الجمعة، 3 يناير، 2014

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (11)

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (11)

عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
1- لا يُوثق في الذاكرة فإنّها خؤون!! وقد خانتني في بعض المواضع من الذكريات، حين قلت في الذكريات (4) : إن زميلنا الذي ساجَلَ الدكتور عبدالمحسن القحطاني في رحلة أبحر هو عبدالمحسن الدوسري، والصواب أنه (محمد ناصر الدوسري).. وقلت في الذكريات (4) أيضا: إن ممن كان معنا من زملائنا في تلك الرحلة عبدالعزيز قدسي والصواب أنه (أسامة كردي) وهو الذي ظهر في الصورة المنشورة في ذلك المقال واقفا بجوار حسين بافقيه.. وقلت في الذكريات (10) إن أمسية فندق العطاس كانت لثلاثة من الشعراء، والحقيقة أنهم أربعة، فقد نسيت الشاعر أحمد عائل فقيهي، وحقه ألا ينسى، وهو رابعهم، وكان يجلس بجوار محمد الثبيتي، ومن قصائده في تلك الأمسية: (البكاء تحت خيمة القبيلة) وأحمد فقيهي من الشعراء الشباب في ذلك الوقت، وهو من جيل الثبيتي ومحمد جبر الحربي وعبدالله الصيخان.
2-وكان أساتذتنا في الجامعة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بقسم اللغة العربية يعنون كثيرا بتكليفنا بأبحاث ضمن أعمال كل مقرر، والتكليفات تتفاوت من أستاذ إلى آخر، فبعضهم يطلب بحثا صغيرا أشبه بمقالة في بضع صفحات، وبعضهم يطلب بحثا متكاملا لا يقلّ عن ثلاثين صفحة.. فكتبت في السنة الأولى أبحاثا هزيلة لا قيمة لها، كان هدفي منها الدرجة فحسب، وقد حصلت على مرادي، وفي السنة الثانية حصل لدي تحوّل خطير في فكري وأهدافي بتوجيه وتشجيع من بعض أساتذتي، فاكتشفت أسرار البحث العلمي وذقت لذّة الاكتشاف والوصول إلى المعلومة في مصادرها الأصلية، ولذّة توظيفها، وذقت حلاوة الإنجاز.
3- وكان أول بحث أكتبه وأنتشي بإنجازه بحث عند الدكتور عبدالله المعطاني في مقرر النقد القديم كان عنوانه (الوحدة العضوية والموضوعية في القصيدة العربية القديمة: دراسة نقدية) كتبت فيه 50 صفحة تقريبا، ووجد استحسانا من أستاذي المعطاني وأثني عليّ وعلى ما كتبت مع أنه لا يرقى إلى درجة بحث حقيقي، ولكنه راعى البدايات وقدّرها وأراد التشجيع والتعضيد، فأفادني هذا كثيرا وأوجد لديّ رغبة قوية في البحث، ظهرت بصورة أوضح في بحثي التالي في مقرر الأدب العباسي مع الدكتور ضيف الله هلال العتيبي (المتنبي ماله وما عليه) وقد حشدت له وقتا أطول ومصادر عديدة متنوعة على رأسها (الصبح المنبي عن حيثية المتنبي) ليوسف البديعي، وقد تحدثت عنه في مقالة سابقة (الذكريات 7)
4- أما بحثي الثالث فكان في مقرر (دراسات لغويّة في القراءات القرآنية) عند الدكتور محمد يعقوب تركستاني، وهو بحث من نوع مختلف، فهو فهرسة عامة لكتاب تراثي، إذ أراد منا أستاذنا أن نتعلم الفهرسة العلمية، فاختار لي كتابَ (تحبير التيسير) لابن الجزري، وطلب مني فهرسته فهرسة كاملة شاملة، ففعلت ذلك واستفدت فائدة كبيرة، وعرفت أسرار الفهرسة، وقيمتها العلمية، وما يعانيه المفهرس من مشقة، وتعلمت من أستاذنا أنّ الفهرسة مفاتيح الكتب وأنّ الكتاب غير المفهرس كنز لا مفتاح له!
