الأربعاء، 25 يونيو، 2014

الهيكل العام لمجمع اللغة الافتراضي:

الهيكل العام لمجمع اللغة الافتراضي
بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً: الهيئة الاستشارية العليا للمجمع:
على الترتيب الأبتثي:
د. أحمد بن سعيد قشاش الغامدي من جامعة الباحة.
أ.د. أحمد بن محمد الضبيب من جامعة الملك سعود.
أ.د. إسماعيل أحمد عمايرة من الأردن.
أ.د. تركي بن سهو العتيبي من جامعة الإمام.
أ. حمود بن عبدالرحمن العبيد. شاعر وأديب من حائل.
أ.د. رياض بن حسن الخوام  من جامعة أم القرى.
أ.د. سالم بن سليمان الخمّاش من جامعة الملك عبدالعزيز.
أ‌. سلطان بن علي العميمي من الإمارات.
أ.د. سليمان بن إبراهيم العايد من جامعة أم القرى.
أ.د.صالح بن سعيد الزهراني من جامعة أم القرى.
د. عبدالرحمن بن عيسى الحازمي من الجامعة الإسلامية.
أ.د عبدالرحمن معاضة الشهري من جامعة المك سعود.
أ.د. عبدالرزاق بنّـور من تونس.
أ.د. عبدالعزيز بن ناصر المانع من جامعة الملك سعود.
أ.د. عبدالفتاح الحموز من جامعة الكويت.
أ.د. عبدالقادر الفاسي الفهري من المغرب.
أ.د. عبدالكريم عوفي من الجزائر.
أ.د. عبدالله بن سالم المعطاني من جامعة الملك عبدالعزيز.
أ.د.عبدالله بن سليم الرشيد من جامعة الإمام.
أ.د. عبدالله بن صالح الوشمي من جامعة الإمام.
أ.د. عبدالله بن عويقل السلمي من جامعة الملك عبدالعزيز.
أ.د. عبدالله بن ناصر القرني من جامعة أم القرى.
أ.د. عبدالمحسن بن فراج القحطاني من جامعة الملك عبدالعزيز.
د. ف. عبدالرحيم من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة.
أ.د. محمد حسن عبدالعزيز من مصر.
أ.د. محمد حماسة عبداللطيف من مصر.
أ.د. محمد سيدي عبدالقادر الشنقيطي من جامعة الطائف.
أ.د. محمد صالح الشنطي من الأردن.
أ.د. محمد ضامر من جامعة ابن طفيل بالمغرب.
أ.د. محمد بن عبدالرحمن الهدلق من جامعة الملك سعود.
أ.د. محمد يعقوب تركستاني من الجامعة الإسلامية.
أ.د. مساعد بن سليمان الطيار جامعة الملك سعود.
أ.د. نوال بنت إبراهيم الحلوة من جامعة الأميرة نورة
أ.د. يحيى بن محمد الحكمي جامعة جازان.

ثانياً: أعضاء المجمع العاملون والمشاركون والمؤازرون:
وهم جميع من يتابع حساب المجمع في تويتر ويشارك في النقاشات اللغوية واللهجية بأيّ وجه من وجوه المشاركة، وهم كثر، ولهم حقّ العضويّة الكاملة، وسنذكر في نهاية العام الثالث للمجمع -إن شاء الله- أسماء أبرز الأعضاء العاملين. 

ثالثا: أعضاء مجلس الإدارة (لمدة سنتين):
أ. د. سالم بن سليمان الخمّاش (من جامعة الملك عبدالعزيز) عضوا
د. عبدالعزيز بن صالح العمري (من جامعة الإمام) عضوا.
د. مكين بن حوفان القرني (من جامعة الباحة) عضوا
أ. تركي بن ماطر الغنامي (من الجامعة الإسلامية) عضوا
د. بدر بن عائد الكلبي (من الجامعة الإسلامية) عضوا
أ. صالح بن سالم الحارثي (من جامعة نجران) عضوا.
أ. علي بن عبدالعزيز الجبيلان (من جامعة الإمام) عضوا.
أ. نوار بن قبال السلمي (من الجامعة الإسلامية) عضوا.
م. نواف بن سليم البيضاني (من شركة أرامكو) عضوا
أ.د. عبدالرزاق بن فراج الصاعدي (المشرف على المجمع رئيس مجلس الإدارة)

*مدة العضوية للهيئة الاستشارية وعضوية المجمع ومجلس الإدارة سنتان.
ونسأل الله العون والتوفيق والسداد

مجمع اللغة الافتراضي
المدينة المنورة

الجمعة، 20 يونيو، 2014

الرد على الدكتور بهاء الدين عبدالرحمن في مسألة صوت القيف:

الرد على الدكتور بهاء الدين عبدالرحمن
في مسألة صوت القيف

       باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
     أما بعد؛ فهذا هو الردّ على ما أورده الدكتور بهاء الدين عبدالرحمن من جامعة الطائف في تغريدات له في تويتر ادّعى فيها أنها تنقض ما توصل إليه المجمع في صوت القيف وتنسفه نسفا كما يقول، وقد حاول الدكتور بهاء الدين أن يبطل القيف في التاريخ اللغوي القديم، ووجد أن أيسر طريق له هو أن ينكر صحة قولنا في المجمع: إن القيف ((صوت فرعي كما وصفه سيبويه وابن قتيبة وابن دريد وابن فارس وابن خلدون)) فزعم أن هؤلاء اللغويين لم يريدوا القيف الذي نصفه، فبدأ بشيخ النحويين سيبويه فأنكر أن يكون شيخهم قد ذكر هذا الصوت أو تعرّض له، وأن إشارتنا إليه في القرار باطلة، ثم ألمح إلى اتهامنا بالكذب على ابن قتيبة؛ لأنه لم يجد قولاً له في هذا الصوت، وأما ما ذكره ابن دريد فيه فما هو عند الدكتور بهاء إلا تخليط من أثر الشراب الذي عرف عنه، وكذلك ابن فارس؛ لأنه ينقل عن ابن دريد فيسري إليه الاضطراب، ويرى الدكتور أن وصف ابن خلدون وإن كان ((يتفق مع وصف ابن دريد للقاف التميمية ولكن لا ينطبق على ما سماه المجمع قيفا لأن القاف البدوية الآن هي الگاف الفارسية والگاف الفارسية جعلها ابن خلدون بين القاف والكاف والجيم فقال عن الكاف في أوشهنك (ملك فارسي) إنها بين الكاف والقاف والجيم)) هكذا يرى ويقول الدكتور بهاء.

     ثم ذكر الدكتور عدة تغريدات يجزم فيها أن سيبويه لم يذكر هذا الصوت، فلما وقف على كلام السيرافي اضطرب، وخفتتْ نبرتُه قليلا، وتوقّعتُ أنه سيفهم كلام سيبويه بواسطة شرح السيرافي، وأنه سيرجع عن الخطأ لا محالة، لكنه أخلف ظنّي ومضى في طريقه السابق لا يلوي على شيء، والرجوع عند بعض الناس عار وخطيئة، والمكابرة أهون من الرجوع، فمضى وانتهى إلى حكم قال فيه: ((لا يصح أن يتكئ المجمع على هذه العبارة (وقد وصفه سيبويه و....) في تسويغ إطلاق اسم القيف على هذا الصوت)) ثم خَلُص ((إلى أنه لا يمكن الجزم بأن القاف التي وصفها ابن دريد ومن بعده هي القاف التي تنطق مثل الگاف الفارسیة))
وجلّ كلام الدكتور في نقد القيف مبني على ما تقدم، وما وضعته بين أقواس هو نص كلامه بحرفه.

