‏إظهار الرسائل ذات التسميات 03 لهجات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 03 لهجات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 22 نوفمبر 2012

حفريات لغويّة في كلمة قرطوعة

حفريات لغويّة في كلمة قرطوعة
بقلم/ أ.د. عبدالرزاق بنّور
 
1. قلتُ في أوّل تغريدة لي إنّ المعجم «شبكة من العلاقات » . ولا يكفي التصريح بذلك، بل يجب إثباته.
2. قلت إنّ العربيّة التونسيّة تعرف «قرعوطـ(ـة) » (بنطق القاف كالجيم المصريّة) وكذلك فعل «قرعط، يقرعط »
وأراها أقرب إلى الأصل من «قرطوعة »، مما يعني أنّ «قرطع » قلب مكاني لـ «قرعط ». وسأب السبب.
3. أرى أنّ «قرعط » و «قرطع » في علاقة مباشرة ب «جرعة » وفعل «جرَع .»
4. كما أرى أنّ «قرعط » و «قرطع » على علاقة -غير- مباشرة ب «كرع » و «كراع .»
أ. السبب الأوّل صوتي، إذ لا أحد ينكر أنّ الكاف والجيم والقاف تتبادل في ما بينها، ويكفي أن ننظر في اللهجات
وكتب القدامى كي نتأكّد ]نطق الجيم المصرية «ڤ» والكاف التّي كالجيم، الخ[.
-يجمع السبب الصوتي إذن بين «جرع » و «كرع » و «ڤرع .»
ب. السبب الثاني دلالي، إذ يتعلّق الأمر في كلّ ذلك بشرب الماء بصفة عامّة وتنفرد كلّ لهجة عربيّة بتدرجاتها
الدلاليّة الخاصّة.
5. يبقى حلّ إشكاليتين: الأولى صوتية مورفولوجية )ما هو مكان الطاء في قرطع\قرعط؟) والثانية دلالية تبريرية (ما
علاقة الشرب بالكراع )  يكرع(؟).
أ. صوتيّا وتصريفيّا أرى أنّ «ط » قرعط\قرطع أصلها «ت » مفخمة سببها تماثل صوتي مع العين الحلقيّة. وهي زائدة
كما زيدت في «برطع \ برعط » من «برع »، و «اصطرخ » من «صرخ »، و «فرشط «\» فرطش » من «فرش ،»
و «ضمرط » من «ضمر »، و «جخرط » من «جخر »، و «جلمط » من «جلم »، و «خنطث » من «خنث »، الخ. والمعنى واحد.
ب. أمّا العلاقة الدلاليّة بين «جرع \ كرع » و «كراع » فنراها في المقابلة بين «صدَر » و «ورَد » (الخروج مقابل
الدخول والعطاء مقابل الأخذ) وبين «صادرات » و «واردات » فالأولى من «الصدر » ]فوق[ والثانية من «ورد » ]تحت[
(انظر «رديء » و «ردى » و «ورد » بمعنى العبد والهلاك، الخ).
قد يعجب المرء لهذا الأمر، نظرا إلى أنّ الإنسان يُدخل من فوق ويخرج من أسفل، لكنّ أصل هذا المجاز ليس الإنسان بل النخلة التّي «ترد \ تكرع » فتأخذ الماء من جذعها (كراعها) و «تصدر » فتنتج الثمار من أعلاها (صدرها). على كلّ، هذا رأيي وهو مطروح للنقاش والإثراء.
مع خالص التحيّة.
أ.د. عبد الرزاق بنور
جامعة تونس