5- وفي قسمنا كان الاهتمام بالجانب اللغوي أقل بكثير من العناية والحفاوة بالجانب الأدبي، وطغت المقررات الأدبية على المقررات اللغوية، وكانت الغلبة للأدب والنقد، وحتى مكتباتنا طُبعت بطابع الأدب والنقد.. ففوجئت لاحقا بعد تخرجي والتحاقي بالماجستير في اللغويات بالجامعة الإسلامية بأن حصيلتي في علم الصرف كحصيلة الأصمعي من علم العروض، أو أقل، وأدركت أنني أقل من المبتدئين في هذا العلم الدقيق؛ مع أنني متخرج في قسم لغةٍ عربية!، ويفترض أن أكون مُلمّاً بالصرف، ثم عرفت علة ذلك، وهي أننا لم ندرس شيئا يذكر من علم الصرف طيلة أربع سنوات قضيناها في قسم اللغة العربية، سوى إلماحة عابرة للميزان الصرفي وإلماحة لحروف الزيادة، ولذا واجهتُ مشقة كبيرة في فهم كلام الرضي في شرح شافية ابن الحاجب في الصرف، حين كان يشرحها لنا - أنا وزميلي (الدكتور) عبدالله بن محمد العتيبي في برنامج الماجستير بقسم اللغويات في الجامعة الإسلامية - أستاذُنا الكبير الدكتور عبدالعزيز فاخر -رحمه الله- وهو من كبار الصرفيّين المعاصرين في الوطن العربي، وله كتابان مشهوران عند دارسي العربية المعاصرين، وهما: توضيح الصرف وتوضيح النحو.
6- وقلت للدكتور عبدالعزيز فاخر: أنا لم أدرس شيئا في الصرف فعجب من قولي، وعامَلَني معاملة المبتدئين، ثم (وضعت هذا العلم في رأسي) كما يقولون، حتى تمكنت منه وصار أحبَّ العلوم إلى نفسي، فوجدت لذّتي وسلوتي في دقائق التصريف، ومعضلات الصرفيين القدامى كأبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وربما أعانني على ذلك أن الخارطة الذهنية لعقلي رياضية التكوين، وربما لو لم تقدني المصادفة إلى علوم اللغة والآداب لكنت فيزيائيا متخصصا في الفلك، وأحمد الله أن اختار لي علم العربية ويسّره، وحبّب إليّ علم التصريف وأصول اللغة، فكانت جُلّ أبحاثي متصلة بالتصريف.
 7- ومن المُرجّح أن زملائي كانوا يعانون مثلي من مشكلة الصرف، ولذلك أسباب، من أولها وأهمها أن القسم جعل الصرف ذيلا للنحو في كل مستوى من المستويات الستة، ولطول مقررات النحو، فإننا لم نكمل مقررا نحويا قط، فكان الفصل الدراسي ينتهي قبل أن نصل إلى موضوعات الصرف، ولم يكن لنا أن نشعر ونحن طلاب بذلك الخلل، بل إننا أحيانا نكون سببا في تأخير سير المقرر والحيلولة دون انتهائه بافتعالنا ما يشغل الأستاذ بطرق مشروعة وحيل لا يجيدها إلا الطلاب، وما أخبث الطلاب! وما أجهلهم وأبعدهم عن مصلحتهم!
8- وفي نهاية هذه الذكريات أقول: إنني وزملائي مدينون لقسم اللغة العربية في كلية الآداب ومدينون لأساتذتنا بالكثير الكثير.. فلا نملك لهم إلا الثناء الأجزل والشكر والعرفان والدعاء بالمثوبة.. (تمت ذكرياتي في جامعة المؤسس، وبدأتْ مرحلة جديدة في حياتي، في الجامعة الإسلامية، وهي مرحلة ثرية وحافلة.. ربما أكتب عنها لاحقا إن شاء الله ذلك)
* الجامعة الإسلامية -  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
   جريدة المدينة، ملحق الأربعاء: الجمعة 1435/3/2 هـ   2014/01/03 م     العدد : 18517

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (10)

 من ذكرياتي في جامعة المؤسس (10)
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
1- في تلك الحقبة (النصف الثاني من الثمانينات الميلادية) كنا محظوظين في قسمنا بالزخم الأدبي والحراك النقدي والنشاط العلمي المتوهّج بسبب التكوينات والتحوّلات والصراع المحتدم حول الحداثة، وقد وصل الزخم إلى الجامعة وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وبخاصة قسمنا (قسم اللغة العربية) واستقطبت بعضُ الأقسام في الجامعة شخصياتٍ علميةً ودعتهم إلى إلقاء محاضرات عامة.. ووصل الزخم أيضاً إلى نادي جدة الأدبي، فكان مورداً عذباً لطلاب كلية الآداب بمحاضراته المنبرية ومطبوعاته..
