الجمعة، 31 مايو، 2013

نفاضة الجراب 37 حكمة العامة في التفريق بين العريس والعروس

نفاضة الجراب 37
حكمة العامة في التفريق بين العريس والعروس
كلمة (العروس) في العربية نعت يستوي فيه الرجل والمرأة، فالعروس المرأة والرجل ماداما في إعراسهما، ويقال: رجل عروس ورجال أعراس وعُرُس، وامرأة عروس في نسوة عرائس. وقد شاع في لغة المعاصرين قولهم: العريس للرجل والعروس للمرأة، دفعا للبس بين الرجل والمرأة، وفي هذا حكمة لغوية تستحق النظر.
فهل أخطأت العامة وخالفت سنن كلام العرب حين استخدمت كلمة عريس للرجل؟
الحقّ أن العامّة لم تخطئ؛ لإنّ كلمة عريس مشتقة من العرس على صيغة فعيل، فإن كانوا أرادوا أصل الصيغة، فإنهم يوافقون ما جاء في اللغة على فعيل وصفا للرجل، ففيها: رجل لبيب، ورجل جديد أي حظيظ، وشديد، وزرير أي خفيف، وضرير، وشقيق، وركيك أي ضعيف، وحليل فلانة، أي زوجها، والولد سليل أبيه، وهو في صميم قومه، والجنين، وفلان ضنين أي بخيل.
وحين الموازنة بين فعيل وفعول في نعت الرجل نجد أن فعيلا أكثر، كما يظهر ذلك جليا في ديوان الأدب للفارابي.
ويمكن لنا أن نتأوّل العريس بمعنى المُعرِس، من باب فعيل بمعنى مُفعِل، ففي الصحاح: أَعْرَسَ فلان، أي اتَّخذ عُرْسًا، وأَعْرَسَ بأهله، إذا بنى بها. قلت: فكأنّ عريسا بمعنى مُعرس من أعرَسَ، فهو فعيل بمعنى مُفعِل، مثل البديع بمعنى المُبدِع، والعزيز بمعنى المُعزّ، وعذاب أليم بمعنى مؤلم، والعجيب بمعنى المُعجب، والحريق بمعنى المُحرِق، والحكيم بمعنى المُحكِم، والبصير بمعنى المُبصِر، والسميع بمعنى المُسمِع، والغويّ بمعنى المُغوي، والحسيب بمعنى المُحسِب، والنذير بمعنى المُنذِر.. إلخ وهو سماعي لا ينقاس، لكن العامة قاسته في «العريس» وصاغته من أعرس الرجل، فكأن العريس عندهم بمعنى المُعرِس، ويرجح هذا أنهم يقولون أحيانا: المُعرِس.
وأرى أن العامّة وُفقّت في ذلك وأحسنت صنعا، لأنها أزالت اللبس الواقع في كلمة عروس للرجل والمرأة، ومن أصول اللغة الوضوح والبعد عن اللبس، فحين تقول على هذا المعنى: العروس في البيت، يعلم أنك لا تقصد الرجل، بل المرأة، فإن أردت الرجل قلت: العريس في البيت. وحين نتأمل حال الكلمتين: عروس وعريس لا نرى للأولى مزية ترفعها عن الثانية سوى أنها قيلت زمن الاحتجاج، أما كلمة عريس فامتازت بأنها أزالت اللبس دون حاجة للسياق، وليس فيها ما يشوبها في أصواتها وبنيتها الصرفية، فهي كغيرها مما جاء على وزن فعيل بمعنى مُفعِل، أو فعيل على الأصل، ولا تنحطّ عريسٌ عن عروسٍ لكونها مولدة، وربّ لفظٍ مولد أحلى وألذّ من لفظٍ جاهلي! وليس للغويٍّ أن يردّ كلمةً شاعت مع موافقتها مقاييس اللغة بحجة أنها لم تسمع في زمن الاحتجاج، وليس لنا أن نمنع اللغة من التطور، ولن نستطيع؛ لأن ذلك يخالف نواميس الله في اللغات، فاللغة تمارس حياتها بالنمو والتطور، شئنا أم أبينا، وقد مارست ذلك لغتنا في جميع مراحلها، وهذا من أسرار عظمتها، أما نحن العرب الأواخر فلن نسجن أنفسنا في حظيرة الألفاظ الجاهلية، فحين نجد لفظا متداولا شائعا جاريا على سنن كلام العرب في أصواتها وأبنية ألفاظها، فإننا نقبله وندوّنه في معاجمنا، وقد أحسن المعجم الوسيط صنعا، حين قبل كلمة ((العريس)) وأدخلها في المعجم، ولا بأس أن نصفها بأنها محدثة أو مولدة، تمييزا لها من القديم وليس ذمًّا لها.
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة



أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
نشر في ملحق الرسالة بجريدة المدينة الجمعة 1434/7/21 هـ 2013/05/31 م العدد : 18300
  http://www.al-madina.com/node/456714

نفاضة الجراب 36 حكمة العامة في اللغة


نفاضة الجراب 36
حكمة العامّة في اللّغة
العامة عقلٌ جمعيٌ قد نظنّه عقلا غبياً فاسداً في كل أحواله، ولكنه في الحقيقة عقل حكيم في أحايين كثيرة، وقد فطن إمام العربية الأكبر الخليل إلى بعض حكمتهم، غير أنه تغافل عنها ولم يصفهم بالحكمة ربما خوفا من الفصحاء، واكتفى بأن أومأ إليها إيماء خفياً، ومن حكمة العامة أنهم يفرقون بين (عباد) الله و(عبيد) الناس، فالعباد لله والعبيد للناس، وأول من رصد ذلك الخليل في معجم العين، حين قال: "إن العامة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد الله، والعبيد المملوكين"
قلت: يعني أن العامة تقول: مع الله: عباد ، ومع الناس: عبيد، وهذا تفريق حسن، غرضه التفريق بين الاستعمالين.
ومن حكمة العامة في القرن الرابع أنهم يسمون (الجلمين) و(المقراضين) و(الكلبتين): الجلم والمِقراض والكلبة، قال ابن خالويه في ليس في كلام العرب: ((ومنها تثنية أفردتها العامة خطأ: الجلم والمقراض، إنما هما الجلمان والمقراضان، وكذلك الكلبتان؛ لأن الكلبة الواحدة؛ والمقراض الواحد لا يقطع، ولا الجلم))
وجاء في اللسان: المِقْراضانِ: الجَلَمانِ لا يُفْرَدُ لهما واحد، هذا قول أَهل اللغة.
قلت: العامة أقرب للواقع، وأسهل في الاستعمال؛ وإفرادهم كلمة الجلم والمقراض والكلبة أحسن؛ لأنهم نظروا إلى الآلة بكاملها، وهي واحدة، ولم ينظروا إلى جزئيها، فلم يعد للتثنية وجه.
وسُمع فيه قولهم: (الجلمانُ) و(المقراضانُ) بضم النون، وهذه محاولة من الفصحاء تبتغي تحسين اللفظ وتقريبه من المنطق اللغوي، وذلك بإبعاده عن التثنية وتقريبه من المفرد، بضم النون، قال الفيومي في المصباح: ويجوز أن يُجعل الجلمان والقلمان اسما واحدا، على فعلان، كالسرطان والدبران، وتُجعل النون حرف إعراب.
وربما كان ضمّ النون توهّما، بسبب اللبس، لكن تصرف العامة بإفراده وقولهم: الجلمُ والمقراض، وعده آلةً واحدة أحسنُ من تصرّف بعض الخاصة الفصحاء بضم النون، فالعامة حكيمة وقد تتفوق على الخاصة.
ومن ذلك قال أبو حاتم: تُوْلَعُ العامَّةُ في تصغير العَينِ بعُوَيْنَةٍ، ويقولون: ذو العُوَيْنَتَيْن، وإنما هو: العُيَيْنَتَيْنِ بالياء. وجاء: حُوْرٌ عُوْنٌ: في مَعْنى عِيْن.
قلت: (عوينة) أخف من (عُيينة) وكذلك (كويّس) العامية أخف من (كُيَيّس) تصغير كَيّس بمعنى عاقل، وذلك للفرار من كثرة الياءات، وهنا تظهر حكمة العامة.
ومن ذلك أن الجوهري قال: ((ويقال لبائع الرؤوس رآَّسٌ، والعامة تقول: رواس))
قلت: قول العامة هنا أسهل على اللسان، بسبب ثقل التضعيف على الهمزة، فهي كالتهوع، وإبدال الهمزة واوا سائغ في العربية وكثير.
ومن حكمة لهجتنا أنهم جعلوا الهرجة للكلام فلما شاعت وأرادوا معنى الاختلاط في الأصوات قالوا : (الرهجة) و(لا ترهجنا) أي لا تزعجنا؛ جعلوها على القلب؛ لأنهم لما وجدوا (رهج) و(هرج) تدلان على اختلاط الكلام في دلالة الجذر عمّموا الهرجة لكل كلام وأبقوا الرهجة للاختلاط فيه.
وحين نتغلغل أكثر في العقل الجمعي للعامّة نرى أن لغتهم ليست غبيّة وليست فاسدة في كل أحوالها،كما قد نتوهم، بل إننا نجد فيها من مظاهر الحكمة الشيء الكثير، وهو موضوع يحتاج إلى تنقيب واسع في مأثور كلام العامة قديما وحديثا (وللحديث صلة)



