الأحد، 31 يوليو، 2016

مقاربة جديدة في الإعجاز:

‏مقاربة جديدة في الإعجاز
‏الرسول ﷺ/ ‏الوحي/ ‏القرءان/ العرب/ ‏الكهانة/ ‏الشعر
محمد العلالي

      اعلم أن العرب كانت في جاهليتها أُمّة أُمِّيّة، وعلى حال من الجفاء وقلة الرفق والعلم بالأمور =قبيحة: لا تعرف الأسفار المدونة، ولا الألواح المرقومة، ولا الأضاميم، ولا الطروس، ولا استنساخ الطروس، ولا ذوات الرقوق من المصاحف، ولا أمهات القراطيس، ولا الأقلام، ولا قَطّ الأقلام، ولا الأحبار، ولا طبخ الأحبار، ولا دكاكين الوراقة، ولا بيوت الكتب، ولا المدارس، ولا العلماء، ولا الاختلاف إلى العلماء، وكانت خسيسة الحظ من ذلك كله، جاسية الذهن عن ذلك كله، زاهدة في ذلك كله، ولم يكن لهم دولة ولا عز، ولا إمام مُدَبِّر، وكانوا كالسباع الضارية، يغير بعضهم على بعض، ويأكل بعضهم بعضا، رأس مالهم من الأدب كله الشعر، وكان لهم شعراء مهرة ينظمونه ويقرضونه، ولا يعرفون إلا به، ولا ينسبون إلا إليه، ولا يكرمون إلا له، وكانوا ثلة قالّة، وعزيزة نادرة، وكان لهم كهان أرباب سجع وأُخَذٍ، وتمويه ومخرقة، واستظهار بالجنّ، ولم يكن لهم من العلم وأشباه العلم شيء غير ذينّك الأمرين: الشعر والكهانة، وليبق هذا منك على ذُكْر، وليمكث لديك بقُرْب، لأن المقالة مبنية عليه.

مطالبة على سبيل المحاجّة، وتبيان الطَّلِبَة:
       اعلم أن شرط أدب النثر خاصّة استفاضةُ الكتابة والقراءة، وأنه لن ترسخ أمة في سنخ ذلك الأدب وهي أمية لا تكتب ولا تقرأ، أما الشعر -وهو فضلة حنجرة، وشهوة أذن- فإنه أدب الأميين، لأن الأمي أُذُن كله، والشاعر حَنْجَرة كله، ولو شِيء للعرب أن يخاطَبوا بما اعتادوه لربما أُنْزل عليهم ‏السُّمعان لا القرءان، ولربما كان أوله «اسمع» لا «اقرأ» ولربما كان موزونا مقفى، ولكن شِيء لهم أن يُنقَلوا من ضرورة النظم إلى سعة التأليف، ومن حب السماع إلى تفضيل القراءة، ومن سيطرة الشعر إلى حكم القرءان، ومن إدمان ‏التمَسُّق إلى إدامة التأمل، وههنا شطر الإعجاز، وهو أن يوحى هذا الكتاب العظيم إلى رجل أمي -بأبي هو وأمي- قصارى أمثاله في ذلك الزمان أن يستمعوا للشعر، أو أن يصبح أحدهم شاعرا إذا بُخِت وأوتي الحظ العظيم، وهذا عندهم أقصى غاية السُّؤْل، بل فوق المُنى، قال : ﴿وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا: ائت بقرءان غير هذا، أو بدله، قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل: لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله، أفلا تعقلون؟! فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو كذب بئاياته؟! إنه لا يفلح المجرمون﴾ وكان هذا الوحي حيرة العرب الأولى، إذا لم يصبروا له، وجزعوا منه جزعا عظيما.
      وإن شاكس مكابر على ما قدمنا، فليذكر لنا كتابا لأولية العرب من عهد قيذار ابن إسماعيل، أو الصفي ابن النبيت أو المُجشِّر أو دوسِ العِتْقِ أو النَّيْدَوَان أو المطعم في المحل أو يزنِ الطِّعَانِ أو جامع الشمل أو الظَّرِيب خاطم النار أو بَرِيحٍ الناصب أو معد ابن عدنان، أو ربيعة ابن نزار، أو خزيمة ابن مدركة، أو لؤي ابن غالب، أو قصي ابن كلاب، وليخبرنا أيضا من ألفه؟ وفي أي فن هُوَ؟ وكم صحيفة يضمّ؟ وما فِهْرِسْت أبوابه وفصوله؟ ولينتق لنا منه نتفة، وليستخرج لنا منه مقالة مثل كتب الأمم القدموسة، والقديمة الموغلة من غير العرب، ثم ليجئ لنا بمصحف عتيد متوارث أو ذِكْر من مصحف عند قبيلة من العرب، أو عمارة منها، أو بطن مشهور أو مغمور، أو فخذ مسماة أو نكرة، أو فصيلة شريفة أو من دون =يكون فيه علم صالح أو بقية من علم، ولسنا نسلم للذكر حسبُ حتى يكون معه برهان قهّار أنه هو هو، وحتى ينقل لنا مع الذكر قطعة منه يشملها ذلك البرهان بقهره، وليسمّ لنا بدويا قحا، وأعرابيا همّازَ كلم، وربَّ غريب، تميميا أو أسديا أو طائيا أو من السَّواء، أو حضريا مدريا لا يهمز، ويأتي بالكلم من قريب، مكيا أو طائفيا أو يثربيا أو من السواء، ورث عن ءابائه، أو ورّث أبناءه =لفافة مدرجة فيها معرفة صحيحة أو أثارة من معرفة، وليأت -إن اسطاع- بنقر على صخر، بالمسند أو الجزم، وبلسان العرب المبين خاصّة، يكون فيه أدب منثور خالص لبٌّ، ومهجة فاخر، وليس بقريض شاعر، ولا سجع كاهن، فإن جاء بذلك أفحمنا بالمسكتة، وإن عجز عنه فاعلم أن العرب لم تعرف أدب النثر في الجاهلية قَطُّ، وليس لها من الأدب إلا الشعر خاصة، لا تحسن غيره.

