الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

من ألفاظ الجن في لغة العرب

نفاضة الجراب
من ألفاظ الجن في لغة العرب
     أجمع الثّقات من أهل العلم ـ منذ الصّدر الأوّل ـ على وجود عالم الجنّ والشّياطين مستقلاً عن عالم الإنس، ولم ينكر وجودهم سوى طائفة من الفلاسفة وأصحاب بعض الفرق، من المعتزلة والجهميّة، وأفراد من الجُهّال، كما أقرّ عامّة العرب منذ عصور الجاهليّة بوجود عالم الجنّ، فشاع في لغتهم ألفاظ تدلّ على هذه المخلوقات الخفيّة، كأنواعها وأسمائها وأوصافها وقبائلها ومواضعها ودوابها وحكاية أصواتها وأشيائها، مما له حقيقة ثابتة، أو اخترعوه اختراعاً في أقاصيصهم وآدابهم، فعَلِقَ بلغتهم، وأخذ طريقه إلى معجماتها، وكان كثير من ذلك قبل أن ينير الإسلام عقولهم بنور الإيمان، وينبذ من أذهانهم الخوف من تأثير العوالم الخفيّة في غير ما ثبت في الشرع المطهّر، قال عز وجلّ: (وأنّه كانَ رِجَالٌ مِنَ الإنسِ يَعُوذُون بِرِجَالٍ مِنَ الجنّ فَزَادُوهُم رَهَقا)

     وجاء قدر صالح من تلك الألفاظ في القرآن الكريم والسّنة النبويّة المطهرة، وورد جمهورها في تراث العربيّة الزاخر، كمعاجم اللغة، وكتب الأدب، والشعر، والتّاريخ، والأخبار.

    وقُدّر لي منذ سنوات أن جمعت قدرا صالحا من ألفاظٍ تتعلق بالجنّ، بوجه من الوجوه؛ كأجناسهم وأصنافهم ومراتبهم، وأسمائهم، وكناهم، وأوصافهم، وقبائلهم، ومواضعهم، وحكاية أصواتهم، وأشيائهم، وأسماء ما قد يصيب الإنسان منهم، وألفاظ الإتباع، وصنفتها بحسب دلالة كل لفظ، ورتبتها في كل صنف على حروف المعجم، وأخرجتها في كتاب بعنوان (الألفاظ المتعلّقة بالجنّ في العربيّة: دراسة لغويّة)

     وليس من أهداف الدراسة التّحقّق مما وراء كلّ اسم أو لفظ من تلك الأسماء أو الألفاظ من حقيقة في الوجود أو عدمه، لأنه بحث في شأن لغويّ يصوّر فكر أمّه عريقة، ومن فكرها المؤثر في لغتها: أقاصيصها وأساطيرها وتصوّراتها عن عالم خفيّ عنها، أثار في نفوس أبنائها الخوف والرهبة، وحسبنا أنّ للجنّ بعامّة حقيقة ثابتة بالقرآن والسّنة، وأنّ تلك الألفاظ وردت في لغة العرب على وجه من الوجوه، كأن تكون في المعاجم أو كتب التّفسير أو دواوين اللّغة والأدب أو الشّعر، مما يثبت أنّ العرب نطقت بها أو نطق بها بعضهم في زمن الفصاحة.

    والجنّ في اللّغة كلمة تدلّ على جنس خلاف الإنس، وأحدها جنّيٌّ على النّسب، واشتقاقها من قولهم: جَنَّ فلانٌ الشّيءَ يجنّه جنّاً؛ أي: سَتَرَهُ وأخفاه. وسمّي الجنّ بذلك لاستتارهم عن أعين الإنس. وكلّ مستجنّ فهو جنّ أوجانّ، كالشّياطين والمردة والعفاريت والغيلان والسّعالي.

    وللجنّ في الاصطلاح تعريفات مختلفة، من أجمعها وأدقّها تعريف السّيد سابق – رحمه اللّه – وهو قوله: ((الجنّ: نوع من الأرواح العاقلة المريدة على نحو ما عليه الإنسان، ولكنّهم مجرّدون عن المادّة البشريّة، مستترون عن الحواسّ، لا يرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقيّة، ولهم قدرة على التّشكّل)).

    وهم أنواع، ولهم مراتب، وأوصاف، وأسماء متعددة، ومواضع، وأصوات، ومن تلك الألفاظ التي جمعتها: الخنّاس، وخَنْزَب، والخولع، والخيتعور، والخيدع، والخيلع، ودَحْرَش، ودَهْرَش، والدّوقرة، والرَّئيّ، والرّبيئة، والرِّكس، والزّهزج، وزوبعة، وزِيزِيَم، والسّعْسَلِق، والسِّعلاة، والسِّلتم، والسَمْحَج، والسَّمَرْمَرَة، والسَّمَعْمَع، وسُواج، وشاصر، والشَّيصَبان، والصُّلادم، والصّيدانة، والضُّغْبُوس، وطائف الجنّ، والطاغوت، والطُّغموس، وعبقر، والعتريس، وعَزازيل، وعفرية، ونفرية، والعِكَبٌّ، والعَكنكع، والعَيسجور، والعَيْهَرَة، والغُول.. وغير ذلك كثير.


أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
الحساب في تويتر @sa2626sa

نشرت في صحيفة المدينة، ملحق الرسالة الجمعة 1434/2/15 هـ 2012/12/28 م العدد : 18146

http://www.al-madina.com/node/423282




الجمعة، 21 ديسمبر، 2012

ضوابط لمعرفة فوائت المعاجم في لهجاتنا

      المراد بالفوائت هو ما فات معاجمَنا القديمةَ تدوينُه، ومعلوم - عقلا ونقلا - أنه فاتها الكثير؛ لأنّ وسائل جمع اللغة واستقصائها لم تكن متاحة لهم في زمانهم، فهنالك قبائل في جزيرة العرب لم تُنقل جلُّ لهجاتهم لبعدهم وانعزالهم في مواضعهم النائية، فيمكن لعلماء اللغة المعاصرين أن يجمعوا شيئا من الفوائت، وجمعها مقصد نبيل، ويمكن للجامع أن يجد شيئا غير قليل من ذلك في لهجاتنا، لكن تحديد الفوائت ليس بالأمر السهل فضلا عن الجزم بها، ويحتاج الأمر إلى وضع معايير وشروط أو مقاييس لذلك، وقد اجتهدت في وضع ضوابط أو مقاييس تفيد الباحثين عن الفوائت في لهجاتنا المعاصرة، وهي أربعة:

الأول: المقياسُ اللفظي:
وأعني به بناءَ الكلمة في أصواتها وصرفها، فلا بد أن توافق ما جاء في كلامِ العرب زمنَ الفصاحة، أصواتاً وصرفاً، والباحثُ اللغويّ يدرك السبكَ العربيَّ الفصيح، ويدركُ أيضا ما يلحق باللهجات من تغييرات عامية تؤثّرُ على تصريف كلامهم في كثيرٍ من ألفاظهم الفصيحة، ولكن ردها إلى أصلها البنائيّ ميسور.

الثاني: المقياسُ الدلالي:
وهو أن تكون الدلالة متوافقةً مع حياة العرب في أزمان الفصاحة، أي مما هو مألوفٌ في حياتِهم، فإن كانتِ الدلالةُ لشيءٍ حادثٍ في العصورِ المتأخرة مما جدّ في الحياة عُرف أنها دلالةٌ محدثة، وليست من فوائت المعاجم القديمة.

الثالث: المقياسُ الجغرافي:
وأعني به بيئةَ اللهجة، فحين تكون اللهجة واسعةَ الانتشار معروفةً في عدد من القبائل المتفرقة فإن ذلك يرجّحُ فصاحتَها مع الأخذِ بالمقياسينِ السابقين، فإن كانتِ الكلمةُ محصورةً في قبيلةٍ أو بيئةٍ واحدةٍ فحسب دعا ذلك إلى التريث قبل الحكم بأنها من فوائتِ المعاجم، حتى تدعمها المقاييس الثلاثة الأخرى.

الرابع: مقياس القبائل المهاجرة:
وهو أن تتلاقى لغات المشارقة بالمغاربة في كلمة أو دلالة، فيدل ذلك على قدم الكلمة أو الدلالة، لأنها وصلت إلى لغات المغاربة منذ زمن مبكر مع القبائل إلى هاجرت إلى تلك الديار أيام الفتوحات الإسلامية أو في الهجرات المتعاقبة ومنها تغريبة بني هلال، فالتوافق يعطينا إشارة قوية بقدم اللفظ أو المعنى، وأنه يرجع إلى أيام الفصاحة؛ لأن استعماله - في الغالب - كان شائعا قبل نزوح تلك القبائل إلى المغرب العربي بزمن يكفي لشيوعه وتمسك (المهاجرين والباقين في ديارهم) به، ليبقى حيا في البيئتين على الرغم من تباعدهما وشبه انقطاع الصلة بينهما مما يجعلنا نطمئن كثيرا إلى قدم الكلمة أو الدلالة، وأنها من الفوائت.

وقد وجدت توافقاً واضحاً بين لهجاتنا ولهجاتٍ في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا في كثير من الألفاظ اللهجية الدارجة، وهذا التوافق يعزز فصاحتها، ويرجّح أنها مما انتقل قديما إلى تلك الديار مع هجرات القبائل العربية القديمة المتعاقبة.
وفي الختام أقول: إن اجتماع هذه المقاييس الأربعة في كلمة أو دلالة لهجية يقربها من درجة اليقين حين الحكم بأنها من الفوائت، دون الجزم المطلق بذلك، فحينَ نقول إن كلمةً أو دلالة لهجية هي من الفوائت يعني أنّ الظنَّ فيها غالبٌ؛ لتعذّر القطع بالفائت دون شاهد، بخلاف الفوائت قطعية الحكم، وهي ما ذُكر في مصدر قديم، كدواوين الشعر وكتب الأدب واللغة والنوادر ومصادر التراث الموثوق بها.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
الحساب في تويتر @sa2626sa


نشر المقال في ملحق الرسالة بجريدة المدينة الجمعة 1434/2/8 هـ 2012/12/21 م العدد : 18139

http://www.al-madina.com/node/421743


الجمعة، 14 ديسمبر، 2012

حادوشاء مرة أخرى:

      قلت في المقالة السابقة: إن  "الحادوشاء" كلمة حديثة المولد منحوتة من (الحادي عشر) على وزن (فاعولاء) للمزاوجة ومشاكلة التاسُوعاء والعاشُوراء، فنحتت من الجزءين، بأخذ الحاء والدال من الجزء الأول، والشين من كلمة "عشر" وصُبّت صبّاً في القالب الوزني (فاعولاء) فكانت (حادوشاء) ولها نظائر غير أختيها، كالسامُوعاء والضَّاروراء والسَّارُوراء والدّالُولاء والرانُوناء.
       