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

"معاصير" قراءة لغوية تأصيلية



بسم الله الرحمن الرحيم
معاصير
قراءة لغوية تأصيلية:
درج على ألسنة العوام في هذا العصر جمع الإعصار على "معاصير"، وهو وزن غير مألوف قياسياً وربما يرى البعض أن العامة خرقوا القاعدة فأتوا بما لا يغتفر!
وقد بحثت في دوافع هذا المسلك لدى أبناء العربية الذين ورثوا الفطرة النقية في صحرائهم بعيداً عن تأثير المدارس ومراكز العلم في بعض البلدان التي سبقتنا في الميدان التعليمي. وظهر لي أنه إرث يتناقلونه بسليقتهم وعفويتهم الممتدة من أسلافهم العرب الأقحاح، فهناك كلمات كثيرة في التراث العربي الخالد، جاءت تصاريفها وتوجيهاتها على غرار ما يفعله عوامنا اليوم، وهي تملأ المعاجم والمصادر التي تناولت كلام العرب وتصريفهم لكلماتهم وأحوالهم في تقليب تلك الكلمات. فهذه الميم قد صحبتهم كثيراً فألفوها إلى حد أنها لم تعد ذلك الدخيل في بعض الأوزان والتصاريف، حتى وإن لم تكن أصيلة في تركيب الكلمة. نجدهم أدرجوها في بعض الجموع الناشزة على القياس بطريقة ربما تدفع بعض الباحثين ودارسي اللغة إلى التشكيك في أصل المفرد لهذه الجموع ولكنه يقف مسلِّماً إذا وجدها متواترة لدى مؤصلي العلوم العربية بطريقتها الصحيحة ومن أمثلة ذلك:
*حُسْن، فجمعت على محاسن.
*قبح، على مقابح. وهو ما يستقبح من الأخلاق وغيرها.
*مدح بالفتح على ممادح.
*نَدْح بالفتح والضم على منادح، وهو الكثرة والسعة. ومنه اندياح دوائر الماء حينما يلقى فيه الحجر. وقيل إنه جمع مندوحة.
*فقر، على مفاقر. تقول أغنى الله مفاقره أي: وجوه فقره، قال النابغة:
فأهلي فداء لامرئ إن أتيتُه      تقبل معروفي وأغنى المفاقرا
*لمحة، بفتح فسكون، على ملامح تقول في فلان لمحة من أبيه أي: شبه، وفيه ملامح من أخيه أي: مشابه.
*شَبَه، على مشابه، تقول في صديقي مشابِهُ من أبيه، كما تقول فيه شبه منه.
وغير هذه الكلمات، التي زيدت فيها الميم، كثيرة في كلام العرب، ولكنها تبقى في حيز الشذوذ الاستثنائي للمفردة التي خالفت نظائرها ومَشَابِهَهَا؛ ليبقى إطار القبول لما يكون مقيساً بشذوذه، فما وجدناه مماثلاً لها يحكم بصحته إن وافق المعايير ونصنفه في باب الفوائت والتواتر والرواية والقدم للكلمة يتيح لنا قياسها وتصنيفها بحكم توسطنا في الأجيال التي سبقتنا والتي تلحقنا فسابقونا روينا عنهم ولاحقونا يروون ما ننقله ونوثقه لهم بعد عرضه على المحكات المعيارية الدقيقة ومن أهم تلك المحكات الاحتضان البيئي لكل إقليم من أقاليم جزيرة العرب التي تزخر بمعين يتجدد من الثروة اللفظية الأصيلة العظيمة كما أشار بعض متتبعي اللهجة الدارجة هنا إلى أن راصدي اللغة يمكنهم استدراك ما فات منها ويعني لهجات الجزيرة العربية تحديداً؛ فهي التي نأت عن الدخلاء والخلطاء الذين لوثوا كثيراً من ألسنة العرب خارج الجزيرة.
