الثلاثاء، 17 يناير، 2017

رواية اللغة في معاجمنا بين اليقين والظّنّ والشّكّ:

رواية اللغة في معاجمنا بين اليقين والظّنّ والشّكّ
عبدالرزاق الصاعدي

      من أصول التدوين اللغوي التثبت من حال الرواة ومن فصاحتهم، ولعلماء اللغة وصنّاع المعاجم جهد كبير في تحري اللغة الصحيحة المنقولة إلى معاجمهم احترازا من أن يدخلوا في لغة العرب ما ليس منها، هذا هو الأصل في منهجهم، ولكن هل تهيّأ لهم وتحقّق تطبيق هذا الشرط النظري، وهل كانت المادة المعجمية كلها على نسق واحد في الرواية والتثبّت؟ وهل أخذوا شيئاً من اللغة بالظّنّ والشّكّ والحسبان حين يُعوِزُهم الدليلُ أو اليقين؟ وما منهجهم في الرواية؟ وما موقفهم حين يسمعون ما يخالف منهجهم؟

أـ منهجُ علمائنا في رواية اللغة:
     يظهر من أقوال اللغويين أنهم بلغوا الغاية في التحرّي في رواية اللغة وجمع مفرداتها وغريبها، وفي أقولهم مما يأتي في باب التحرّي والتثبّت ما يذكّرنا منهج المحدّثين الصارم في رواية الحديث، ولكننا نجدهم عند التطبيق وممارسة الجمع والمَعجمة يتساهلون كثيرا، ولا يطبّقون ما يقولونه في تنظيرهم، فنراهم يروون عن مجهولين ممن يصادفهم من الأعراب دون معرفة حاله، ونراهم يتسابقون في تدوين ما يسمعونه من الأعراب الوافدين ببضاعتهم إلى البصرة وسوقها المربد، ثم نرى المعجميين لا يقتصرون على ما صحّ عندهم بل يأخذون معه ما تشكّكوا فيه من الغريب ويمعجمونه، وقد يأخذون بالظن والشك والترجيح، كما سيأتي في الأمثلة، ولا يشترطون اليقين إن أعْوَزَهم. فينبغي أن نفهم منهجهم من صنعتهم لا من أقوالهم فحسب، فما في معاجمهم خير دليل على منهجهم الذي أخذوا به لا ما قالوه من تنظير ولم يستطيعوا تطبيقه.
     إن من أقدم من تناول ذلك ابن فارس، قال في باب: القول في مأخذ اللغة: «وتؤخذ سماعاً من الرُّواة الثقات ذوي الصدق والأمانة، ويُتَّقى المظنون. فحدثنا علي بن إبراهيم عن المَعْدَانيّ عن أبيه عن معروف بن حسان عن اللَّيْث عن الخليل قال: إن النَّحارير رُبَّما أدخلوا عَلَى الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللَّبْس والتَّعْنِيت. قلنا فليَتَحرّ آخذ اللغة وغيرها من العلوم أهل الأمانة والثقة والصدق والعدالة. فقد بلغنا من أمر بعض مشيخة بغداد ما بلغنا. واللهَ جل ثناؤه نستهدي التوفيق».
     وقال ابن جني في باب في ترك الأخذ عن أهل المدر ما أخذ عن أهل الوبر: «علّة امتناع ذلك ما عَرَضَ للغات الحاضرة وأهل المدَر من الاختلال والفساد والخطل, ولو عُلِمَ أن أهل مدينةٍ باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم, لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضًا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدَرِ من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يَرِدُ عنها. وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا».
       ثم نرى قول أبي البركات الأنباري في لمع الأدلة وهو يُنظّر لأصول النحو واللغة: «اعلم أن النَّقْل ينقسم إلى قسمين: تواتر وآحاد. فأما التواترُ فلغةُ القرآن وما تواترَ من السُّنّة وكلام العرب وهذا القسم دليل قطعي من أدلة النَّحْو يفيدُ العلم.
      واختلفَ العلماء في ذلك العلم فذهب الأكثرون إلى أنّه ضروريّ واستدلوا على ذلك بأن العلم الضروريَّ هو الذي بينه وبين مَدْلولِه ارتباطٌ معقول كالعلم الحاصل من الحواسِّ الخمسِ: السمع والبَصر والشّمّ والذَّوق واللَّمس وهذا موجود في خَبر التواتر فكان ضروريّاً.
     وذهب آخرون إلى أنه نظري واستدلُّوا على ذلك بأن بينَه وبين النَّظَر ارتباطا لأنه يُشْتَرط في حصوله نقلُ جماعةٍ يستحيلُ عليهم الاتفاقُ على الكَذِب دونَ غيرهم فلما اتَّفَقوا عُلِمَ أنه صِدق».
وقال في شرط التواتر: «واعلم أن أكثرَ العلماء ذهبوا إلى أن شَرْط التواتر أن يبلغَ عددُ النَّقَلَة إلى حدٍّ لا يجوزُ على مثلهم الاتفاقُ على الكذب كنقلة لغةِ القرآن وما تواترَ من السُّنة وكلامِ العرب فإنهم انْتَهَوا إلى حدٍّ يستحيل على مثلِهم الاتّفاقُ على الكذب.
وذهب قومٌ إلى أن شَرْطَهُ أن يبلغوا سبعين.
وذهب آخرون إلى أن شَرْطَه أن يبلغوا أربعين.
وذهب آخرون إلى أن شَرْطه أن يبلغوا اثنى عشر.
وذهب آخرون إلى أن شَرْطه أن يبلغوا خمسة.
والصحيح هو الأول. وأما تعيينُ تلك الأعداد فإنما اعتمدُوا فيها على قِصَص ليس بينها وبين حصول العلم بأخبار التواتر مُناسبةٌ وإنما اتَّفَق وجودها مع هذه الأعداد فلا يكون فيها حجة».
     ونقل السيوطي عن الفخر الرازي في كتاب المحصول قوله: «الطريقُ إلى معرفة اللغة النقلُ المحض وهو إما تواتر أو آحاد وعلى كل منهما إشكالات:
أما التواتر فالإشكال عليه من وجوه:
    أحدُها - أنَّا نجدُ الناسَ مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثرُ الألفاظِ تداوُلاً ودَوَرَاناً على ألسِنة المسلمين اختلافا شديدا لا يمكنُ فيه القَطْعُ بما هو الحقُّ كلفظة (الله) فإن بعضَهم زعم أنها عِبرية وقال قومٌ: سُريانية والذين جعلوها عربية اختلفوا: هل هي مشتَقَّة أو لا والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا ومن تأمَّل أدلَّتهم في ذلك علم أنها مُتعَارِضة وأنَّ شيئا منها لا يُفيد الظنَّ الغالب فضلاً عن