        2- وأذكر حدثين؛ الأول أن كلية الآداب استقطبت العلامة التركي (فؤاد سزكين) لإلقاء محاضرة عن تجربته في خدمة التراث العربي وتحقيق المخطوطات.. ألقى الدكتور سزكين محاضرته في المبنى القديم لكلية الآداب، وكعادة المتكلم يقلل من شأن نفسه تواضعاً، فذكر أنه شارك في خدمة تراث العربية بقدر طاقته، وبعد أن فرغ من كلمته دارت تعليقات ومناقشات وأولها مداخلة لأستاذ مصري فاضل من قسم الدراسات الإسلامية (نسيت اسمه الآن مع أن هيئته وصورته باقية في ذاكرتي) وأراد الأستاذ الفاضل أن يعلّق على كلام الدكتور سزكين وأن يثني على جهوده فذكر أنّ للأستاذ سزكين (سهماً) في خدمة التراث.. وكأنّ المداخلة لم تُرضِ ما في نفس الضيف المحاضر، فثارت ثائرته، وقال منفعلاً: بل لي (سهمان) في خدمة التراث فعلت وفعلت وفعلت.. وماذا فعلتم؟ (كأنّه يقول في نفسه: أيها العرب!) والحقّ أن الدكتور المداخل لم يخطئ في شيء، لكن يبدو أن المحاضر الكريم كان ينتظر منه ثناء أكبر مما سمعه في المداخلة.. ولعل له الحق في انتظار التقدير والثناء الأكمل كفاء ما قدمه للتراث الإسلامي، ويكفيه فخراً موسوعته (تاريخ التراث العربي) التي طبعت في جامعة الإمام محمد بن سعود.
3- أما الحدث الثاني فكان لقاؤنا نحن طلاب قسم اللغة العربية بالناقد المصري الكبير الدكتور صلاح فضل بترتيب وتدبير من أستاذنا الدكتور عبدالله الغذامي، على هامش استضافة النادي الأدبي للدكتور صلاح لإلقاء محاضرة بتاريخ 1 رجب 1407هـ بعنوان: ((إشكالية المنهج في النقد الحديث)) وفي اليوم التالي دعاه أستاذنا الغذامي ليكون ضيفا في محاضرته لنا، ويكون لقاء مفتوحا مع الطلاب، فجمع طلابه في مقرري (الأسلوب) و(النصوص الأدبية) وكنت أنا في النصوص، وطلب منا أن نثري اللقاء بالأسئلة والحوار، فكان لقاء جميلا مفيدا جلس فيه الأستاذان متجاورين أمامنا في مدرج كبير في مبنى كلية الآداب الجديد.. وهذه واحدة من حسنات الدكتور الغذامي الكثيرة ومن مظاهر اهتمامه بطلابه في تلك الحقبة الذهبية قبل أن يتغيّر لاحقاً..
4- وفي أيامنا كان النادي الأدبي بجدة في أوج نشاطه المنبري الأدبي والثقافي، يرأسه الأديب الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين، وكانت محاضراته في فندق العطاس بالبغدادية بجدة، ولطلاب قسمنا حضور ملفت لمحاضرات النادي، وبعض أساتذتنا من أعمدته كالدكتور عبدالله الغذامي نائب الرئيس والدكتور عبدالمحسن القحطاني والدكتور عبدالله المعطاني، في العضوية، وكنا نجد منهم الدعوة والتأييد والتشجيع لحضور الأنشطة الثقافية العامة للنادي، فكانت المحاضرات بفندق العطاس زاداً ثقافياً يضاف إلى تحصيلنا في الجامعة.
