الاثنين، 24 مارس، 2014

المجمعيون السعوديون الخالدون 11 كوكبا

     قدمت مجامع اللغة العربية خدمة جليلة للعربية المعاصرة وسعت إلى تطويرها واستيعابها للعلوم والمصطلحات، ولكن نشاط تلك المجامع وأثرها كان أقل من المأمول لأسباب عديدة، ليس هذا مكان حصرها، منها ما يتصل بمحدودية إمكانات مجامعنا وافتقارها إلى السلطة الحامية لقرارتها، ومنها أن ثمة أمورا تتصل بأعضاء المجمع أنفسهم إذ يفتقرون في الجملة إلى الحيوية وروح الشباب؛ لأن أكثرهم وربما جميعهم طاعنون في السن، ولعل أصغرهم تجاوز الستين وربما السبعين. وإن كنتَ تجد عند المسنين الخبرة والحكمة وثراء التجربة فإنك لا تجد روح الشباب والحماسة للعطاء والإنجاز والقدرة الكاملة على إعداد البحوث النظرية والميدانية، فهؤلاء الأعضاء الخالدون وصلوا إلى مرحلة التشبع العلمي وأبطأت عجلة الحافز لديهم، فيكفيهم عند أنفسهم أن ينضمّوا إلى الخالدين وتشهد لهم بذلك سجلات المجمع،  فلا بأس حينئذ أن ينام بعضهم في اجتماعات المجمع، فالحضور عند بعضهم تشريف وليس بحثا عن إنجاز علمي حقيقي، فقد حققوا مرادهم بعضوية  المجمع وتوّجوا عطاءهم به، وليس لديهم ما يقدمونه سوى التوجيه والاستشارة، بعد عمر حافل تجاوز السبعين أو الثمانين.
      وهم وإن أرادوا فعل شيء كبير فإن أجسادهم وعيونهم لن تطاوعهم. فليت مجامعنا تعيد النظر في شرط السن للعضوية. أليس الأحسن والأجدى والأنفع أن يكون ثلث الأعضاء فقط فوق الستين وثلثهم تحت الستين والثلث الآخر في الأربعين؟
    والمجمعيون السعوديون الخالدون أحد عشر كوكبا، أقدمهم حمد الجاسر، فقد كان انضمامه لمجمع القاهرة بتاريخ 1378هـ/ 1959م ، وجاء بعده عشرة أعضاء هم: عبدالله بن خميس، وحسن القرشي، وعبدالعزيز الرفاعي، ويحيى المعلمي، وابن عقيل الظاهري (ولم يحضر أيا من اجتماعاتهم) وأحمد الضبيب، ومحمد الربيّع، وعوض القوزي، وعبدالعزيز بن عثمان التويجري، وأخيرا عائض الردادي.. وبعضهم أعضاء عاملون وبعضهم أعضاء مراسلون، والحقيقة أن عضوية السعوديين (وغيرهم) يكتنفها الكثير من المجاملات وتأثيرات منصب العضو عند ترشيحه، ولعل أكثر الأعضاء السعوديين استحقاقا للعضوية العاملة حمد الجاسر وابن خميس، فهذان انضما بمجهودهما العلمي. وهناك أعضاء يستحقون العضوية ولم يحصلوا عليها، منهم محمد يعقوب تركستاني وسليمان العايد وتركي بن سهو العتيبي على سبيل المثال لا الحصر. 
       ثم إن المملكة مؤهلة وجديرة بإنشاء مجمع لغوي سعودي، وكل الأسباب والظروف والدوافع والإمكانات والمكان والمكانة تؤكد هذا.. ولكن المجمع طال انتظاره.
عبدالرزاق الصاعدي
22/ 5/ 1435هـ 

السبت، 15 مارس، 2014

رفع التكلفة عن صوت القفقفة!

رفع التكلفة عن صوت القفقفة!
بسم الله الرحمن الرحيم
    كنت قد التزمت بالإمساك عن العودة لمناقشة صوت القيف، لا لعارضٍ إلا ظني باكتفائي بما أسلفت، ولأن التزامي عارضه التزام سبقه مع أخي حامد الغامدي، ولمكانته ومكانة المجمع وصاحبه وأعضائه في نفسي فسيكون هذا – بإذن الله- تعليقي الأخير على المسألة، حبًا وكرامة،  وأود أن أشكر أولاً أخي حامد على استدراكه المهم وإثارته بعض النقاط الحقيقة بالنظر صدقا،  وتفصيل هذا الرد وموجزه– بعون الله – في النقاط التالية:

