الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (1)

 من ذكرياتي في جامعة المؤسس (1)
في أيام ذروة الصراع بين المحافظين والحداثيين كنت طالبا في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وكنا نرى - أنا وزملائي- لهيب المعركة وشررها يسقط تحت أقدامنا لقربنا من ساحتها، فقد كانت كلية الآداب من ساحاتها المفضلة، بالإضافة إلى الصحف والكتب والأندية الأدبية، وكان يقود تلك المعارك الدكتور عبدالله الغذامي ومريدوه من جدة ومحمد المليباري ومريدوه من مكة، ولكل فريق أتباعٌ في كل مكان، واختلط الحابل بالنابل، فثمة أساتذة لا ندري مع من هم، وثمة طلاب لا ندري إلى من يميلون؟ ورأينا فريقا ثالثا يتشكّل بصمت يميل إلى الوسطية، ويأخذ من الفريقين أحسن ما عندهما، وكان قسم اللغة العربية في ذروة جذوته العلمية حين كنتُ طالبا فيه (1404 -1408ه/ 1984- 1988مـ) ففيه نخبة من الأساتذة وصفوة من طلاب العلم الجادّين، وكان من أساتذتنا آنذاك الأساتذة الدكاترة: محمد يعقوب تركستاني، وعبدالله المعطاني، وعبدالمحسن فراج القحطاني، وخليل عمايرة – رحمه الله- وعبدالله الغذامي، وعبدالهادي الفضلي، وعاصم حمدان، وأحمد النعمي –رحمه الله- وعمر الطيب الساسي، وبكري شيخ أمين، والسعيد الورقي، وفوزي عيسى، وحسين الذواد، وضيف الله هلال العتيبي، وعلي البطل – رحمه الله.
وكان من أكثرهم تاثيرا في تكوني العلمي وتوجّهاتي فيما بعد أستاذي الدكتور محمد يعقوب تركستاني، فقد تعلمت منه حبّ العربية وتراثها ومصادرها، وكان قدوة لنا في كل شيء، في علمه وانضباطه ودقته، وتمكنه من علوم العربية، وحبه للتراث وأهله، وجزالة لغته وسلامتها من اللحن، فمن النادر جدا  أن يسمع طلابه في دروسه لحنا، مع انسيابه في الكلام وقدرته العجيبة على الإبانة عما يريد أن يتحدث عنه.. وفوق هذا كانت له هيبة وإجلال في نفوسنا لحضوره القوي وشخصيته الجاذبة الأنيقة، على الرغم من بساطته وتواضعه، وقد درسنا عليه فقه اللغة ومقرر دراسات لغوية في القراءات القرانية، وأفدتُ منه كثيرا، وكان الدكتور عبدالله الغذامي يحاول أن يحتوي النخبة من طلابه، فلما رأى توجّهي التراثي وصلتي بالدكتور محمد يعقوب وظهور بعض مقالاتي في ملحق التراث بهذه الجريدة في عام 1408هـ حين كنت في المستوى الأخير بالجامعة قال لي: أخذك التركستاني!  
والحقيقة أن الدكتور عبدالله الغذامي آية في حسن التعامل واحترام الرأي، وتشجيع طلابة على تكوين شخصيتهم العلمية الخاصة والبعد عن التبعية والتقليد، وقد استفدت من علمه وطريقته في مقررَي الأسلوب والنصوص الأدبية، وجئتُه مرة في مكتبه بالقسم بعد أن درست الأسلوب عنده، فقلت له: أنا لست راضيا عن أدائي العلمي في هذه المادة، فاعتدل في جلسته وأقبل علي وقال حين لا ترضى عن نفسك فأنت على الطريق الصحيح! ودرسنا عليه أيضا مادة النصوص الأدبية، فجذبنا بجمال أسلوبه وعمقه في تحليل أبيات المتنبي، ولم