.

          والفرق بينهما أنَّ اللِّسان انتقل من مخرج الدَّال إلى مخرج اللاَّم في الكلمة الأولى، ولم ينتقل من مخرج الدَّال السَّاكنة في الكلمة الثَّانية؛ لأنَّ ما بعدها دالٌ فبقي في مخرجه.

          وقد سُكِّنَ الحرفُ الأوَّلُ وأدغمَ فيما بعده طلباً للخفَّةِ؛ فالأصل «عَدَدٌ» و «شَرَرٌ».

    ولعلَّ الإدغام مرحلة متأخِّرة في الاستعمال اللُّغويِّ؛ فيكون الأصل عدم الإدغام؛ أي: بنطق السَّاكن بوقفةٍ يسيرة دون إدغامًٍ في المتحرِّك، فلمَّا ثقل ذلك -لاحتياجه لشيء من الأناة- أُدْغِمَ طلباً للخفَّةِ.

ويمكن أن يستدلَّ بورود كلمة لم يقع فيها الإدغام؛ وهي « رِيْيَا» بمعنى المنظرِ الحسنِ، وأصلها « رِئْيَا» فلعلَّ ذلك من بقايا الأصل القديم في عدم الإدغام.

          ومذهب القدامى في المضعَّف قويٌّ. ومن اليسير أن يستدلَّ على قوَّته ورجحانه بجملةٍ من الأدلّة؛ وهي تُضْعِفُ -في المقابل- مذهب هؤلاء المتأخِّرين.

          وأحدُ تلك الأدلّة: جواز تضعيف الحرف الأوسط الصَّحيح قياساً من الفعل الثُّلاثيِّ؛ فيقال في «كَسَرَ» و«قَتَلَ» و«خَرَمَ» : «كَسَّرَ» و«قَتَّلَ» و«خَرَّمَ». ويقال -أيضاً- في نحو «عَدَّ» و«شَدَّ» و«مَدَّ» : «عَدَّدَ» و«شَدَّدَ» و«مَدَّدَ» فهو كالثُّلاثيِّ الصّحيح.

          فماذا يقولون في ذلك؟ هل يقولون: إنَّ الحرفَ الواحدَ المشدَّدَ؛ أطيلَ صوته وزمنه حتَّى غدا يماثل ثلاثة أحرفٍ، ثمَّ فُصِلَ ثُلُثُهُ، وهو الحرف الأخير؟ أو يقولون: إنَّ نصف الحرف المشدَّد في نحو « عَدَّ » هو الَّذي أطيل بالتَّشديد؛ فانفصل نصفه الثَّاني المتحرِّك؟ أو يقولون: إنَّ الدَّال الطَّويلةَ (المشدَّدَةَ) في «عَدَّ» بقيت على حالها؛ فاجتُلِبَتِ الدَّالُ الأخيرةُ اجتلاباً؟ أو يقولون: إنَّ «عَدَّ » فعلٌ و«عَدَّدَ » فعلٌ آخر مستقلٌّ بنفسه؛ ولا صلة بينهما؟ فيلزم -حينئذٍ- انتفاءُ العلاقة بين «كَسَرَ» و«كَسَّرَ» ونحوهما، وكُلُّ ذلك بعيدٌ.

          وثانيها هو: إدغام تاء الافتعال في فاء الكلمة؛ كقولهم «اذَّكَرَ» و«اطَّلَبَ» و«اصَّبَرَ» ونحو ذلك؛ فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الذَّالَ والطَّاءَ والصَّادَ المضعَّفات كلٌّ منها حرف واحد، ولا يجوز ذلك؛ لأنَّ أصل «اذَّكَرَ» و«اطَّلَبَ» و «اصَّبَرَ»: «اذْتَكَرَ» و«اطْتَلَبَ » و«اصْتَبَرَ» قبل إبدال تاء الافتعال. ومثله: «مُتَّقِدٌ» و«مُتَّعِدٌ» وأصلهما «مُوتَقِدٌ» و«مُوتَعِدٌ».

          ويَلحقُ بذلك نحو «عُدُّ» فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الدَّال حرف واحد؛ أطيل صوته، وأنَّى يكون ذلك؛ لأنَّ الدَّال الثَّانية هي الفاعل؛ ألا ترى أنَّها مبدلة من التَّاء وأنَّ أصلها «عُدْتُ؟». ومثلها «خَبَطُّ» وأصلها «خَبَطْتُ».

          وثالثها: أنَّ نظريَّة المخالفة الصَّوتيَّة، الَّتي تبنَّاها الكثير من المتأخِّرين؛ ممَّن قالوا بأنَّ المشدَّد حرف واحد تنقض مذهبهم؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ من المخالفة الصَّوتيَّة نوعاً يقوم على فَكِّ الإدغام بالإبدال؛ مثل «القُنْفُذِ» أصلها -عندهم «القُفُّذُ».