اليقين.
    وكذلك اختلفوا في لفظ الإيمان والكُفر والصَّلاة والزكاة، فإذا كان هذا الحال في هذه الألفاظ التي هي أشهرُ الألفاظ والحاجةُ إليها ماسَّة جدا فما ظنك بسائر الألفاظ، وإذا كان كذلك ظهر أن دَعوى التواتر في اللُّغة والنَّحو متعذّرٌ.
     وأُجيب عنه بأنه وإن لم يُمكِن دَعوى التواتر في معانيها على سبيل التَّفصيل فإنَّا نعلمُ معانيها في الجملة فنعلم أنهم يطلقون لفظة الله على الإله المعبود بحق وإن كنا لا نعلمُ مُسَمَّى هذا اللفظ أذاته أم كونه معبودا أم كونه قادرا على الاختراع أم كونه مَلْجَأ للخَلْق أم كونه بحيث تتحيَّر العقول في إدْراكه إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ وكذا القولُ في سائر الألفاظ.
    الإشكال الثاني - أن من شَرْط التواتر استواءَ الطَّرَفين والواسطة فهَبْ أنَّا علمنا حصول شرط التواتر في حفاظ اللغة والنَّحْو والتصريف في زماننا فكيف نعلمُ حصولها في سائر الأزمنة وإذا جهلنا شَرْط التواتر جهلنا التواتر ضرورة لأن الجهلَ بالشرط يوجب الجهلَ بالمشروط.
فإن قيل: الطريق إليه أَمْران:
    أحدهما - أن الذين شاهَدْناهم أخبرونا أن الذين أخبرُوهم بهذه اللغات كانوا موصوفين بالصفاتِ المُعتَبَرَةِ في التواتر وأن الذين أخبروا مَنْ أَخْبَروهم كانوا كذلك إلى أن يتَّصل النَّقْل بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم.
والآخرُ - أن هذه لو لم تكن موضوعة لهذه اللغات ثم وضَعَها واضعٌ لهذه المعاني لاشتهَر ذلك وعُرِف فإن ذلك مما تَتَوَفَّر الدَّواعي على نَقْلِه.
قلنا: أما الأول فغيرُ صحيح لأنَّ كلَّ واحد منَّا حين سمع لغة مخصوصة من إنسانٍ فإنه لم يسمع منه أنه سَمِعه من أهل التواتر وهكذا بل تحرير هذه الدعوى على هذا الوجه مما لا يَفْهمه كثيرٌ من الأدباء فكيف يُدَّعى عليهم أنهم علموه بالضرورة بل الغايةُ القصوى في راوي اللغة أن يسنده إلى كتاب صحيح أو إلى أُسْتاذٍ مُتْقن ومعلومٌ أن ذلك لا يفيدُ اليقين.
     وأما الثاني فضعيفٌ أيضا لأن ذلك الاشتهارَ إنما يَجبُ في الأمور المهمَّة وتغييرُ اللفظةِ الواحدة ليس من المهمات العظيمة حتى يُشْتهر ويُنْقل وأيضا فهو منقوض بالكلمات الفاسدة والإعرابات المعوجَّة الجارية في زماننا مع أن تَغيَّرها ومُغَيُّرها غير معلوم.
     الثالث - إنه قد اشتهر بل بلغ مَبْلغَ التواتر أن هذه اللغاتِ إنما أُخِذَت عن جمع مخصوص كالخليل وأبي عمرو والأصمعي وأَقْرَانهم ولا شكَّ أنَّ هؤلاء ما كانوا مَعْصومين ولا بالِغين حدَّ التواتر وإذا كان كذلك لم يحصل القَطْع واليقينُ بقولهم».
    وقال: «وأَقْصى ما في الباب أن يقال: نعلم قطعا أن هذه اللغاتِ بأسْرها غيرُ منقولة على سبيل الكذب ويقطع بأن فيها ما هو صدقٌ قطعا لكن كل لفظة عيَّناها فإنا لا يمكننا القطعُ بأنها من قبيل ما نُقل صِدْقاً وحينئذ لا يبقى القَطْع في لفظِ معيَّن أصلا وهذا هو الإشكال على مَن ادعى التواتر في نقل اللغات.
    وأما الآحاد فالإشكالُ عليه من جهةِ أن الرُّواة له مَجْروحون ليسوا سالمين عن القَدْح بيانُه أن أصلَ الكتب المصنفة في النحو واللغة كتابُ سيبويه وكتابُ العَيْن أما كتابُ سيبويه فَقَدْحُ الكوفيين فيه وفي صاحبه أظهرُ من الشمس وأيضا فالمبرد كان من أجلِّ البصْريين وهو أَفْرَد كتابا في القَدْح فيه.
وأما كتابُ العين فقد أطبَق الجمهور من أهل اللغة على القَدْح فيه.
وأيضا فإن ابنَ جنِّي أورد بابا في كتاب الخصائص في قَدْح أكابر الأدباءِ بعضهم في بعض وتكذيبِ بعضهم بعضا وأورد بابا آخر في أن لغة أهل الوَبر أصحُّ من لغة أهل المَدر وغرضُه من ذلك القَدْحُ في الكوفيين.
وأورد بابا آخر في كلماتٍ من الغريب لا يُعلم أحدٌ أتى بها إلا ابن أحمر الباهلي.
وروى عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يَسْمَعاها ولا سُبِقا إليها وعلى ذلك قال المازني: ما قِيس على كلام العرب فهو من كلامهم.
وأيضا فالأصمعي كان منسوبا إلى الخَلاعة ومشهورا بأنه كان يَزِيد في اللغة ما لم يكن منها. والعَجَبُ من الأصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خَبَر الواحد أنه حجّةٌ في الشرع ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة وكان هذا أولى وكان من الواجب عليهم أن يَبْحَثوا عن أحوال اللغات والنحو وأن يفحصوا عن جَرْحهم وتعديلهم كما فعلوا ذلك في رُواة الأخبار لكنهم تركوا ذلك بالكلية مع شدةِ الحاجةِ إليه فإن اللغة والنحو يجريان مَجْرَى الأصل للاستدلال بالنصوص».
      ثم قال الرازي: «والجواب عن الإشكالات كلها أن اللغةَ والنحو والتصريف تنقسم إلى قسمين:
قسم منه متواتر والعلمُ الضروري حاصلٌ بأنه كان في الأزمنة الماضية موضوعا لهذه المعاني فإنا نجد أنفسنا جازمة بأن السماء والأرض كانتا مُسْتعَملَتين في زَمَنه صلى الله عليه وسلم في معناهما المعروف وكذلك الماء والهواء والنار وأمثالها وكذلك لم يَزَل الفاعلُ مرفوعا والمفعولُ منصوبا والمضافُ إليه مجرورا.
وقسم منه مَظنون وهو الألفاظ الغريبة والطريق إلى معرفتها الآحادُ. وأكثرُ ألفاظِ القرآن ونحوه وتصريفِه من القسم الأول، والثاني فيه قليلٌ جدا، فلا يُتَمَسَّك به في القَطْعيات، ويُتَمَسَّك به فـيالظّنّيات».