وحين نقترح قبول لفظ "حادوشاء" لإحداث المشاكلة اللغوية لأيام الصيام في شهر المحرم (تاسوعاء وعاشوراء وحادوشاء) فإننا لا نتجاوز الاقتراح والتعليل، فالقبول أو الرد يعود إلى أذواق الناس وما سيجري به الاستعمال العرفـيّ، وقد عرضتُ الكلمة في حساب (مجمع اللغة الافتراضي) في تويتر فتقبّلها فريقٌ ورفضها فريق.


وأنا واثق من أنّ "الحادوشاء" ستأخذ طريقها إلى ألسنة الناس لتستقرّ في المعجم العربي المعاصر، فليس لنا أن نرد كلمة جديدة لأنها غير مألوفة أو لم ينطق بها القدامى، فالعاشوراء إسلامية محدثة بعد العصر الجاهلي، والتاسوعاء مولدة حسنة، وحُسنها في دلالتها ووزنها، واللغة لن تُعبّر عن حاجات الناس المتجددة إلا بالنمو والتوليد، وكان الفيّومي أكثر تفتّحا في المصباح حين قال: أما تاسوعاء، فقال الجوهري: أظنه مولدا، وقال الصغاني: مولد، فينبغي أن يقال: إذا استعمل مع عاشوراء فهو قياس العربي؛ لأجل الازدواج.


وأقول: إنّ "الحادوشاء" كلمة صحيحة البنية والدلالة، سائرة على سنن العرب في التوليد اللغوي بالنحت، وهو "أن تعمد إلى كلمتين أو جملة فتنـزع من مجموع حروف كلماتها كلمة فذّة، تدل على ما كانت تدل عليه الجملة نفسها" وهو أنواع، قسّمَه بعض المعاصرين أربعة أقسام:

1-             نحت الأفعال، مثل بَسْمَلَ وحَوْقَلَ، على وزن فَعْلَلَ وما ألحق به.

2-             نحت الأسماء، مثل الجلمود والخيتعور على أوزان مختلفة.

3-             نحت الأوصاف، نحو ضِبطر من ضبط وضبر، على أوزان مختلفة.

4-             نحت النسبة، نحو عبدريّ وعبشميّ، على وزنٍ رباعيّ.


          وكان القدامى أكثر سماحة وانفتاحاً في الاشتقاق والتوليد اللغوي، فاخترعوا أمثلة التمرين، وألحقوها بمباحث الصرف، وهو باب واسع يسمح بإعادة توليد ألفاظٍ من ألفاظٍ على صيغٍ أخرى، وكان سيبويه يقول: يجوز صوغ وزنٍ ثَبَتَ في كلام العرب مثلُه، فتقول: ضربَبٌ وضَرَنببٌ على وزن جعفرٍ وشرنبثٍ، بخلاف ما لم يثبت مثله في كلامهم، فلا يُبنى من ضرب وغيره مثل جالينوس، لانّ فاعيلولا وفاعينولا لم يثبتا في كلامهم .

          وتوسع ابن فارس في النحت من كلمتين أو أكثر، وليس له قاعدة عنده، ولكنه كان يخوض فيه متتبعاً إشارات الدلالة، وتوسط اللغويون المعاصرون في قبوله، فهم يأخذون به عند الحاجة، ويقبلونه عند جريانه على الألسنة، فلم يجدوا حرجاً في قبول كلمة (درعميّ) نسبة إلى دار العلوم، فجرى هذا اللفظ على الألسنة حلواً سائغاً كحلاوة لفظٍ جاهلي. 


          وأنا لا أجد حرجاً في قبول "الحادوشاء" بل استحسنها؛ لتُستكمل المماثلة بين أيام الصوم الثلاثة (التاسوعاء والعاشوراء والحادوشاء) لأن هذه الكلمات الثلاث متلازمة تجري على ألسنة الناس في وقت معلوم، وفي المماثلة تيسيرٌ وتخفيف، وفي هذه الكلمة الوليدة تمييز لذلك اليوم من غيره من الأيام، كما ميّزوا التاسع والعاشر.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

 نشرت في ملحق الرسالة بجريدة المدينة ، الجمعة  1 صفر 1434هـ الموافق 14 ديسمبر 2-12م

الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

تاسُوعاء وعاشُوراء وحادُوشاء


       قبل أن نلج إلى التفصيل في كلمة "حادوشاء" أودّ أن أُطمئن القرّاء وأقول لهم: إن كلمة (حادوشاء) كلمة إنسيّة وليست من كلام الجنّ، ولا من طلاسم السحرة، لكنها كلمة حديثة الولادة، ولغتنا مُذْ كانت ولاّدة، ففي العصر الإسلامي الأول ولدت الشقيقة الكبرى لحادوشاء، وهي كلمة (عاشوراء) على وزن (فاعولاء) وهو وزن مرعب غير مألوف في حينه، حتى زعم بعضهم أنه وزن عبرانيّ، لكن اللغة والناس تقبلوا عاشوراء، وظهرت في القرون المفضلة كلماتٌ جديدة على هذا الوزن، وكان ذلك في غفلة من صُنّاع المعاجم فزعم بعض متقدّميهم أنه  ليس لهم فاعُولاء غير عاشُوراء وأنه لا ثانِيَ له، وسنرى أن هذا الزعم أحد الأدلة على عدم الاستقراء، وأن المعاجم فاتها الكثير.