          وهذا النَّوع من تخالف الحروف المشدَّدةِ؛ الَّذي يكون بقلب أوِّل الحرفين إلى النُّون هو الأكثر وقوعاً في العربيَّة. وقد يصير الحرف الأوَّل من المشدَّدِ راءً، أو لاماً؛ نحو كلمة «فَرْقَعَ» الَّتي يرى «برجشتراسر» أنَّ أصلها «فَقَّعَ» بتشديد القاف، ويرى أنَّ أصل «بَلْطَحَ» : «بَطَّحَ» أي: ضرب بنفسه الأرض.

         والمخالفة تكون بين صوتين، وتفسيرهم وُقُوعَهَا في المشدَّد على هذا النَّحو يخالف مذهبهم في أنَّ المشدَّد حرف واحد.
         ورابع الأدلَّةِ: الإدغام بين حرفين في كلمتين؛ نحو «مَن نّامَ» و«مِن نّعِيم» وكذلك الإدغام بين حرفين من كلمتين؛ بعد قلب أحدهما؛ نحو «مَن يَّشَاءُ» و «مَن رَّامَ» و «هَرَّ أيْتَ» ونحو ذلك من الإدغام المذكور عند القُرَّاء.

          وقريب من ذلك إدغام لام التَّعريف في ثلاثة عشر حرفاً؛ وهو ما يعرف بـ «لام التَّعريف الشَّمسيَّة» نحو «الدَّلْوِ» و «الشَّرْقِ» و«الصَّبْرِ».

          وقد قلبت اللاَّم فيهنَّ من جنس ما بعدها، ثمَّ أدغمت فيه لسكونها.

    ولا أحدَ -خلا هؤلاء- يقول: إنَّ المُدْغَمَين حرفٌ واحدٌ.

   وآخر الأدلَّة من العروض، ودلالته قويَّةٌ؛ لأنّه مبنيٌّ على أساسٍ صوتيٍّ لا وظيفيٍّ - كما يقولون- وذاك الأساس هو: المتحرِّك والسَّاكن؛ فقد أجمع العَرُوضيُّون -منذ زمن الخليل إلى زمننا هذا- على أنَّ الحرف المشدَّدَ حرفان؛ أوَّلهما ساكن.

    قال الأخفش: «فأمَّا الثَّقيل فحرفان في اللَّفظ؛ الأوَّل منهما ساكن، والثَّاني متحرِّكٌ؛ وهو في الكتاب حرف واحدٌ؛ نحو راء شَرٍّ».

    وبمثل ذلك قال الجوهري، و ابن القطَّاع.

   وبه استدلَّ عَلَمُ الدِّين السَّخاوي على أنَّ المدغم حرفان بقوله: «والدَّليل على ما قلته من كون الأوَّل ساكناً أنَّ كلَّ حرفٍ مشدَّدٍ في تقطيع العروض حرفان، الأوَّل ساكنٌ؛ تقول:

بِسِقْطِلْ لِوَىَ بَيْنَدَ دَخُوْلِ فَحَوْمَلِ
 فإن قلتَ: فلِمَ أسكنوا الأوَّل: قلتُ: لو لم يُسكنوه لفصلت الحركة بينهما؛ فلم تحصل الدَّفعة الواحدة».

      وبالجملة فإنَّ مذهب القدامى في المشدَّدِ هو الصَّحيح، وعليه المعوَّل في الأصول وتداخلها. وأنَّ ما ذهب إليه بعض المتأخِّرين في المشدَّدِ اجتهاد لم يحالفه التَّوفيق، ولعلَّ من أهمِّ دوافعهم في تزعُّمِ ذلك: الانتصار لنظريَّة الثُّنائيَّة في الأصول؛ لعدِّهم المضعَّفَ أصلَ الثُّلاثيِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ينظر: تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم العربي، للصاعدي 1/ 171- 179.

عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة

الاثنين، 11 يونيو 2018

المُوَلّد وبدعة مصطلح المُحدَث:


المُوَلّد وبدعة مصطلح المُحدَث


يُفرّق بعض اللغويين المعاصرين بين المولّد والمحدث؛ فإن كان المولّد هو ما ولّده القدماء بعد عصور الاحتجاج فالمحدث هو ما أحدثه المحدثون المعاصرون، ولكنّي أرى أنّ ذلك كلَّه مولد، ولا حاجة لمصطلح المحدث. فالمولد من الألفاظ والأساليب والدلالة هو ما ولّدته العرب بعد زمن الاحتاج إلى أن تقوم الساعة، ولا حاجة لمصطلح المحدث. لأن زمن المُحْدَث سيمتدّ ويتطاول ويتقادم أوله، فنحتاج بعد عدّة قرون إلى تغيير المصطلح لأنه سيفقد علّة تسميته مع تقادم الزمان، أو نقول (مُحدَث المحدث) فلعلّ الأحسن هنا توحيد المصطلح والفرار من مشكلة تقادم الزمن، ليكون مصطلح المولد في مقابل الفصيح في زمن الاحتجاج. ويكفي في المولد أن يحدد زمن توليده عند الحاجة عوضا عن مصطلح المحدث، فيقال: مولّد عباسي، ومولّد مملوكي، ومولّد عثماني، ومولّد حديث أو معاصر.

عبدالرزاق الصاعدي 
27 رمضان 1439هـ الموافق 11 يونيو 2018م

السبت، 9 يونيو 2018

دراسة اللهجات والنضج اللغوي:



دراسة اللهجات والنضج اللغوي

درس بعضُ أعلام اللغة المصريين المعاصرين كإبراهيم أنيس وتمام حساس اللهجات المصرية في أبحاثهم ورسائلهم وهدتهم دراساتهم تلك إلى معرفة أسرار التحوّلات العامية، وأرشدهتم إلى المزيد من أسرار التطور اللغوي للعربية الفصحى ولهجاتها في الأصوات والأبنية، وكشف الله لهم عن بعض الأسرار والنظريات في الفقه اللغوي العام، ولك أن تتأمل أبحاث الدكتور تمام حسان بعد رسالتيه في اللهجات والعاميات، وتتأمل فكر رمضان عبدالتواب بعد أن درس لحن العامة والتطور اللغوي في رسالته، وكيف نضج فكره اللغوي بعد ذلك، وكيف كتب وأجاد في التطور اللغوي في الأصوت والتصريف والدلالة، وقل مثل ذلك عن إبراهيم أنيس وعبدالرحمن أيوب وخليل عساكر وعبدالعزيز مطر، وتأمل كيف انعكس ذلك النشاط اللهجي على فكرهم اللغوي وآرائهم العامة في العربية، التي ظهرت في كتبهم وأبحاثهم المشهورة، فكيف يتحرّج بعض لغويينا من دراسة لهجات المنبع وهي الأقرب إلى أصولها القديمة؟!
عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة

أصاب حمد الجاسر وأخطأ عبدالسلام هارون:


أصاب حمد الجاسر وأخطأ عبدالسلام هارون

قبل ستين عامًا وقع خلاف لغوي بين حمد الجاسر وعبدالسلام هارون، سببه تعليقٌ للجاسر على قولٍ لهارون، فاستخفَّ هارون برأي الجاسر في تعليق له يستجدي القُرّاء إلى صفّه، ولكنّ هذا الخلاف لم يُحسم وبقِيَ معلّقًا إلى اليوم، وخلاصة القصة فيما يأتي:

            جاء في تحقيق الأستاذ المحقق عبدالسلام هارون لكتاب عرّام بن الأصبغ السُّلمي (أسماء جبال تهامة وسكّانها) عبارة غامضة لم يستبن قراءتها، ورسمها على صورتها في المخطوط، وهي: «وأمعاوهم ما يكون السىـن» هكذا( ينظر: نوادر المخطوطات 2/ 426.). وقال هارون في الحاشية ما نصّه: «كذا وردت هذه العبارة في الأصل، ومن الواضح أن السياق سردُ أسماءٍ لعيون. وقد علّق عليها الشيخ حمد [الجاسر] تعليقا عجيبا، قال حفظه الله: (للأستاذ العذر في جهل بعض المواضع التي لم يَسِر فيها ولم يجد من النصوص ما يوضّح مواقعها تماما، ولكن ما عذره في جهل الكلمات اللغوية -وهو اللغوي الذي عانى نشر بعض المعجمات اللغوية- ونعني بالكلمات ما نجده متداولا في معجمات اللغة المطبوعة؟ في ص 55 من النشرة الأولى- ما هذا نصه: [وأمعاوهم ما يكون بالسىـن] وعلّق الأستاذ (أي هارون) قائلا: كذا وردت هذه العبارة في الأصل. ولو رجع إلى كتب اللغة لوجد أن الأمعاء أمكنة تجتمع فيها المياه، وتبقى مدة طويلة) أ.هـ. (كذا). [قال هارون]: ولست أدري أي المعاجم المطبوعة ورد فيها هذا النص الغريب الذي ساقه الشيخ؟ ثم قال الشيخ: (وإذن فالجملة هي: [وأمعاء، وهو ماءٌ يكون السنينَ]!؟ وهكذا وردت هذه الجملة فيما نقله السمهودي في وفاء الوفاء ج2 ص331 عزام). [قال هارون]: وأترك التعليق على هذا التعليق للقارئ المنصف» انتهت حاشية هارون في المصدر المشار إليه.