أ.د. عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
نشر بملحق الرسالة في جريدة المدينة
الجمعة 1434/7/21 هـ 2013/05/31 م العدد : 18300
  http://www.al-madina.com/node/455192

الجمعة، 17 مايو، 2013

نفاضة الجراب 35 حاجة العربية لمعجم تاريخي

نفاضة الجراب 35
حاجة العربية لمعجم تاريخي
الألفاظ كائنات حية تولد وتشبّ وتهرم وتموت، ومنها ما يُعمّر طويلا، ومن الألفاظ ما يُعمّر فلا يموت، ولو مضى عليه آلاف السنين، لما فيه من ضروب المناعة الداخلية كقوّة المعنى ودوامه، ورشاقة اللفظ وعذوبة جرسه، أو المناعة الخارجية، كألفاظ القرآن الكريم التي تكفّل الله - عز وجل - بحفظها، وما صحّ من ألفاظ الحديث النبويّ الشريف، ومن الألفاظ ما يمرض فلا يحيا ولا يموت، ومنها ما تتغير دلالتها، فـ(طول اليد) كان قديما وصفا للسخاء والكرم، فانحطت دلالته وأصبح اليوم يدل على السرقة، أو البطش، وهناك ألفاظ جاهلية قديمة، وألفاظ أو دلالات ولدت في الإسلام، وثمة ألفاظ أموية أو عباسية أو مولدة أو محدثة وهي كثيرة جدا يصعب حصرها.
وللألفاظ سير ذاتية كالناس تماما، ولها أنساب، وأقارب وآباء وأبناء، وفي معاجمنا شيء يسير جدا للتأريخ للألفظ، ولكنه تاريخ غامض ومشوش؛ لأن معاجمنا العراقية لم تكن في الأصل معاجم تاريخية، ولا يطلب منها ذلك، فهي معاجم تقليدية، والمعجم التاريخي يختلف عن المعجم التقليدي، والعربية تفتقر إلى معجم تاريخيّ.
ولم يزل المعجم التاريخيّ حلمًا يراود خيال الكثيرين من العرب، وثمة عقبات تحول دون ظهوره.. فهل من سبيل إلى إنجازه؟ وما المعجم التاريخي؟ وهل يمكن لفرد أن يصنع معجماً تاريخياً؟ وهل من وسيلة عملية واقعية تساعد في إنجازه ليتحقق هذا الحلم القديم الجديد؟