     فأقول: يبدو من كلام الدكتور بهاء الدين واندفاعه وادعائه ما تقدّم أن العلة في تقصيره في فهم نصوص القدماء تعود إلى اضطرابه في فهم صوت القيف، فظهر لي أنه لا يعرف حقيقته! ولم يدرك أن الصوت الذي بين الجيم والكاف والصوت الذي بين الكاف والجيم والصوت الذي بين القاف والكاف المنصوص عليه في كتب عدد من الأقدمين هو صوت واحد: هو القيف، فهو صوت فرعي في العربية لثلاثة أصوات أصلية متقاربة المخرج، وهي: الجيم والكاف والقاف، وممَّا يدلّ على أنَّ العرب عرفوه قديما أنَّهم عندما أرادوا نطق الگاف الفارسية بأصوات عربية أصلية حوَّلوها إلى إحدى هذه الثلاثة بردّ الفرع إلى الأصل. وسيبويه نصَّ على صوت القيف فرعا للجيم والكاف، ولكن لم يذكره فرعا للقاف، وإن كان كلامه في الكاف الفارسية يُشعر بذلك.
وقد استدركه السيرافي في شرح الكتاب ونَصَّ على أنَّه هو الصوت الذي ذكره سيبويه في الجيم والكاف، وقد سمعه بنفسه من ناطقيه.
وتجدر الإشارة إلى فقه سيبويه في الأصوات؛ فقد عدّ (الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف) صوتا واحدا؛ ففرَّق بين أصل الصوت ونوعه؛ فالذي يُعدّ هو النوع لا الأصل بدليل أنَّا لو عددناهما صوتين لكانت الأصوات عنده 43 وليس 42 كما قال؛ ونبَّه على ذلك السيرافي في الشرح وكذلك الرضي في شرح الشافية.
وقوله إن الكاف الفارسية ليست من أصوات العربية أراد به الأصوات الأصلية التسعة والعشرين لا الفرعية؛ فهو لا يناقض نفسه.
فالقيف إذن صوت ينشأ بثلاثة طرق:
1- الصوت الذي بين الجيم والكاف، ومثاله: گمل ورگل (ݠمل ورݠل) في جمل ورجل، وهو القيف، وكتبوه بالكاف الفارسية.
2-    الصوت الذي بين الكاف والجيم، ولم يمثلوا له، وفهم الدكتور محمد الأنطاكي في (المحيط في أصوات العربية 1/ 44) أن الكاف التي بين الجيم والكاف هي ما ننطقه في الرسم الأجنبي ( g ) وذكر أنه هو المسموع في كلام عوام اللاذقية والشام في قولهم: الله أگبر (agbar)
وقد ذكر السيرافي أن هذين الوجهين (الأول والثاني) شيء واحد، وسيأتي.

3-    الصوت الذي بين القاف والكاف، وأول من ذكره بهذا ابن قتيبة قبل ابن دريد ثم ابن دريد ثم السيرافي، ويُكتب بالگاف الفارسية، ولم يمثل له ابن قتيبة، ومثّل له ابن دريد ببيت التميمي ( لا أگول لگدر الگوم..) أي لا أقول لقدر القوم. وهذا الثالث كالأول والثاني في الصوت الحادث، فمثلا: الرگل والگول والله أگبر شيء واحد من ناحية الصوت المنطوق، وهو ما نسميه القيف، وإن اختلف الأصل، فالقيف في كل منها يعود إلى حرف مختلف. والخلاصة أن صوت القيف في لهجات العربية ينشأ من ثلاث صور:
أن يكون بين القاف والكاف
أن يكون بين الجيم والكاف
أن يكون بين الكاف والجيم
والعلة في هذه الحالة الفريدة لهذا الصوت أن هذه الحروف الثلاثة متقاربة في المخرج فوقع هذا الصوت بينها، فتارة تُقرّب القافُ إلى الكاف فتكون قيفاً (أگول والگدر= أݠول والݠدر) وتارة تُقرّب الجيم إلى الكاف فتكون قيفا (رگل وگمل = رݠل وݠمل) وتارة تُقرّب الكاف إلى الجيم (الله أگبر= الله أݠبر) وأصله الله أكبر.

     والأول والثاني شيء واحد، كما قال السيرافي، وهو نطقهم (رگل وگمل) وهذا هو نطق صوت القيف بعينه، ولم نزل نسمعه من اليمنيين الحضارم، والعمانيين، ومنم انتقل إلى المصريين، فنطق الحرف الأول في الگمَل (الجمل) التي فسروا بها كلام سيبويه كنطق الحرف الأول من: الگمِل (القَمِل الذي واحدُهُ قملة) ونطق الحرف الثاني من رگل (رجل) كنطق الحرف الثاني من مگرن (مقرن) فهذه الكلمات الأربع  تنطق بالقيف ويختلف أصل الحرف، اثنان أصلهما الجيم فوصفها سيبويه بأنها بين الجيم والكاف واثنان أصلهما القاف فوصفها غير سيبويه بأن الصوت بين القاف والكاف، وكلاهما صحيح، وفي كلام سيبويه نقص، والأكمل ما ذكره ابن دريد ومن أخذ عنه، وظنّه الدكتور بهاء تخليطا بسبب الشراب، كما زعم.

     فأنت حين تسمع الجيم اليمنية أو القاف التميمية تعلم أنهما شيء واحد في الصوت، الأولى بين الجيم والكاف والثانية بين القاف والكاف، وكلاهما ينطق بصوت القيف بعينه، ومثال ذلك (الحَگـ) فإنك حين تسمعه مفردا مقفقفاً لا تعلم أهو الحجّ أو الحقّ؟ وقد أوجز سيبويه كعادته، وترك وجها واحدا، واستدرك عليه السيرافي كما سيأتي، وشرح رأيه في القيف، وموضع اللبس أن سيبويه ذكر وجهين من أوجه صوت القيف ولم يذكر الثالث الذي ذكره ابن دريد، وهذه الأوجه الثلاثة شيء واحد، وابن دريد وتلميذه السيرافي كانا أدقّ من سيبويه، أو قل: أكثر وضوحا. وقد فهم هذا من جاء بعدهم كالرضي وأبي حيان وسائر العلماء كما سيأتي. وإليكم التفصيل:

أولا: القيف عند سيبويه:
    لقد ذكر سيبويه صوت القيف في كلامه عن الحروف الفرعية في باب الإدغام، واكتفى بصورتين، الأولى نطق الصوت بين الكاف والجيم، والثانية نطق الصوت بين الجيم والكاف، وذكر ابن دريد وتلميذه السيرافي ثلاث صور ينتج عنها صوت القيف، كما تقدم، قال سيبويه 4/ 432 في الحروف في باب الإدغام: ((وتكون خمسة وثلاثين حرفا بحروف هن فروع... وتكون اثنتين وأربعين حرفا بحروف غير مستحسنة، ولا كثيرة في لغة من ترتضى عربيته، ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر، وهي: الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف))
قلت: قوله: ((الكاف التي بين الجيم والكاف)) وقوله: ((والجيم التي كالكاف)) هما شيء واحد في الصوت، كما تقدم، وهي لغة اليمن وعمان، يقولون: گمل ورگل في جمل ورجل، قال الرضي 3/ 257 و((هي فاشية في أهل البحرين، وهما جميعا شيء واحد إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف)) وقد أخذ هذا من السيرافي.

    قال السيرافي (في شرح الكتاب: 5/ 389، 390، وكتاب الإدغام من شرح السيرافي 25، 26 بتحقيق الدكتور سيف العريفي): ((وأما السبعة الأحرف التي هي تتمة الاثنين والأربعين حرفا فأولها الگاف التي بين الجيم والكاف، وقد أخبرنا ابن دريد أنها لغة في اليمن يقولون في جمل گمل ]بين بين [(ما بين المعقوفين زيادة من بعض النسخ وأثبتها الدكتور سيف العريفي) وهي كثيرة في عوام بغداد، يقول بعضهم گمل ورگل في جمل ورجل، وهي عند أهل المعرفة منهم معيبة مرذولة، والجيم التي كالكاف، هي كذلك وهما جميعا شيء واحد، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف، ثم يقلبونه إلى هذا الحرف الذي بينهما))
وقال: ((والدليل على أنهما شيء واحد أنك إذا عددت ما بعد الخمسة والثلاثين فهو سبعة بعدها واحد، وثمانية بعدها اثنان))
     ثم قال السيرافي في إضافة مهمة تدل على سماعه القيف : ((رأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف فيأتي بمثل لفظ الكاف التي بين الجيم والكاف والجيم التي كالكاف)) (شرح السيرافي 3/ 390، وكتاب الإدغام من شرح كتاب سيبويه للسيرافي 33، 34، وانظر: الموضح للقرطبي 87، والمنهاج الجلي لأبي جعفر 2/ 869 ) فهذه هي الصورة الثالثة التي لم يذكرها سيبويه.
وكلام السيرافي واضح وصريح وهو خير من يفهم نصوص سيبويه، ولذا تابعه الرضي وأبو حيان.