      أقول: القارئ المنصف يرى أن الصواب مع الشيخ المحقق حمد الجاسر، فقراءته للنص صحيحة مليحة وأخطأ شيخ المحققين عبدالسلام هارون في هذا الموضع، وأعجب من العثرة إصراره على الخطأ واستخفافه بالشيخ الجاسر، وهو في المواضع حجّة، ولا يستهان به في اللغة، وقد أشار إلى أن الكلمة في المعاجم، فكان حريا بالشيخ هارون أن يتحقق منها في المعاجم التي بين يديه، ومنها تهذيب اللغة للأزهري واللسان والتاج، فهذا الأزهري يقول في مادة حوى: «وأمّا الحَوَايا الّتي تكون فِي القِيعانِ والرِياض، فَهِيَ حفائرُ ملتوِيةٌ يملؤُها ماءُ السيلِ فيبقى فيها دهرًا لأنّ طين أسفَلها عَلِكٌ صُلْبٌ يُمْسِكُ الماءَ، واحدتها حَوِيّةٌ. وَقد تسميها العَرَب الأَمْعاء تَشْبِيهاً بحوايا البطْن» (تهذيب راللغة 5/ 292) ونقله صاحبا اللسان والتاج في (حوي). وقوله في مادة (معي) وهو يحكي بعض مشاهداته وسماعه أيام الأسر في بادية نجد، قال: «وقد رأيت بالصَمَّان في قيعانها مَسَاكاتٍ للمَاء وإخاذاً متحوّية تسمى الأمعاء، وتسَمى الحوايا» (التهذيب (معو 3/ 250، 251) ونقله ابن منظور في اللسان (معي) والزبيدي في التاج (معي).

      وهذان النصان يقطعان بصحّة ما ذهب إليه الجاسر في قراءة نصّ عرّام ويؤكّدان خطأ الشيخ عبدالسلام هارون، ووجه الغرابة عندي أن النص في التهذيب، وهارون من محققي التهذيب، وهو واضع فهارسه، فكيف لم يرجع إليه بعد أن نبَّهه الشيخ الجاسر؟!. 

        وهنا ألتفت إلى أمر في غاية الأهمية، اقتضاه قول الأزهري: «رأيت بالصمّان» وهو أن اللغة تكون أقرب إلى روح العرب الأقحاح حين يأخذها اللغوي أو المعجمي من أهلها وبيئتها، وقد أتاحت سُنيّات الأسر للمعجميّ الكبير أبي منصور الأزهري صاحب التهذيب أن ينهل اللغة من منابعها حين أُسرته طائفة من الأعراب وهو في منصرفه من الحجّ في طريق عودته مارّا بديار قبائل هوازن بنجد سنة 312هـ أيام المقتدر بالله وذلك في فتنة القرامطة، قبّحهم الله، فمكث في الأعراب سُنيّات، استفاد فيها الكثير من ألفاظ اللغة دوّنها في معجمه، وها هو يقول في حديثه عن محنة أسره: «كنت امتُحنت بالإسار سنةَ عارضتِ القرامطةُ الحاجَّ بالهبير، وكانَ القومُ الذين وقعتُ في سهمهم عربًا عامتهم من هوازن، واختَلَطَ بهم أصرامٌ من تَمِيم وأسد بالهبير، نشؤوا في البادِية يتتبّعون مساقط الغَيْث أيامَ النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المِياه في محاضرهم أيام القيظ، ويرعون النَّعمَ ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التِي اعتادوها، ولا يكاد يَقع في منطقهم لحنٌ أَو خطأ فاحش. فبَقيت في إسارهم دهرًا طويلا. وكُنَّا نتشتَّى الدَّهناء، ونتربّع الصّمَّان، ونتقيَّظ السِّتارَين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بَعضهم بَعضًا ألفاظاً جمّة، ونوادر كَثِيرَة، أوقعتُ أكثرها في مواقعها من الكتاب» أ.هـ.

     وقلتُ ذات مرة على سبيل المداعبة: ليتهم أسروا كلَّ معجميٍّ عراقي، وبخاصة ابن دريد والجوهري وابن فارس، لو حدث هذا لكان خيرا عظيما على معاجمنا، لأن فيه فرصة لمشافهتهم وأخذ اللغة من منبعها.



نشر في صحيفة الجزيرة بتاريخ 21‏/05‏/2016م.