1-     ذُكِر في التعقيب أن ما اصطلح عليه بالفونيم في الدراسات الصوتية متعلق بالتجريد Abstaction ، وأقول هذا صوابٌ لا غبار عليه في جانب أن الفونيم هو الصورة العقلية (الرئيسة) Underlying Representation   لصوتٍ أو حزمة أصوات. وفي الجانب الواقعي والصورة المتحققة فكلمة  phoneme أصلاً مأخوذة من كلمة إغريقية تعني الصوت، فهو صوتٌ بخواص وسمات مميزة أهمها فرقه في المعنى، ولكي لا أتحدث بحديثي ويكون كلامنا في المبحث علميًا مرجعيًا دقيقا فسأحيل على بعض المراجع اليسيرة المعتمدة المتوفرة لي في هذه اللحظات، فربما تعلمون سفري وابتعادي عن منزلي ومكتبتي أيها الأحبة وإلا لأتيت بأكثر من التي سأعرض للمسألة نفسها بين قديمٍ وحديثٍ عند أهل الفن، ومنها معجم Longman للغويات:
وفيه النص على أن الفونيم أصغر وحدة صوتية دالةٍ على معنى يفرق لفظين، وهذه ترجمة نصية لما ورد في المعجم، ومثل لها بصوتي p & b  ، في كلمتي pan & ban

 ويندرج  تحته ما يصطلح عليه "بالألفون" – وأسميه التنوع الصوتي -وتعريفه بإيجازٍ شديد : A different variant of a phoneme ، فهو لونٌ صوتي لا يفرق في المعنى لصوت فارقٍ في المعنى، فصوت p هو الصوت الرئيس الأساس في حزمة أصواته، مثل spin  ، وقد يكون غير مطلق الانفجار حين يقع آخرا Unreleased stop  في مثل Overlap  ، وربما يكون مصحوبًا بهاء النفس حين يقع أولا ، في مثل pin  ، فهذه تنوعات لصوتٍ رئيسٍ واحد كما يتضح ، ربما لا تدرك تلك التنوعات في السمع بسهولة كأمثلة هذه التنوعات، وربما تدرك بسهولة في نطق مثل كلمة button
bʌtn̩ - bʌɾn̩ - bʌʔn̩   : فيكون كتابتها منطوقة بالعربية: بتـن/ بئن/ بدن ، وهذه أصواتٌ الفرق فيها واضح لأذن السامع.

ومن هنا فهذا الصوت وقع صورة عقلية لتحققه رمزًا للأصوات التي يدل عليها أي وقوعها في حيزه ووقوعه بنفسه أصلاً في حيز السماع وإلا لحق التساؤل كيف يعد ذلك الصوت رمزًا وصورةً عقلية ما لم يقع صوتا يدركه السمع حقيقة؟ بل هو أكثر ما يدركه السمع ولذلك رمز للأصوات ذات الاختلافات الدقيقة غير البينة في السمع أكثر الأحيان في حزمته به، وهو إشكالٌ يقع فيه بعض الباحثين ولا تثريب فالمسألة دقيقة، إذ إن بين الصوت المستقل (الفونيم) والصوت التابع (الألفون) بعض التداخل والتعقيد في بعض الصور الدقيقة، وقد ذهب بعض الصوتيين بالفعل إلى أن الفونيم ليس إلا رمزًا لا صوتًا، ولكن لم يستطع أحد من القائلين بذلك إثباته، فكل التعريفات المتداخلة المعقدة للفونيم القائمة على كونه صورة عقلية مدركة لا تبعد عن وصفه بكونه صوتًا أو رمزًا لأصوات أو قائدًا لأصوات مشتركة اشتراكًا أساسيًا في صفاتها، ولو روجع معظمها  لوجدناه مضطرًا إلى وصف الفونيم بطريقٍ أو بأخرى بالصوت ولو التفافا، ولنوضح كل ذلك أكثر نسأل بصورة أوضح: إن قلنا أن الصوت المستقل متعلق بالإدراك فكيف وقع إدراكه؟ وما خوله ليرمز له بذلك الإدراك ويتعلق به؟ أليس إلا وقوعه حقيقة في السمع في أكثر أحواله وأظهر أشكاله وقوعًا غير مدرك التفاصيل الدقيقة في غالب الأحيان؟ والجواب الميسر عن هذا السؤال باختصار، هو أن الفونيم صوت بذاته، وهو كذلك ألفون لأنه ببساطة يحسب في جملة أصوات الفونيم نفسه الذي يمثله ويتحقق في صورة الصوت الرئيس  basic allophone الأشمل أو الأكثر وقوعًا في السمع  elsewhere وذلك لأنه الأكثر تخلصًا من القيود الصوتية constraints  في مواضع وقوعه.  ولم ينكر أن الفونيم صوتٌ واقع حتى أوائل القائلين بأهمية تصنيفه كمدرك عقلي أولا، ولا يتصور منهم غير ذلك أصلا إذ سيكون ضربًا من غير المفهوم وغير المنطقي، ومن هؤلاء De Courtenay  و Kreszewski و Trobetskoy و Jacobson وغيرهم. بل إن صاحب المقال الشهير في هذا الباب Edward Sapir الذي بث فيه نظريته وتصوره عن الإدراك جعل عنوانه: “The Psychological Reality of The Phoneme   والعنوان نفسه يوضح ذلك، وجاء في مقالته المذكورة ما فحواه أن "إدراك أي كيان ليس مجرد الناتج الحيوي للعمليات والخصائص الفيزيائية لذلك الكيان، ولكنه يدرك ويستقبل كذلك ناتجا عن نظام معقد من العلاقات. " وعمومًا فهذه المسألة محل بحث ونظر الصوتيين في العالم ولا يتسع المجال هنا للإتيان على كل ما يتعلق بهذه القضايا، فربما تجد في كتب الصوتيات ما يناقش تحت اسم  Complicating Factors، وقد جرى الاصطلاح ، عمومًا ، على أن يعامل الفونيم كرمز إدراكي مجرد لصوت معين تدرج تحته تنوعاته الصوتية، وإلا فلا خلاف في أن الفونيم صوت منطوق بل هو الأكثر نطقًا وترددًا في حزمته، ولا أدل على ذلك من أن جدول الأصوات العالمي يستخدم رموزًا صوتيةً موحدة للفونيمات أو الأصوات الرئيسة، في حين يكون تمثيل الألفونات المتنوعة في ما سوى الصوت الرئيس بالحركات أو الإشارات Diacritics  . ولعل المقصود اتضح بما تقدم.