ثانيا: القيف عند ابن قتيبه:
     ذكر ابن قتيبة في كتابه (تأويل مشكل القرآن) الصوت الواقع بين القاف والكاف الذي نسميه القيف، قال: ((وألفاظ العرب مبنية على ثمانية وعشرين حرفا، وهي أقصى طوق اللّسان. (يعنى طاقته) وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين ولست واجدا في شيء من كلامهم حرفا ليس في حرفنا إلا معدولا عن مخرجه شيئا، مثل الحرف المتوسط مخرجي القاف والكاف والحرف المتوسط مخرجي الفاء والباء، فهذه حال العرب في مباني ألفاظها)) واكتفى ابن قتيبة بهذين الحرفين المعدولين، وهما مذكوران بنصهما عند ابن دريد والسيرافي والرماني وابن فارس والأعلم وابن يعيش، أما قول الدكتور بهاء إنه لم يطلع على قولٍ لابن قتيبة في هذا الصوت فما هو إلا من قلّة الاطلاع مع وجود الكتاب مطبوعا محققا متداولا بتحقيق نفيس هو تحقيق السيد أحمد صقر، ولا أعرف طالب علم مبتدئ في العربية يجهل هذا الكتاب النفيس الذي ينافح فيه ابن قتيبة عن كتاب الله ويرمي من ورائه بالحجج ويرد على المشككين  والطاعنين والزنادقة، وهو من أعظم كتب ابن قتيبة مع أدب الكاتب.

ثالثا: القيف عند ابن دريد:
     ادّعى الدكتور بهاء أن ابن دريد مخلّط في حديثه عن هذا الصوت (القيف) ثم عزا هذا الاكتشاف العظيم الذي هو (التخليط) إلى أثر الشراب الذي ذُكروه في ترجمة ابن دريد، وسألته في التغريد عن مراده بالتخليط وموضعه فلم يجب، وكررت السؤال فلاذ بالصمت، ثم رأيت له تغريدة نصها: ((هل يتصور أن يكون مخرج أي حرف من مخرجين؟ كقول ابن دريد الحرف الذي بين القاف والكاف والكاف والجيم؟ وقال ابن فارس بين القاف والكاف والجيم)) فعلمت مراد الدكتور بالتخليط، وأيقنت أن التخليط لا يأتي من الشراب فحسب!!

     قال ابن دريد في الجمهرة 1/ 42 : ((ومثل الحَرف الَذي بين القاف والكاف والجيم والكاف، وهي لُغَة سائرة في اليمن مثل جمل إِذا اضطروا قالوا: گمل، بين الجيم والكاف ومثل الحرف الذي بين الياء والجيم وبين الياء والشين مثل غلامي فإذا اضطروا قالوا غلامج، فإذا اضطر المتكلم قال غلامش، وكذلك ما أشبه هذا من الحروف المرغوب عنها. فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة (في بعض نسخ الجمهرة بالكاف) فتغلظ جدا، فيقولون للقوم: الگوم، فتكون القاف بين الكاف والقاف وهذه لغة معروفة في بني تميم؛ قال الشاعر:
ولا أگول لگدر الگوم گد نَضُجَتْ  ولا أگـول لبــاب الـدار مگفولُ
وكذلك الحرف الذي بين الياء والجيم إذا اضطروا قالوا: غلامج أي غلامي، وكذلك الياء المشددة تحول جيما فيقولون بصرج وكوفج))
      وقد كتبتُ حروف البيت بالگاف الفارسية على ما أراده ابن دريد، وهو موافق لطبعة حيدر أباد التي كُتب فيها البيت على الصواب.
      وقال الدكتور علم الدين الجندي (اللهجات العربية في التراث 2/ 463) معلّقا على عبارة ابن دريد (فتغلظ جدا): ((يظهر أن معنى تغليظ القاف التلمّظ بالكاف الفارسية، وهي أشبه الحروف بالجيم القاهرية))
     ويلاحظ أن ابن دريد اكتفى في القفقفة بقوله: ((الحَرف الذي بين القاف والكاف والجيم والكاف)) فكأنه ذكر وجهين، والحقيقة أنهما كالثلاثة، ولكنه أوجز؛ لأن الحرف الذي بين الجيم والكاف يكون بصورتين: تقريب الجيم إلى الكاف والعكس، أي تقريب الكاف إلى الجيم، ولذا اختصرها ابن فارس بإيجاز أكثر فقال: ((الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم)) وهذا يكفي.
والتخليط الذي يشير إليه الدكتور بهاء هو قول ابن دريد: ((الحَرف الذي بين القاف والكاف والجيم والكاف)) فعنده كيف يكون الحرف بين ثلاثة أحرف؟! ولو فهم الدكتور كلام سيبويه وفهم كلام السيرافي (وقد اطلع عليه) لما وضع نفسه في مأزق كهذا، والأمر لا يخفى هذا الخفاء، فهذا الصوت يقع بين ثلاثة أحرف، هي الجيم والقاف والكاف، وهي ما أوضحته في أول كلامي حين قلت:  تقريب الجيم إلى الكاف، وتقريب الكاف إلى الجيم ، وتقريب القاف إلى الكاف.. وكل منها بعد التقريب ينطق بصوت متوسط بينها هو القيف، الذي يسمونه الگاف الفارسية، وهو صوت الحرف g في كلمة  good و google ونحوهما، وهو صوت شائع جدا في لغات عالمية شرقية وغربية وشائع في لهجاتِ العربية منذ عصور الفصاحة، وهو أكثر شيوعا في اللهجات البدوية من الخليج إلى المحيط، وهذا الصوت يمثل ما نسميه: ظاهرة القفقفة، فابن دريد لم يخلّط، بل كان أكثر وضوحا من سيبويه نفسه؛ لأنه أضاف الصورة الثالثة التي سكت عنها سيبويه في طريقة نشأة هذا الصوت الفريد، واختصر صورتي سيبويه في لفظ واحد يدل على ذكائه، وقد أفاد من كلامه تلمذُه أبو سعيد السيرافي، وفي ظني أن ابن دريد هو الذي فتح للسيرافي الطريق ليقول كلمته التي جلّت كلام سيبويه، وهي قوله عن الصوتين اللذين ذكرهما سيبويه: ((وهما جميعا شيء واحد، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف، ثم يقلبونه إلى هذا الحرف الذي بينهما))
ويفسر حفني ناصف في (مميزات لغة العرب 3) نشأة ما نسميه القيف فيقول: أرجّح أن انتقال مخرج القاف إلى الأمام قليلا يولّد هذا الصوت الشديد المجهور الذي هو بين الكاف والقاف، ولذلك كتبَ قيفات البيت السابق في الجمهرة بالكاف الفارسية، وأحال على طبعة حيدر أباد التي كُتب فيها البيت بالكاف الفارسية كما قلت سابقا، وهو الصواب، وقد أخطأ الدكتور رمزي منير بعلبكي حين كتب البيت بالكاف الخالصة، كما أخطا محقق الصاحبي (السيد أحمد صقر) فكتبه بالكاف الخالصة، وهو يخالف وصف ابن دريد الذي أورده شاهداً لذلك الصوت الذي بين القاف والكاف، ومن يكتبه بالكاف الخالصة في سياق كلام ابن دريد يعبث بالشاهد ويخلّ بمراد ابن دريد.
     فأين التخليط المزعوم يا دكتور بهاء؟ ألا تلاحظ دقة ابن دريد في وصف هذا الحرف وسائر الحروف التي ذكرها وحسن تمثيله ومتابعة العلماء له كالسيرافي وابن فارس؟ وألم تر أن  كل ما ذكره ابن دريد هو مما نعرفه اليوم في لهجاتنا في الجزيرة؟ لقد أحسن ابن دريد حين قال: ((الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم والكاف)) فجمع صورتي القيف في عبارة تدل على إحاطته باللهجات ومعرفته بالأصلين الذين ينشأ منهما صوت القيف وهما اختصارا: القاف التي يُنحى بها إلى الكاف والجيم التي يُنحى بها إلى الكاف، ومعكوسها أيضا، فهذه ثلاث صور ينشأ عنها صوت القيف
      وممن أفاد من عبارة ابن دريد أبو البركات الأنباري في (أسرار العربية 419) : قال: ((وتبلغ نيفا وأربعين بحروف غير مستحسنة، وهي القاف التي بين القاف والكاف والكاف التي بين الجيم والكاف والجيم التي كالكاف..)) فهذه ثلاثة.
     وفي هذا تأييد لابن دريد وتلميذه السيرافي، وتأكيد على نقص عبارة سيبويه.
    وقال الرضي في (شرح الشافية 3/ 257) وهو يشرح كلام ابن الحاجب: ((وكأنه ظن أنّ مرادهم بالجيم كالشين حرفٌ آخر غير الشين كالجيم، وكذا ظن أن مرادهم بالجيم كالكاف غير مرادهم بالكاف كالجيم، وهو وهم، ومن المتفرعة القاف بين القاف والكاف، قال السيرافي: هو مثل الكاف التي كالجيم والجيم التي كالكاف))
    وهنا يظهر وعي العلماء الذين يفهمون النصوص، ويدركون ما يخفى من أسرارها، وليس الذين يختطفونها اختطافا ويفهمونها خلافا لوجهها المراد، وفوق ذلك يتربصون بأيّ محاولة لمجتهد، فلا يقدّمون شيئا للعربية ولا يُسلم من ألسنتهم!!