المعجم التاريخي هو: المعجم الذي يرصد كل لفظ منذ ظهوره وما يطرأ عليه من تحولات صوتية أو صرفية أو دلالية ويدونه عبر تاريخه الاستعمالي. وهو كما يراه الدكتور محمد حسن عبدالعزيز ((ديوان للعربية يضم بين دفتيه ألفاظها وأساليبها، ويبين تاريخ استعمالها أو إهمالها، وتطور مبانيها ومعانيها عبر العصور والأصقاع، ويقدم مدخلا لغويا وفكريا للحضارة العربية والإسلامية)) وليس المعجم التاريخي معجما معياريا تقليديا، لذا يجب أن يحتوي على كل كلمة تداولتها الألسن في اللغة.. ويترك الحكم والدراسة للغيره.
وأتمنى أن يتبنى (مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية) في الرياض فكرة المعجم التاريخي، ويحيي مشروع (فشر) أو يجعله نواة للمشروع، ويتعاون مع الباحثين والمجامع التي خطت خطوات في ذلك، وأن يفيد من أبحاث (أعمال ندوة المعجم التاريخي للغة العربية) التي أقيمت في فاس بالمغرب في 1431هـ الموافق 2010م وكذلك المشروع القطري للمعجم التاريخي، لكيون للمركز دوراً ريادياً أو تكاملياً مع غيره في هذا.
ويستطيع المركز أو غيره أن يضع خطة طموحة للمعجم التاريخي، ويرفع شعار 1455هـ 2033م ونحو ذلك، ويضع كذلك خطوات علمية محكمة ومفصلة يشترك في تنفيذها عدد من الدول والجامعات، ويجب أن يعقد للمشروع ورش عمل لمناقشة مفهوم المعجم التاريخي، ووظيفته، وآليات صناعة ( المدونة العربية أو الذخيرة اللغوية) التي تعد نواة المعجم وأساسه، ثم صناعة المادة لكل جذر مستخلصةً من مخزون المدونة، ويجب حل المشكلات والصعوبات العلمية والفنية والمالية التي يتوقع أن تواجه العمل.
ويمكن توجيه الرسائل العلمية في أقسام اللغويات لخدمة المعجم التاريخي، وكذلك بعض أبحاث الترقية، فعلى سبيل المثال: يُعطى لكل طالب جذرٌ واحد فحسب، ويجمع الباحث ما جاء فيه من لغة منذ العصر الجاهلي إلى هذه اللحظة.


أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدة المدينة، ملحق الرسالة الجمعة 1434/7/7 هـ 2013/05/17 م العدد : 18286