2-     من حيث ذكر التوزيع التكاملي وأن لا علاقة له بصوت القيف، وأن صوت القيف هو تنوعٌ حر في بعض لغات العرب فهذا تأكيدٌ لما سبق قوله ولم يخالف شيئًا مما ذكرتُ في كلامي سابقا، ولم أناقش وجود توزيعٍ تكامليٍ للقيف أو أزعم ذلك، بل جاء ذكري لهذا المصطلح عرضًا عامًا كمصطلح خاصٍ بالصوت المستقل مقابلٍ للمصطلحات المختصة بتنوعات التوابع الصوتية كالتنويع الحر والموضعي وغيرها. وتعليقي السابق موجودٌ في حسابي وحساب المجمع وحساب شيخي د. عبد الرزاق الصاعدي وغيره ممن تكرم بنشره يمكن الرجوع إليه.

3-     من حيث كون بحث الكلمات الدخيلة على لغةٍ ما المستعملة فيها – أيًا ما كان استعمالها- يناقض قواعد الصوتيات وأن التنبؤ الصوتي ليس من مباحث الصوتيين فنقول مع الاستعانة بالله وحده سبحانه - إن الرد مختصرًا يكون من وجوه توضح الصواب إن شاء الله، منها مثالاً لا حصرا:

1-     إن من مبادئ نظرية الإدراك نفسها التي تفضلتَ بالإشارة إليها وقام بها سابير استخلصت بعد إجرائها على بعض الأشخاص الذين أنكروا وجود أصواتٍ بتراكيبَ معينةٍ في لغاتهم ورفضوا قبولها بذلك التركيب قانعين أنها صورة لا توجد في لغاتهم، قادت سابير إلى استخلاص أن المعرفة الفردية الذاتية لكل فرد بلغته تمكنه من "التنبؤ" بالكلمات الممكنة والكلمات غير الممكنة في لغته تلك. وهذه القدرةاللغوية المعرفية الفردية للتنبؤ بالممكن والمناسب للفرد العادي غير المتخصص ، فما بالك بالمتخصص الذي درس العلاقات المتداخلة بين هذه التراكيب دراسة عميقة دقيقة؟! ولو طبقنا هذا افتراضا على أي عربي فلا شك أنه لن يستسيغ جوجل وغوغل وإنجلترا وإدغار وشيكاغو أو شيكاجو وهلم جرا .. وسيكون القيف أنقى التمثيلات الصوتية وهو ما يطبقه العرب بالفعل 

2-     ثم إن من أبواب الصوتيات الوظيفية الرئيسة   Possible language Possible Words vs. Actual Words ، والقواعد والقيود Rules and Constraints  التي تناقش الممكن في لغةٍ دون أخرى حسب قيودها وقواعدها الصوتية وإجرائها قوانينها على الكلمات الدخيلة والطارئة خصوصا، ومن ذلك مثلاً أن من قيود اليابانية عدم اجتماع صامتين أو أكثر Consonant Clusters فهي لغة عالية المقطعية Syllabic ، وتنتهي دائمًا بصائت، فلما دخلت عليها كلمة Strike  الإنجليزية تحولت بعد خضوعها لقانون اليابانية إلى ٍSuturiku ، فأصبح كل صامت في مقطع وزيد صائت في الموضع الأخير. ومن ثم أمكن للصوتيين التنبؤ بما قد يستجد للكلمات الطارئة الدخيلة على لغةٍ ما بعد دراسة قواعدها وقيودها الصوتية وكذا التنبؤ بما هو مناسبٌ من الكلمات لأن يكون من تلك اللغة أم لا حسب قواعدها و قيودها. وكذا في العربية مثلاً من قيودها ألا يقع بعد المد الطويل حرفٌ ساكن، فلما دخلت مثلا كلمة Cancel و Handle الاستخدام اليوم تحولتا عبر القانون العربي إلى كنسل وهندل لا كانسل وهاندل مثلا، وعليه فلا حرج في التنبؤ بما سيعرض مثلا لقوقل وشيكاغو ولاس فيجاس – لاحظ أن كل واحدة اشتهرت برسم صوتٍ مختلف!- بعد تأثرها الزمني بالقانون العربي، وهذه إشكالية حلها واضح متمثل في القيف عجيب التمنع عنه ولنأخذ مثالاُ على كلمة "الإنكليزية" المعربة على استحياء! أيها أنقى في السمع الإنجليزية أم الإنغليزية؟! .. أم القيفية؟!