والميم قد تأتي زيادة وبديلاً في الجمع كما أتت في غيره، وقد تأتي بديلة لحرف الهمزة كمجيئها في كلمات محدودة سمعت عن العرب؛ وأقول محدودة لأنها لم تسمع في نظائرها مع إمكان ذلك، ومن هذه الكلمات: أرجوحة وأراجيح وأقاليد فقد وردت عن العرب بلفظ: مرجوحة ومراجيح ومقاليد بإبدال الهمزة ميماً ولم نرها في نظائر هذه الكلمات كإبريق وأباريق وأباطيل وأساطير.
على قول من يرى أن مقاليد مفردها إقليد أو إقلاد كما في اللسان والتاج؛ خلافاً لمن يرى أن لا واحد لها كالأصمعي. ولكن الشواهد المستفيضة من القرآن الكريم وفي معاجمنا على أن الإقليد هو المفتاح وأن لفظة مقاليد هي المفاتيح في أحد وجوه تفسيرها فإنها تَرُدُّ بعض الأقوال وتعزز أخرى.
يقول الفيروز آبادي في بصائر ذوي التمييز:"والإقليد: المفتاح. والجمع المقاليد، كما قالوا: ملامح ومحاسن ومشابه ومذاكير. وقوله تعالى: "له مقاليد السموات والأرض" الزمر63.قال أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: أي خزائن السموات والأرض. وقال مجاهد بن جبر المكي: أي مفاتيح السماوات والأرض. واحدها إقليد. قال تبَّع:
وأقمنا به من الدهر سبتاً      وجعلنا لبابه إقليدا
والإقليد معرب كليد. (ج4ص294.تحقيق محمد علي النجار.المكتبة العلمية. بيروت لبنان).
وأفاض الزبيدي في تفصيل اللفظة ويكفينا ما يحيط بعنق حاجتنا لنصل إلى أن في لغة العرب ما يجمع على مفاعيل ومفرده إفعال أو إفعيل. فمفرد معاصير التي يلهج بها الناس اليوم إعصار وهو فصيح شائع ومنه في القرآن الكريم إلا أنهم عاملوه بإبدال الهمزة ميماً مستساغة مقبولة مليحة في لهجتهم.
ولكن باستقصاء الدارج من اللغة اليوم بين العوام نراهم توسعوا في تصريفها جمعاً وإفراداً وإبدالاً فمما ساقه بعض الإخوة لنا من متتبعي اللهجات ما سمع في الحجاز من قول بني الحارث في مفردها معصار وتجمع على معاصير وفي تهامة جازان يقال معصار أيضاً. وفي وسط نجد تكثر في الأرياف وتتأصل في قبائل البوادي. أما في حواضرنا فيستخدمون كلمة معصير على قلة وربما أطلقوا عليها (عجة جن).
صالح بن إبراهيم العوض
الرس.الثلاثاء.6/1/1434هـ.