5- ومن أمسيات الشعر التي يقيمها النادي أمسية شعرية لا تنسى لثلاثة من الشعراء الشباب ممن يكتبون في شعر التفعيلة والشعر الحر، وهم محمد الثبيتي –رحمه الله - ومحمد جبر الحربي وعبدالله الصيخان، فألقى الصيخان قصيدته (فضة) وألقى بعده محمد جبر الحربي قصيدته (خديجة) أما محمد الثبيتي فقد أبهر الحضور وأمتعهم بقصائد من ديوان التضاريس، استهلّها بترتيلة البدء: (جئتُ عرّافاً لهذا الرملِ.. استقصي احتمالات السوادْ.!!) وكانت قصيدته (تغريدة القوافل والمطر) هي أيقونة التضاريس، وواسطة عقد الأمسية، كانت قصيدة مُشجية مثيرة للأسئلة، ومثيرة للنقاش والاختلاف، لم يتفق عليها الناس، ولهم فيها مذاهب، ومما قاله منها: (أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ.. صُبَّ لنا وطناً في الكُؤُوسْ.. يُدِيرُ الرُّؤُوسْ.. وزِدْنَا مِنَ الشَّاذِلِيَّةِ حتَّى تَفِيءَ السَّحَابَةْ..) وفي القصيدة مزيج من الرمز والخيال والتصوير والمفردات والتراكيب المكتنزة بالدلالة والإيحاء مما قد يعجز عن قول مثله كثير من الشعراء، على الرغم من سهولتها بادئ النظر، ومنها قوله (مَرُّوا خِفافاً على الرملِ.. يَنْتَعِلُونَ الوَجَى.. أسفرُوا عن وجوهٍ مِنَ الآلِ.. واكتَحلُوا بالدُّجَى) وقوله: (إنَّا سلكنا الغمامَ وسَالَتْ بنا الأرضُ) وقوله: (أيا مُورِقاً بالصبايا.. ويا مُترَعاً بلهيبِ المواويلِ.. أَشعلْتَ أغنيةَ العيسِ فاتَّسعَ الحُلم في رِئَتَيكْ!!) وقوله: (يا كاهنَ الحيِّ.. طالَ النوى.. كلَّما هَلَّ نجمٌ ثَنَينَا رقابَ المَطيِّ.. لِتَقْرأَ يا كاهنَ الحيِّ.. فَرَتِّلْ عَلَينَا هَزِيعاً مِنَ اللَّيلِ..) ومن قصيدة (البابلي) قال: (مسَّهُ الضُّـرُّ.. هذا البعيدُ القريبُ المُسَجَّى بأَجنحةِ الطيرِ.. شَاخَتْ على ساعديهِ الطحالب.. والنملُ يأكلُ أجفانَه!!) لقد كان الثبيتي في تلك الأمسية مثيرا للخيال والأسئلة، تفاعل معه الحضور، وأكرمه مدير الأمسية الدكتور الغذامي بالثناء الأوفر على شاعريته.
6- وفي محاضرةٍ تالية في النادي حين اشتدّ الصراع على الحداثة أذكر أن الدكتور منير ندا (وهو أستاذ فاضل من أساتذة كلية الآداب) أُعطي فرصة للمداخلة في محاضرة -لا أتذكّر عنوانها- فأخذ ينتقد منهج الحداثة ومنهج الدكتور الغذامي نفسه، وكان الدكتور منير كثير الاعتراض على الحداثيين في محاضرات النادي، يناكفهم في بعض المناسبات وينتقدهم ولكنه لا يخرج عن أدبيات الحوار، ويبدو أنه أثقل عليهم فلم يتحمّله الغذامي في ذلك المساء، ورد عليه بعنف وحقّره بكلمات جارحة صدمت مسامع الحاضرين وأدهشتهم، فسكت الدكتور منير وخرج من القاعة، ولم أره في محاضرات النادي فيما بعد.