رابعا: القيف عند ابن فارس:
     نقل ابن فارس في الصاحبي (ص 36، 37 ) كلام ابن دريد ومنه ما يخص صوت القيف بنصه تقريبا، فقال: ((ومثل الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم وهي لغة سائرة في اليمن مثل جمل، إذا اضطروا قالوا: گمل))
     وقوله: ((الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم)) اختصارٌ مليح لكلام ابن دريد، فهل كان مخلّطاً هو الآخر؟
      وقال ابن فارس: ((وأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جدا، فيقولون: الگوم، فيكون بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم)) وذكر بيت القفقفة، والمحقق كتب كلمة (الگوم) هنا بالقاف الفصحى، وحقها على منهج القدامى في هذا الصوت أن تكتب بالگاف الفارسية.

خامسا: القيف عند ابن خلدون:
     يقول الدكتور بهاء الدين: ((بحسب وصف ابن خلدون أنها تخرج من مكان يقع بعد مخرج الكاف وقبل مخرج القاف الفصيحة المعروفة في كتب اللغة يتفق مع وصف ابن دريد للقاف التميمية)) إلى هنا الكلام صحيح مليح، ثم يقول بعده مباشرة:  ((ولكن لا ينطبق على ما سماه المجمع قيفا)) لماذا يا سعادة الدكتور؟ (( لأن القاف البدوية الآن هي الگاف الفارسية)) هذا صحيح ((والگاف الفارسية جعلها ابن خلدون بين القاف والكاف والجيم فقال عن الكاف في أوشهنك (ملك فارسي) إنها بين الكاف والقاف والجيم)) يا للهول!! أرجوك أن تركز قليلاً يا سعادة الدكتور، أنت ضد التخليط! فهل أصبحت تقبل أن يوصف الحرف ((بين الكاف والقاف والجيم!!)) وتستشهد به؟ أراك استسلمت حينما رأيت هذا عند ابن خلدون أيضا، ألا يمكن أن يكون ابن خلدون مخلّطا؟ لكن دعنا من هذا، فكلام ابن خلدون صحيح، ولا يتعارض مع وصف المجمع بل يوافقه، فنحن نقول: القيف هي القاف التميمية التي وصفها ابن دريد واستشهد لها وهي التي وصفها سيبويه وغيره وجعلوها صوتا ينشأ من ثلاث حالات بين الجيم والكاف وبين الكاف والجيم وبين القاف والكاف، أو باختصار: بين الكاف والقاف والجيم كما قال ابن خلدون وقالوه قبله، فهي هي، ويبدو أنك لم تدرك أن الصوت في گمل هي القيف سواء كانت محولة من الجيم في (جمل) أو القاف في (قمل) ولم تدرك أن الصوت في (الحَگـ) هو هو في الحجّ والحقّ حين تقفقف الجيم أو تقفقف القاف. فما نذكره في المجمع متوافق تماما مع ابن دريد وابن خلدون، ونستدل على أن صوت القيف هو الصوت الذي نسمعه اليوم في البيئات البدوية كنجد والحجاز واليمن وسائر البلاد العربية بأمور تدعمها أقوالٌ واضحة لعلماء أجلّاء، فمن ذلك:

1-- أن تحديد علماء العربية للمخرج البيني لذلك الصوت الفريد، وهو وقوعه بين الجيم والكاف والقاف يوافق ما نسمعه اليوم في تلك البيئات البدوية، والألفاظ الممثل بها في نحو جمل والقوم: (گمل والگوم = ݠمل والݠوم) ومعلوم تقارب هذه الحروف الثلاثة في المخرج، قال ابن منظور: مخرج الجيم والقاف والكاف بين عكدة اللسان وبين اللهاة في أقصى الفم.

2- أن الظواهر اللهجية الملقّبة كالكسكسة والكشكشة والشنشنة والعجعجة والفحفحة لم تزل معروفة كما وصفت لنا في كتب القدماء، ولم تزل في البيئات البدوية كما هي لم تتغيّر، وكذلك القفقفة لم تتغير.

3- أن ما وصفوه بأنه لغةٌ لليمن في القيف التي بين الجيم والكاف لم يزل مسموعاً في اليمن كما هو، ولم نزل نسمعهم يقولون في رجل وجمل (رگل وگمل=رݠل وݠمل)

4- أن القفقفة والقيف لغة متوارثة من أسلافهم، حتى قال ابن خلدون نفسه إنّ لغة أهل الأمصار في هذا الصوت ((لم يستحدثوها وإنّما تناقلوها من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مُضر لمّا نزلوا الأمصار من لدن الفتح. وأهل الجيل أيضا لم يستحدثوها إلّا أنّهم أبعد من مخالطة الأعاجم من أهل الأمصار)) فهذا يرجّح أن ما يوجد لديهم من لهجة مستفيضة ما هو إلا من لغة أسلافهم.

5- أن الاتفاق على نطقها يؤكد صحتها وقدمها، قال ابن خلدون أيضا: ((هذا مع اتّفاق أهل الجيل كلّهم شرقاً وغرباً في النّطق بها وأنّها الخاصيّة الّتي يتميّز بها العربيّ من الهجين والحضريّ))

6- وأنها لهجة البدو في زمن ابن خلدون، ولم تزل كذلك إلى اليوم، ويؤكدها ابن خلدون بالوصف الدقيق فيقول: ((والظّاهر أنّ هذه القاف الّتي ينطق بها أهل الجيل العربيّ البدويّ هي من مخرج القاف عند أوّلهم من أهل اللّغة، وأنّ مخرج القاف متّسع، فأوّله من أعلى الحنك وآخره ممّا يلي الكاف. فالنطق بها من أعلى الحنك هو لغة الأمصار، والنطق بها ممّا يلي الكاف هي لغة هذا الجيل البدويّ)) وفي هذا إشارة إلى تقريب الحرفين من الجهتين.

7- ويؤكد شيوع هذا الصوت ابن الحاجب في الإيضاح في شرح المفصل ويقول ((إن هذه القاف التي كالكاف كما ينطق بها أكثر العرب اليوم، حتى توهم بعض المتأخرين أن القاف كذلك كانوا ينطقون بها، حتى توهم أنهم كذلك كانوا يقرؤون بها، والظاهر أنها في كلامهم، والقاف الخالصة أيضا في كلامهم))

8- ويؤكد صيرورتها وشيوعها أيضا بما يوافق حالها المتوارثة القلقشندي في صبح الأعشى في قوله:  ((ويأتون بقاف بين القاف والكاف المعقودة، قاله أبو سعيد (يقصد السيرافي) عن سماعه من العرب؛ ولا يكاد يوجد منهم من ينطق بها على أصلها الموصوف في كتب النحويين)) يقصد القاف الفصحى.