     قلت: وعمل اللغويّ المعجميّ في اللهجات من هذا القسم الثاني الذي قال فيه: «وقسم منه مَظنون وهو الألفاظ الغريبة والطريق إلى معرفتها الآحادُ»؛ لأن داعي الكذب في اللغة أقل بكثير من داعي الكذب في الحديث، ولذا قال القرافي: «وأما اللغةُ فالدَّواعي إلى الكذب عليها في غاية الضّعْف».
     وإن رأوا في حال الراوي أو الرواية ما يستريبونه فإنهم ينبهون عليه، ويصفونه بالكذب، وهو قليل، وثمة فرق دقيق بين المرويات المكذوبة والمرويات المشكوك فيها؛ فالمكذوب ليس لغة إذ لا أصل له، والمظنون لغة، لأن المظنون أو المشكوك فيه قد يعلم. ويبقى أمر فساد اللغة بحكم الزمن والاختلاط، فالغالب أن فسادها عند المتأخرين بعد عصور الاحتجاج يرجع إلى النحو والتصريف، ونرى القليل منه على مستوى المعجم، ويمكن الاحتراز  منه بالمعايير الثلاثة التي يُشترط تحققها في الفائت الظني، وفيه احتراز آخر وهو أن المصطلح لا يتجاوز الظنّ والترجيح ولا يقطع بالفوات، فإن رجح الظنّ وصدق المشكوك فيه فهو فائت وهذا غايته وإلا فهو مولّد صحيح في العربية، وهذا أدنى أمره.

ب- موقفهم حين يسمعون ما يخالف منهجهم في الرواية:
    ثمة أسئلة تنتظر الجواب لنتعرف على حقيقة ما فعلوه في معاجمهم، منها: هل التزم علماء اللغة وصنّاع المعاجم بتلك المعايير الصارمة التي وردت في أقوال ابن فارس وابن الأنباري والفخر الرازي؟ وهل دوّنت اللغة كاملة في كنف هذا المنهج اللاحب في ظاهره؟ وألم يأخذوا عن مجهولي الحال؟ وألم يرووا عن الصبيان والإماء والعبيد؟ وألم يدونوا في معاجمهم ما لم يبلغ درجة الثبوت القطعي؟ وألم يفخر البصريون على الكوفيين بأنهم أخذوا اللغة عن الأعراب أهل الشيح والقيصوم وحرشة الضباب وأكلة اليرابيع, ويقولون للكوفيين: أخذتم عن أكلة الشواريز وباعة الكواميخ؟ وألم يأخذ الكسائي وبعض الكوفيين عن أعراب الحليمات  لما قدموا إلى بغداد، وكانوا غير فصحاء؟ وقد نقلوا عن الأصمعي أن هؤلاء الأعراب كانوا ينزلون بقطربل قرية من متنزهات بغداد اشتهرت بالخمر وأسباب اللهو، وأن الكسائي لما ناظر سيبويه استشهد بلغتهم عليه، فقال أبو محمد اليزيدي:
كنا نقيس النحوَ فيما مضى       على لسـان العــرب  الأولِ
فجــاءنا قـــومٌ  يقيسونـه              عـلى لُغـى أشيـاخ قُطْرُبُّلِ
إن الكســائي  وأشيـــاعه            يرقون في النحـو إلى أسفلِ
إن النظر في معاجمنا والتدقيق في مضمونها يكشف لنا أنهم كانوا يتساهلون ويلجؤون إلى الترجيح والظن والشكّ، وأن كثيراً مما دوّنوه لم تتحقق فيه شروط الرواية الصارمة التي رأيناها في بعض أقوالهم في التنظير، وبعضه لم يصحّ ولم يثبت في رأي بعضهم، وتكلموا فيه، وأشار السيوطي إلى ذلك وبوّب له في المزهر وجعله النوع الثاني في كتابه، وهو: (معرفة ما روي من اللغة ولم يصحّ ولم يثبت) قال: «هذا النوع يقابلُ النوعَ الأولَ الذي هو الصحيح الثابتُ والسبب في عدم ثبوت هذا النوع عدمُ اتصال سَنَدِه لسقوطِ راوٍ منه أو جهالته أو عدم الوثوق براويته لفَقْدِ شَرْطِ القَبول فيه كما سيأتي بيانُه في نوع من تقبل روايته ومن ترد أو للشك في سماعه»، وهذا غريب جدا من السيوطي وغيره، وكأنه لا يعرف حال معاجمنا، فلو طبقنا هذا المعيار في اشتراط اتصال السند وانتفاء جهالة حال الراوي أو من أُخذ عنه لحذفنا أكثر من نصف المعجم العربي القديم، فهم ينقلون عن أعراب مجهولي الحال، وفي معاجمعم شعر كثير مما استشهدوا به لم يعرفوا قائله، ولم تُعنَ معاجمنا بالسند في رواية اللغة إلّا فيما ندر. واشتراط ابن الأنباري وغيره ألا تؤخذ اللغة من الآحاد ولا ومن مجهول العدالة، وألا يؤخذ بالمرسل، لم يلتزم به أحد من صنّاع المعاجم، فهل يؤخذ بكلام المنظّرين أو بتجربة المجرّبين؟ إن صانع المعجم الذي مارس الصنعة وذاق مشقّتها وذاق متاعبها وعرف أسرارها هو من يؤخذ بمنهجه ويحتذى بفعله، وإن خالف قولُ المعجمي فعلَه فالعبرة بالفعل لا القول.
المَعْجَمة بالظُّنُون والشُّكوك:
      إن كان الأصل في اللغة أن تؤخذ باليقين فإن قدراً منها غير قليل لا سبيل إلى يقينٍ فيه، فيؤخذ ويدوّن بالظّن والتّرجيح مع وجود قرائن، وهذا نهجٌ قائم في اللغة والفقه أيضا.. وكم في معاجمنا مرويات ظنية متفرقة؟ وكم فيها من المناكير والمجاهيل والمراسيل والآحاد، كقولهم حدثني أعرابي، أو قال رجل من قبيلة كذا، ونجد عبارة: «ولم تسمع من غيره» تتردد في المعاجم. ونجد ما دوّنوه في معاجمهم دون يقين مما جاء محفوفا بالظن والشك ونحوهما تصريحاً أو تلميحاً مُفرّقاً في بطون المعاجم، لا تكاد تخطئه العين.
      وكنت لحظت ذلك في معجم الجمهرة خاصة، ووجّهت باحثَ دكتوراه لدراسته، في موضوع بعنوان: «ما تشكك فيه ابن دريد في الجمهرة جمعا ودراسة».
     ورأيت المعجميين يشيرون إلى تشككهم بأكثر من طريقة أو عبارة،  ومن أبرزها روايتهم بعباراة الظن أو الشك أو الحسبان أو لعل وربما أو فيه نظر أو  نفي العرفان، وفيما يأتي أمثلة من معاجمهم توضح هذا:

أولا: من المروي بالظن في معاجمنا:
قال صاحب العين: «ويروى: حراجلاً، وأظنه عراجلا؛ أي: جماعات».
قال ابن دريد «ومَطَهَ الرجلُ فِي الأَرْض يمطَه مُطوهاً، إِذا ذهب فِيهَا على وَجهه. قَالَ أَبُو بكر: أظنّه مَهَطَ الرجلُ فِي الأَرْض».
وقال: «والزَّبَنْتَرى من أَسمَاء الدَّوَاهِي، أظنّ».
قال الأزهري: «قال أبو عبيد: أظُنّ أَهَلْتُه لُغَة، في هِلْتُه».
وقال الأزهري: «قال (أي الليث): والبَهاوِيزُ من النُّوق والنخيل: الجِسامُ الصَّفايا، الْوَاحِدَة بَهْوازة. قلت: لم أسمع البَهاوِيز لغيره. وأظنُّه البَهازِير».
وقال: «وحكى المؤرِّجُ عن بعض الْأَعْرَاب غواهُ بِمَعْنى أغواهُ، وَأنْشد:
وكائنْ  تَرَى  من جاهــلٍ بعد  علمِه  
غواهُ الهوَى جهلا عَن الْحق فانغوَى
قلت: أظنُّ الرِّوَايَة:
عواهُ الهَوى جهلا عَن الحَقِّ فانعَوَى
 بِالعينِ لا بالغين».
ويُلحظ أنه صوّب الرواية اعتمادا على الظّنّ، ولا دليل له سواه.
وقال الجوهري: «الفَسْرُ: نَظرُ الطّبيب إلى الماء، وكذلك التَفْسِرة، وأظنه مُولّدا».
وقال ابن فارس: «وتواطح القوم الشيء، إذا تداولوه بينهم. وأظنه بالخاء أيضا».
وقال ابن فارس «وناسٌ يقولون: السَّحْبُ: شِدَّةُ الْأَكْل. وأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا; لأَنَّهُ لا قِياسَ له، وإنَّما هو السَّحْتُ».
وقال: «فأمَا العُكّازةُ فأظُنُّها عَرَبِيَّةٌ».
وقال : «فالأُولَى: المُزْنُ: السَّحَابُ، والقِطْعَةُ مُزْنَةٌ. ويُقَالُ في قول القائِلِ وأَظُنُّهُ مَصْنُوعًا:
كـأَنَّ  ابنَ  مُـزْنَتِـهَا  جـانِـحًا       
فَسِيطٌ لَدَى الأُفُقِ مِنْ خِنْصَرِ»
ومع أنه شك فيه استشهد به، ثم أصبح من شواهد المعاجم بعده.
وقال ابن سيده: «وأَظنهم قَالُوا نَخْلَةٌ مِكْمارٌ».
وقال الزَّبيدي: «وممّا يُسْتَدْرك عليه: البُقمَةُ، بالضَّمّ: طُعْمٌ للسَّمَك يُرمى لها في الماءِ الرّاكِد فَتَسْمَن عليه ويَتَغَيّر الماءُ لذلك وأظُنُّه لُغَة عامِيّة في (بقم) الماضِي ذِكرُه».
ويلحق بهذا من طرف آخر أن بعضهم يجعل رواية الواحد المنفرد في درجة غلبة الظن، وأنه تصحّ بها الرواية، قال أبو البركات الأنباري في لمع الأدلة: «ويقبل نقل العدل الواحد، ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره؛ لأن الموافقة لا تخلو إما أن تُشترط لحصول العلم أو لغلبة الظّنّ، بطل أن يقال لحصول العلم؛ لأنه لا يحصل العلم بنقل اثنين، فوجب أن يكون لغلبة الظن، وإذا كان لغلبة الظن فقد حصل غلبة الظن بخبر الواحد من غير موافقة».
ويلحق به أيضا قول المرتضى الزَّبيدي في مقدمة التاج: «وقال الإمام فخرُ الدّين الرازيُّ، وتابعه الإِمام تاج الدّين الأرمويُّ صاحب الحاصِل: إن اللغَة والنحوَ والتصريفَ يَنْقَسِم إلى قسمَينِ، قسم منه متواترٌ، والعِلمُ الضروريُّ حاصلٌ بأَنه كانَ في الأزمنة الماضية موضوعا لهذه المعانِي، فإنَّا نجد أَنفسنا جازمةً  بأن السماء والأرض كانتا مُستعملتين في زمانه في معناهُما المعروف، وكذلك الماء والنَّار والهواء وأَمثالها، وكذلِكَ لم يزل الفاعلُ مَرفُوعا، والمفعول مَنصُوبًا، والمضاف إليه مجروراً، ثمَّ قال: ومنه مظنون، وهو الأَلفَاظ الغريبة، والطَّرِيق إلى معرفتها الآحاد، وأكثر ألفاظِ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأوّل، والثَّانِي منه قلِيل جدًّا، فلا يُتَمسَّكُ به في القطعيّات ويُتمسَّك به في الظِّنَّيات، انتهى».