لكن السؤال هنا: ما معناهنّ واشتقاقهنّ ووزنهنّ ؟


أما عاشوراء: فهي الأقدم؛ مشتقة من لفظ العَشرة، مصوغة على وزن فاعولاء، وهمزتها للتأنيث، كأنها معدولة عن عاشِرة، للمُبالغة والتعظيم، وهي  في الأَصل صفة لليلة الْعَاشِرَة، كلمة إسلامية لم تعرف في العصر الجاهلي، ولها ذكرٌ في أحاديث صيام العاشر من محرم، وقال ابن دريد: عاشوراء: يوم سمي في الإسلام، ولم يعرف في الجاهلية، وليس في كلام العرب فاعولاء ممدودا إلا عاشوراء، ومثله قول ابن قتيبة في أدب الكاتب.


أما تاسوعاء فنقل عن الجوهري والصغاني والفيروزآبادي أنه مولد، قال الفيومي في المصباح: فينبغي أن يقال: إذا استعمل مع عاشوراء فهو قياس العربي؛ لأجل الازدواج، وإن استعمل وحده فمسلّم إن كان غير مسموع.


أما حادوشاء: فهي كلمة منحوتة من (الحادي عشر) على وزن فاعولاء للمزاوجة والمشاكلة فالحادي على وزن الفاعل (ظاهرا) مع وجود قلب مكاني فيها، فهي كالتاسع والعاشر، فنحتت على وزنهما.


وزعمهم أنه ليس في العربية سوى العاشوراء غير صحيح، فقد زاد بعض العلماء ألفاظاً على وزن فاعولاء: وهي: ساموعاء وهو اللحم، وخَابُوراء، حكاه ابن الأعرابي يعني النهر، وزاد الموفَّق البغداديّ في ذيل الفصيح: الضَّاروراء والسَّاروراء للضرّاء والسراء، والدالولاء: الدلال، وحاضوراء بلد.. ومنه رانوناء، وادٍ صغير بقرب قباء، وكانت أول جمعة صلاها الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالمدينة في مسجد بوادي رانوناء.


قلت: ولكثرة الكلام عن هذه الأيام الثلاثة في صيام المحرم فإنني أقترح قبول كلمة الحادوشاء للمشاكلة والازدواج والاختصار والتيسير فنقول: صيام العاشوراء والتاسوعاء قبله، والحادوشاء بعده، والعرب سمّت التاسع والعاشر تاسوعاء وعاشوراء، فلا يستنكر تسمية الحادي عشر: حادوشاء، وهي مليحة في الازدواج مع تاسوعاء وعاشوراء.


ونقلت آنفا أن الفيومي نقل عن الجوهري والصغاني أن تاسوعاء مولد.. وقال: فينبغي أن يقال: إذا استعمل مع عاشوراء فهو قياس العربي؛ لأجل الازدواج. قلت: هذا تعليل نفيس، جعلهم يستحسنون تاسوعاء ويدخلونها في معاجمهم القديمة مع أنها مولدة، فما المانع من إدخال الحادوشاء  بمعنى الحادي عشر وعلّته علة استحداثهم لفظ التاسوعاء بعد العاشوراء؟ وهي الرغبة في المزاوجة والمجانسة والمشاكلة.


وللحديث صلة ومزيد من التعليل في المقالة القادمة لاستخراج شهادة ميلاد لكلمة "الحادُوشاء" .

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
مقال نشر في ملحق الرسالة بجريدة المدينة 
الجمعة 1434/1/23 هـ 2012/12/07 م العدد : 18125
http://www.al-madina.com/node/418717/risala