الجاهليون وأمة السان San people:
        والجاهلي في وقت ناسه، وفي شأن مطالبته بما يعجزه، كالسانيّ في وقتنا، وفي شأن مطالبته بما يعجزه، والسان أمة عتيقة باقية، أُدْم قِطاط، وعُراة حُفاة، وأرباب تكسّب واصطياد، معيشتهم على ‏الطرازة القديمة، وعلى الفطرة الاولى: يضربون في الأرض، ويتصرفون بأبدانهم من أجل القُوت، ويجمعون أذهانهم من أجل الحِسّ، ويستفرغون قواهم من أجل الشمّ، ويصيخون بئاذانهم، ويطمحون بأعينهم، ويتلبثون ويتوثبون، ويطمئنون ويستوفزون، ويرجعون القهقرى ويتقحمون، ويكرون ويفرون، ويحذفون طرائدهم بالعصيّ والمحاجن وما يشبه ذلك من ءالة الحذف، ويقذفون ما يعرض منها بالرماح التي أسنّتها من الأظرّة، ومن القرون المُلْحَمة بالأعصاب والعلابيّ، ويقِذُون ما يتهيأ بالنُّشّاب المَدُوف بسمّ مُجْهِز يستخلصونه من دُودِ خنفساء تكثر في موطنهم، ويورون النار بحكّ العيدان والشَّبُوب، وبضرب القدّاحات والحُراق، ويحفرون في أعوام السنوات والمجاعات، وفي أيام حبس القطر، وفي أوقات عزّة الماء =أحساءا لهم معروفة، ويستنبثون رملها بأيديهم، حتى يصلوا إلى الطين، ثم يستنبطون رطوبته بكلإ يغرزونه فيه، فيرشح الماء في سوق ذلك الكلإ وعروقه، ويخرج من غُثائه، ويصفو من كدره، فيجمعون تلك النُّطَف وتلك الرُّشاحات في أوعية من بيض النعام، ويتمصصونها، ويأكلون في تلك الأحوال الجنادب والخنافس والنمل والفراش وكل ما دبّ ودرج، ويصيد النساء الكَمْئة وما يشبه الكمئة، والفطر وما يشبه الفطر، وفراخ الجنبة والبقل، وغلاظ الجُثَث من الثمر، وجنى السُّطّاح من النبات، ويَصِدْن بيض النعام من الأداحيّ، ويتخذن من كِرْفِئه ءانية، وهم على هذا التدبير وعلى هذه المعيشة منذ أحقاب، ويدعون الخُوّ رب الأرباب، ويعظمون معه الكاغِن الذي يظهر لهم -زعموا- في هيئة سرعوفة متربّصة، أو كبش أملح نطّاح، أو قملة دابّة، أو ثعبان يتلمظ بلسانه، أو فراشة متهافتة على ضياء، وله صاحبة تدعى كوتي، وابنان اثنان يدعيان الكاغِز والغويّ، ويعظمون هِيتِيس الحبيب، وطُسَيْجاب، والجنّاب، والطّقّاء ... في أمور كثير من هذا الضلال، ويتقربون إليهم بذبح الكباش والزرافات، ويستنشئ قبول تلك القربانات كاهن لهم زجّار مزمجر، يدعى عبد الخُوّ، أو عبد الجَنّاب، أو عبد الكاغِن، ويلقب بالشامان الأعظم، يتحلقون حوله، ويتواجدون له بالرقص ‏المُطَقَّس، ونساؤهم يصفقن ويزمزمن، وربما ساقاهم الكاهن شرابا موسوِسا يدغدغ أدمغتهم، فيتراءى لهم من الطائف كل هائل عجيب، ثم يستفحل الوسواس، ويتعاظم الطائف بالبُهْر، وبالشهيق والزفير، وبالصخب الممسوق، حتى يغيبوا عن الحِسّ الواعي -نعوذ بالله من خبط الشيطان- ولهم تصوير الخِلَق الئادمية لحكمائهم وأَطِبّتهم ومهرة صياديهم، وكذلك خِلق الوحوش التي يصيدونها، والخِلَق المركبة والمشوبة التي يرونها في وساوسهم ورقصهم =على صخور المغارات والمُدَّخَلات التي يأوون إليها، ويتخاطبون بالخُوَيْسانية، وهي من ءايات الله في اختلاف الألسن، ومن عجائبها أنه فيها أحرف إبساس ونقر: هل سمعت قطّ راعيا يغرغر بحلقه ويشلي بشفتيه على شاء متصعّبة، أو راكبا مُبْطِئا يزجر دابته بقلقلة لسانه؟ ذلك كذلك، ثم أرأيتك إن طالبت هذا الساني بمحاكاة كتاب شريف مؤلف من حُرّ كلم ‏الخويسانية، وهم قوم همج كما ترى، لا عهد لهم بكتاب ولا مِزْبر، وليس لهم من الأدب إلا ذلك التصوير الذي مرّ بك ذكره =أخبرني أيقدر على ذلك؟ أرأيتك إن ذكرت في ذلك الكتاب المحكيّ الخُوَّ أو الكاغن أو الشامان بسوء =ألا يتململ الساني ويضجر، ويكابر ويزفر، ويضج وينفخ، حتى إن كان ما سمعه حرًّا شريفا، وصوابا محضا، وفائقا بنظمه حدّ الأعجوبة عنده من حيث إنه لم يسمع به من قبل؟ هذا كذلك، والذي هنا كالذي هنالك، ولله العليّ ولكلامه القديم المستعلي المثل الأعلى، والأمر كما قال المعري: «والزمن كله على سجية واحدة، فالذي شاهده معد بن عدنان كالذي شاهد نُضاضة ولد ءادم -والنضاضة آخر ولد الرجل-»