3-     لم يناقض الاستشهاد بقوقل وغيرها – وإن أشكل – أبسط قواعد الصوتيات الوظيفية استدلالاً بما سبق، ولن يناقض أعقدها وأحدثها، ألا وهي نظرية الأمثلية المولودة قريبًا وقبل عقد من الزمن، قدمها صاحباها Prince & Smolensky  -كما يقولان- لأن النظريات الصوتية السابقة لم تستطع إعطاء إجابة أنموذجية على السؤال الصوتي " الجوهري!" – كما يوصف-  : What is a possible language? وكيف يمكن للصوتيات التوليدية القائمة على القيود أن تحل محل الصوتيات التقليدية القائمة على القواعد في التنبؤ بالحدود الممكنة أو الممنوعة للتبديلات الوظيفية الصوتية "للمدخلات المعجمية" في لغة ما و"قيود البناء الصرفي" التي تخضع لها ، والنظرية قائمة كلها على الاحتمالية بناء على تلك الأسس، فلم يكن نقاشنا حول التغير الطارئ مستقبلا على الألفاظ الدخيلة بدعًا من العلم أو خارجًا عليه، بل يوافق جوهر مباحثه قديمها وحديثها، بل إن تمارين التنبؤ والاحتمالات تملأ كتب الصوتيات خاصة الحديث منها، وكلمة Prediction تنبؤ" ومرادفاتها منثورة بين طيات تلك المصنفات . والله أعلى وأعلم.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وانفع بنا أمة البيان ولغة القرآن، إنك أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم آمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تمت بحمد الله.

علي بن عبد العزيز الجبيلان.

الخميس، 13 مارس، 2014

تحذير من الخلط بين اللهجات الفصيحة والعاميات

تحذير من الخلط بين اللهجات الفصيحة والعامّيّات
        الحقيقة أن التعامل مع العامية من أصعب ما يكون، وعلى من يتعامل معها أن يحسن التعامل، وأن يضع نصب عينيه خدمة الفصحى وإثراء معجمها، فالعامية حين نقولها بإطلاقها هي خليط عجيب من الفصحى واللهجات الفصيحة ومن العاميات المحرفة المبتذلة، على اختلاف في مقدار كل نوع، وحين نستعمل مصطلح العامية بدقة فإننا نعني الجانب المنحرف من اللغة في أصواتها وأبنيتها وتراكيبها النحوية.
        فما الذي يجب علينا تجاه ذلك؟ يجب علينا أولا  أن نميز اللهجات الفصيحة من العامية، فالخلط بينهما من أخطر ما يكون، وفيه ظلم كبير للهجات فصاح، وللأسف رأيت أكاديميين يخلطون بين اللهجات والعاميات أشد الخلط وأقبحه، ولا يميزون لهجة فصيحة من عامية، ويرون أو يظنون أن كل ذلك عامي أو عاميات، وفي هذا يكمن الخطأ والخلل.  
         وحين نستخدم المصطلحين معا فإن الأمر يتضح أكثر، فنعني بالعامي أو العامية  كل ما فسد من اللغة، ونعني باللهجة كل ما كان له أصل وجاء على سنن لغة (لهجة) من لغات العرب القديمة التي نقلت إلينا. على أنه ينبغي أن نحذر حين نتعامل مع العامية فكثير مما نظن أنه من العامّيّ ما هو في الحقيقة إلا لهجة فصيحة مدفونة أو مختبئة فغفلنا عنها. وينبغي أيضا أن نعلم أن من يتكلم بلهجة فصيحة إنما يجري على لسانه كثير من العامّيّ، فالمعتبر إذن ليس المتكلم في ذاته ولا بيئته بل المعتبر هو الكلام أو النص (وهذا في غاية الأهمية وربما الغموض عند بعضنا) فينبغي أن نحكم على الكلام، فنقول هذا من اللهجات (ونعني به ما وجدنا له أصلاً فصيحاً) وهذا من العامي (ونعني به الجانب الفاسد في كلام المتكلم) ولذا قلتُ: إن اللهجات والعامية متداخلتان، فعلى اللغوي الحذر والدقة في المصطلح، وأن يحدد هدفه ويحرر منهجه.
      وأرى أن الاشتغال باللهجات عمل شريف يخدم الفصحى، وأن محاولة تهذيب العاميات وبيان وجه فسادها ومحاولة إصلاحها عمل لا بأس به، وهو من واجبات اللغوي؛ لأنه طبيب اللغة، فعليه أن يداوي ما يمرض منها بإصلاحٍ أو بتر، ولا يصلحه الإهمال، فهو كالنباتات الطفيلية في الحديقة الجميلة ما لم تهذبها وتصلح من شأنها تُفسد عليك الحديقة وتضرّ بنباتاتها الأصلية.
         أما البحث عن الفوائت في ركام لهجاتنا الفصيحة في موطن منابع اللغة ولهجاتها فلا يشك في نفعه للفصحى  إلا صاحب هوى أو خلل في الفهم. ويبقى الإشارة إلا أن الاشتغال بالعامّيّة لخدمة العامية وتثبيتها ووصفها لتقعيدها هو أعظم الخطر على الفصحى، ويجب أن يؤخذ على يد صاحبه كائناً من كان.    
       وأشكر لك أستاذنا القدير وأديبنا وشاعرنا (أ. صالح العوض) أن أثرت هذه المسألة المهمة، وأنا أعرف موقفك السديد من اللهجات والعاميات، وأعرف دقتك في المصطلحات وبعدك عن الخلط بينها. وقد هيأتَ لي بتغريدتك المناسَبة لأكتب هذا الإيضاح خوفا من التباس المنهج الذي نسير عليه والغاية التي نرمي إلى الوصول إليها عند بعض من يتابعنا ممن جاء متأخرا. ونسأل الله العون والتسديد. 
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