السبت، 17 نوفمبر 2012

"ص م ل"و"الصامل"و"الصملة" رحلة مفردة...




جذر مادة (ص م ل) أصيل وذو دلالة عميقة في اللغة العربية يمتد إلى اليوم بمضمونه الراسخ. فهو اليوم شائع ذائع بين العامة بعدة تصريفات فلا تكاد منطقة أو إقليم تحيد عنه في استخدامه ولعل "الصميل" المشهور عند أهل الأنعام خير مثال دقيق على ذلك.
فالصميل تطلق اليوم على الوعاء الجلدي الذي يحفظ به اللبن والحليب لغرض التبريد والمحافظة على النكهة الخاصة التي يهبها ذلك الوعاء. وهناك تصريف آخر للكلمة شائع بيننا اليوم ويكثر في أساليب الاستخذاء والتخوف فيصفون الشخص الذي يعزم على أمر ما بأنه ثابت راسخ غير متخاذل ولا ناكص فيقولون عنه: (صامل) و(راعي صَمْلَة) ويراوح العامة في استخدامها لما يعقل وما لا يعقل فقد يقولون: التحق فلان بالجامعة، فيستدرك آخر حسنٌ وليته يصمُل. ثم يأتون به بطريقة لغير العاقل فيقولون: أصلحتُ ناقوط القربة ولن تسرب ماءها لاحقاً، فيأتي من يقول: نعم وليته يصمل.
وقد يتجوز الناس في معناها؛ فتستعار للشجاعة فيقولون: فلان صامل أي راسخ ثابت القلب شجاع فلا يتردد ولا يهاب المواقف التي ربما قصُر عندها غيره. وبه سموا أبناءهم، فصامل علم شائع بيننا للرجل، وهو جد أحد شيوخنا الأفاضل الأستاذ الدكتور محمد بن علي الصامل أحد الأعلام البارزين في اللغة العربية اليوم. وهناك أسر كبيرة وكثيرة من جنوب الجزيرة العربية في جازان يطلق عليهم" الصميلي".
أما أصل الكلمة التواضعي في إرثها العربي فقد تناولته المعاجم القديمة وعرجت عليه الحديثة بشيء من التفصيل الثري؛ ففي تهذيب اللغة للأزهري: "قال الليث: صَمَل الشيء يصمُل صمولاً: إذا صلُب واشتد واكتنز. يوصف به الجبل والجمل والرجل، قال رؤبة:
عن صامل عاسٍ إذا ما اصلخْمما
... وقال الليث: الصميل: السقاء اليابس. والصامل الخلق. وأنشد:
إذا ذاد عن ماء الفرات فلن ترى         أخا قربةٍ يسقي أخاً بصميل
ويقال: صَمَل بدنُه وبطنه، وأصمله الصيام: أي أيبسه.
ولم يُضِفْ الصاحب في المحيط شيئاً ذا قيمة.
ولكن ابن سيده يشير إلى ما ساقه الأزهري بإيراده مؤداه ويزيد: وصمَل السقاء والشجر صملاً، فهو صميل وصامل: يبس. قال السلولي(1):
ترى جازريه يرعدان وناره      عليها عداميل الهشيم وصامله.
ومن دلالات "صَمَلَ" الضرب، فربما تعود المفردة في معناها إليه في لغة قوم أو أقوام من العرب حيث أشارت المعاجم إلى ما ينبي عن هذا المؤدى المشترك.
ويجري الفيروز آبادي على ما جرى عليه سابقوه في المعنى فلم يزد عليهم شيئاً ذا بال.
والناس اليوم يسمون الصميل للسقاء الطري الذي يمخض به اللبن، ولا يستعملونه لليابس ألبتة. يقول جدي صالح بن محمد بن عوض رحمه الله مشيراً إلى والدته التي نأى عنها مع شقيقه التوأم حمد طلباً للعيش الكريم:
من اولٍ تمخض وتدهن مشقنا      واليوم عيا لا يزبِّد سقانا
تمخض: أي تخض الحليب ليصبح لبناً فيستخرج منه الزبد، ومشقنا: المَشَق التشققات التي تطال ظاهر القدمين من شدة البرد في الشتاء.(وفيها شيء من الفصاحة).
ومجمع اللغة العربية في القاهرة، الذي ناء بإصدار معاجم عظيمة خدمت اللغة وواكبت المسيرة اللغوية بجهد لا ينكر، تناول الكلمة في الوجيز والوسيط ونقل بعض ما قاله الأزهري وابن سيده. وزاد: وصمل للعمل وفيه: صبر لمشقته واستمر فيه. ثم أضاف بعد هذه العبارة كلمة (محدثة) ما يعني أنه أجاز الاصطلاح العامي الجديد وسوغ نقل الكلمة بمعناها إلى الثبات وعدم التخاذل، ولكني أرى أنه ليس استحداثاً فالاستخدام المجازي لأي كلمة وارد على مر العصور, ونراه مستساغاً لدى الشعراء ويهتبله النقاد ابتداعاً وإبداعاً بلا تثريب على الشاعر حينما يستعير أو يأتي بمجاز! فلنا أن نقول إن العامة أبقوا الكلمة على أصلها الدلالي وتوسعوا فيها مجازاً فجعلوا الصمْلة لكل ما ورد في كلامهم سواء كان إنساناً أم جماداً أم حيواناً وفيه سعة. كما أنه يقول: صبر لمشقته ولعل الصواب صبر على مشقته فصبر يتعدى بعلى لا اللام.