9- وأنها لغة البادية من العرب في العصور الوسطى، قال الخضر  اليزدي (ت 720هـ) في شرح الشافية 2/ 998: إنهم يقولون في قال: گال (ݠال) وإنها ((لغة عوام أهل البادية، وبعض أهل الحضر عليها اليوم. هكذا وجدناهم))

10 – ولعلها لغة بعض العرب منذ العصر الجاهلي، ولذا رصدها جواد علي في تاريخ العرب قبل الإسلام 8/ 577 وقال في حديثه عن لهجاتهم القديمة: ((ومنهم من يستعمل الحرف الذي بين القاف والكاف كما في لغة تميم))

11- وأكد هذا أبو حيان (ت 745هـ)  في الارتشاف وذكر أنها في زمانه كانت ((غالبة على لسان من يوجد في البوادي من العرب، حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة، لا بالقاف الخالصة الموصوفة في كتب النحويين))

12- وإليه يذهب الجمالُ الأسنوي (ت 772هـ) في الكوكب الدّرّيّ 429 حين ذكر أن القاف المعقودة المشبهة للكاف التي سمّاها قاف العَرَب، ونقل الخلاف في صحة الصلاة بها وأن بعضهم أجازها في نحو (اهدنا الصراط المستݠيم) كما ذكره الشَيخ نصر المقدِسِي فِي كتابه المسَمّى بالمقصُود والرَّويانِيّ في الحِلية وأن ابن الرّفْعة جزم بذلك فِي الكفاية ونقله النّوَوِيّ في شرح المُهَذّب عن الرَّوْيانيّ.

13--  ونقل الزّبيدي (ت 1205هـ) في التاج مادة جلنار عن شيخه ابن الطيب الفاسي (ت 1170هـ) ما نصه: ((قال شيخنا : وهي القافُ التي يقال لها : المعقودة، لغةٌ مشهورةٌ لأهل اليمن، وقد سأل الحافظُ ابنُ حَجَر شيخَه المصنِّفَ رحمها اللّهُ تعالى عن هذه القاف ووقُوعِها في كلامِهم، فقال: إِنها لغةٌ صحيحةٌ))

14- ونقل نور الدين اليوسي (المتوفى سنة 1102هـ) عن الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن المرابط الدلائي أنه قال: ((كنت مع والدي رحمه الله، وأظنه قال في درب الحجاز نزولاً، فإذا بعجوز أعرابية مرت بنا وقد رفعت عقيرتها وهي تقول:
حجّ الحجيجُ وناگتي معگولةٌ * يا ربّ يا مولايَ حلّ عگالها
بقاف معقودة على ما هو لغة العرب اليوم))

 15- ووصفها الرافعي في (تحت راية القرآن 148، 149) بأنها شائعة في العرب، وهي غير القاف الخالصة التي يُقرأ بها القرآن، وأشار إلي بيت الشاعر التميمي المقفقف.

16- ويرجح إبراهيم أنيس في (الأصوات اللغوية85، 86) ((أن نطق القاف كالجيم القاهرية قديم، وربما كان شائعا بين بعض القبائل الحجازية أيام النبي صلى الله عليه وسلم))

17- والطريف أن محمد حسن الزيات في (مجلة الرسالة العدد 214) كان يسمي هذا الصوت في صورته المحوّلة عن الجيم: (قاف الجماعة) لأنها تنطق: الچماعة (الݠماعة) ويصفها بما هو معروف عنها. يقصد أنها الصوت الذي تظهر في نطق القاهريين لجيم الجماعة.

18- ويؤكد القيف وشيوعها الدكتور أحمد علم الدين الجندي، في (اللهجات العربية في التراث) بقوله: ((والذي أرجّحه أن أكثر القبائل العربية كانت تنطق القاف مجهورة، أي بين الكاف والقاف))

19- ويقول الدكتور ضاحي عبدالباقي في (لغة تميم 102) في حديثه عما نسميه القيف: ((وما زالت هذه الصورة هي السائدة اليوم، نجدها مثلا في معظم أنحاء الجزيرة العربية))

20- وقد فهم الدكتور محمد الأنطاكي في (المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها 1/ 44) أن الكاف التي بين الجيم والكاف هي ما ننطقه في الرسم الأجنبي ( g ) وذكر أنه هو المسموع في كلام عوام اللاذقية والشام في قولهم: الله أگبر (agbar) وهو يعني ما نسميه صوت القيف، ومعلوم أن الصوت: g  يطابق الگاف الفارسية.

     وفي الختام أقول: لم يزل هذا النطق شائعا في القبائل البدوية إلى اليوم، ويصعب على غير المتعلم منهم ومن كبار السن خاصة أن ينطق القاف الفصحى، فلا ينطقها إلا بين القاف والكاف تماما كما تنطق القاف الفارسية، وهي القيف، كما أن هذه الأوصاف الصريحة لصوت القيف التي تمتدّ من زمن ابن دريد ونسمع صداها المتكرر في العصور المتعاقبة عند النحاة بهذا الوضوح والنص الصريح على شيوع القيف ليؤكد رسوخ هذا الصوت الفرعي وانتشاره، وفيه مطابقة تامّة للواقع اللغوي المعاصر ومصادقة على صحة وصفهم له، فنحن نسمعهم اليوم من الخليج إلى المحيط في بوادي العرب في الحجاز ونجد وعسير واليمن وعمان وجنوب العراق وصعيد مصر وليبيا وبادية الجزائر والمغرب وعرب شنقيط وبعض الحواضر أذا تكلموا على سليقتهم لا ينطقون إلا بالقيف الموافقة للگاف الفارسية، ولا تسمع على ألسنتهم القاف الفصحى إلا في صلاتهم وتلاوتهم وحين يتكلّمون في المحافل الرسمية أو لقاءات العلم ونحو ذلك مما يرتفعون فيه عن المستوى اللهجي.

    وأدعو الدكتور بهاء الدين عبدالرحمن وسائر الزملاء الكرام الموافقين والمخالفين إلى التعاون العلمي المثمر الواعي الطموح لننهض بلغتنا ونردّ لها ولعلمائها القدامى شيئا من الجميل، فما نحن إلا عالة على موائدهم نأكل بعلمهم عيشا هنيئا مريئا، فمن العار أن نتناحر ونتدابر، ومن التقصير والعجز والتراخي أن نكتفي بما قُدّم لنا من جهود غيرنا ونظلّ مرددين مستهلكين لعلوم أُنتجتْ منذ مئات السنين دون أن يكون لنا شيء قليل أو كثير من الإضافة أو التتمة أو التجديد.

                                                                                                       كتبه
                                                                                          عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
                                                                                           الجمعة 22 شعبان 1435هـ

                                                                                                 المدينة المنورة

الخميس، 19 يونيو، 2014

شواهد طريفة للقيف:

شواهد طريفة للقيف

     قال الحسن بن مسعود بن محمد، أبو علي، نور الدين اليوسي (المتوفى سنة 1102هـ): ((حدثني الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن المرابط الدلائي قال: كنت مع والدي رحمه الله، وأظنه قال في درب الحجاز نزولاً، فإذا بعجوز أعرابية مرت بنا وقد رفعت عقيرتها وهي تقول:
حجّ الحجيجُ وناكتي معكولةٌ * يا ربّ يا مولايَ حلّ عكالها
بقاف معقودة على ما هو لغة العرب اليوم، قال: فقام أبي يهرول وراءها عجباً بما سمع من كلام العرب في غير زمانه.
     والظاهر أنها أرادت بالناقة نفسها، وأنها لم تنشرح لهذا الأمر، أو أرادت تمثيل حالها في عدم التحرك بحال الناقة المعقولة أو حال من ناقة معقولة.
     ومثل هذه اللغة ما حدثني الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الجزائري قال: حج بعض الأشراف فلما وقف على الروضة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام قال:
إن كِيل زرتم بما رجعتم به * يا أكرمَ الرسْلِ ما نكولُ؟
بالقاف المعقودة، فسمع من الروضة بتلك اللغة:
كولوا رجعنا بكلّ خير  *  واجتمع الفـرع والأصول
انتهى)) [بنصه من المحاضرات في اللغة والأدب، لنور الدين اليوسي]

قلت: وصواب رسم الكلمات القيفية في النص كما يأتي:

حجّ الحجيجُ وناݠتي معݠولةٌ * يا ربّ يا مولايَ حلّ عݠالها


إن ݠيل زرتم بما رجعتم به * يا أكرم الرسل ما نݠولُ؟

ݠولوا رجعنا بكلّ خير  *  واجتمع الفـرع والأصول

  كتبه
 عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة

20/ 8/ 1435هـ

الأربعاء، 18 يونيو، 2014

رأيي في حروف الزيادة:

رأيي في حروف الزيادة
الفرق بين حروف الزيادة الصرفية وحروف الزيادة اللغوية

قدم البصريون خدمة جليلة لعلوم العربية، فقد أنهجوا القياس، ووضعوا أسس العلم للعربية نحوها وصرفها، فترسّخ مذهبهم وانتصر على غيره، وتعلمت الأجيال اللغوية منذ القرن الرابع الهجري أن قول البصريين قول لا يردّ، وأنّه يعلو ولا يُعلَى عليه، فأضرّ هذا الاعتقاد بالعلم، لأنه عطّل العقول، وربما تمرّد عليه أفراد، وما أجمل قولة أبي حيان في البحر المحيط (( ولسنا متعبّدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون)).
ومن مذهب البصريين أن حروف الزيادة عشرة يجمعها قولهم (سألتمونيها) وأنه لا يكون حرفٌ زائدٌ في الكلمة من غير هذه العشرة، وهم يسخرون من بعض الكوفيين حين يقولون بزيادة حرف ليس من هذه العشرة، والكوفيون يتوسعون في حروف الزيادة ويطلقون القول فيها بغير قيد، ولا يفرقون بين زيادة صرفية وغيرها.
والذي يظهر لي في حروف الزيادة يختلف عن رأي البصريين و عن رأي الكوفيين، فأرى أنه يجب أن نفرق في البدء بين حروف الزيادة الصرفية المطردة وحروف الزيادة اللغوية الأحفورية غير المطردة، وأرى أن الزيادة نوعان:
1-             زيادة صرفية قياسية، وحروفها ثمانية (أ ت س م ن و ا ي) وليست عشرة، فقد استبعدتُ اللام والهاء؛ لأسباب سأذكرها لاحقا، وقد جمعها بعض الفضلاء حين طرحت الفكرة في حسابي في تويتر بقوله: (أمستويان) واقترح بعضهم: (أيتناسون) أو (أنستُ يوما) وغير هذا.
2-             زيادة لغوية سماعية معجمية أحفورية، وحروفها الحروف جميعا. وهذا النوع الثاني من حروف الزيادة يخدم البحث المعجمي، ويفتح آفاقاً واسعة للدلالة، ويعين على تتبع تطور الجذور والكشف عن علاقاتها بعضها ببعض.

ولستُ مقلداً لأحدٍ فيما ذهبت إليه في هذا التقسيم، إنما هو ثمرة دراسة وتأمّل للتصريف العربي ومعجمات اللغة كانت بدايتها في رسالتي للدكتوراه (تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم العربي) التي نوقشت عام 1414هـ 
فالحروف الثمانية زوائد (صرفية مطردة قياسية) وباقي الحروف زوائد لغوية جذرية موغلة في القدم غير مطردة في الاستعمال اللغوي، وهذا النوع الثاني نراه كثيراً عند ابن فارس في المقاييس.
وعلّةُ استثنائي اللامَ والهاءَ من حروف الزيادة الصرفية أنهما لم تُزادا في موضع تصريفيّ مطرد كاطراد الحروف الثمانية "أمستويان" وأمثلة البصريين فيهما محل نظر ونقد، فاللام - باعتراف الصرفيين القدامى- لا تطَّرد زيادتُها في موضع تصريفي، ومثلوا  لزيادتها بـ ((ذلك وتلك وهنالك وأولئك)) وهذه أمثلة مرفوضة؛ لأنها ليست زوائد تصريفية، بل وقعت في المبنيّات، فلا يعتدّ بها، ومثلوا بزيادة اللام في نحو زيدل وعبدل والعَثْوَل.. وهذه لا تختلف عن زيادة الراء في سِبَطر ودِمَثر .
أما  الهاءُ  فتزاد في فعل الأمر نحو فِهْ وارمِهْ، وفي الوقف على ما الاستفهاميّة، إن جُرّتْ بحرفٍ؛ نحو  لِمَهْ، وفي النُّدْبَةِ والاستغَاثَةِ عند الوقف؛ نحو وا زيداه.. وهي زوائد غير صرفية. ولذا نُقل عن المبرد أنه كان يخرجها من حروف الزيادة، وهو على حق، لكنه تراجع فأعادها لحروف الزيادة في المقتضب تقليدا لأصحابه.
وللكلام صلة تأتي في المقال القادم، إن شاء الله.
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
جريدة المدينة: ملحق الرسالة:
الجمعة 1434/1/9 هـ 2012/11/23 م العدد : 18111          


السبت، 14 يونيو، 2014

قاف العرب والگاف الفارسية:

قاف العرب والگاف الفارسية

تركي الغنّامي

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
     فقد كثر القول والأخذ والرد فيما يتّصل بقرار مجمع اللغة الافتراضي حول رسم الصوت الذي بين القاف الفصحى وبين الكاف العربية والذي سماه المجمع حرف القيف وجعل رسمه (ݠـ)  قاف منقوطة بنقطتين من تحت وهو الصوت الذي أشارت إليه مصادرنا القديمة وحاول علماؤنا رحمهم الله توصيفه ورسمه، ومن أوائل من حاول ذلك ابن دريد مصرّحاً بأن هذه لغة معروفة في تميم وأورد على ذلك شاهدا شعريا كُتبت قافاته كلها كافات عدا قاف "قد" فجاء البيت على هذا النحو:
ولا أكول لكدْرِ الكومِ قد نضجتْ  ولا أكولُ لبـابِ الـدار مكفولُ
وأصل الكلام :
ولا أقولُ لقدرِ القومِ قد نضجتْ  ولا أقولُ لبـابِ الـدارِ مقفولُ 

   وهذا الصوت الذي أُثبت في الرسم كافا عربية هو في الأصل مكتوب بالگاف الفارسية التي تسمى في الأبجدية الفارسية حرف الگاف ويكتب بهذا الشكل (گ) وهو حرف يطابق في صوته صوت تلك القاف في اللهجة التي أشار لها ابن دريد وهو صوت انحرف عن القاف الفصحى ولكنه لم يصل في أسوأ أحواله إلى أن يكون كافا، وهذا الصوت العربي - الذي يسميه علماؤنا الأوائل حرفا بدون أي تحفظ - شائع منذ القدم وإثباته لتميم لا يعني نفيه عن غيرها فابن خلدون يكاد يجزم أنها لغة عموم مُضر فوجدناه عند حديثه عن هذه القاف يقول: "وهذه اللّغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هي متوارثة فيهم متعاقبة ويظهر من ذلك أنّها لغة مُضر الأوّلين ولعلّها لغة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعينها" بل يذهب بعض العلماء إلى أن هذه القاف هي قاف الحجاز عموما من مضر وغيرها فنجد الحرضي في بهجة المحافل يسميها قاف الحجاز ويؤيد بروايته عن مشايخه ما ذهب إليه ابن خلدون من أنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم فنجده بعد أن أورد قوله صلى الله عليه وسلم : "ما أنا بقارئ" يقول : " (فائدة) أخبرنا شيخنا وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد عن شيخه وجيه الدين عبد الرحمن الديبع عن مشايخه أنه ورد في بعض المسندات أنه صلى الله عليه وسلم نطق فيها بقاف الحجاز المترددة بين القاف والكاف" بل إن الرافعي في كتابه تحت راية القرآن يتجاوز الحجاز ومضر ليؤكد أن هذه القاف شائعة في العرب عموما وذلك عندما وصفها بقوله: "وهي القاف المعقودة التي ينطقونها بين القاف والكاف، وكانت شائعة في العرب".

   وليس غريبا بعد ذلك ولا مستنكرا أن نجد من العلماء من يسمي هذا الصوت "قاف العرب" وذلك لشيوعها بين العرب الخلص الذين لم يختلطوا بغيرهم من العجم ولم يتأثروا بلغة غير العربية وممن صرح بهذه التسمية الإسنوي في الكوكب الدري والأنصاري في فتح الوهاب والسيوطي في الحاوي.
     ولأن هذا الصوت وجه آخر وفرع عن حرف القاف الفصيح كما جزم بذلك ابن خلدون وكما هو متوارث إلى اليوم في عموم الجزيرة وفي بلدان وأقاليم كثيرة من بلاد العرب، وليس له رسم يعرف به غير رسم القاف الفصيحة، فقد اجتهد العلماء قديما عند توصيفهم للهجات وعند كتابة الأسماء الأعجمية التي تتضمن صوتا يطابق هذا الصوت فحاولوا إيجاد رسم يفهم من خلاله المقصود فوجدوا أن أسهل الطرق هو استعارة  حرف (الگاف) الفارسية الذي يطابق صوته صوت هذه القاف ويطابق رسمه رسم حرف آخر من الحروف العربية وهو حرف الكاف مع زيادة خط فوقه يشبه الفتحة إلا أنه أطول .