الخميس، 6 ديسمبر، 2012

اللسانيات الجغرافية.. ونظرة العرب إليها

 أ- د. عبدالملك مرتاض
    في إحدى زياراتي الأخيرة لباريس اقتنيت زهاء عشرين عنواناً جديداً من إحدى المكتبات الباريسية بحيّ سان ميشال الشهير. وسأسعد بتقديم بعض القراءات لمجموعة من هذه العناوين النقديّة والمعرفيّة والثقافيّة إلى قرّاء جريدة «الرياض» الغراء، من حين إلى حين. وأبدأ اليوم بتقديم كتاب بعنوان: «المعجم الموسوعيّ الجديد لعلوم اللّغة» لأُزوالد ديكرو وجان ماري شافر.
     وإذا كان هذا المعجم الخاصّ بتحديد المفاهيم صدر، في الحقيقة، منذ عشرِ سنوات، فإنّ الزمن لا ينبغي له أن ينزع عنه أهمّيّته البالغة، وقيمته المعرفيّة الثابتة، لأنّ المعرفة الحديثة تقوم على ضرورة إدراك أسس المفاهيم وأصولها وتمثّلها تمثّلاً صحيحاً. ذلك بأنّ أيَّ مسألةٍ نتطرّق إليها بالمعالجة في حقل المعرفة لا ينبغي أن نأتي ذلك إليها إلاّ إذا كنّا مزوَّدين بتمثّل المفاهيم تمثلاً دقيقاً، أو على الأقلّ، تمثّلاً قريباً من الدّقّة. ولعل من أسباب استفحال الخلاف بين النُّقاد العرب المعاصرين، وعلماء اللسانيّات والسّيمَائيات جميعاً، في المشرق والمغرب، أنّ كلاًّ منهم قد يتمثّل المفهوم المعرفيّ المستعمَل لديه على نحوٍ يختلف عن تمثّل الآخر له في استعماله، وعلى نحو يختلف عن أسسه الصحيحة في أصل إنشائه في الثقافة الغربيّة، في بعض الأطوار.
وليس يعني ذلك أنّني أنا، أو أنّ أيّاً من غيري في العالم العربيّ، يستطيع أن يزعم للنّاس أنّه قادر على إدراكٍ معمّق وموسّع يمكّنه من تمثّل هذه المفاهيم المعرفيّة فيضع لها مصطلحاتٍ ملائمةً، إن لم تكن دقيقة، في اللّغة العربيّة، فذلك مطمح يبدو بعيد المنال في العهد الرّاهن على الأقلّ؛ ولكنّ الواحد منّا حسْبُهُ أن يتميّز عن سواه بما يحتاط ويتأنّى ويتشدّد، ويؤصّل ويؤثّل، لدى اتّخاذ هذه المفاهيم حتّى لا يكونَ كحاطبٍ بليل، يستعملها في كتاباته كيفما اتّفق.
وأهمّيّة تحديد المفاهيم، وتدقيق المصطلحات، حملاَ أهل الغرب على العَمْدِ إلى تخصيص معاجم وظَفِيّة (نسبة إلى الوظيفة) للمعرفة المتخصِّصة؛ فإذا هناك معجمٌ لمصطلحات الفلسفة، ومعجم لمصطلحات اللّسانيات، ومعجم لمصطلحات السّيمَائيّات، ومعجم تقني وتحليلي لنظريّة المعرفة (وسنحاول تقديمه لاحقاً إن شاء اللّه إلى قرّاء جريدة «الرياض»)، وهلمّ جرّاً...

   ولا تزال المعرفة في العالم العربيّ، إذا قُورنت بما بلغتْه لدى أهل الغرب، في بداياتها الأولى، على الرغم من أنّنا نعاصر القوم، ولا ينقصنا شيءٌ لنكونَ أمثالهم... ولذلك لا نكاد نظفر بمعاجمَ عربيّة متخصّصة تتناول المفاهيم التي هي درجة عليا في سلّم المعرفة، إلاّ لماماً، كمعجم الفلسفة لجميل صليبا الذي هو، في منظورنا، مجرّد ترجمة لمعجم الفلسفة لأندري لاَلاَنْد أكثر منه تأليفاً مبتكراً. ثمّ إنّه قد مضى الآن عليه زمن طويل... أرأيت أنّ أيّ معجم من هذا الجنس يجب أن تعاد مراجعته باستمرار لِيُضافَ إليه ما استجدّ، ولِتُصحَّح الأخطاء السابقة فيه، وليُوضَّحَ ما غمُض منها في مادّته، ولحذف ما لم يعدْ مستعمَلاً في حقله. ومن الآية على ذلك أنّا وجدنا أزوالد ديكرو الذي كان اشترك في تأليف «المعجم الموسوعي لعلوم اللّغة»، في الأصل، مع طودوروف الذي ظهر سنة 1972 بباريس، لم يمنعه ذلك من أن يعيد فيه النّظر بالاشتراك مع مؤلّف آخر هذه المرّة، وهو جان ماري شافر (بالإضافة إلى خمسة علماء آخرين ساعدوا على إنجاز هذا العمل العلميّ الضخم وعلى رأسهم طودوروف) تحت عنوان طرأ عليه بعض التغيير وهو: «المعجم الموسوعيّ الجديد لعلوم اللغة» (وعنوانه في أصل لغته: «Nouveau dictionnaire encyclopédique des sciences du langage»، وهو الذي ظهر منذ تسعة أعوامٍ بباريس في حلّة جديدة بإضافة عدد ضخم من المصطلحات، وتوْسعةِ أخرى، وحذْف مفاهيم لم تعُدْ متداوَلة في الاستعمال، وهلمّ جرّاً... وقد رُمِزَ لكلّ مادّة من موادّ المعجم باسم أحد أصحابها السبعة لدى تحريرها... كيما تزدادَ الشرعيّة العلميّة وثوقاً لدى إرادة الإحالة على المفهوم المتناوَل. وهو سلوك علميّ جديد لم نشهد من قبلُ له مثيلاً في التّأليف الجماعيّ.