       وللعرب حال مع القرءان، كحال أولئك مع الطلبة المذكورة، ومما يدلك على أن العرب لم تعرف أدب النثر تحيرهم في وصف القرءان، ووقوعهم في دَهَش التائه، وقلق المغموم، فقالوا: إنه شعر، لمكان فواصله، ولشبه ما بينها وبين القوافي، ولكنه غير معروض على وزن من الأوزان التي يعرفها أرباب الصنعة منهم، وهذا يدل أيضا على أن كثيرا منهم لا يعرف موازنة الشعر، فقالوا ما قالوا على الشبهة، وعلى عجالة الضجر، ثم قالوا إنه كهانة كاهن لمكانة الكلم التي تساجع أخواتها فيه، ولكنه كثير بثير، وواضح مبين، وحق مسفر، وسجع الكهان قصير فقير، وغامض مومئ، وباطل مموه، وما قالوا ذلك إلا على المكابرة، وإلا على الظن، وإلا على مشيئة الإزراء، ولكن هيهات، أين هذا من ذاك، ولو كانت لهم كتب مؤلفة باللسان العربي المبين، لقالوا هذا أسلوب فلان في كتابه الفلان، وهذا كلام فلان في مقالته الفلانة.

‏إهانة الشعر والكهانة:
       لقد أهان القرءان العرب، وأخذ شعراءهم وكهانهم بالحُقْرِيَّة، وكوى أَحَسّ موضع في وجدانهم كيا أليما، أما الشعر فإنه قطعة نظم، وكذب منمنم، وغواية عن الحق، وفضلة حَلْق: لا ترفع به رءوس، ولا تشمخ به أنوف، ولا تعظم به كبرياوات، قال :
﴿وما علمناه الشعر، وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرءان مبين. لينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين﴾ وأما الكهانة فإنها إفك وإثم وتقوّل، وقد ذمهما الله مقترنين في غير ءاية، كقوله :
﴿إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر، قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن، قليلا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين. ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين﴾ وقوله :
﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم. #‏يلقون_السمع وأكثرهم كاذبون. والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾

قدرة الجن على استراق السمع، وخطف نبإ السماء من الملإ الأعلى:
قال :
﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة: الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ وقال :
﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين﴾ وقال :
﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح، وجعلناها رجوما للشياطين﴾ وقال للجن والإنس:
﴿يا معشر الجن والإنس! إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان. فبأي ءالاء ربكما تكذبان؟! يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران. فبأي ءالاء ربكما تكذبان؟!﴾ وقال :
﴿وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما يستطيعون. #‏إنهم_عن_السمع_لمعزولون لقد كان العزل عن السمع توطئة للمعاجزة، وبرهانا بيّنا على صدق النبوءة، يعرفه من كان يمارسه من الكهان وأولياىٕهم من الجن، وقال :
﴿قل: أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن، فقالوا: إنا سمعنا قرءانا عجبا ... وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا. وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا. وأنه #‏كان_رجال_من_الإنس_يعوذون_برجال_من_الجن، فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوا كما ظننتم: أن لن يبعث الله أحدا. وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الئان يجد له شهابا رصدا﴾

‏تَواحِي الكهان والجن:
قال :
﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا: شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يفترون﴾ وقال :
﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ وقال :
﴿ويوم يحشرهم جميعا: يا معشر الجن! قد استكثرتم من الإنس، وقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ وقال :
﴿كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ وقال :
﴿وجعلوا لله شركاء: الجنَّ، وخلقهم!﴾

‏دخول الجن على تمني الأنبئاء الوحي (وتمنِّي الوحي: استنزاله)
كانت تترصد خاتم النبئاء ‏ميليشياء من الجن والكهان، وتستفرغ الجهد في إدخال الضيم والخطإ عليه قال :
﴿والذين سعوا في ءاياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم. وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله ءاياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك، فيؤمنوا به، فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهاد الذين ءامنوا إلى صراط مستقيم. ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ وقال :
﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون. وإذا بدلنا ءاية مكان ءاية -والله أعلم بما ينزل- قالوا: إنما أنت مفتر، بل أكثرهم لا يعلمون. قل: نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين. ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين﴾ وقال :
﴿وقل: رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ وقال :
﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السميع العليم﴾

‏المعاجزة: (بَمَ طُولِب العرب وأولياؤهم من الجن؟)
اعلم أنّ في هذه الئاية المباركة، والعظيمة الطيبة:
﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك، وضاىٕق به صدرك أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز، أو جاء معه ملك؟! إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل. أم يقولون: افتراه؟! قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟﴾ =قضاءَ حكومة المعاجزة على الصحة، وعلى السِّراطة المستقيمة، من غير جُرْءة على تأويلٍ شاحطٍ، أو شهوة خفية، وأنّ فيها مجزأة لكل نظّار مستخرِج، وغوّاص طَلُوب فحوى.
إن الكفرة الفجرة حين كذّبوا سميع الوحي، وخاتِم النُّبئاء الإسماعيلي وحين جعلوا متلوَّه الشريف من الفِرَى، ومن الباطل المتقوَّل=طولبوا -على المجاراة، ومن أجل سيرورة المجادلة على سبيل الإفحام- بعشر سور مفتريات من مثل هذا القرءان، ولم يطالبوا بتأليفها ابتداءا من عند أنفسهم، إنما طولبوا باستيحاىٕها من شهداىٕهم، ثم جُعِل علامةً على صدق أبي القاسم بؤبوٕ ذرية الذبيح =أن لا يستجيب الشهداء، وقد ذكر الشهداء بالجهرية المسفرة في قوله :
﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا -ولن تفعلوا- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين﴾ وقوله :
﴿وما كان هذا القرءان أن يفترى من دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب، لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه؟! قل: فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، كذلك كذب الذين من قبلهم، فانظر: كيف كان عاقبة الظالمين؟﴾ وإذا قرنّا الفاىٕت بالجاىٕي، وهو قوله :
﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك، ثم لا تجد لك به علينا وكيلا. إلا رحمة من ربك، إن فضله كان عليك كبيرا. قل: لىٕن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ =علمنا أن الشهداء المذكورين من قبل هم مَرَدة الجانّ، وسُرّاق النبإ السماوي، وأن منعهم من التسمع، ورجمهم بالشهب الثواقب أعلومة وضّاحة على صدق محمد ابن عبد الله وفي هذا إبطال شأن الكهانة، ومثل تلك الئايات في الكرم قوله :
﴿أم يقولون: تقوله؟! بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ وهذا الحديث الذي طولبوا به هو السلطان الذي في قوله :
﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا، فهو يتكلم بما كانوا به يشركون؟! وهو الكتاب التوءم الذي طولبوا باستيحائه كما قدمنا من قبل، قال :
﴿أم لكم سلطان مبين. فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين﴾ ومعاجزة الله إياهم هي هذه، لا عجزهم عن مثل نظم القرءان خاصة، والحمد لله رب العالمين.
محمد العلالي