ثانيا: من المروي بالشك في معاجمنا:
في الصحاح: «يقال: فلان من جنثك وجنسك، أي من أصلك، لغة أو لثغة».
وفيه: «الوَطْثُ: الضّرب الشّديد بالرِّجل على الأرض، لغة في الوَطْس أو لُثْغة».
وفي المقاييس: «وممَّا وُضِعَ وَضْعًا وبَعْضُهُ مَشْكُوكٌ في صِحَّتِهِ (الزِّبْرِجُ)، و(الزَّعْبَجُ). فالزِّبْرِجُ: الزِّينَةُ. والزَّعْبَجُ: سَحَابٌ رَقِيقٌ».
وفي المقاييس أيضا: «وبقيت كلمتان مشكوكٌ فيهما: إحداهما قولهم البَدَغ التزحُّف على الأرض. والأخرى قولهم: إنّ بني فُلانٍ لبَدِغُونَ، إذا كانوا سِماناً حسنةً أحوالُهم. والله أعلمُ بصحّة ذلك».
وفيه: «وقال قومٌ: هو العَشْوَزُ أو العَشَوَّزُ، أنا أَشُكُّ».
وفيه: «ويُقال: الهُبُورُ: الصُّخُورُ بين الرَّوابِي أو الصُّخُورُ، أنا أَشُكُّ في ذلك. وكلمةٌ يقولونها ما أدري ما أصلُها. يقولون: لا آتِيكَ هُبَيْرَةَ بنَ سَعْدٍ؛ أَي: أَبَدًا».
وفيه: «عهر: ويقولون - وهو من المَشكُوك فيه - إنّ العاهِر: المُسْتَرْخِي الكَسْلَان».
وفيه أيضا: «فأما قولهم حضَنْت الرَّجُلَ عن الرّجل، إذا نحَّيته عنه، فكلمةٌ مشكوك فيها، ووجدتُ كثيراً من أهل العلم يُنْكرونها. فإنْ كانت صحيحةً فالقياس فيها مطَّرد، كأنَّ الشيء حُضِن عنه وحُفِظَ ولم يمكَّن منه». وتأمل صنيعه! ألا تراه قد دوّنها مع شكّه فيها ومع إنكارها لدى كثير من أهل العلم -كما يقول- معتمدا على وجهٍ في الاحتمال وإن كان ضعيفا رجاء أن يجد هو أو غيره ما يثبتها أو ينفيها، ومع شكّه وإنكار كثير منهم تناقلتها المعاجم بعده ووصلت إلينا كغيرها من الكلمات الظنية. فلا يلام الشاكّ حين يُصرّح بشكوكه في رواياته أو في محفوظه؛ لأنَّ المشكوك فيه قد يُعْلَم.
وفي المجمل: «طَمَسَ بعينه، إذا نظر نظرا بعيداً. وهو مشكوك فيه».
وفي التاج: «الكَدَدُ لُغَةٌ فِي الكَتَدِ أَو لُثْغَة».
وفي التاج: «وَظِرَ، كفَرِح، أهمله الجماعةُ كلُّهم، وَقَالَ المصنِّف: معناهُ: سَمِنَ وامتلأ، فهو وَظِرٌ: سمينٌ ممتلئُ اللحم، أَو هو؛ أي الوَظِر: الرجلُ المَلآنُ الفَخذَيْن والبطنِ من اللحمِ. هكذا استدرك المصنّف عَلَيْهِم، وكأنّها لُثْغَة في وَذِرَ بالذَّال المعجمة، فليُنظر». وهذه دعوة صريحة للنظر والتأمل في المشكوك فيه والبحث في أمره.
وفي التاج: «هو أَرْزَعُ منه، بالزاي بعدَ الرَّاء، أهمله الجوهريّ، وصاحبُ اللِّسان، وقال الصَّاغانيّ في العُباب: أَي: أَجْبَنُ، وأهمله في التكملة، ولا إخاله إلا تَصحيفَ أَرْوَعَ بالواو فانْظُرْ، أَو هو بالغَين المُعجمة، فتأمّلْ».
قلت: فانظر أنت أخي القارئ كيف أحيا جذراً أهمله كلُّ من سبقه، مع أنّه غير مستيقن، وأبدى شكّه فيه.

ثالثا: من المروي بلا أدري في معاجمنا:
جاء في العين: «الذُّعَاقُ بمننزلة الزُّعاقِ. قال الخليلُ: سمعناهُ فلا ندرِي ألُغَةٌ هي أم لَثْغَة».
وقال ابن دريد: «غَذَجَ الماءَ يغذِجه غَذْجا شديدا إذا جَرِعَه وهي لُغَة لا أَدري ما صِحَّتها».
وقال ابن دريد: «والجَفْز: السرعة فِي المشي لُغة يمانية لا أدري ما صِحَّتها».
وجاء في البارع للقالي: «العُجْهُوم طائرٌ من طير الماء كأنّ منقاره جَلَمُ الخياط. قال أبو علي: ولا أدري ما صحّته».
وقال الأزهري: «وقد رُوي في باب الخماسي حرفان ذكرتهما فـي أول الرباعي من العين، ولا أَدري ما صحّتهما لأنِّي لم أحفظهما للثّقات».
وقال الأزهري: «قال شَمر: لم أسمع الوَصع في شيء من كلامهم، إلّا أنِّي سَمِعت بَيتا لا أَدرِي مَن قَائِله...».
وقال الأزهري: «ورُوي عن عَمرو بن بحر أنّه قال: يُقَال: خَعَّ الفَهْد يَخِعّ. قال: وهو صوتٌ تسمعه من حَلقِه إذا انبهَرَ عند عَدْوِه. قلت: كأنّه حِكاية صَوته إذا انبهر، ولا أَدري أهو من كلام الفَهّادين أو ممّا تكلّمت  به العَرَب. وأنا بَرِيء من عُهدته». قلت: ودونته المعاجم الكبيرة بعده، كاللسان والتاج وأشارا إلى براءة الأزهري منه، ودوّنه الفروزآباديّ دون إشارة إلى موقف الأزهري منه.
وقال الأزهري: «وذكر بعضُ مَن لا يوثق بعربيَّته: القَرصَد للقِصْرِيِّ وهو بالفارِسيّة كَفَه. ولا أَدري ما صحَّته». قلت: إذن لمَ ذكره في معجمه إن كانت الرواية عمّن لا يوثق بعربيته؟ أليس في هذا دلالة إلى استجازتهم تدوين المشكوك فيه لعل من يأتي بعدهم يتمكّن من البتّ في أمره بالقبول أو الرفض.

رابعاً: من المروي بقولهم: لا أعرف في معاجمنا:
وهذا كثير في الجمهرة، يجري على لسان ابن دريد، كقوله: «والمُجُّ والبُجُّ زَعَمُوا: فرخ الحمام، ولا أعرف ما صِحَّته».
وقوله: «وزعم قوم من أهل اللُّغَة أَنه يُجمع الحُرّ: أحارِر، ولا أعرف ما صِحَّته».
وقوله: «والزُّغْزُغ: ضربٌ من الطّير - زَعَمُوا - ولا أعرف ما
صِحَّته».
 وقوله: «والعِكَبُّ، زَعَمُوا: الَّذي لأمِّه زوجٌ ولا أعرف ما صِحَة ذلك».
 وقوله: «زعم قوم أَن الهَكْص مستعمَلٌ، ولا أعرف صحّته».
وقوله: «والهيثم: ولد النسْر. وقالُوا: الهَيْثَم: ضرب من الشّجر أَيْضا ولا أعرف صِحَّته»( ).
 وقوله: «والعكب زَعَمُوا: الَّذي لأمه زوج ولا أعرف ما صِحَة ذلك»، ونقلها عنه صاحب التاج ولم يشر إلى التشكك، قال: «العِكَبُّ: الَّذي لأُمِّه زَوْجٌ ، عن ابن دُرَيد».
ورأيت المعجميين ينقلون نصوص ابن دريد التي تشكّك فيها ويدوّنونها في معاجمهم، وبعضهم يشير إلى تشكك ابن دريد، ولا يشير بعضهم إليه مع أن ابن دريد هو مصدرها الأول.
وما دوّن في المعاجم وقال فيه صاحبه: لا أعرفه كثير.
وفي التهذيب منه شيء مفرّق، قال الأزهري: «ولم أسمع لأحد في الأفعى وسائر الحيّات فَخيخٌ بالخاء، وهو عندي غلط، اللهم إلا أن تكون لغةً لبعض العرب لا أعرفها، فإنّ اللغات أكثر من أن يُحيط بها رجلٌ واحد».
وفيه: «وقال أبو عمرو: القِرْقم: حَشَفة الرجل. وأنشد:
مَشْغُوفةٌ برَهْزِ حَكِّ القِرْقِمِ
ورواه بعضهم: الفِرْقِم، وأنا لا أعرفها».
   وفيه: «وأمّا دَسَا غير مُحَوَّل عن المضعَّف من باب الدَّسِّ فلا أعرفه ولم أسمعْه، وهو مع ذلك غيرُ بعيد من الصَّواب».