ومجمع اللغة العربية في القاهرة وظف الجذر ودلالته ليؤسس منه أصلاً لغوياً جديداً مستحدثاً يدخل تحته لفظة جديدة ذات معنى تقني حديث وهي كلمة"صَمُولَة" فقال حولها: "الصمولة" قطعة من الحديد مستديرة أو ذات أضلاع، جوفها مسنن في شكل حلزوني، تثبت في طرف مسمار مسنن مثلها لإحكام تثبيته.(محدثة). وكان حقه أن يقول منقولة.
وبعض المحققين لا يراها محورة في دلالتها، ولا يرى العوام نحوا بها منحى مستحدثاً في وضعها الأصيل، فالشيخ محمد بن ناصر العبودي قال عنها في كتابه الأمثال العامية في نجد:"الصامل من الحطب هو الجزل اليابس. أي النافع لإيقاد النار القوية. فنقلته العامة للشيء النافع من بين الأشياء الكثيرة التي لا نفع فيها".
والكلمة متناغمة مع الشاعرية العربية إلى حد بعيد، الأمر الذي جعل الأصلاء من منمقي الكلام حتى في الأجيال الحالية التي ورثت عزة الكلمة مثلما ورثت كرامتها، فهي ترى عزها في انتقاء كلامها وترى مروءتها في حديثها وما يروى عنها في المجالس. لذلك وجدنا تنوع الاستخدام والتوسع فيه لديهم جميلاً وثرياً، فكثرت في أمثالهم وحكمهم وأشعارهم لذلك قال الشاعر الفارس راكان بن حثلين:
ما قل دل وزبدة الهرج نيشان        والهرج يكفي صامله عن كثيره
وترددت كثيراً في أمثالهم الشعبية الدارجة فقالوا في الأشياء النادرة التي يعز وفورها وتكون من المتعذر الحصول عليه أحياناً "الصامل قليل".
كما جاءت للهزء والسخرية لمن يكثر كلامه وسقطه في المجالس، ولكن المفيد منه والصادق يكاد يعدم فقالوا: "الهرج واجد والصامل قليل" أي أن من يهذي ويكثر الكلام قد لا يكون ذا عزيمة صادقة وهمة عالية بما يتفق مع كلامه الذي لا يكف.
ويقابل المثل العامي هنا ما تقوله العرب"أسمع جعجعة ولا أرى طِحْناً".
وفي كتاب فصيح العامي في شمال نجد تطرق مؤلفه الأستاذ عبد الرحمن بن زيد السويداء لهذه الكلمة بكلام مجمل استقرأه من المعاجم اختزالاً عاماً مورداً بيت زينب بنت الطثرية.
ويختم قوله عنها بعرض جيد حول بعض الأساليب واستخدامها في الدلالة العصرية للكلمة فيقول:"…رجل صامل: أي ناضج ومشتد يدرك ما له وما عليه يحافظ على ماله. وحطب صامل: صلب مشتد. وشربت من صميل اللبن. وهذا الرجل لا "صملة" بيده: أي ليس معه المال الكافي. وهذا العلم الصامل: أي الخبر الصادق. ورجل ما بيده صمايل: أي لا يوجد بيده شيء. والكلام الصِّمِلِي: أي الصحيح الذي لا شك فيه".
                                                                          صالح بن إبراهيم العوض
                                                                       الرس.السبت.3/1/1434هـ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
<!--[if !supportLists]-->(1)   <!--[endif]-->تنازع هذا البيت العجير السلولي وزينب بنت الطثرية. فأبو علي القالي أورده في قصيدة زينب التي رثت بها أخاها يزيد وهي من الرثائيات الروائع التي أغفلها النقاد. وابن سيده نسبه إلى السلولي كما أشرنا أعلاه. وقصيدة العجير مطلعها:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصَّبا        بمرٍّ ومِردى كل خصم يجادله
             بينما مطلع قصيدة بنت الطثرية:
أرى الأثل من وادي العقيق مجاوري       مقيماً وقد غالت يزيد غوائله
      وقد بلغت في رواية ابي علي ستة عشر بيتاً ساقها في الجزء الثاني ص 86-87.
      وأبو علي أشار أشار إلى أن بعضاً من أبيات القصيدتين قد تداخلت بينهما ولكنه لم يورد البيت في قصيدة العجير التي  
      أوردها بسنده.

الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

تأصيل كلمة " بقعاء "



تأصيل كلمة بقعاء:
"بقعاء" كلمة وصفية غلبت على أصلها الموصوف بها. وهي وصف مبالغ لكلمة "باقعة" المرادفة للداهية، فيقولون باقعة بقعاء مثلما يقولون داهية دهياء.
يقول ابن سيده: البقعاء التي اختلط بياضها وسوادها ، فلا يدرى أيهما أكثر. وغراب أبقع يخالط سواده بياض وهو أخبثها، وبه يضرب المثل لكل خبيث.
ثم يقول: وبقعتهم الداهية: أصابتهم. ورجل باقعة: ذو دهْيٍ.
وفي القاموس المحيط: البقعاء السنة المجدبة والقحط.
وحينما تداولها العامة بإحلال الصفة مكان الموصوف، وهذا كثير في موروث العرب، فأصبحوا يدعون على عدوهم بالبقعاء، فإنما عنوا بذلك الفقر المدقع الناجم عن الدهور المتعاقبة والمحول المتتالية ليستقر لهم الأمر على إطلاقها على الدنيا المدبرة لا المقبلة.

صالح بن إبراهيم العوض.
الرس.1433/12/29هـ.

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

القَشْروب والِقشْراب والقِشبار في لهجاتنا

    
      (قَشْروب) - وتضم القاف - وهو الشيء الصغير الذي يقع في ماء أو عين الإنسان، كالقذى، لفظ شائع معروف في بعض اللهجات كحرب الحجازية وجهينة وسليم وعنزة القاطنين خيبر والعلا وما بينهما، والدواسر ومواضع من نجد وفي شمال المملكة يقولون: قثروب، بالثاء، بإبدال الشين من قشروب ثاء، وفي الكويت وقطر والبحرين، يقولون قشبار، للفتات والخشارة، وهو على القلب من قشروب وتغيير نوع المد، وربما كان قشبار في الأصل (قشبور مقلوب قشروب أو العكس) وربما كان قشروب في الأصل (قشراب مقلوب قشبار أو العكس) وهذه الأوجه متقاربة جدا وسائغة في القلب وتمضي على سنن اللغة العربية، فأي منها يثبت تثبت بقية الأوجه، والمعاجم دونت لنا مادة (قشبر) ومنها القِشْبِر كزبرج، ومن معانيه نفاية الصوف، كأنه نخالة التراب، قال الصغاني في التكملة (قشبر) القِشْبِر، بالكسر، نفاية الصوف وأردؤه، كأنه نخالة تراب، وقال رؤبة:

في خِرَقٍ بَعْدَ الدُّقَاعِ الأَغْبَرِ* كخِرَقِ المَوْتَى عِجَاف القِشْبِرِ
وهي في القاموس والتاج..

     فالقِشْبِر معجمية وهي بمعنى القشروب، وحدث فيها قلب: قشرب، مثل جذب وجبذ، ثم جاء المد (الألف في قشبار، والواو في قشروب)
 
     وهناك لفظ معجمي قريب دلالة وهو الحُثْرُبُ: الوَضَرُ يَبْقَى في أَسْفَلِ القِدْرِ، وجذره حثرب، وهو في اللسان، وقشرب وحثرب، قريبان دلالة وجذرا،
فهما رباعيان ويشتركان في لامي الكلمة الراء والباء، والثاء والشين يتبادلان..
وهناك ملمح لغوي آخر، فقد جاء في المحيط للصاحب القِشْبَارُ الضَّخْمُ الخَشِنُ من الخَشَب وغيرِه. وقلت: لا أستبعد أن تكون القشبار من الأضداد. 

    وبهذا يمكن أن نقول: إن القشروب بمعنى قذى العين أو ما يسقط في الماء، وكذلك القثروب والقشبار عربية صحيحة، ويمكن عدها من فوائت المعجم مع وجود الأصل أو شيء منه في مادة قشبر بالمعنى نفسه تقريبا، ولا نستغرب ذلك فقد فات المعاجم الكثير، لأن عمل جامعيها كان عملا بشريا، في ظروف مواصلات واتصال قاسية جدا..
كتبه/ عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
 http://www.almajma3.org/vb/showthread.php?t=22

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

معاني الفعل فَهَقَ وانْفَهَقَ وافْهَقْ وراك.. في لهجاتنا

    الفعل انفهق وما تصرف منه لفظ دائر كثير الاستعمال في لهجاتنا المعاصرة، ورأيت له عدة معانٍ، تمُتّ لمعناه القديم بصلة، ومن معانيه في لهجاتنا، مما خلت منه معاجمنا القديمة: 
1- التوسع في المكان.. يقال افهق وراك، أي تراجع، ويقال للجالس: افهق أي وسع المجلس،   ويقول مقعد بن عضيدان المطيري:
 أبشر بدرّاج وزين النواعير* أنا انفهق وأنت تصير بمكاني