أفاجأ حين حصلت عنده على العلامة الكاملة؛ لأنني أحببت المادة وأعطيتها وقتي وتذوّقتها بفضل الطريقة الجميلة التي يتميز بها في التدريس والتحليل الأدبي ونقد النصوص واستبطانها واستخراج مكنوناتها، ولبعض ما تعرض له الدكتور الغذامي من مضايقات بسبب أزمة الحداثة فضّل الانتقال إلى جامعة الملك سعود، وأذكر أننا زرناه في مكتبه ونحن على أبواب التخرج، نرجوه أن يبقى في القسم، فقال لنا هي سنة واحدة وسأعود.. ولكنه ذهب ولم يعد.
أما الدكتور عبدالله المعطاني فمن حسن الطالع أننا درسنا عليه مقرر المصادر الأدبية واللغوية - من كتاب عزّ الدين إسماعيل- في المستويات الدراسية الأولى، والدكتور المعطاني أديب وناقد وشاعر يمتلىء بالأصالة والتراث، فانتفعنا منه ومن جزالة أسلوبه في مادة النقد القديم، وحبب إلينا مصادر العلم في الأدب واللغة، ووكان يرشد طلابه إلى أحسن طبعات المصادر، وأذكر أنني أتيته بنسخة تجارية من (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، فلامني عليها، وقال لي: هذه لا تغني عن تحقيق محمود شاكر، فتعلّمنا منه ألا نقتني كتاباً محققاً إلا بعد سؤال أساتذتنا، ثم أخذتْه منا الإدارة حين تم تعيينه وكيلا لكلّيّة الآداب في عام 1407هـ، ولكنه كان حريصا جدا على تطوير القسم وإثرائه بالحراك الثقافي.
أما الدكتور عبدالمحسن فراج القحطاني فهو من أساتذتنا المحبّبين إلى نفوسنا، لعلمه وأدبه ودماثة خلقه وأصالته وشهامته وقربه من طلابه، وأفدنا منه كثيرا على الرغم من انشغالة بالإدارة، (كان عميدا لشؤون الطلاب) وعنه أخذنا علم العروض، وبطريقته فَكّكَ لنا هذا العلم اللغوي الرياضي المعقّد، ويسّره لنا، وبدأ من أصغر التفعيلات، وركز على تدريب الأذن الموسيقية عند طلابه؛ لخلق مَلَكةٍ تُعين على تمييز التفعيلات صوتياً، وكان يتنقّل بنا من الأسهل إلى الأصعب، إذ بدأ بتفعيلة (فاعلن) من بحر المتدراك ثم (فعولن) من بحر المتقارب، وهما من الدائرة الخامسة، وانتهى بنا إلى التفعيلات السباعية والدوائر الأكثر تعقيداً، فكانت مادة العروض من أجمل ما تعلمناه في الجامعة، فأحببناها، وانتفعنا من أستاذنا كثيرا على الرغم من انشغاله بالعمادة، وهي من أصعب العمادات، ولكنه كان يعطي المادة حقها، ويعامل طلابه بخلق أصيل، وأذكر أننا في الاختبارات الشفوية نأتيه إلى مكتبه لإجراء اختبار شفوي، وكان معي زميلي (الناقد والأديب فيما بعد) حسين بافقيه، وهو من النخبة المميزة في دفعتنا.. وكان بعض زملائي يستثقل العروض، ولا يطيقه، وأنا اليوم أحزن على من يحرم نفسه من لذّة علم العروض وإتقانه، فهذا العلم طَرِبَتْ لتفعيلاته الإبِلُ في الحداء،  فكيف لا يطرب له الناس؟
 (للحديث صلة عن بقية أساتذتي وبعض زملائي في الجامعة، في المقالات القادمة إن شاء الله)
 أ.د. عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
* الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3