الأحد، 9 مارس، 2014

مداخلة في حرف القيف

مداخلة في حرف القيف
       التدرج الصوتي الذي يشير إليه الزملاء هو حقيقةٌ صوتية لا جدال فيها، وحصر الأصوات المتدرجة (الألوفونات Allophones) شبه متعذر، بل إن لكل شخص بصمته الصوتية الخاصة به، وهذه التدرجات الصوتية أو التنويعات (الألوفونات) تشبه تدرّجات الألوان، وهي على نوعين، نوع ظاهر محدد المعالم والمخرج والصفة، وهو شائع في لهجات العرب، كحرف "القيف" هذا، فهو صوت مستقل؛ لأن له مخرجا خاصا به، وقد تردد هذا الصوت أو الحرف (إن صح لنا تسميته بحرف) على ألسنة العرب القدامى والمتأخرين، وعرف ووصف، ولشهرته كان له ذكر قديم في كتب التراث، فتارة يوصف بمخرجه (أي بكونه بين القاف والكاف) وتارة يسمى الكاف الفارسية، وتارة يسمى الجيم القاهرية، أو اليمنية، وتارة يسمى القاف النجدية أو البدوية، والأخيرة تسمية ابن خلدون، حتى أشبه هذا الحرف أو قارب الأصوات التعاقبية في العربية، التي تتقارب مخارجها، كتعاقب التاء والدال، وتعاقب الميم والباء والفاء، وتعاقب الصاد والسين، وتعاقب الجيم والياء في العجعجة، وتعاقب الشين والكاف في الشنشنة، والهمزة والعين في العنعنة، فالقيف هذا صورة تعاقبية لحرف القاف، ولكنه تعاقبٌ بصوت فرعي ليس من حروف الهجاء الأصلية، وهذا هو الفرق الرئيس بين القفقفة وصور التعاقب فيما سبق.
       فهل حرف القيف الذي وصفه ابن قتيبة وابن فارس وابن خلدون وشاع في لهجات الجزيرة بصورة ثابته تقريبا؛ هل هو من هذه التنوعات التي تختلف باختلاف العمر وحالة الأسنان، كما جاء في مداخلة الدكتور سالم الخماش؟ بالتأكيد ليس منها، فهو صوت ثابت محدد المخرج والصفة ويمكن الترميز له ويمكن وضع مصطلح له.
        وهذا الصوت أو الحرف الفرعي شاع في لهجات العربية منذ القدم ووصفه ابن قتيبة وابن فارس وحكى في أمره ابن خلدون أن العرب في زمانه لم يستحدثوا هذا الحرف أو الصوت وإنّما تناقلوه من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مضر، وقال: ((والظّاهر أنّ هذه القاف (يعني القيف) الّتي ينطق بها أهل الجيل العربيّ البدويّ هو من مخرج القاف عند أوّلهم من أهل اللّغة، وأنّ مخرج القاف متّسع، فأوّله من أعلى الحنك وآخره ممّا يلي الكاف. فالنطق بها من أعلى الحنك هو لغة الأمصار، والنطق بها ممّا يلي الكاف هي لغة هذا الجيل البدويّ))
        والعجيب هنا أن ابن خلدون نقل عن أهل البيت (يعني الشيعة) أنهم يوجبون قراءة القرآن في نحو مستقيم بهذا الحرف (أي بالقيف) قال ابن خلدون: ((وهذه اللّغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هي متوارثة فيهم متعاقبة، ويظهر من ذلك أنّها لغة مضر الأوّلين، ولعلّها لغة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعينها، قد ادّعى ذلك فقهاء أهل البيت، وزعموا أنّ من قرأ في أمّ القرآن «اهدنا إلى الصراط المستقيم» بغير القاف الّتي لهذا الجيل (يعني القيف) فقد لحن وأفسد صلاته!! ولم أدر من أين جاء هذا!!))  قلت: وأنا أعجب مع ابن خلدون من هذا.