    هذا أمر. وأمّا الأمر الآخر فإنّ هذه المفاهيم أمستْ من السَّعَة والتّضخّم بحيث سيكون من الصّعب على المتعامل المعاصر، ناقداً كان أو لسانيّاً، أو سِيمَائيّاً، متابعتُها كلّها، واستيعابها برُمّتها، ولكنْ حسْبُه تمثّل أكثرِها أهمّيّةً، وأقلِّها إشكالاً. لأنّ الاختلاف في استعمال المصطلح النقديّ واللّساني والسيمَائيّ ليس موقوفاً علينا نحن العربَ المعاصرين، ولكنّه ابتدأ من الغربيين أنفسِهم، كما يتوَكَّدُ ذلك من العودة إلى معاجمهم النقديّة واللسانيّة والفلسفيّة والمعرفيّة جميعاً... فذلك، إذن، ذلك، كما يقول الجاحظ.
والمعجم الذي استخرجنا منه المفهوم الذي نودّ تقديمه باختصار شديد، هو عبارة عن مجموعة ضخمة من المصطلحات التي نستعملها في كتاباتنا اللسانيّة، وفي كثير من كتاباتنا النّقديّة والسيمائية، المعاصرة بوعي معرفيّ طوراً، ودون وعي معرفي طوراً آخر، وذلك بحكم أنّها أمستْ مندمجةً في لغتنا التي نستعملها في كتاباتنا ومحاضراتنا، وحتّى في المحادثات التي تكون في العادة بين مثقّفين ومثقفين آخرين أُولي تخصّص واحد...
وقد عرض المؤلّفان (ومعهم خمسة آخرون اقتصروا على تحرير موادّ قليلة في المعجم) لمئات المفاهيم، إن لم نقل للآلاف منها، حيث لاحظَا في المقدّمة أن «علوم اللّغة تطوّرتْ في تفاصيلها منذ عشرين سنة إلى درجة أننا لم نعد نجد في المعجم الأمّ شيئاً ذا بالٍ».
     وقد قسّم المؤلّفان معجمهما إلى أبواب، أو حقول معرفيّة كبرى، تتمحّض كلّها للّغة وما له صلة بها، أهمّها: المدارس، والحقول، والمفاهيم العَرضيّة، والمفاهيم الخاصّة. ومما تُنُووِل في باب الحقول مثلاً: «مكوِّنات الوصف اللّسانيّ»؛ «اللّسانيات الجغرافيّة» (أو جغرافيا اللسانيّات)؛ «اللّسانيّات الاجتماعيّة»؛ «اللّسانيّات النّفسيّة» (أو علم النّفس اللساني)؛ «تحليل المحادثة»؛ «البلاغة»؛ «الأسلوبيّات»؛ «الشعريّات»؛ «السِّيمَائيّات»؛ «السّرديّات»؛ «فلسفة اللّغة».
يبقى أن نومئ إلى أنّ كثيراً من المفاهيم التي تبدو من عناوينها ضخمة ومثيرة بالقياس إلى القارئ المتوسّطِ الثقافةِ، أو بعضها على الأقلّ، هو مستعمَل ومبتذَلٌ في الثقافة العلميّة العامّة مثل مفهوم «اللّسانيّات الجغرافيّة» الذي يعنينا أمره في هذه المقالة القصيرة. فحين يقرأ القارئ ما كُتب بتفصيل دقيق، في المعجم الموسوعيِّ الآنفِ الذكْر، عن هذا المفهوم اللّساني المنصرف إلى الجغرافيا، أي إلى أمكنة معينة تستعمل لغة معيّنة واحدة... فاللّهجات العربيّة مثلاً تندرج ضمن هذا المفهوم الذي تناوله العرب تحت مفاهيم أخرى. فاللسانيات الجغرافيّة هي في أبسط غاياتها الاشتغالُ بالبحث في اختلاف اللّهجات داخل لغة واحدة كبيرة، (وقد يحدث ذلك، كما يلاحظ ديكرو، دون وعْيٍ من المستعمِلين)، وغالباً ما ينصرف إلى الاختلاف في نطق حرف واحدٍ من اللّغة لأسباب تعود أساساً إلى طبيعة البيئة ووعورتها، أو سهولتها، أو إلى اقتراب بعض مستعمِلي اللّغة من حدود بعينها، كفتح نون «نستعين» لدى قريش، وكسرها لدى أسَد وغيرهم... وكقلب بعض الحروف لتقاربها، في إقامةِ بعضها مقامَ بعضِها الآخرِ كقول أهل الحجاز: «هَإنّك»، وهم إنما يريدون: «أإنّك»؟ في حالة استفهام... وقلْب الألف هاء في لغة العرب كثير (أراقَ =هَراق...). وكقلب الكاف شيناً في كشكشة تميم... وكان علماء اللّغة العرب الأقدمون يتناولون اللسانيات الجغرافية تحت مصطلحات متعدّدة مثل ما كان يطلق عليه ابن جنّي «تداخل اللّغات»... وهو كثيرٌ، حتّى إنّ الاختلاف بين لفظين في النّطق كثيراً ما يُفْضي إلى إنشاء لفظ ثالث، فقد قيل إنّ رجلين اختلفا فقال أحدهما الصّقر، وقال الآخر بل هو «السّقر»، فلمّا احتكما لرجل ثالث قال: أنا لا أقول أيّاً ممّا تقولان، وإنّما أقول: «الزّقْر»!...
     وإذا كان العرب القدماء لم يربطوا القبائل بالجغرافيا صراحة، فإنّهم بتحديدهم اسم القبائل، يكونون قد عمَدوا إلى ذكْرها ضِمْناً؛ إذ كان لكلّ قبيلة موطنُها الخاصّ بها، ضمن الموطن الكبير الذي كان الجزيرة العربيّة... وإلاّ فإنّ تعريف مفهوم «اللّسانيّات الجغرافية» ليس إلاّ «تجسيد اللّهجات في علاقتها بمحلّيّتها التي هي اجتماعيّة وحيزيّة في الوقت ذاته». (ديكرو).
     وأيّاً ما يكن الشّأن، فإنّ من المفروض ونحن العربَ نعيش عصرَنا، ولا ينقصنا الفكر ولا المال، أن نعمد إلى ترجمة مثل هذه المعاجم التقنيّة والمعرفيّة التي تتناول مفاهيم المعرفة لنذيعها بين الشباب فتغتديَ مبتذلة بينهم، مفهومة عندهم، قبل أن ينتقلوا من ذلك إلى مرحلة الاستيعاب، ثمّ إلى مرحلة النقد والاختلاف، قبل الشّروع في إبداع المعرفة.
المصدر: 
جريدة الرياض الخميس 18 ربيع الآخر 1426هـ - 26 مايو 2005م - العدد 13485