الأربعاء، 18 سبتمبر، 2013

نفاضة الجراب49 من واجبات أقسام اللغة العربية تجاه التخصص

     تُقدّم أقسام اللغويّات في جامعاتنا السعودية خدمة جليلة للغتنا العربيّة، في حقلَي التدريس الجامعيّ والبحث العلميّ اللغويّ، وتعدّ هذه الأقسام الحارسَ الأوّل للسان العرب، وهي المخطِّط لمستقبله والراعي لأبحاثه العلميّة، وهي محطّ الأنظار لعشّاق اللغة وآدابها، يطمحون في رؤيتها في المكانة التي يرتجونها، ولأنّنا نطمح إلى المزيد ونتطلّع إلى الأفضل والأكمل، فإن النقد الهادف محمود، وبخاصة فيما يتّصل بالرسائل العلمية والبحث العلميّ في أقسامنا، وهي أقلّ من المأمول، وهذا همٌّ يؤرّق كل الأقسام العلمية والنظرية في جامعاتنا، ويؤرّقنا نحن أعضاء مجالس تلك الأقسام.

     والأمر واسع ومتشعّب، ولكنني سآخذ منه بطرف، وهو موضوعات الرسائل، فأرى أنها مصابة بالجمود مثقلة بالتكرار والحشو، وكأنّ اللغة ليست كائناً حياً ينمو ويتطور ويواكب مستجدات الحياة التي لا تتوقّف عجلتها الدائرة، وكأنّ علوم اللغة هي ما انتجته لنا القرون المفضّلة فحسب، فهل يكفي أن نردّد في بعض أقسامنا ما جاء في تراثنا القديم وحده، ونغلق الأبواب على أنفسنا، ولا نبحث عن الجديد الذي يفيد لغتنا على ضوء علم اللغة الحديث الذي يقدّر اللهجات ويحتفي بها بوصفها فرعاً مهماً من فروع اللغة ويقدّر لغة الناس ويفتح المجال لدرسها على ضوء منهجَي الوصفية والمعياريّة؟

      لقد قدم الخليل وسيبويه وابن جني وابن فارس وغيرهم من سلف الأمة الكثير للعربية وعلومها، وفضلهم يُطوّق أعناقنا، وهم أساتذة الأجيال في كل الأزمان، لكن من حقّ لغتنا علينا ومن البرّ بها ألا نبقى مستهلكين مرددين مكتفين بجهود السلف، فيجب علينا في أقسامنا أن نصنع المعرفة اللغوية المتجددة ونعدّ المناهج والبرامج التي تحقّق لنا ذلك، وأنْ نربّيَ لدى طلابنا ملكاتِ النقد والبحث الأصيل الجادّ وبناءَ الشخصية العلمية الحرة التي تأخذ وتردّ وتوجّه وتبتكر، فالتجدّد في لغتنا وأبحاثنا ورسائل طلابنا حياة ونماء والرتابة والسكون موت بطيء، ومن الخطأ أن يبقى البحث العلمي الذي توجّهه الأقسام مقصوراً على القديم دون الجديد.
      إنّ لغتنا تحتاج إلى أبحاث ترعى تطورها ونموها وازدهارها في ألفاظها ودلالاتها، وترعى مولّد الألفاظ الذي يجري على سنن كلام العرب، وتعالج ما يصيبها من أمراض اللسان، والتلوّث اللغويّ المتفشّي، والكشف عن أسبابه وطرائق معالجته، وإنّ التعامل معها في صحتها ومرضها من واجبات الأقسام اللغوية، فإن تجاهلتها تلك الأقسام وانصرفت عنها فمن لها؟
لقد أوصى المؤتمر الدولي الأول للغة العربية ومواكبة العصر الذي عقد في رحاب الجامعة الإسلامية في عام 1433هـ بأنْ توجِّهَ أقسام اللغة العربية في جامعاتنا بعض بحوثها الأكاديمية إلى اللهجات العربية المعاصرة، لدرسها وتهذيبها وردِّها إلى أصولها الفصيحة، فآن الأون لتفعيل تلك التوصية.
     