خامسا: من المروي دون ثقة في معاجمنا:
قال ابن سيده: «البَقيحُ: البلح، عَن كرَاع، ولست منه على ثِقَة»، ونقله ابن منظور في اللسان والزبيدي في التاج، وأشارا إلى تشكك ابن سيده فيه.
وقال ابن سيده: «والنَّحْنَحة أيضاً صَوت الجَرْع من الحَلق يقال منه تَنَحْنَحَ الرّجلُ، عن كراع، ولستُ منه على ثقةٍ، وأراها بالخاء».
وقال: «مَضَى شَوْعٌ من الليل وشُواعٌ؛ أي: ساعة، حُكِيَ عن ثعلب، ولستُ منه على ثقة».
وقال: «والرُّكْح أبياتُ النَّصارى، ولستُ منها على ثقة».
وقال: «والحُلاوَةُ : ما يُحَكّ بينَ حَجرين فيُكتحلُ به. ولستُ من هذه الكلمة على ثقة».
وقال: «وحكى: إلى ما أهَلِم، وأَهَلُمُّ، ولست من الأخيرة على ثِقَة».
وقال: «والقَفْصُ : القُلّة التي يُلعب بها ، ولستُ منها على ثقة».
وقال: «والوَسْمُ: الوَزَع، والشين لغة، ولستُ منهما على ثقة».
وقال: «وقال بعضهم: هو حِساب الجُمَل، بالتّخفيف، ولست منه على ثِقَة».
وهذه النصوص المشكوك فيها منقولة عنه في اللسان والتاج.
خامسا من المروي بالتردد (فيه نظر) في معاجمنا:
ومن هذا قال ابن فارس: «فأمَّا قولُهُم إنّ الأَخْزَم الحيَّةُ الذَّكَر، فكلامٌ فيه نَظَرٌ».
وقال: «يقولون: رَصَنَهُ بلِسَانِه رَصْنًا؛ أَي: شَتَمَهُ. وفيه نَظَرٌ».
وقال: «ويقولون في قَوْل القائِل:
مَلْأَى مِنَ الماءِ كعَيْنِ المُولَهْ
إِنَّ الْمُولَةَ: الْعَنْكَبُوتُ، وفيه نَظَرٌ».
وقال: «ويقولون: يَوْمٌ وَجِيمٌ: شَدِيدُ الحرِّ، وفيه نَظَرٌ».
وقال: «ولغة سُفلى مضَر: ركِن يرْكَن. ويقال ركِنَ يَركُنُ، وفيه
نظر».
وقال: «ويقال المُخَرَّع المختلف الأخلاق. وفيه نظرٌ، فإنْ صحَّ فهو من خُرَاعِ النُّوق».
وقال: «وزعموا أنَّه يقال كَذَب لبنُ الناقة: ذهب. وفيه نظر، وقياسُه صحيح».
وقال في المجمل: «وحكى بعض من في قوله نظر: إن الاعتذال: الاعتزام على الشيء. يقال: اعتذل على الأمر، إذا اعتزم عليه».
وقال: «وقال قومٌ: خَدَعَه بالسيف: ضَرَبَهُ، وفيه نظر».

سادسا: من المروي بالحُسبان في معاجمنا:
قال ابن دريد: «وأحسب أَن أَبا مالك قال: واحِد الجناجِن جُنْجُون. وهذا شَيْء لا يُعرف».
وقال: «وأحسب أَن مَثّ ونَثّ بمعنى واحِد».
وقال: «وأحسب أَن هذا المشمش عَرَبِيّ، ولا أَدرِي ما صِحَّته».
وقال: «وقال آخَرُون: بل الضَّوْتَع دُويبّة أَو طائِر، وأحسب الضَّوْتَع في بعض اللُّغات: الرجل الأحمق».
وقال: «وأحسب أَن أهل الحجاز يسمّون الكَرَوياء التِقْرِدَة أَيضا، أَو بعضهم».
وقال: «والسَّويق: مَعْرُوف، وقد قيل بالصَّاد أَيضا، وأحسبها لُغَة لبني تَمِيم».
وقال: «وأحسبني سَمِعت: جملٌ سِنداب: صلب شَدِيد».
وقال: «وثَخْطَع، زَعَمُوا: اسْم، وأحسبهُ مصنوعاً».
ونقلت المعاجم عن ابن دريد هذه النصوص والمرويات وغيرها، ودوّنوها في معاجمهم.
وقال ابن دريد أيضا: «الجَعْم من قَولهم: جَعِمَ يَجعَم جَعَما إِذا لم يشتَهِ الطَّعَام وأحسبُهُ من الأضداد لأَنهم رُبما سمّوا الرجل النهم جَعِماً. وقالوا: جعم فهو مجعوم إذا لم يشتهِ الطَّعَام». فرد عليه ابن فارس بقوله: «قال (أي ابن دريد): وأَحسبُهُ من الأضدادِ: لأنّهم رُبّما سَمَّوُا الرَّجُلَ النَّهِمَ جَعِمًا. قال: ويُقالُ جُعِمَ فهو مَجعُومٌ إذا لم يَشتَهِ أيضًا. هذا قولُ أبِي بَكرٍ، واللُّغاتُ لا تَجِيءُ بأَحسَبُ وأَظُنُّ!».
قلت: انكار ابن فارس على ابن دريد في هذا منكر ومردود عليه! فكيف ينكر على غيره ما يستجيزه لنفسه؟! ألم يروِ هو لغاتٍ ويثبتها في معجمه بالظّنّ أو الشك أو الحسبان أو لعل وربما؟ ألم يصرّح عشرات المرات بالشك ومرادفاته في مروياته؟ فما يشك فيه -وما أكثره- علامَ يبقيه؟ وتأمل ما نقلته هنا قبل هذا مفرقا في مواضع الظّنّ والشّكّ والحسبان ومرادفاتها عن ابن فارس في المقاييس، وانظره، ففيه رد صريح صحيح عليه؛ فكيف ينكر الشيء على غيره ويفعله هو! ولا يلام ابن دريد ولا غيره من المعجميين حين ينقلون بالظّنّ أو الشّكّ حين يُعوِزهم الدليل، رجاء أن يحقّقه غيرهم ممن يأتي بعدهم، وهذا منهج درجوا
عليه ورأيناه في كل المعاجم على تفاوت بينها. ولا يلام غير المستيقن حين يظهر شكّه؛ «لأنَّ المشكوك فيه قد يُعْلَم» كما يقول أبو بكر الأنباري في الأضداد. ورواية اللغة محفوفة بالظّنّ والشكّ وأما اليقين المطلق فيها فعزيز، ورأينا هذا في معاجمهم، ورأيناه في بعض أقوالهم، لأن الراوي قد يعتريه النسيان والوهم، وحكى ابن جني طرفا من ظنّيّات شيخه الفارسي، قال: «وهذا أبو علي -رحمه الله- كأنّه بعدُ مَعَنا، ولم تَبِنْ به الحالُ عنّا، كان من تحوّبه وتأنّيه، وتحرُّجه كثير التوقّف فيما يحكيه، دائم الاستظهار لإيراد ما يرويه. فكان تارة يقول: أنشدت لجرير فيما أحسب، وأخرى: قال لي أبو بكر فيما أظّنّ، وأخرى: في غالب ظنّي كذا، وأُرى أني قد سَمعتُ كذا».