(للحديث صلة)
* الجامعة الإسلامية -  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
جريدة المدينة، ملحق الأربعاء: الجمعة 1435/3/2 هـ   2014/01/03 م     العدد : 18517

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (9)

 من ذكرياتي في جامعة المؤسس (9)

عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
1-  وبعد تخرّجنا جاء للقسم عددٌ من الأساتذة، جدّدوا فيه الدماء، منهم على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور عبدالعزيز السبيّل، والدكتور سالم الخمّاش، والدكتور جميل المغربي، والدكتور منذر العياشي، والدكتور حسن النعمي، والدكتور سعود أبو تاكي، وكان في القسم مجموعة من الطلاب المميزين التحقوا به بعد دفعتنا تلك، كان لهم شأن فيما بعد، ومنهم: يحيى الحكمي (عميد كلية الآداب بجامعة جازان حاليا) وفهد الشريف (المشرف على هذا الملحق) ونوح الشهري ومجدي بامخرمة ومروان قمّاش أعضاء القسم حاليا، ومحمد المنقري ناقد، وغيرهم كثر.
2-وربما كان ما يميّز جيلنا في تلك الحقبة الذهبية التعطشُ الثقافي والمعرفي والقراءة الواعية، وهو أمر رأيته ولمسته لدى كلّ الزملاء تقريبا، لكنّ ثلاثة من زملائي لفتوا نظري بسعة اطلاعهم، وشغفهم بالكتاب والقراءة، وهم: حسين بافقيه وأحمد سعيد قشاش وناجي محمدو عبدالجليل حين، ولكلٍّ منهم شخصيته الثقافية الخاصة..
3- وحين أذكر "ناجي حين" أذكر حبه للمعرفة ونهمه للثقافة في شتى أنواعها، وأتذكّر الآن أمراً، وهو أني سمعته مرة في محاضرة - عند الدكتور علي البطل ذات مساء - يسأل عن (الأثرم) من علماء اللغة القدامى الذين يروون عن أبي عبيدة وعن هشام بن السائب الكلبي.. ولفت نظري السؤال ولا أتذكّر التفاصيل، لكن علق في ذهني اسم الأثرم، وتعجّبت كيف عرفه ناجي وتسلّط عليه من بين اللغويين حين كنا مأخوذين بالخليل وسيبويه؟! ومنذ ذلك اليوم لا أرى اسم الأثرم اللغويّ في مصدر إلا أتذكر زميلي الدكتور ناجي حين، ولعله نسي الأمر لكونه سؤالاً عابراً، لكنْ ثمة أحداثٌ صغيرة "تنحفر" في الذاكرة لأمرٍ ما فلا تنسى.. ومن صفات ناجي (الدكتور فيما بعد) غير سعة الاطلاع والنباهة أنه حلو المعشر عذب الكلمة حاضر النكتة والطرفة، يُؤنس بقربه وبمجلسه، لا يُملّ حديثه.
4- أما حسين بافقيه فربما كان أيقونة دفعتنا، له حضور كرائحة البخور، يتغلغل في المكان، وينثر الأسئلة أينما حلّ، عرفته عاشقا للكتاب والثقافة واسعَ الاطلاع كناجي، صاحب حظّ وافر من الذكاء والفطنة، كلمته عذبة أنيقة جذابة.. أسّس نواة مكتبته قبل الجامعة، وكان يذكر لنا شخصيّات أدبية زارها حين كان طالبا في الثانوية العامة، منهم الأديب السعودي الكبير محمد حسين زيدان.. كان حسين بافقيه شغوفا بالأدب والنقد خاصة، والثقافة الأصيلة، مأخوذا بفكر العوّاد والنابهين من الروّاد، فأصبح  أديباً ناقدا وباحثا في التاريخ الثقافي.. وأخرج فيما بعد مؤلفات تدل على علمه وأدبه، ومن أجمل ما قرأته له كتابه (ذاكرة الرواق وحلم المطبعة) يؤرّخ لأصول الثقافة الحديثة في مكة المكرمة، ويعدّ مرجعا مهما لمن يريد الاطلاع على تاريخنا الثقافي بعامة وتاريخ مكة بخاصة في القرن الماضي، وكذلك كتابه (إطلالة على المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية) وكتاباته المتنوعة عن عبدالله عبدالجبّار.. ومن سمات حسين بافقيه أنه صاحب قلم أدبي سيّال، وهبه الله صبر الباحثين وجلدهم، وأراه يكتب ليستمتع أولاً، فالكتابة عنده متعة وتذوّق.