  ويمكن للباحث أن يربط هذا الرسم بالبيئة التي ولد فيها؛ فمولده في العراق وربما في بلاد فارس وعلى أيدي علماء أجلاء منهم من كان فارسيا ومنهم من هو عربي أو أعجمي غير فارسي وهو في الغالب مطلع على اللغة الفارسية التي كانت حاضرة في المشهد الثقافي منذ بزوغ شمس الخلافة العباسية، وعندما أراد هؤلاء العلماء رسم هذا الصوت لم يجدوا أقرب وسيلة ولا أخف مئونة ولا أوضح لمتلقي علومهم من الاتكاء على هذا الحرف الفارسي الذي لم يكن مجهولا أو غريبا.
  
    وعندما أخذت أقاليم الدولة الإسلامية نصيبها من العلم وكثر فيها العلماء بدأت تظهر تسميات أخرى لهذا الصوت فرضتها حاجة تلك الأقاليم وبيئتها التي لم تكن اللغة الفارسية وثقافتها شائعة فيها فوجدنا كثيرا منهم يعدل عن الاسم والرسم العراقي ويتجهون إلى تسمية هذا الصوت بما هو أقرب لفهم أهل الإقليم لأن الغاية من الاسم والرسم هي تصور كنه هذا الصوت وصفته فوجدناهم يكتبونها - في الغالب - قافا فصحى ويسمونها القاف المعقودة وقاف العرب والقاف الحجازية إلى غير ذلك من الأسماء ثم يصفون بعد ذلك مخرجها بين القاف والكاف.

     ويستمر الأمر على هذا من غير نكير أو تسفيه أو تضليل حتى يبلغ الأمر ذروته من الخروج على اجتهاد العراقيين الأوائل وكان ذلك الخروج على يد جماعة من علماء مصر الذين غير بعضهم في الاسم وغير آخرون في الاسم والرسم وكان هذا التغيير مرتبطا ببيئتهم أيضا والغاية منه إيضاح صورة هذا الصوت واستيعاب حقيقته مستصحبين في ذلك ما ألفوه وعرفوه واعتادوه من أضرب الأداء الصوتي فشاع في كتاباتهم مصطلح "الجيم القاهرية" تعبيرا عن صوت "قاف العرب" وتناقله الناس عنهم من غير نكير على الرغم من أنه اسم حادث لصوت عامي .

     ثم تبارى العلماء ومنهم علماء مجمع اللغة في مصر في تسمية هذا الصوت فنجد الدكتور كمال بشر يسميه "الجاف المصرية" بينما يسميه الدكتور محمود فهمي حجازي "الجاف البدوية" أما مؤلفو المعجم الوسيط فيسمونه "الجاف الفارسية"، ولا يخفى أن هذا الاسم "الجاف" يكون نطق جيمه موافقا لنطقها العامي عند أهل القاهرة وهو اسم مستحدث في رسمه بحرف الجيم للتعبير عن صوت من أصوات حرف القاف، ومن المعلوم أنه ليس هناك حرف في العربية اسمه الجاف سواء كان نطقه بالجيم الفصحى أو بجيم اللهجة المصرية.

     والذي يعنيني هنا أن مجمع اللغة العربية ممثلا في المعجم الصادر عنه وفي عالمين من أكبر علماء المجامع العربية أحدهما الأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية قد تجاوزوا ما قرره الأوائل من رسم واسم لهذا الصوت، فبينما رُسم عند الأوائل گافا فارسية وسمي بها كذلك، سماه هؤلاء "الجاف" ورسموه جيما فصحى ولم يُنكر عليهم هذا ولم يتهموا بإفساد لغة القرآن ولم يلحقوا بأهل الدعوات المشبوهة من الذين دعوا لاعتماد الحروف اللاتينية أو الكتابة بالعامية أو غيرها.

     وبهذا يكون لدينا رسمان مستعملان لـ(قاف العرب) أحدهما أعجمي فارسي وهو(الگاف) وهو مستعمل منذ القدم ولا يزال، وهو يشبه في رسمه وفي اسمه -عند العرب - حرفا عربيا آخر غير القاف وهو حرف الكاف العربي، ولدينا أيضا حرف آخر اسمه (الجاف) وهو حرفٌ مخترع، صوته عند مخترعيه يخالف رسمه، ورسمه الكتابي مطابق لحرف آخر من حروف العربية وهو حرف الجيم، وكلا الرسمين أحدث انحرافا صوتيا ولحنا فاضحا؛ أما الأول فيكفي فيه أن جمهرة من استعمله حَرَّف في اسم الحرف الفارسي نفسه فسماه كافا فارسية وهو ليس كذلك رسما ولا نطقا فاسمه وفقا للنطق (الگاف) أي أنه موافق للصوت الذي استجلب هذا الرسم من أجله وليس هو الكاف فتسميته الكاف الفارسية خطأ، أما أثره في إشاعة الخطأ واللحن فلعل بيت التميمي شاهد الجمهرة من أظهر الأمثلة على هذا حيث تحول رسمه إلى الكاف العربية فضاع منه الشاهد بل ضلل الباحثين فظن الكثيرون أن تميما تبدل القاف كافا، ولن أعيد هنا ما جاء في قرار المجمع الافتراضي بهذا الخصوص، أما الثاني وهو حرف (الجاف) الذي يكتب جيما فليس أقل إيهاما من صاحبه، فهو عندي يصلح فقط لمن يبدل الجيم إلى (قاف العرب) أما الذي ينطق الجيم الفصحى فإن هذا الرسم يفسد عليه مقاصد الكلام وحقيقة القول وسأضرب لذلك مثلين؛ قال الدكتور محمود فهمي حجازي في كتابه علم اللغة العربية: " أعنى الجاف البدوية، وليعد القارئ الكريم بسمعه إلى البدو يقول: هو جال لي وأنا جلت له"، ولا يخفى ما في هذا الرسم من لحن جلي يغير الكلام عن حقيقته فالذي يقرأ العبارة كما هي سيقرؤها بالجيم الفصحى وسينسب إبدال القاف جيما إلى البدو وهذا أمر لا حقيقة له، بل إن الكاتب لم يرده أصلا لكنه اعتمد على طريقة نطقه هو وهي نطق العامية القاهرية للجيم، والإشكال أو الفساد جاء من الرسم.

    ومثله ما ذكره الأستاذ فرغلي عرباوي وهو أحد مدرسي القرآن الكريم حين تحدث عن اللحن في القرآن وإبدال القاف إلى ما سماه الجيم القاهرية وكان مما قال : "ذكر علماء الأصوات أن بعض مناطق الجزيرة العربية واليمن وأغلب صعيد مصر يبدلون صوت القاف العربية بصوت الجيم القاهرية نحو (قال يقول) فيقولون (جال يجول) " ثم ضرب لذلك مثلا من القرآن فقال: " نحو (الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: من الآية6) فالبعض يقلبها خطأ وجهلا منه هكذا (المستجيم) وقد سمعت ذلك من بعض البدو في بعض مساجد المملكة أثناء تدريسي للقرآن بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام" (أرشيف أهل الحديث 347:68) والذي يقرأ مثل هذا الكلام لا يخطر له إلا أن البدو يبدلون القاف جيما وهو أمر لا وجود له ولم يرده الكاتب أيضا ولكنه كتبه على طريقته هو في النطق حيث ينطق الجيم بصوت (قاف العرب) الذي سمع بعض البدو يقرؤون به.