        وهذه تتمة كلامه، وهو رأي مهم جدا، قال: ((فإنّ لغة أهل الأمصار أيضا لم يستحدثوها وإنّما تناقلوها من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مضر لمّا نزلوا الأمصار من لدن الفتح. وأهل الجيل أيضا لم يستحدثوها إلّا أنّهم أبعد من مخالطة الأعاجم من أهل الأمصار. فهذا يرجّح فيما يوجد من اللّغة لديهم أنّه من لغة سلفهم. هذا مع اتّفاق أهل الجيل كلّهم شرقا وغربا في النّطق بها وأنّها الخاصيّة الّتي يتميّز بها العربيّ من الهجين والحضريّ. والظّاهر أنّ هذه القاف الّتي ينطق بها أهل الجيل العربيّ البدويّ هي من مخرج القاف عند أوّلهم من أهل اللّغة، وأنّ مخرج القاف متّسع، فأوّله من أعلى الحنك وآخره ممّا يلي الكاف. فالنطق بها من أعلى الحنك هو لغة الأمصار، والنطق بها ممّا يلي الكاف هي لغة هذا الجيل البدويّ. وبهذا يندفع ما قاله أهل البيت من فساد الصلاة بتركها في أمّ القرآن))
      قلت: ابن خلدون يتلقّى هذا الحرف (القيف) بالقبول ويرى قدمه، ويضفي عليه صفة الأصالة اللغوية، ولكنه لا يوافق من زعم من أهل البيت الذين أشار إليهم، بأن يقرأ به في أم القرآن، وكان موفقا في ذلك، لأن القراءات العشر لم تَنقل لنا القراءة بهذا الحرف أو الصوت، لا في الفاتحة ولا في غيرها.
     وبعد هذا أرى أن هذا الصوت أو الحرف جدير بأن يكون له اسم وأن يكون له جسم أو رسم، فليكن اسمه حرف القيف أو صوت القيف، أو أي اسم ترونه مناسبا فلا مشاحة في الاصطلاح، وليكن جسمه أو رسمه على صورة ما، ولا يمتنع أن تكون مشابهة لطريقتهم في النقل الحرفي (Transliteration) أو الكرشنة أو النقحرة، وأرى أن رسمه أو كرشنته أو نقحرته تكون بإحدى طريقتين:
 الأولى: أن يكتب قافا منقوطة بنقتطتين من تحت على طريقة المغاربة في نقط الفاء من تحت.
والثانية أن يكتب كافا، وفوقها خطٌّ مستقيم كالفتحة، وهذا معمول به عند عدد من الباحثين حين يُكرشنون هذا الصوت أو يُنقحرونه، وأيضا لا مشاحّة في الاصطلاح، فالغرض أن يُعطى هذا الصوت اسما ورسما، حتى يسهل علينا تمييزه من القاف الفصحى، فحين نقول مثلا: مقبل ومقرن، وهما اسمان منطوقان في باديتنا بحرف القيف، فإننا إن أردنا أن نحكي نطقهم قلنا: هو بحرف القيف أو بالقفقفة أو رسمناه برسمه (أعني بالنقتطتين من تحت أو بالكاف التي فوقها خط) فيتميّز  ويعرف أن المراد بهذا الصوت في اسم (مقبل ومقرن) هو حرف القيف وليس القاف الفصحى.
       ويبقى في المسألة جانبٌ مهم، هو: هل هذا التعاقب بين القاف والقيف يغير في المعنى ويؤدي إلى انتقال الكلمة إلى جذر مستقل؟ الجواب: لا؛ لأن القيف لا يتجاوز التنويع الصوتي السطحي لحرفٍ في الكلمة وهو القاف، فلا يمتد إلى الجذر، ولا يغيّر فيه شيئا، فحين ننطق اسم (مقرن ومقبل) بالقفقفة، وكذلك (جمال والجمهورية) بالقفقفة أو بحرف القيف أو الجيم القاهرية أو اليمنية (وهي مصطلحات مترادفة) فإن ذلك لا يمتدّ إلى الجذر ولا يغير شيئا.. ولعل في هذا إيضاحاً أو جواباً لمداخلة الدكتور معتاد الحربي. 
     وفي الختام أقول: إن الأمر مطروح للمداولة والنقاش في مجمع اللغة الافتراضي، فإن رأيتم الأخذ بالتسمية فافعلوا مشكورين، وإن رأيتم أن هذا الصوت أو الحرف لا يستحقّ أن يكون له اسم ولا رسم فافعلوا ولا حرج.

عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

الجمعة، 7 مارس، 2014

تعقيبٌ وإيضاح لموقفي من اللهجات الفصيحة


      قلتُ في تغريدة سابقة لي ما نصه: ((اللهجة الوسطى هي اللهجة البيضاء، وهي أرقى من العامية ولهجاتنا أرقى منهما على المستوى اللفظي والدلالي)) أي أحسن وأفصح منهما. وذلك أنَّ العاميّة ملوّثة لا تردُّ يدَ لامس، واللهجة البيضاء مهذّبة بعض التهذيب غير أنّها فقيرة في ألفاظها ودلالاتها؛ انتَخبت من العامّيّات ما شاع من الألفاظ وزادت عليه ما تحتاجه من ألفاظ فصيحة في لغة التعليم والإعلام، وهي تهدف إلى سهولة التواصل بما يُتاح لها.
     وأمّا لهجات القبائل فألفاظها في الجملة متوارثة لا تنقطع عن ألفاظ القبائل زمن الفصاحة.
     وكنتُ أحسبها تغريدة ظاهرة لا تحتاج إلى بيان، ولكنَّ أستاذنا القدير الدكتور عبدالرحمن الحجيلي لم يفهم مرادي فعلّق في تغريدةٍ قائلا: ((وصف اللهجات بالرقيّ - أيّا كان لونها-  فيه تجنٍ على لغة القرآن؛ واعتساف لنصوص التراث التي وصلت إلينا بيقين))
     والحقيقة أنني ترددت في أمر التعقيب تقديرا لأستاذنا، ورغبة في ترك ما عساه يقود إلى الجدال ويُضيّع وقت الناس في قراءة المسَلّمات، ولكن كلمته قاسية ومتجنّية ككلمة التجنّي الواردة فيها، فلا مناص ولا مهرب لي من وضع الأمور في نصابها، لإيضاح ما عساه التبس.

      وتغريدته تنطوي على أمرين رئيسين، أولهما أنه يقول: إن ((وصف اللهجات بالرقيّ - أيّا كان لونها-  فيه تجنٍ على لغة القرآن)) وفي هذا القول غرابة! فكيف يكون التجنّي على لغة القرآن بوصف اللهجات بالرقي؟! وأين التجني على لغة القرآن بوصف لهجةٍ عربية بأنها أرقى أو أفصح من العامية ومن اللهجة البيضاء وأحسن منهما؟ فالحديث عن اللهجات والعامّيّات واللهجة البيضاء المتكوّنة حديثا، والمقارنة بينهنّ، وهل ينكر أحد أن لهجاتنا الفصيحة أرقى وأحسن وأفصح من العاميات وأدنى من الفصحى؟
     ثم أليست اللهجات جزءا من لغتنا؟ ألم يحتفِ سلفنا من لغويين ومفسرين ومحدّثين وفقهاء باللهجات؟ وألم يعدوها المستوى الثاني بعد الفصحى ويسموها الفصيحة؟ وهل هناك خصومة بين القرآن الكريم واللهجات؟ ألم ينزل القرآن بسبعة أحرف كانت اللهجات وأوجهها المختلفة أحد تلك الأحرف السبعة؟ ألم يُقِرّ القرآن في قراءاته اللهجات؟ وهل يمكن تفسير القرآن وقراءاته وفهم الحديث الشريف دون معرفة اللهجات وأسرارها؟
      لقد جاء كلامي في سياق واضح في أمر واضح، فمن أين جاء اللبس؟
     وأستاذنا القدير يعلم موقفي الواضح من اللهجات، وأظنه يدرك هدفي وهو خدمة الفصحى، وإثراء معجمها بما أجده من الفوائت القطعية أو الظنية، ويعلم أنني خصيم العامية، وأنني أبذل وقتي وجهدي لتمييز الفصيح من العامي في لهجاتنا، وأنني على منهج اللغويين في التعامل مع لهجاتنا، وأنني قلت في أكثر من مناسبة: إن مستويات الفصاحة في العربية أربعة: الفصحى ثم اللهجات الفصيحة ثم اللهجة البيضاء ثم العاميات. فمن أين جاء اللبس؟
     