5- وأذكر أنه كان يخبرنا عمّا يقف عليه من نفائس الكتب في المكتبات التجارية بجدة ومكة، وكنا نفعل الشيء ذاته معه ومع سائر الزملاء، فالكتاب كان همّنا جميعا، وسلوتنا ومتعتنا وأنيسنا في خلوتنا، وكان أساتذتنا يرشدوننا إلى أفضل الطبعات، ويعجبون من حماستنا وتسابقنا إلى اقتناء الكتب.. وأذكر أن حسيناً بافقيه ذكر لي يوماً أنه رأى الطبعة التونسية من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني في مكتبة الشروق بكيلو 3 للوراق الأديب الأستاذ محسن باروم، فكنت أتقلقل في محاضرة الأدب الأندلسي عند الدكتور أحمد النعمي –رحمه الله- فلما انتهت المحاضرة كنت آخذاً طريقي إلى مكتبة الشروق بصحبة بخيت سعد، فلا تسأل عن فرحتي وسعادتي  وأنا أبتاع نسختي من الأغاني في 25 مجلداً، وهي طبعة في غاية النفاسة، وكلما أفتحها اليوم أذكر مكتبة الشروق وحسين بافقيه.. ولحسن الحظ رأيت في المكتبة نسخة خطية مصورة على هيئتها، في مجلدين، كُتب عليها (معجم الروحة في الضاد والظاء للجرباذقاني) قال لي البائع: ثمنها 500 ريال، كان المبلغ كبيرا على ميزانية طالب، ولكنني لم أستطع مقاومة الرغبة في اقتنائها، فدفعت المبلغ بعد تردد، ثم شغلت عنها بالدراسة فلم أقرأها ونسيتها بين كتبي ولم أفطن لأهميتها البالغة حتى كان عام 1418هـ كنت حينئذ أبحث عن مخطوط مناسب لأحققه ضمن أبحاث الترقية إلى أستاذ مشارك، فتناولت مخطوطة الروحة، فاكتشفت أنها كنز لغوي نفيس جدا، كنز لغوي في مكتبتي غفلت عنه، إذ كتبها الجرباذقاني بخطة سنة 374هـ فحققت منها باب العين، وأعطيت الباقي بعض طلابي فانتفعوا بها في رسائل ماجستير وأبحاث ترقية، وحلّت فيها بركة، وبعض المخطوطات مباركة.
6- أما أحمد سعيد قشاش فشهادتي فيه مجروحة، الصديق الخاص، المميّز، لم أرَ له مثيلا في الجدّيّة والحزم في شتّى أموره، فهو جادٌّ حتى إن الجدّ يستحي منه، وهو ذكي ومنظم وصبور، يتصرّف بعفويّة محبّبة إلى النفوس، فتراه أبعد الناس من التكلّف، وأبعدهم من الغرور، وأقربهم إلى لطف التعامل وسهولته، وكان من أكثرنا رغبة في استثمار الوقت وتحصيل العلم.. أعدّه من أقرب زملائي إلى نفسي، وبيننا طبائع مشتركة، وكنا في القسم ننسق جدولينا لنكون في قاعة واحدة.. تخرّج بعدي بسنة فلحق بنا في الجامعة الإسلامية وعُيّن معيدا في كلية اللغة العربية، وكنا نسكن متجاورين في العزيزية بالمدينة لمدة تسع سنوات.. ثم انتقل مؤخّرا إلى جامعة الباحة فرع بلجرشي، ويعدّ انتقاله خسارة كبيرة  لقسم اللغويّات بالجامعة الإسلامية.. ولا يذكر الدكتور أحمد قشاش دون أن تذكر موسوعته النفيسة (النبات في جبال الحجاز والسراة) في مجلدين كبيرين أنيقين، وهي من أفضل ما كتب عن النبات في هذه المنطقة، وكان عمله ثمرة سنوات من البحث الميداني المضني والتتبع والسفر والتصوير الشخصي، فأخرج كتابا نفيسا نافعا، ولم يزل يواصل البحث والعمل في موسوعة النبات وأعمال أخرى متنوعة تميز بها عن غيره.