الجمعة، 10 مايو، 2013

نفاضة الجراب 34 رأيُ القدامى في ضياع شيءٍ من اللغة

رأيُ القدامى في ضياع شيءٍ من اللغة
قد يظنّ بعض أهل العلم من غير المتخصصين أنَّ لغة العرب وصلت إلينا كاملة مدونة في المعاجم القديمة، بدءاً بالعين للخليل وانتهاء بالتاج للزَّبيدي، لكنّ الحق أن ما وصل إلينا من اللغة ما هو إلا جمهرتها وثمرتها القريبة القطاف، وأن قدراً صالحا من فصيحها ولهجاتها وشواهدها وشعرها ونثرها قد ضاع وذهب بعضه بذهاب أهله، وبقي بعضه مختبئاً في لهجاتنا في جزيرة العرب خاصة، وفي غيرها، يندثر منه بين الحين والحين ما يندثر، بسبب زحف اللغة البيضاء، لغة الإعلام العامة، التي قاربت بين اللهجات، وأدت إلى هجر كثير من الظواهر المغرقة في الخصوصية لكل لهجة.
وقد أدرك علماؤنا أنهم أمام لغة واسعة، كمحيط لا ساحل له، وأن جهودهم ووسائلهم محدودة، فاعترفوا صراحة بأن اللغة لم تجمع أو (تُمعجم) كاملة وأنه ضاع منها شيء غير قليل.
فهذا ابن سلام يروي في طبقات الشعراء عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أن شعر العرب حفظ منه القليل وذهب منه كثير. وقال ابن سلام: ((وممَّا يدل على ذهاب الشّعر وسقوطه قلَّة ما بقى بأيدى الرواة المصححين لطرفة وعَبيد... ونرى أَن غَيرهما قد سقط من كَلامه كَلامٌ كثير))
وتواتر النقل عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُه ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير.
وذكر ابن قتيبة في مقدمة الشعر والشعراء: إنه ليس لأحد أن يحيط بشعر الشعراء وشعر القبائل، وأن الضائع منه كثير. وروى عن الأصمعىّ أنه قال: كان ثلاثة إخوة من بني سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب رجزُهم، يقال لهم: منذر ونذير ومنتذر.

ولابنِ فارس في الصاحبي بابٌ اسمه: (باب القولِ على أنّ لغةَ العرب لم تنتهِ إلينا بكلّيتِها، وأنّ الذي جاءَنا عن العرب قليلٌ من كثير، وأنّ كثيراً من الكلام ذهبَ بذهاب أهله) وقال: قال بعض الفقهاء: "كلام العرب لا يحيط بِهِ إِلاَّ نبيّ". وقال: وهذا كلامٌ حَرِيٌّ أن يكونَ صحيحاً.انتهى.
ونقل ابن جني رواياتٍ تدلُّ على ضياع قدر من الشعر واللغةُ، وعلق عليها بقوله: وهذا ونحوه مما يدلّك على تنقّل الأحوال بهذه اللغة، واعتراض الأحداث عليها، وكثرةِ تغوّلها وتغيّرها، فإذا كان الأمر كذلك لم نقطع على الفصيح يُسمَع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ ما وُجِد طريقٌ إلى تقبّل ما يورِده إذا كان القياس يعاضده، فإن لم يكن القياس مسوّغا له كرفع المفعول وجرّ الفاعل ورفع المضاف إليه فينبغي أن يُردّ، وذلك لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا، فلم يبقَ له عِصْمة تُضيفه ولا مُسْكة تجمع شعاعه.
وكان أبو العلاء المعرّي يدافع عن كلمة (الأطروش) بمبدأ سعة اللغة وعدم الإحاطة بها، قال: ((ويجوز أن يكون من أنكر هذه اللفظة من أهل العلم لم تقع إليه؛ لأن اللغات كثيرة، ولا يمكن أن يُحاط بجميع ما لفظت به القبائل))
وفي الختام أقول: إن ثمة أملاً ينبعث في النفوس في أن نرى حركة لغوية في بلاد الفصحى ترتكز في أساسها على إحياء عصر الرواية، يتبعها التأصيل اللغوي العلمي تجمع شيئا من تلك الفوائت المخبوءة في لهجاتنا قبل أن يندثر وتبتلعها اللهجة البيضاء.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
نشر في جريدة المدينة الجمعة 1434/6/30 هـ 2013/05/10 م العدد : 18279

الأحد، 5 مايو، 2013

نفاضة الجراب 33 تقسيمٌ لغويٌّ جديد لما خلت منه معاجمنا العراقيّة

نفاضة الجراب
تقسيمٌ لغويٌّ جديد لما خلت منه معاجمنا العراقيّة

ضاع من لغة العرب شيء غير قليل من أشعار العرب وأقوالها وألفاظها ودلالاتها، خلت منه المعاجم، بعضه مهمل، وبعضه مندثر ممات، وبعضه ضائع، وبعضه مدون في غير المعاجم.