 2- ومن معاني الفهق المهمة التوسع في الزمان والإمهال والتأجيل وإعطاء الفرصة، وهذه من أكثر معانيه استعمالا.. يقولون: افهق عنى شهرين، أي أمهلني شهرين، وافهق الموعد، أي أجله أجلا غير مسمى، ويقول مطلق الثبيتي:

افهقوا عنا شوي ونحضّر الغِيّاب
    ومنه قول الشاعر عبدالله بن عون العتيبي:
يوم الطلوع ابها على الهجن والخيل * ما قد فهق عن طلعتٍ مـا طلعهـا..
    ومنه قول الشاعر:
إن عطاني صاحبي شفت معروفه * وإن فهقني صاحبي متلاحقيني

(أي متلاحقون).. ومنه قولهم: أعطاه فهقةً، أي أعطاه مهلة لتسديد دين، ويقولون لمن يفشل في شيء : افهق عنه، أي اتركه وارجع له مرة أخرى. 

3- ومنه الابتعاد، يقال: انفهق الحيا، أي ابتعد. ومن الابتعاد قولهم: افهق حلالك أو أغنامك عن ديرتنا أي أبعدها، 

4- ومنه المنع افهق القوم عنا، وافهقوا جهالكم عنا، امنعوهم. 

5- ومنه الثني، يقال: افهق الشيء أي اثنه، واعطف رأسه إلى قفاه.

6- ومنه الكسر والخلع، انفهق أي انكسر، وفهق الباب كسره عنوة. 

7- ومنه إرجاع الشي للخلف، افهق الكرسي أو مرتبة السيارة، أي أرجعها للخلف،

8- ومنه حيازة نصيب الشخص وحفظه، افهق لي نصيبي أو قسمي من الذبيحة، 
9- ومنه المبالغة في الشيء، فلان ( يتفهّق من الضحك ) إذا بلغ من الضحك مبلغا، ويقال عن الناقة المدرار ( تفهقت ) حليبا. 
 
    وحين نتأمل المعاني في السابقة نجدها معانيَ قديمة مناسبة لحياتهم، وهي في جلها تعود إلى المعنى المعجمي الأصلي "الاتساع" الذي ذكره ابن فارس، ومنه فرعوا وذهبت بهم مذاهبُهم مجازا واتساعا، والتوسع في الدلالة من سنن العرب في ألفاظهم، ولا يكاد يخلو منه جذر معجمي قديم، وما التعددُ الدلالي في الجذورِ إلا تطور دلاليٌّ قديم رصدته معاجمنا القديمة.. ونحن اليوم نقلدهم، ونترصد للفوائت ونقتنصها لدعم معاجمنا القديمة.
 
كتبه/ أ.د. عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
وسبق نشره في منتدى مجمع اللغة العربية الافتراضي
  http://www.almajma3.org/vb/showthread.php?t=27

قولهم: توهّقَ في كذا، أي: تورّط:




     يُقال في شريحة واسعة في اللهجات المعاصرة في جزيرة العرب: توهّقَ فلانٌ، أي تورّط، ولا توهّقنا في هذا الأمر، أي: لا تورطنا، وهي ذات أصل معجمي فصيح، دخلها شيء من تطور الدلالة باتساعها، ففي المعاجم القديمة ما يدلّنا على أصل كلمة (توهّق) بمعناها المعاصر، فهي مشتقّةٌ من الوَهَقِ وهو حبل يُرمى فيه أُنشوطة (الأُنْشُوطة عُقدة يَسهل انحلالها مثل عقدة التِّكة) فتؤخذ في هذا الحبل الدابة من خيل أو إبل ونحوها؛ وتشد به لئلا تَنِدَّ؛ وأَوْهق الدابة: فعل به ذلك، أي طرح في عنقه الوهق. وفي أثر عن عليّ رضي الله عنه: وأَغْلَقَتِ المَرْءَ أَوْهاقُ المنية، والأَوْهاقُ جمع وَهَقٍ، بالتحريك، وقد يسكن، فيقال:الوَهْق، وأنشد الزمخشري في الأساس:
صادوهُ بالوَهْقِ وبالأوهاقِ‏
     ثم تطور معنى الوَهق قديما، لتدلّ على الحبس، قال الزمخشري: وَهَقَه عن كذا‏:‏ حبسه‏.‏ وفي التاج: وَهَقه عنه كوَعَده وهْقاً: حبَسَه وهو مَوْهوق. وهو معنى متطوّر قديم، وشاهده قول الحطيئة‏: 
 أسلموها في دمشقَ كما  *  أسلمتْ  وحشيّةٌ  وَهَقاً‏‏
    قال الزمخشري: وهقُها: ولدُها؛ لأنه يحبسُها .
     وأصابه تطور دلاليّ آخر قديم، ففي المحيط للصاحب: تَوَهَّقْتُ الرَّجلَ في الكلامِ إذا اضْطَرَرتُهُ فِيهِ إلى ما يَتَحيَّر فيه.