 (للحديث صلة)
* الجامعة الإسلامية -  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
 جريدة المدينة، ملحق الأربعاء

الجمعة 1435/3/2 هـ   2014/01/03 م     العدد : 18517

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (8)

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (8)

عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
1- وفي عام 1408هــ كنا ندرس مقرر (دراسات لغويّة في القراءات القرآنية) على الدكتور محمد يعقوب تركستاني، كان موعد المحاضرة الساعة الثامنة صباحاً، وللدكتور محمد يعقوب هيبة وإجلال، وتكتنف محاضراته سكينة ويعلوها وقار قلّ مثيله، فمن النادر أن تسمع صوتاً أو تشويشاً، فكاّنَّ الوقار ينتقل إلينا من أستاذنا أو ينزل علينا نزولاً من سقف القاعة، وحتى أشد الطلاب حيويّة ومشاغبة ومداعبة ومرحاً وصخباً وطيبة قلب (عطيّة الزهراني) تعتريه السكينة المفاجئة في محاضرات الدكتور، فالكل بلا استثناء يلتزم الهدوء والوقار بعقد غير مكتوب ولا منطوق، وكنت -ولم أزل- من أكثر الطلاب إجلالاً وتأثّراً بأستاذي، أستحيي منه وأقتبس من علمه وفوائده وحكمته، حتى إن الدكتور عمر الطيّب الساسي لاحظ تأثّري بأستاذي التركستاني فقال لي في مداعبة عابرة ذات يومٍ في مكتبه الجديد: (أنت عبدالرزاق فراج الحربي نسباً، التركستاني ولاءً!) قالها على طريقة أصحاب التراجم!
2- وفي يوم من أيام تلك المحاضرة، تأخّرتُ عشر دقائق، إذ غلبني النوم، فجئت إلى القاعة مسرعاً مرتبكاً، فليس من عادتي التأخّر ولا الغياب، فاستأذنت ودخلت، وكان مقعدي أمامه فارغاً، فقادتني قدمايَ إلى آخر القاعة وجلست في الصفّ الأخير وتركت مقعدي.. لا أدري لماذا فعلتُ ذلك؟ لعله الحياء من الدكتور إذ جئتُ بعده متأخراً، ولعله معاقبة لنفسي على التأخّر، فلا أذكر أنني غبت محاضرة واحدة طيلة أربع سنوات مدة دراستي في الجامعة سوى هذه الدقائق العشر، ولذا بقيت محفورة في ذاكرتي لا أنساها.
3- وفي نهاية الفصل الدراسي حصل موقف عفويٌّ منّي أغضب جميع زملائي، وخلاصته أن أستاذنا التركستاني كان يكلّفنا بتحضيرات كثيرة، لكلّ محاضرة، ويطلب منا تدوينها ومناقشتها في مستهلّ الدرس، وحتى يضمن الجدية قال لنا: اجمعوا تحضيراتكم وتعليقاتكم في نهاية الفصل وقدِّموها لي مصوّرة مع البحث الذي ستكلّفون به، لتكون جزءا من درجة أعمال الفصل، فأخذت الأمر على محمل الجدّ، فلما كانت المحاضرة الأخيرة جئتُ بملزمة كبيرة في نحو 100 صفحة هي تحضيراتي للمقرر والفوائد التي دونتها مما أسمعه منه في أثناء المحاضرة، وقدّمتها له بعفوية أمام زملائي، فتذكر الدكتور وكان ناسياً ويبدو أن زملائي نَسُوا ذلك أيضا أو تناسوه ولا يريدون أن يتذكّر الدكتور أو يُذكّر، فسألهم عن تحضيراتهم، وطلب منهم أن يأتوا بها مع البحث إلى مكتبه قبل الاختبار.. كانت صدمة!! ويبدو أن أكثرهم لم يكن جاهزاً ولا مستعداً، أما أنا فأسفت واعتراني حَرَجٌ شديد، فلما خرجنا من المحاضرة انهال عليّ اللوم من زملائي، وعاتبني عدد منهم، وسكت بعضهم، وكان أكثرهم عتاباً حسين الأسمري، قال لي: يا أخي حرام عليك!! الدكتور كان ناسياً الأمر تماماً وتأتي أنت لتذكره وتورّطنا؟ فاعتذرت لهم بأنني تصرّفت بحسن نيّة وعفوية مطلقة، وظننت أن تحضيراتكم جاهزة ومعدّة وقدّرتُ أن الدكتور سيطلبها منا لا محالة.. والحقيقة أنني في عرف الطلاب أخطأت، وكم بين الطّلّاب من أدبيّات يجب أن تحترم!!