      وإننا نتطلع إلى رؤية أقسام اللغة العربية وهي تنفّذ تلك التوصية المهمة، وأن تراعي التوازن في تسجيل الموضوعات لرسائل الماجستير والدكتوراه بين القديم والجديد، وأن تراعي رغبات طلابها وترعاها وتوجهها، فمن يُظهر رغبة في خدمة لهجاتنا المعاصرة ولدية القدرة على التحليل والتأصيل ينبغي أن يؤخذ بيده ويعان ويوجّه، ومن لديه رغبة في دراسة الدلالة في المعاجم المعاصرة كذلك يعان، ومن غير المعقول أن توجه أكثر أبحاثنا إلى النحو والتصريف، بمنهج ثابت لا يقبل التطوير ولا التغيير، حتى أصبح طلابنا كالآلات في جمع المادة ونقل الأقوال وقصّها ولزقها، برتابة مملّة وتكرار مخلّ، مما شجّع على رواج سوق الورّاقين المأجورين؛ لأنّ بعض البحوث لا فكر فيها ولا تجديد، فهو عمل رتيب يقوم به كل من لديه أدنى معرفة بالعربية، ويُحسن الرجوع إلى المصادر القديمة المتاحة للجميع ويعرف كيف يجمع النظائر ويحشدها وكيف يستخرج النصوص من المصادر القديمة المشاعة، ويترجم للأعلام المطروحة على الطريق، لتخرج أبحاث باردة رتيبة مُستهلِكة لا تصنع المعرفة ولا تنتج علما، فتزداد رسائلنا المكدسة على أرفف مكتبات الكليات، وتبقى ساكنة لا تنفع ولا تضرّ كجثث محنطة لا حياة فيها.
     وهنالك ما يتصل بمناهج التحقيق وآلياته وأدبيّاته، وهو شأن آخر يطول الحديث فيه.. وأسأل الله أن يعين أقسامنا على تأدية رسالتها على الوجه الأكمل.

أ.د. عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
جريدة المدينة ملحق الأربعاء 1434/11/12 هـ  2013/09/18 م العدد: 18410
http://www.al-madina.com/node/479052