سابعا: من المروي بلعلّ وربّما ونحوهما في معاجمنا:
جاء في العين: «خفدد: الخَفَيْدَدُ: الظليم، ولعله خَفَيْفَدٌ».
وجاء فيه أيضا: «لَزَأَ: اللَّامُ والزَّاءُ والهمزةُ كلمَتان لعلَّهما أَنْ يَكونا صحيحتين».
وفي التهذيب: «وقال بعضهم: أَبْشَرْتُ، ولعلّها لغة حجازية».
وفيه عن الفراء: «قال: وحدثني ابن عيينة عن رجل عن مجاهد أنه قرأ: (فلا تَشْمَتْ بيَ الأعداء) قال الفراء: ولم نسمعها من العرب. فقال الكسائي: ما أدري لعلهم أرادوا (فلا تُشْمِتْ بيَ الأعْدَاءِ) فإن تكن صحيحة فلها نظائر: العرب تقول: فَرِغْتُ وفَرَغْتُ، فمن قال: فَرِغْتُ قال: أفْرَغُ، ومن قال: فَرَغْتُ، قال: أَفْرُغُ».
وفي المحيط للصاحب: «وانْتِقاصُ الماءِ في السّنَة: الإفراطُ فيه، وقيل: هو رَشُّ الماءِ على الذَّكَر بعد الفراغ من الوُضُوء. قال الخارزنجيُّ: ولعلَّه تَصْحِيفٌ وهو الانْتِفاض؛ لأنَّ النَّفْضَ النَّضْحُ بالماء».
وفي المقاييس: «وحكى ناسٌ - لعله أن يكون صحيحا -: أوْزَرْتُ مالَه: ذهبتُ به. ووَزَرْتُهُ: غَلَبْتُهُ».
وفي المقاييس أيضا: «الطَّاءُ والسِّينُ واللَّام فيه كلماتٌ، ولعلّها أنْ تكون صَحِيحَةً، غير أَنَّهَا لا قِياسَ لها. يقولون: الطَّسْلُ: اضطِرابُ السَّراب، وهذا إذا صَحَّ فلعلّه سُمِّيَ لِقِصَرِه وقُرْبِ ما بين طَرَفَيهِ».
وفي المحكم: «وما سَحَرَك عنا سَحرا؛ أي: ما صَرَفك، عن
كراع، والذّي حكاه أبو عبيد: ما شَجَرَك، بالشين والجيم، ولعلّه من أغاليطه».
وفي اللسان عن الأزهري: «المحفوظ في المُلْجإِ تَقديمُ الحاء على الجيم فإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فلعلّهما لُغَتان».
وفيه أيضا: «والجُلُبَّانُ، من القَطاني: معروفٌ. قال أَبو حَنيفة: لم أسمعه من الأَعراب إلَّا بالتَّشْدِيدِ، وما أَكثر مَن يُخَفِّفه. قال: ولعلّ التَّخفيف لُغَة».
وفي القامـوس: «دَخْرَشٌ، كجعفرٍ: اسـمٌ، ولَعَلَّهُ تَصحيفُ
دَحْرَشٍ».

ثامنا: من المروي بقولهم: إن صحّ أو إن كان صحيحاً:
قال ابن فارس: «وهذا إِنْ صَحَّ فكأَنَّه حِكَايَةُ صَوْتٍ».
وقال: «الثَّاءُ والدَّالُ والمِيمُ  كلمة لَيْسَتْ أَصْلًا. زَعَمُوا أَنَّ الثَّدْمَ هُوَ الفَدْمُ. وهذا إِنْ صَحَّ فهو من باب الإبدال».
وقال: «ثَمَأَ لِحْيَتَهُ صَبَغَهَا. والهمزةُ كأنّها مُبدلةٌ من غين. ويُقال ثَمَأْتُ الكَمْأَةَ في السَّمْنِ طَرَحْتُهَا. وهذا فيه بعض ما فيه. فإنْ كان صَحيحًا فهو مِنَ البابِ».
وقال: «فأمّا قَولُهُم إنَّ الحضْب الحيَّةُ ففيه كلامٌ، وإن صَحَّ فإنّه شاذٌّ عن الأصل».
وقال: «فأمّا قولُهم حَنَشْتُ الشَيءَ، إذا عَطَفْتَهُ، فإنْ كان صَحِيحًا فهو من باب الإبدال. ولعلّه من عَنَشْتُ أو عَنَجْتُ».
وقال: «وقد شَذَّ عن الباب حَرْفٌ واحِدٌ إن كانَ صَحِيحًا، قالُوا: خاضَضْتُ فُلانًا إذا بايَعْتَهُ مُعارَضَةً».
وقال: «ورُبَّمَا قالُوا: خَبَعَ الصَّبِيُّ خُبُوعًا، وذلكَ إذا فُحِمَ من البُكاءِ. فإن كانَ صَحِيحًا فهو من البابِ، كأنَّ بُكاءَهُ خُبِئَ».
وقال: «ومنهُ (الخُضَارِعُ) قالُوا: هو البَخِيلُ. فإِنْ كان صَحِيحًا فهو من خَضَعَ وضَرَعَ».
وقال: «وأَمَّا قولُهم للرَّجُل القَصيرِ دَعْدَاعٌ، فإن صَحَّ فهو من الإبدال من حاءٍ: دَحْدَاحٌ».
وقال: «وحُكِيَتْ كلِمَةٌ إن صَحَّتْ، قالُوا: تَطَهَّمْتُ الطَّعام:
كرِهتُهُ».
وقال: «وههُنا كلمَةٌ أُخرى إن صَحَّتْ. زَعَمُوا أنَّ الإرغَافَ: تَحدِيدُ النَّظَر».
ومثل هذا كثير في المقاييس لابن فارس، أحصيت منه نحو 230 موضعا، بعضها في متن اللغة وبعضها في مقاييس الصنعة عنده. سوى ما قال فيه بالظنّ والشّكّ ولعلّ وربّما ونحو ذلك من عبارات تدلّ على أن ما يرويه لم يثبت عنده، فهل يسوغ له أن ينتقد ابن دريد لإيراده لغةً بالحسبان والظنّ كما تقدم؟
التعليق على ما سبق:
ليس لأحدٍ أن يلوم المعجميّين لما وقع في معاجمهم من ظنّيّات، فاللغة واسعة وهي فوق طاقتهم، واللهجات متنوّعة واليقين عزيز
في الرّواية والمَعجمة، والتَّرْكُ فَقْدٌ، فلا مناص من أخذ بعض اللغة وروايتها وتدوينها بالظّنّ والشّكّ والتّردد، وفي التدوين حفظ، فقد يأتي بعدهم من يصحّحها بشاهد أو رواية أو سماع من قبيلة أو بيئة نائية
في جزيرة العرب مما فاتهم، وقد رأيتهم يصحّحون شيئا بشيء، وهو
غير قليل في معاجمنا، قال ابن فارس: «وذُكِرَ عن الخليلِ أَنَّ الحوَاسَّ الّتي هي مشاعِر الإِنسان رُبّما سُمِّيَتْ جَوَاسَّ. قال ابنُ دُرَيد: وقد يَكُونُ الجسُّ بالعَينِ. وهذا يُصَحِّحُ ما قاله الخلِيل»، وقوله في موضع آخر: «فهذا يُصَحِّحُ ذاك»، وقول ابن منظور «فهذا القَولُ يُصَحِّحُ قول الجوهريِّ وغيره»، وقال صاحب التاج:  «وهذا القول يُصحِّحُ قولَ الجوهريِّ وابنِ دُرَيدٍ».
وقد يصحّحه ابن فارس وغيره بالمعيار، كالقلب والإبدال، وهو ممّا أشرت إليه في بعض معايير الفوائت الظنية، قال ابن فارس: «هذا عندي من جِهة الإبدال ; لأنَ قِياس زَغَرَ قِياسٌ صحيح،  وسَيَجِيءُ في الرُّباعيّ ما يُصَحِّحُه».