4- واستمرت صلتي بالدكتور محمد يعقوب، بعد تخرجي، فعملت معه مدة قصيرة في ملحق التراث، بجريدة المدينة بشارع الصحافة بجوار نادي الاتحاد، كان هو يوشك أن يعود إلى الجامعة الإسلامية لانتهاء مدة الإعارة، وأنا على وشك التخرج، وكنت موعوداً أو شبه موعود بوظيفة معيد في قسمي الذي أحببته، في جامعة المؤسس، وكأنّ الدكتور محمداً أراد أن أساعده في الإشراف على ملحق التراث حين يذهب هو إلى المدينة، فعايشته في الجريدة عدة أسابيع، وعرفتُ طريقته في الإشراف على الملحق، وكيف يجمع المادة ويصنفها ويهيئها، وكيف يصنع (بروفة) العدد ويضع كل مادة في مكانها، بوضع ما يسمّى بالسُّلَخ في أماكنها، بغَراءٍ خاص، ثم يراجعها، ويضع عليها لمساته الأخيرة، وكثيرا ما كان يضبط بقلمه الخاص ضبطاً مُتقناً يظنّه القارئ من أصل النصّ المطبوع، لقد كان إعداد العدد أمراً شاقاً، ليس كاليوم، إذ كانت جميع المقالات تصل ورقية، وتصفّ في الجريدة، وكان من أدواري المراجعة، وكنت أتململ وأنا مَلُول، وفي أستاذنا جلد وصبر وثبات، فكان درساً أخر أتعلمه منه خارج الجامعة: الدّقّة والصّبر والثّبات.
5- وشاء الله أن أتخرّج ويرجع أستاذي محمد يعقوب إلى المدينة، لجامعته الإسلامية، بعد انتهاء مدة إعارته، أما أنا فكنت حائراً وأمامي مفترق طرق، وكنت موعوداً في قسمي بوظيفة معيد، وكان ممن ألمح إلى ذلك رئيس القسم الدكتور حسين الذواد وبعض رجالات القسم الكبار ممن درستُ عليهم، ولكنْ حدث أمرٌ غيّر اتجاه البوصلة، فقد كان الدكتور محمد يعقوب في الإجازة في دورة لتعليم اللغة العربية خارج المملكة، في ماليزيا، وكان معه الدكتور علي بن ناصر فقيهي وكيل الجامعة الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي آنذاك (في عام 1408هـ وما بعدها) فطلب الدكتور فقيهي من أستاذنا التركستاني أن يرشح لقسم اللغويات بالجامعة الإسلامية معيدِين، ممن يثق بهم، وكان رئيس القسم في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية حينئذ، الدكتور علي بن سلطان الحكمي، رحمه الله، والعميد الدكتور محمد بن حمود الدعجاني، فلما عاد الدكتور محمد يعقوب هاتفني وأخبرني بالأمر، وطلب مني أن أتوجه للجامعة الإسلامية، إن كان عندي رغبة، وقال لي لما رأى تردّدي: جرّبْ، ولعل الله يكتب لك خيراً هناك، في المدينة، مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. وقد كان.
(للحديث صلة)
  جريدة المدينة، ملحق الأربعاء، الجمعة 1435/3/2 هـ   2014/01/03 م     العدد : 18517