الخميس، 22 نوفمبر، 2012

حفريات لغويّة في كلمة قرطوعة

حفريات لغويّة في كلمة قرطوعة
بقلم/ أ.د. عبدالرزاق بنّور
 
1. قلتُ في أوّل تغريدة لي إنّ المعجم «شبكة من العلاقات » . ولا يكفي التصريح بذلك، بل يجب إثباته.
2. قلت إنّ العربيّة التونسيّة تعرف «قرعوطـ(ـة) » (بنطق القاف كالجيم المصريّة) وكذلك فعل «قرعط، يقرعط »
وأراها أقرب إلى الأصل من «قرطوعة »، مما يعني أنّ «قرطع » قلب مكاني لـ «قرعط ». وسأب السبب.
3. أرى أنّ «قرعط » و «قرطع » في علاقة مباشرة ب «جرعة » وفعل «جرَع .»
4. كما أرى أنّ «قرعط » و «قرطع » على علاقة -غير- مباشرة ب «كرع » و «كراع .»
أ. السبب الأوّل صوتي، إذ لا أحد ينكر أنّ الكاف والجيم والقاف تتبادل في ما بينها، ويكفي أن ننظر في اللهجات
وكتب القدامى كي نتأكّد ]نطق الجيم المصرية «ڤ» والكاف التّي كالجيم، الخ[.
-يجمع السبب الصوتي إذن بين «جرع » و «كرع » و «ڤرع .»
ب. السبب الثاني دلالي، إذ يتعلّق الأمر في كلّ ذلك بشرب الماء بصفة عامّة وتنفرد كلّ لهجة عربيّة بتدرجاتها
الدلاليّة الخاصّة.
5. يبقى حلّ إشكاليتين: الأولى صوتية مورفولوجية )ما هو مكان الطاء في قرطع\قرعط؟) والثانية دلالية تبريرية (ما
علاقة الشرب بالكراع )  يكرع(؟).
أ. صوتيّا وتصريفيّا أرى أنّ «ط » قرعط\قرطع أصلها «ت » مفخمة سببها تماثل صوتي مع العين الحلقيّة. وهي زائدة
كما زيدت في «برطع \ برعط » من «برع »، و «اصطرخ » من «صرخ »، و «فرشط «\» فرطش » من «فرش ،»
و «ضمرط » من «ضمر »، و «جخرط » من «جخر »، و «جلمط » من «جلم »، و «خنطث » من «خنث »، الخ. والمعنى واحد.
ب. أمّا العلاقة الدلاليّة بين «جرع \ كرع » و «كراع » فنراها في المقابلة بين «صدَر » و «ورَد » (الخروج مقابل
الدخول والعطاء مقابل الأخذ) وبين «صادرات » و «واردات » فالأولى من «الصدر » ]فوق[ والثانية من «ورد » ]تحت[
(انظر «رديء » و «ردى » و «ورد » بمعنى العبد والهلاك، الخ).
قد يعجب المرء لهذا الأمر، نظرا إلى أنّ الإنسان يُدخل من فوق ويخرج من أسفل، لكنّ أصل هذا المجاز ليس الإنسان بل النخلة التّي «ترد \ تكرع » فتأخذ الماء من جذعها (كراعها) و «تصدر » فتنتج الثمار من أعلاها (صدرها). على كلّ، هذا رأيي وهو مطروح للنقاش والإثراء.
مع خالص التحيّة.
أ.د. عبد الرزاق بنور
جامعة تونس