الأربعاء، 11 سبتمبر، 2013

نفاضة الجراب 48 : من همومنا في البحث العلمي النظري

من المسلّمات في الأروقة الأكاديمية أنّ البحث العلميّ الأصيل هو ما يُنتج المعرفةَ ويصنعُها، وأنّ العلوم النظريّة قائمةٌ على التخمين والافتراض الذي يتحوّل بالاستقراء إلى حقائق في كثير من أبحاثنا اللغويّة والأدبيّة، وأنّنا لم نزل في مرحلة استهلاكٍ لأقوال القدامى، وأن أقوال القدامى من علمائنا التي نستهلكها ونبني عليها هي في أصلها ظنون وتخمينات تحوّلت إلى حقائق.
فما مقادر العلم الذي نصنعه في زماننا؟ لا أراه إلا كزاد الراكب أو أقل حين نوازن بين ما ننتجه وما أنتجته عقول علمائنا القدامى في علوم اللغة وآدابها، بل إن عقل الخليل وحدَه وما قدمه يرجح بجهود جامعات عديدة عتيدة، فلِمَ لا نصنع المعرفة نحن الأجيال من الأساتذة في جامعاتنا وأقسامنا ولا نأتي بالحقائق مع ما تهيّأ لنا من الوسائل المُعينة؟ وإلى متى نبقى مستهلكين ومردّدين لجهود علمائنا دون أن نأتيَ بإضافة ذات قيمة؟
ألدينا خلل في المنهج أم هو ضعف في الاستعداد والتكوين والتأهيل؟ ولمَ لا نحتفي بالمحاولات ونأخذ بيد أصحابها؟ إلى متى ننظر إلى القديم نظرة تقديس ونبقى أسرى في جلبابه؟ أليست المعادلة الصحيحة: أن التقليل من شأن التراث اللغوي والأدبي القديم خطأ فادح وأن الانبهار به وتقديسه وتعطيل العقول في حضرته خطأ أكبر؟
إن الكلام في هذا يطول ويتشعّب، ولاختصاره أكتفي بإيراد شذرات متفرقة، لعلها تغني عن البسط، فأقول:
1-             إنّ من أوجب واجبات الأكاديمي أن يُعنى بصناعة المعرفة لا استهلاكها، وأن ينظر إلى تراثنا اللغويّ على أنّه محفّز للتفكير والتوليد وليس مادةً للاستهلاك.
2-             إنّنا نتوارث مفاهيم لغويّة وأدبيّات بحثيّة مغلوطة وبالية، ولو استمرّ الوضع على حاله فإنّنا قد نتحوّل إلى قوالب وتماثيل لا حياة فيها!
3-             إن الأكاديميّ الذي لا يُراجع آراءَه العلميّة ويُهذّبها ويُطوّرها ويَرجع عن أخطائه قد يصاب بالجمود العلميّ القاتل، فلا ثبات في العلم النظريّ.
4-             رجعتُ عن بعض المسلمات التي رددتها في أبحاثي، وأعلنت أمام طلابي في الدراسات العليا أنها غير صحيحة، ومنها متابعتي للبصريين بأن حروف الزيادة عشرة، والصحيح أنها ثمانية.
5-             كنت أنكر النظرية الثنائية للأصول، ربما لإرضاء عقلي الصرفي ولإرضاء ابن جني ثم تبين لي خطئي وأن ابن جني واقع في أسر التصريف البصريّ العتيد، وأنا الآن أتبنّى الثنائية وأدافع عنها، ولكنني أراها مرحلة من مراحل طفولة اللغة، تخطاها التصريف واستقر على الثلاثية والرباعية والخماسية، فهي غير صالحة للتصريف ولكنها كبيرة النفع في التحليل الدلالي المعجمي وتتبع سِـيَـر الألفاظ وأنسابها.
6-             لا يرضى اللغوي بأن يكون آلة تسجيل لأقوال الخليل وسيبويه وابن جني.. فإما أن يشارك في صنع المعرفة أو يتحول إلى مستهلك لها فحسب.
7-             درجة الدكتوراه في التخصص تعني أنّ صاحبها باحثٌ مؤهّل يَنتظر منه تخصصُه الكثير، وليس معلما فحسب.
8-             كن مستقلا، حرّ الرأي والفكر.. فلن تحقق ذاتك وترضى عن نفسك إلا بأن تكون نسخة أصليّة من نفسك.
أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
نشرت بجريدة المدينة، ملحق الأربعاء 1434/11/5 هـ   2013/09/11 م     العدد : 18403