     ثم اتسعوا فيه ونقلوه إلى دلالةٍ معنويةٍ أرحب، وهي التورط، فقالوا: توهّقَ الرجلُ، أي: تورّط في أمرٍ ما، تشبيها له بالدابّة تصادُ بالوَهَق (أي بالحبلِ المعقود) فتعلَقُ فيه وتنحبسُ، فجرتْ كلمةُ التوهّقِ على ألسنتِهم لهذه الدلالةِ الرحبة، وهي التورّطُ في أي أمرٍ لا يُطيقُه الإنسان، أو يُطيقُه ولكنَه لا يرغبُ فيه أو يجدُ نفسَه مكرهاً على عملِه، ولا ندري متى كانَ هذا التوسعُ في الدلالة، وأحسبُ أنه قديم، لصلتِه الوثيقةِ بأصلِ المعنى للوهَقِ ولشيوعِه وانتشارِه في اللهجاتِ المعاصرةِ في أغلبِ بيئاتِ الجزيرةِ وقبائلِها، وأرى أن هذه الدلالةَ المعاصرةَ للتوهّقِ جديرةٌ بأن تدخلَ المعاجم.
    
أ.د. عبدالرزاق فراج الصاعدي
http://www.almajma3.org/vb/showthread.php?t=19 

الأحد، 28 أكتوبر 2012

القرار المجمعي الأول: الموقف من دراسة اللهجات العربية المعاصرة

يدعو المجمع أقسام اللغة العربية في الجامعات وطلاب الدراسات العليا إلى العناية باللهجات العربية المعاصرة، وجمعها من بيئاتها المختلفة، ودراستها دراسة لغوية منهجية، قائمة على الاستقراء والوصف والتحليل في مستوياتها الأربعة: الأصوات والأبنية والدلالة والتراكيب، لتحقيق الأهداف التالية: 



1- استخلاص الفصيح من مفرداتها ودلالاتها وتزويد المعاجم العربية بما أخلّت به من ذلك الفصيح.

2- تهذيب اللهجات مما علق بها من شوائب، وتقريبها من الفصحى. 

3- عزل العامّي الملحون، والتنبيه على لحنه وبعده عن العربية.

4- الكشف عن خصائص اللغة ونواميسها وأسرارها في التطور اللغوي، واستخلاص ما يفيد اللغة في نموّها المستمرّ، ويحميها من الفساد. 

5- ربطها بالقراءات القرآنيّة العشريّة، مع الاستئناس بالقراءات الشاذة.

6- ربطها باللهجات القديمة، للموازنة والاستنباط ، والوقوف على ما أصاب تلك اللهجات من تغيير. 

7- إتمام ما بدأه القدامى من جهود فذّة في جمع لهجات القبائل ووصفها.

8- الاقتداء بهم في العناية بكلام العوامّ والتأليف فيه لتهذيبه وتقريبه أو التحذير مما فيه من فساد.

ويرى المجمع أن دراسة اللهجات دراسة أكاديمية منهجية هي من واجبات أقسام اللغة العربية بالجامعات؛ لأن اللغة كائن حي يجب التعامل معه في كل مراحلِهِ قوةً وضعفاً، لوضع الخطط اللغوية التي تحمي اللغة ولا تعيق نموها الطبيعي المحمود.