       ونلاحظ هنا أن اللغة التي رواها ابن دريد لتميم ونقلتها لنا الكتب محرفة هي ذاتها التي ذكرها الدكتور محمود حجازي والأستاذ فرغلي عرباوي بل إن الشاهد المشترك بينهم جميعا جاء من مادة لغوية واحدة (ق و ل ) فرأينا كلمات (أقول وقال ويقول) جاءت الأولى منهن في الجمهرة (أكول) والأخيرتان أثبتها الأخيران (جال ويجول) وهما يعنيان تماما الصوت الذي عناه ابن دريد وجاء في كتابه محرفَ الرسم وأصله (أگول) فـ(أكول) المنسوبة لابن دريد و(أجول) المصرية كلاهما يعبران عن صوت واحد ليس هو أيًّا منهما بل هو (أݠول) بقاف العرب.

    فهذه اللغة كما هو مشاهد وقع عليها وعلى الناطقين بها من الظلم والحيف ما لا يمكن إنكاره فنسب لأهلها قديما وحديثا ما لم يقولوه والسبب في ذلك أخطاء كتابية سواء كان ذلك بسبب تحريف الرسم كشاهد بن دريد والناقلين عنه أم كان بسبب انحراف نطق الكاتب كما هو في شاهد الدكتور حجازي والأستاذ عرباوي .

     ومع ما تقدم فإن من العدل والإنصاف أن نشير إلى أن هذا الانحراف في كتابة هذا الصوت العربي قديما عند العراقيين وحديثا عند المصريين ناتج عن اجتهاد له ما يبرره فالأوائل من العراقيين لم يجدوا رسما عربيا لهذا الصوت فاستعملوا الرسم الفارسي الذي كان شائعا ومعروفا لديهم وإنما دخل التحريف عليه لدى المتأخرين الذين خلطوا بين رسمه الفارسي وبين حرف عربي مباين له ومختلف.

     أما المصريون فيظهر لي أن منهم من تنبه إلى أن تسمية هذا الصوت بالكاف الفارسية خطأ تاريخي ولغوي فليس هذا الصوت كافا في الفارسية بل هو (گاف) كما تُنطق (ݠاف العرب) ومثيله الصوتي موجود مستعمل لدى المصريين وهو صوت الجيم في اللهجة الدارجة التي ينطقونها گافا ومما يرجح هذا الظن عندي أن مؤلفي المعجم الوسيط لم يسموا هذا الحرف الفارسي كافا فارسية بل سموه (الجاف الفارسية) وفقا لنطقهم للجيم الذي يوافق صوت هذا الحرف في الفارسية.

     وهذه النقلة المصرية في رسم هذا الصوت هي محاولة من بعض علماء مصر لإعادته لأصله العربي وتخليصه من التبعية للغة الفارسية، إلا أن هذه المحاولة لم ترفع الظلم عنه كما ينبغي فقد نجحت نجاحا نسبيا على مستوى الناطقين بالجيم المصرية فقط ولكنها بقيت مشكلة على عموم القراء والدارسين للغة العربية .

     وعلى ما تقدم يمكن لنا تدوين الملاحظات التالية :
1- أن هذا الصوت قديم جدا، بل إن هناك من علماء اللغة من يرى أنه هو الصوت الأصل للقاف.
2- أن هناك العديد من الأسماء لهذا الصوت قديما وحديثا.
3- أن هناك رسمان شهيران لهذا الصوت أحدهما أعجمي فارسي والآخر عصري مخترع يتكئ على صوت عامي مصري.
4- أن كلا من الرسمين لحق بحرف من حروف العربية مغاير لحرف القاف الذي هو الأصل المتفرع عنه هذا الصوت.
5- أن الرسمين أحدثا لحنا وانحرافا صوتيا لعدم دقتهما في التعبير عن الصوت المقصود بل لبعدهما الشاسع عنه.
     قال العراقيون قديما اسم هذا الصوت العربي (الگاف الفارسية) ويكتب هكذا (گ) وقال علماء مصريون اسمه (الجاف) ويكتب هكذا (ج) وينطق وفق اللهجة الدارجة لأهل القاهرة، وقال المجمعيون في مجمع اللغة الافتراضي- الذين يتحدث أكثرهم بهذا الصوت - اسمه (الݠيف) ويكتب هكذا (ݠـ) لأنه فرع عن القاف الفصحى .

     والسؤال هنا هل يصح لكل العرب – بل ولغير العرب - قديما وحديثا أن يجتهدوا في تسمية هذا الصوت واستعارة الرسم له أو اختراعه بدون أي نكير أو مراجعة وعندما يجتهد – على نفس القاعدة – بعض المتخصصين من الناطقين بهذا الصوت ينكر عليهم ويتهموا في علمهم بل وفي نياتهم ؟!!
    فما الذي يجعل صنيع قدماء العراقيين ومعاصري المصريين مستساغا مقبولا ليس فيه ما يوجب النكير - مع ما نتج عنه من اللحن والخطأ والانحراف البين الظاهر - ويجعل صنيع المجمعيين في قرارهم الأخير  شرا ووبالا وإفسادا للغة القرآن ؟!

     وبعض المعترضين يظن أن هذا القرار دعوة لحرف جديد في العربية وله نقول: ليس في القرار ولا في أذهان مقرريه ولا مؤيديه شبهة دعوة لابتداع حرف في لغة العرب إلا أن يكون من كتب (الگاف) قديما و(الجاف) حديثا داعية لحرف جديد في العربية .

     إن مواضع كتابة صوت (الݠيف) التي يبيحها المجمع ولا يزيد عليها هي ذات المواضع التي يصح فيها ويؤذن عند المعترضين أن يكتب (الگاف) أو (الجاف) كرواية لغة أو عند نقل الأسماء الأعجمية فبدلا من كتابة (أگول) و(أجول) الملبسين يكتب (أݠول) وبدلا من كتابة (جوجل) أو (غوغل) أو (قوقل) يكتب (ݠوݠل) فيكون الرسم رمزا خاصا معبرا عن حقيقة الصوت غير مشتبه بغيره .
      وعلى الرغم من تأييدي لقرار المجمع لأنه لم يخرج عن الاجتهاد السائغ الذي سبقه إلى خوض غماره أعداد كبيرة من العلماء إلا أنني أقترح أن نوفق في قضية الاسم بينه وبين ما ذهب إليه علماء اللغة قديما وحديثا مع التحرز من ما وقع لهم من اللبس والإيهام فقد سمي هذا الصوت عند الأوائل (الگاف) وعند بعض المتأخرين من علماء مصر (الجاف) وكلها على صيغة (القاف) الفصحى التي هي أصل الصوت الموصوف بهذا الاسم، والملاحظ هنا أنهما وافقا اسم حرف القاف صيغة  وخالفاه في رسم أصل الحرف بينما وافقه المجمع في رسم الحرف وخالفه في صيغة الاسم (الݠيف)، وعليه فإنني أقترح أن يكون اسم الحرف (الݠاف) لكي يوافق القاف الفصحى في صيغة الاسم ورسم الحرف ويكون النقط وحده كافٍ للتفريق بينهما عند النطق.

   على الرغم من يقيني التام أن دافع أكثر المعترضين هو الغيرة على لغة القرآن والخشية على مستقبل ناشئة العرب إلا أنني أطمئنهم فقد مضى على استعمال (الگاف الفارسية) في كتب العرب أكثر من ألف سنة ومضى على ابتداع حرف (الجاف) والكتابة به أكثر من خمسين سنة ولم يعترض عليهما أو يحاربهما أحد – رغم الانحراف الصوتي الشنيع الناتج عنهما – ومع ذلك لم تفسد بوجودهما لغة العرب لأن كتابة هذا الصوت كتابة مخصوصة في سياق مخصوص لحاجة مخصوصة وهذه الخصوصية هي قيدٌ لازم لا تنفك عنه الكتابة بهذا الصوت وتجاوزها يعد شذوذا لا يحمل على لغة العرب وعلمائها قديما ولا حديثا، وقد رأيت قرار المجمع يؤكد على هذه الخصوصية تصريحا لا تلميحا.

     لقد تعمدت الإيضاح المفصل (الممل) - وتوضيح الواضح مشكل كما يقول العلماء – طلبا في دفع الشبهة عن أهل الغيرة من إخواني وأساتذتي فإن وفقت فهذا ما أردت وله سعيت، وإن ندّ عني فكرة أو لم تسعفني عبارة فلي من أخلاق الكرام عاذر ومن تجاوزهم عن الزلة ساتر، والحمد لله في المبتدأ والمختتم .

        كتبه
تركي بن ماطر الغنامي
عفيف 15/8/1435