الجمعة، 6 سبتمبر، 2013

نفاضة الجراب 47: الفعل (شَهَرَني) بين التوليد والفوائت

سمعتهم في بعض لهجات حرب الحجاز ومَن جاورهم يقولون: (شَهَرَه) الماءُ الساخن بمعنى لسعه بحرارته وأحرقه وترك علامةً ظاهرةً في يده، و(شَهَرَني) القِدْرُ أو بَرّادُ الشاي أو نحوه، أي لسعني وترك علامةَ الحرق في يدي أو جسدي، وكذلك تعني اللسعةَ القوية في اللسان من شرب الحار أو ابتلاعه بعجلٍ أو في غفلة.
 وهي كلمة بدويّة محدودة الانتشار في الحجاز، توشك الآن أن تنقرض، وثمة صلة بينها وبين النار والحرارة، وثمة استعمالٌ لها قريبٌ من هذا في موريتانيا، إذ يقولون شَهّرَ الإبريقَ أو البَرّادَ بمعنى: سخّنه قليلا على النار.
فما أصلها؟ وما حالها؟ وهل هي مولدة؟ أو هي من الفوائت الظنّيّة؟
إن أصل هذه الكلمة أو  الفعل هو (الشُّهرة) وهي الظهور والوضوح، يقولون: شَهَرَه يَشهَرُه شَهْراً وشُهْرَة فاشْتَهَرَ ، أظهره أو أعلنه أو أذاعه، ومن معانيها الضمنية (العلامة) التي تُظهر صاحبها وتبرزه وتجعله واضحاً أو مميزاً عن غيره، ولذا قالوا: شُهِرَ فلانٌ في الناس بكذا، فهو مشهور، ومنه: الشَّهْرُ : القمر، فهو علامة على الأيام، لمعرفتها، ولخّصَ ابن فارس معاني الجذر (شهر) في: دلالة الوضوح.
وكأكثر الألفاظ القديمة حدث تطور دلاليّ للفعل شهر ، بتخصيص دلالته، فأصبح من معانيه في بادية الحجاز: الحرق وترك أثرٍ أو علامة على الجلد؛ لأنّ من معاني الشهرة العلامة، والحرق في الجلد علامة، وربما اشتق من الشّهرة العلامة بالتخصيص فدلّت (الشّهرة) على أثر الحرق، ثم اشتُق منها الفعل (شهر) بمعنى أحرقَ وتركَ علامةً، وقد أشار إلى هذا التطور الدلالي الثاني الدكتور سالم الخماش في إحدى تغريداته لمجمع اللغة الافتراضي.
وفي حالها والحكم عليها أقول: إن من الصعب أن تُعدّ هذه الكلمة من الفوائت الظنية؛ لأنها محدودة الانتشار، فلم يتحقق فيها الشرط الثالث من شروط الفوائت الظنية، وهو الشرط الجغرافي، وأراها أقرب إلى المولد الصحيح، وليست عامّيّة، فالحكم عليها بالعاميّة ظلم وقسوة، على لفظ تكلم به بعض العرب في بيئة عربية بدوية، وجرى على سنن كلام العرب في الصوت والبنية والدلالة.
وربما يميل بعضنا إلى تخطئة ما لا يعرفه في لهجاتنا الخاصة، مما لا يجده في المعاجم القديمة، وكان اللغويون القدامى لا يجترئون على مثل هذا دون دليل؛ والتخطئة أو الإنكار أشدُّ من التصويب أو القبول، وقد حدث ذلك مع كلمة (القَمْعَرة) التي لا جذر لها في المعاجم، واستعمالها محدود جدا في بعض قبائل عوف بالحجاز، ومعناها التكبّر وشوفة النفس، فظُنّ حين نوقشت في المجمع أنها عامّيّة لا أصل لها، لمحدودية انتشارها، ولكن الشيباني في نوادر الأعراب (الجيم) انقذها من حكم جائر، ففيه: ((الاقْمِعْرارُ ارتفاعٌ واجتماعٌ في الأنف، تقول: إنّ أنفَه لمُقْمَعِرّ))
 والربط الدلالي هنا ظاهر وميسور، ولولا نص الجيم لكانت كلمة (القَمْعَرة) أسوأَ حالاً من كلمة (شَهَرَني) ومع هذا فهي (أي القمعرة) من الفوائت القطعية، بفضل الجيم، ولكننا في شأن (شَهَرَني) لا نملك دليلا يجعلنا نعدها من الفوائت، إذ تخلّف الشرط الثالث، فليس لنا إلا أن نعدّها من المولد الصحيح.
ويبقى أن أقول: إن المولد نوعان: صحيح مقبول وعامّي مرذول، ومن المولد ما هو في درجة الجاهلي في الإبانة والصحة والفصاحة، وقد يتفوّق عليه.

نشرت في صحيفة المدينة، ملحق الرسالة الجمعة 1434/10/30هـ 2013/09/06 م العدد: 18398
أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/  sa2626sa@