     وأخذتُ في الفوائت الظنية بالظّنّ والحدس اللغوي مضطرّا لا مختارا، ومستعينا بالمعايير الثلاثة اللازمة والأربعة المرجّحة، لأنني لم أجد ما أقطع به، وليس لي أن أتجاهل لغة أراها شائعة في قبائل بدوية في ديار منابع اللغة، وأرى فيها ما يؤيد صحّتها وفصاحتها وقِدمها، وأجد في نفسي وذائقتي اللغوية اللهجية قبولا لها، دون جزم بقِدَمها وفواتها، ولست بدعا في ذلك، كما تقدم في مواضع التشكّك السبعة التي رأيناها عند المعجميين، ووجدت حَمَداً الجاسر –وهو عصريٌّ مثلي- يفزع عند الحاجة إلى ظنِّهِ وحدسه اللغوي المبني على ملحوظاته ومنها انتشار كلمةٍ انتشارا واسعا عند البدو والحضر، ويصحح استعمالهم لكلمة (خاشَرَنا) وينتهي فيها إلى ترجيح قِدمها وعربيتها معتمدا على سيرورة استعمالها وانتشارها بين أهل الجزيرة منذ عدة قرون، قال: «خاشرنا: شاركنا، والخشير الشريك في لهجة العامة بدوًا وحضرًا» ونقل قول صاحب التاج عن شيخه ابن الطيب الفاسي عن بعض الفضلاء، ثم قال عَقِيب ذلك: «ولكنّ سيرورة استعمال الكلمة وانتشارها بين السُّكّان منذ قرون يدلّ على وجود أصل لها، وجَهْلُه لا يستلزم نفيه».

     ولستُ ممن يلتزمون بالقيد الزماني في رواية متن اللغة ولهجاتها في بيئة الفصحى المعروفة، بل أتوسع فيما يتصل بالمعجم (المفردات والدلالة) دون النحو والتصريف، مع شيء من الاحتياط والأخذ بالمعايير، ولي سلف في ذلك فقد رأيت من لا يلتزم به أحيانا من المعجميين، كالزمخشري والصغاني والمرتضى الزبيدي فيما يعرض لهم من سماع من بدويّ يأنسون فيه الفصاحة، ورأيت من يدعو إلى التوسّع في هذا القيد، وأرى أن الاكتفاء -في تدوين اللهجات- بما وصل إلى علمائنا القدامى ونقلوه ودوّنوه تفريطٌ في ثروة لغوية مفقودة؛ لأن القبائل العربية في قلب الجزيرة ومنبع الفصاحة لم تنقرض ولم تزل في ديارها ولم يصب لهجاتها على مستوى الألفاظ والدلالة إلا القليل من التطور مما لا يخلّ بها، ويستطيع الباحث اللغوي أن يستخرج منها مادة لغوية لا يستهان بها تثري معاجمنا القديمة وتعين على فهم نصوص غامضة في تراثنا الأدبي واللغوي. فإن  تُركت تلك المادّة اللغوية اللهجية غير الممعجمة اندثرت أو أوشكت لما نراه من انقلاب سريع ومهول في حياة الناس لاختلاطهم في عالَم يشبه القرية الواحدة، ولما يحدث -أيضاً- من تغييرات اجتماعية في حياتهم ولغتهم، أفقدت هذا الجيل الشاب المندفع إلى الحياة العصرية المعرفةَ بلغة أجداده وقبيلته الخاصة وما فيها من فصيح، وكثير منهم ينفر من لهجته ومفرداتها أو يستحيي منها، فلم تعد الألفاظ البدوية الأصيلة تجري على ألسنتهم، ولا نلومهم مع هيمنة اللهجة البيضاء لهجة الإعلام والشباب على المجتمع العام في جزيرة العرب، ويمكن القول: إن كثيرا من الألفاظ اللهجية الفصيحة ستكون في حكم المندثر الدارس خلال أربعة عقود أو خمسة، وربما لن تجد من يعرفها بعد نصف قرن، فكان حفظها بالتدوين والمَعْجَمة بوصفها فائتاً ظنيّا يحتمل الوجهين الفوات والتوليد من أوجب الواجبات علينا، وهو من حقوق لغتنا على أهل التخصص، ومن الخطأ البيّن ومن العجز التفريط في مفردات شائعة تصحّحها المعايير وترجّح فواتها، ومن الخطأ أيضا ردُّها بحجّة خلوّ المعاجم القديمة منها.
____________ 
حذفت الإحالات لأسباب فنية، وهي في كتابي (فوائت المعاجم) ص 106- 144.