وتفصيل هذا أن ما خلت منه المعاجم نوعان:

1- نوع مهمل لم تتكلم به العرب.
2- ونوع تكلمت به العرب وخلت منه المعاجم، وهو نوعان:
1-2- نوع مندثر وهو ما أُميت وتُرك.
2-2- ونوعٌ مستعمل، وهو نوعان:
1-2-2- نوعٌ دُوّن في مصادر قديمة غير المعاجم، وأسميه: الفوائت القطعية.
2-2-2- ونوعٌ لم يُدوّن في مصار قديمة، وأسميه الفوائت الظنية. ومن أهم مصادره لهجاتُنا المعاصرة.. ومن هذا النوع شيء مما عدّه المعجميون مهملاً أو مماتاً ومتروكاً.

ورُبّ قائلٍ يقول: إن اللغة لم يضع منها شيء، وإنها مدونة بكاملها في المعاجم بنوعيها وفي مصادر اللغة والأدب العامة من نوادر وأمالي ودواوين الشعر وقراءات شاذة خلال عصور الاحتجاج، وأن ما في مجموع تلك المصادر هو اللغة العربية ولم يتخلف منها شيء، فينكر هذا المعترض فوائتَ المعاجم بناء على هذا الفهم الشاذ، وهنا وقفتان:

الأولى: أن الفوائت مصطلح محدد يراد به ((ما فات المعاجمَ القديمة تدوينُه من الألفاظ أو الدلالات التي تكلمتْ بها العربُ زمن الفصاحة)) أو ((ما خلتْ منه المعاجمُ مما تكلمتْ به العرب الفصحاء))
والمعاجم هي مظان اللغة في الألفاظ والدلالة، وإليها المرجع والمفزع عند الحاجة، وليس دواوين الشعر والأمالي! ، ولذا تُنسب الفوائت إلى المعاجم، لأنّ لكل فن من الفنون مصادره، فما خلت منه المعاجم ووجد في دواوين الشعر أو غيرها فهو ما أسميه (الفوائت قطعية الثبوت) وأدعو إلى استدراكه على المعاجم ليأخذ مكانه فيها.

والثانية أن القول بأن اللغة جمعت كاملة وهي محفوظة في كتب التراث اللغوي والأدبي قولٌ ينافي العقل والنقل، وينافي ما قاله علماؤنا، ومعلوم أن اللغة جُمعت في المعاجم العراقيةِ بجهودٍ ذاتيةٍ من عددٍ من اللغويين والرواة الأعرابِ المتاخمين للعراق، وظلت مغاليقُ هذه الجزيرةِ بنجدها وحجازها وعسيرها ويمنها وعمانِها.. ظلت في منأى عن كثيرٍ من اللغويين، الذين كانتْ جهودُهم في جمع اللغة جهوداً بشريةً فردية، يعتريها النقصُ لضعف الوسائل المساعدة، وصعوبة المواصلات.
لكنّ الله أعانَهم وفتحَ عليهم، فجمعوا قدراً وافراً من الألفاظ وصنعوا معجما غنيّاً لا مثيلَ له في سائرِ اللغات، لكنه ناقص، وهم يعترفون بأنّ جمعَ اللغةِ لم يكتمل، وكانوا يرددون أنه ضاع من كلام العرب كثير ودرس وزال بزوال أهله الذين كانوا يعرفونه، قال الأزهري في التهذيب في مادة (مسح): ((روي عن أبي الهيثم أن المسيحَ: الصِّدِّيق؛ قال أبو بكر: واللغويون لا يعرفون هذا، قال: ولعل هذا قد كان مستعملا في بعض الأزمان فدَرَسَ فيما دَرَسَ من الكلام؛ قال: وقال الكسائي: قد دَرَسَ من كلام العرب كثير)).

ولعلمائنا أقوال ونصوص وتعليلات في هذا الشأن سآتي عليها في مقالة خاصة بها إن شاء الله.