الثلاثاء، 20 نوفمبر، 2012

"معاصير" قراءة لغوية تأصيلية



بسم الله الرحمن الرحيم
معاصير
قراءة لغوية تأصيلية:
درج على ألسنة العوام في هذا العصر جمع الإعصار على "معاصير"، وهو وزن غير مألوف قياسياً وربما يرى البعض أن العامة خرقوا القاعدة فأتوا بما لا يغتفر!
وقد بحثت في دوافع هذا المسلك لدى أبناء العربية الذين ورثوا الفطرة النقية في صحرائهم بعيداً عن تأثير المدارس ومراكز العلم في بعض البلدان التي سبقتنا في الميدان التعليمي. وظهر لي أنه إرث يتناقلونه بسليقتهم وعفويتهم الممتدة من أسلافهم العرب الأقحاح، فهناك كلمات كثيرة في التراث العربي الخالد، جاءت تصاريفها وتوجيهاتها على غرار ما يفعله عوامنا اليوم، وهي تملأ المعاجم والمصادر التي تناولت كلام العرب وتصريفهم لكلماتهم وأحوالهم في تقليب تلك الكلمات. فهذه الميم قد صحبتهم كثيراً فألفوها إلى حد أنها لم تعد ذلك الدخيل في بعض الأوزان والتصاريف، حتى وإن لم تكن أصيلة في تركيب الكلمة. نجدهم أدرجوها في بعض الجموع الناشزة على القياس بطريقة ربما تدفع بعض الباحثين ودارسي اللغة إلى التشكيك في أصل المفرد لهذه الجموع ولكنه يقف مسلِّماً إذا وجدها متواترة لدى مؤصلي العلوم العربية بطريقتها الصحيحة ومن أمثلة ذلك:
*حُسْن، فجمعت على محاسن.
*قبح، على مقابح. وهو ما يستقبح من الأخلاق وغيرها.
*مدح بالفتح على ممادح.
*نَدْح بالفتح والضم على منادح، وهو الكثرة والسعة. ومنه اندياح دوائر الماء حينما يلقى فيه الحجر. وقيل إنه جمع مندوحة.
*فقر، على مفاقر. تقول أغنى الله مفاقره أي: وجوه فقره، قال النابغة:
فأهلي فداء لامرئ إن أتيتُه      تقبل معروفي وأغنى المفاقرا
*لمحة، بفتح فسكون، على ملامح تقول في فلان لمحة من أبيه أي: شبه، وفيه ملامح من أخيه أي: مشابه.
*شَبَه، على مشابه، تقول في صديقي مشابِهُ من أبيه، كما تقول فيه شبه منه.
وغير هذه الكلمات، التي زيدت فيها الميم، كثيرة في كلام العرب، ولكنها تبقى في حيز الشذوذ الاستثنائي للمفردة التي خالفت نظائرها ومَشَابِهَهَا؛ ليبقى إطار القبول لما يكون مقيساً بشذوذه، فما وجدناه مماثلاً لها يحكم بصحته إن وافق المعايير ونصنفه في باب الفوائت والتواتر والرواية والقدم للكلمة يتيح لنا قياسها وتصنيفها بحكم توسطنا في الأجيال التي سبقتنا والتي تلحقنا فسابقونا روينا عنهم ولاحقونا يروون ما ننقله ونوثقه لهم بعد عرضه على المحكات المعيارية الدقيقة ومن أهم تلك المحكات الاحتضان البيئي لكل إقليم من أقاليم جزيرة العرب التي تزخر بمعين يتجدد من الثروة اللفظية الأصيلة العظيمة كما أشار بعض متتبعي اللهجة الدارجة هنا إلى أن راصدي اللغة يمكنهم استدراك ما فات منها ويعني لهجات الجزيرة العربية تحديداً؛ فهي التي نأت عن الدخلاء والخلطاء الذين لوثوا كثيراً من ألسنة العرب خارج الجزيرة.
والميم قد تأتي زيادة وبديلاً في الجمع كما أتت في غيره، وقد تأتي بديلة لحرف الهمزة كمجيئها في كلمات محدودة سمعت عن العرب؛ وأقول محدودة لأنها لم تسمع في نظائرها مع إمكان ذلك، ومن هذه الكلمات: أرجوحة وأراجيح وأقاليد فقد وردت عن العرب بلفظ: مرجوحة ومراجيح ومقاليد بإبدال الهمزة ميماً ولم نرها في نظائر هذه الكلمات كإبريق وأباريق وأباطيل وأساطير.
على قول من يرى أن مقاليد مفردها إقليد أو إقلاد كما في اللسان والتاج؛ خلافاً لمن يرى أن لا واحد لها كالأصمعي. ولكن الشواهد المستفيضة من القرآن الكريم وفي معاجمنا على أن الإقليد هو المفتاح وأن لفظة مقاليد هي المفاتيح في أحد وجوه تفسيرها فإنها تَرُدُّ بعض الأقوال وتعزز أخرى.
يقول الفيروز آبادي في بصائر ذوي التمييز:"والإقليد: المفتاح. والجمع المقاليد، كما قالوا: ملامح ومحاسن ومشابه ومذاكير. وقوله تعالى: "له مقاليد السموات والأرض" الزمر63.قال أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: أي خزائن السموات والأرض. وقال مجاهد بن جبر المكي: أي مفاتيح السماوات والأرض. واحدها إقليد. قال تبَّع:
وأقمنا به من الدهر سبتاً      وجعلنا لبابه إقليدا
والإقليد معرب كليد. (ج4ص294.تحقيق محمد علي النجار.المكتبة العلمية. بيروت لبنان).
وأفاض الزبيدي في تفصيل اللفظة ويكفينا ما يحيط بعنق حاجتنا لنصل إلى أن في لغة العرب ما يجمع على مفاعيل ومفرده إفعال أو إفعيل. فمفرد معاصير التي يلهج بها الناس اليوم إعصار وهو فصيح شائع ومنه في القرآن الكريم إلا أنهم عاملوه بإبدال الهمزة ميماً مستساغة مقبولة مليحة في لهجتهم.
ولكن باستقصاء الدارج من اللغة اليوم بين العوام نراهم توسعوا في تصريفها جمعاً وإفراداً وإبدالاً فمما ساقه بعض الإخوة لنا من متتبعي اللهجات ما سمع في الحجاز من قول بني الحارث في مفردها معصار وتجمع على معاصير وفي تهامة جازان يقال معصار أيضاً. وفي وسط نجد تكثر في الأرياف وتتأصل في قبائل البوادي. أما في حواضرنا فيستخدمون كلمة معصير على قلة وربما أطلقوا عليها (عجة جن).
صالح بن إبراهيم العوض
الرس.الثلاثاء.6/1/1434هـ.