     والباحث المنصِف لا يبني حكمه على رأي لأحد ويحمل كلامه على غير ظاهره دون استقراء، وتغريداتي التي تظهر رأيي في مستويات الفصاحة، ومكان الفصحى من اللهجات الفصيحة والعاميات عديدة، ومما قلته في هذا:
1- ((المستويات أربعة: الفصحى، ثم اللهجات الفصيحة، ثم اللهجة البيضاء، ثم العامية))
2- ((اللهجة البيضاء هي اللهجة الوسطي بين الفصحى والعامية المبتذلة.. وهي لهجة المثقفين ومن في حكمهم. ونراها تتشكل أمام أعيننا.. ووصفها بالبيضاء جميل))
3- ((لغة الصحافة هي أوضح نموذج للهجة البيضاء، ولا خطر على الفصحى منها، بل أراها تقرب العامية من الفصحى))
4- ((الفصحى، ثم اللهجات (وهي امتداد للهجات القديمة في ديارها) ثم العامية، وظهرت مؤخرا اللغة البيضاء وهي أعلى من كلام العامة))
5- ((اللغة التي تنساب بلا تشدّق ولا تكلف للإعراب هي (اللهجة البيضاء) لغةُ المثقفين، وهي أرفع من العامية وأدنى من الفصحى))
      فأين التجني في هذا على لغة القرآن؟ بل إن الأمر خلاف ذلك تماما وضدُّه، فيمكن القول: إن من يحارب اللهجات الفصيحة هو من يخالف نهج القرآن ويتجنّى عليه، وهو من يخالف نهج اللغويين من لدن الخليل وسيبويه إلى يومنا، ويخالف نهج صناع المعاجم الذين كانوا أكثر أهل اللغة احتفاء بلهجاتنا الفصيحة، لأنهم أدركوا قيمة اللهجات وصلتها بالفصحى، وأنها مع اختلافها حُجّة حتى عقد لها ابن جني باباً في خصائصه سماه (اختلاف اللغات وكلّها حجة) وهو يقصد باللغات لهجات العرب المختلفة، وينصّ على جواز الاحتجاج بها جميعًا، ولو كانت خصائص بعضها أكثر شيوعًا من خصائص بعضها الآخر, ويقول فيه: إن الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه.
     ولذا تجد العنايةَ باللهجات والحفاوة بها ظاهرة لدى اللغويين القدامى والمعاصرين على حد سواء، وتجد أقسام اللغة العربية حريصة على دراسة اللهجات الفصيحة وفهمها، ومجامع اللغة وعلى رأسها مجمع القاهرة تدعو اللغويين والباحثين إلى دراسة اللهجات وتأصيلها وتهذيبها، خدمة للفصحى وإثراء لمعجمها.
     ويشير الدكتور صبحي الصالح في كتابه (دراسات في فقه اللغة) بعد حديثه عن أهمية اللهجات العربية الشمالية أو لهجات العربية الباقية (ص 104) إلى الثروة اللغوية المهمة للهجات، ويقول: ((وإن كنا نعتقد أن التوسع في دراسة سائر اللهجات العربية يزيد لغتنا ثروة، ويمنحها قوة، ويفسر كثيرًا من خصائصها التي لم تنفرد بها لهجة, بل أسهمت في تكوينها هذه اللهجات قاطبة))
     ويعلم اللغويون – وأستاذنا أحدهم – أن لهجاتنا في جزيرة العرب خاصة لم تزل تحتفظ بأصولها الفصيحة على مستوى الألفاظ والدلالة وأن غالب ما أصابها من فساد ولحن إنما يتصل بالمستوى النحوي وأن هذا يحمل الباحثين اللغويين على دراسة الجانب الفصيح في لهجاتنا واستثماره بما يخدم الفصحى، وأن بعض الظواهر الصوتية اللهجية لم تزل مسموعة إلى اليوم كنطق حرف الضاد أقرب ما يكون إلى الصفة التي ذكرها سيبويه، ولا يوجد هذا اليوم إلا  في بعض بطون قبيلة هذيل كدَعْدٍ في وادي نعمان وما يجاوره من البادية الجنوبية الغربية للطائف وتحديدا غرب جبال الكُرّ، فهل يعقل أن نفرّط في تسجيل هذه الظاهرة قبل أن تنقرض ونحن نعلم أن في دراستها دراسة صوتية ما يعيننا على فهم وصف سيبويه لانقراض بعض صور الضاد التي وصفها القدامى؟!
      والكلام في اللهجات مفروغ منه، وهو من الواضحات، ومن المؤلم أن "تضطرّ" إلى بسط القول في الواضحات، وما أحسن قول أبي الطيب:

فليس يصحُّ في الأفهامِ شيءٌ * إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ

     وثاني الأمرين في تغريدة أستاذنا الجليل الاتهام (باعتساف) نصوص التراث التي وصلت إلينا بيقين كما يقول، فأين رأى اعتسافي لنصوص التراث؟ فلو وضّح هذا الأمر العامّ المبهم ودلني على موضع واحد اعتسفت فيه نصا من نصوص التراث لفعل بي خيرا؛ وله مني الوعد بأنني أرجع عن الخطأ حين يظهر لي؛ لأني مثله ومثل كلّ مخلص لخدمة هذه العربية التي شرفها الله بالدين، فأصبحت جُزءا منه كما قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم.

كتبه عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
5/ 5 / 1435هـ