نفاضة الجراب 32 من منابع الحكمة أقوالُ العرب

نفاضة الجراب 32
من منابع الحكمة أقوالُ العرب
يزعم بعض أهل العلم أن الحكمة في العجم، وأن العرب ليست من الأمم الحكيمة، وأنها أمة بيان ولسان وشعر، هكذا يزعمون، وفي هذا ظلم كثير، ففي التاريخ ما يثبت حكمة العرب، وأمثالهم وأقولهم وأشعارهم تفيض بها، فالحكمة تجري على ألسنتهم ثمرة لتجاربهم ورؤيتهم للحياة، ولا يكاد يخلو شعر أو نثر أو خطبة منها، فلغتهم شاعرة وبليغة وحكيمة، فكأن الحكمة جارية مجرى الدم في عروق لغتهم، فما من قول من أقولهم الفطرية السليقية إلا وفيه نضّاح من الحكمة، وقد امتدح الله عز وجل الحكمة ووصفها بأنها (خير) قال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)
ومن عادة العربي أنه إذا رأى منظرًا خاصًا أعجبه أو موقفا من مواقف الحياة أثر فيه تحرك له خاطره، وجاس صدره بالبيت أو الأبيات من الشعر أو المثل والحكمة، وغايتهم من الحكمة العبرةُ والاتّعاظ، والبوح بتجاربهم ونظرتهم إلى الحياة وما فيها.
ومن أقولهم مما يجري مجرى الحكمة على ألسنة الأعراب مستخرجا من كتاب (البصائر والذخائر) لأبي حيان التوحيدي :
1-قال أعرابي: ربما أبصر الأعمى رشده، وأضل البصير قصده.
2-وقال أعرابي: إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها أم الندامات لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويقطع قبل أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعد الحمد، ومن كان كذلك صحب الندامة، واعتزل السلامة.
3-وقال أعرابي: العبوس بُوس، والبِشْر بُشرى، والحاجة تفتق الحيلة، والحيلة تشحذ الطبيعة.
4-وقال أعرابي: الدراهم مواسم، تسم جميلاً أو دميماً، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له.
5-وقال أعرابيّ: نفسك راحلتك، إن رفّهتها اضطلعت، وإن نفّهتها انقطعت.
6-وقال أعرابيّ: آفة الحزم ترك الاستعداد، وآفة الرأي سوء الاستبداد.
7-وقال أعرابيّ: ما كلّ رقبةٍ تحسن فيها القلائد، ولا كلّ نفسٍ تحتمل عليها الفوائد.
8-وقال أعرابيّ: إن أطعت الغضب أضعت الأدب
9-وقال أعرابي: رب وحدة خير من جليس، ووحشة أحسن من أنيس.
10-وقال أعرابي: من غره السراب، تقطعت به الأسباب.
11-وقال أعرابي: لايزال الوجه كريماً ما بقي حياؤه، والغصن نضيراً ما بقي لحاؤه.
12-وقال أعرابي: لكل توبة غرس، ولكل بناء أس، وعند كل مأتم عرس.
13-وقال أعرابي: زلّة الجبان في التقصير، وزلّة الشجاع في التغرير، وزلّة البخيل في التقتير، وزلّة السخيّ في التبذير.

ومثل هذا كثير في كتاب (البصائر) وقد صدق التوحيدي حين قال في المقابسات: ((نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصين)) ومعلوم أن كلام العرب وعقولهم ينبوع الحكمة، وممن نسبت إليه الحكمة من العرب "الأفوه الأودي" وهو شاعر اسمه "صلاءة بن عمرو" من "أود". وله قصيدة دالية، فيها رأيه في الناس وفي الخير والشر.
والحكمة حق، وهي ضالة المؤمن، أين ما وجدها أخذها، وعند من رآها طلبها، ورأس الحكمة وسنامها مخافة الله.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/ sa2626sa@
جريدة المدينة، ملحق الرسالة: الجمعة 1434/6/16 هـ 2013/04/26 م العدد : 18265
http://www.al-madina.com/node/449158/%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%A8%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8.html …