الاثنين، 27 أبريل، 2015

الزَّقط والزُّقْطة:

الزَّقْـطُ والزُّقْـطَة
    الزقطُ بمعنى اللقط، وزَقَطَه يزقُطُهُ زَقْطاً لَقَطَه، وهي شائعةٌ في بيئات الجزيرة؛ كالحجاز ونجد والسراة، ومعروفةٌ في فلسطين والعراق وجنوب سوريا والمغرب العربي، والزقطُ في القصيم بمعنى البلع بسرعة(1)، تقول زَقَطَ الزيتونَ أي ابتلعَهُ بخفّةٍ وسرعة، توسعوا فيها لصفة الزقط أي اللقط ثم البلع.
    وقد تكونُ بمعنى السقوط، فتكون بصيغة المطاوعة (انفعل) فيقال: انزقطَ الشيءُ إذا سقطَ في حفرةٍ أو ثقب". ويقولون (انزقطَ المسمارُ في الحفرة)
    ومن أُحدياتِهم: أن جماعةً كانوا في وقتِ مجاعةِ يلتقطون تمرا ويبتلعونه في منطقةٍ يقالُ لها (خيف حسين) بوادي الصفراء غرب المدينة المنورة فينشد أحدهم:
يا لقّاطةْ خيفْ حسـينْ
واحدْ منكم طبعهْ شينْ
يزقـطْ وحــدهْ مع ثنتينْ
     والزقطةُ لعبةٌ شعبيةٌ مشهورة(2)، وهي خَمسُ حصياتٍ بحجمِ الزيتونِ يُلعب بهن، وواحدةٌ منهن تسمّى المزقاط، أو الخال أو الأُمّ، سُمّيت بهذا الاسم لأنّها تُرمى للأعلى لتسقطَ على ظهرِ الكفِّ، فيُسألُ: أين خالُك؟  تم تُقذفُ إلى أعلى، وقبلَ أن يُمسكَ بالخالِ يُدفع بالحصيات الأخريات من بينِ قوسِ السبّابةِ والإبهامِ مقلوباً على الأرض، واشتقاقُها واضح؛ لأنها تُزقط، فاشتقاقُها من الزقط، ولكن مادة (زقط) مهملةٌ في معاجمِنا القديمة.
     ومن جبالهم في تهامة الحرمين جبل اسمه أبو مزاقيط، ويبدو من اسمه أن حصاه يشبه المزاقيط، جمع مزقاط.


     وثمة علاقةٌ بينَ زقط وسقط ولقط ونقط.. فهي من جذرٍ ثنائي واحد (القاف والطاء) ثم زادوا الزاي في أول الثنائي فقالوا زقط، وزادوا السين فقالوا سقط ، وزادوا اللام فقالوا لقط وزادوا النون فقالوا نقط.. وهي زياداتٌ لغويةٌ أحفوريةٌ قديمةٌ جدا غدت ثابتة في جذر الكلمة، وليست زيادةً صرفية، والمعنى مشتركٌ فيهنّ وهو الدلالةُ على الحركةِ للأسفلَ سقوطا؛ أو للأعلى التقاطا؛ فهي في أصلِها ثنائياتٌ ثُلّثتْ بالزيادةِ في أولِها، وهذا من طرائفِ اللغة.
    وبعرضِ هذه الكلمة وجذرها على معايير الفوائت الثلاثة الآنفِ ذكرُها يترجّح عندي أنها من الفوائتِ الظنية.




[1] لهجة القصيم 360.
[2] ينظر: غريب لغة قبيلة شمّر 99.

من بحث (فوائت المعجم العربي أنواعها وضوابطها)
منشور ضمن أبحاث المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية ومواكبة العصر
الجامعة الإسلامية
3-4/ 7/ 1436هـ 
عبدالرزاق الصاعدي

السبت، 18 أبريل، 2015

القرار السادس عشر: مصطلح القوات المجوقلة:


القرار السادس عشر: مصطلح القُوّات المُجَوْقَلة

     القوات المُجَوْقَلة أو الفِرقة المُجَوْقَلة مصطلحٌ عسكريٌّ شائع لدى العسكريين في العصر الحديث، ومعناه: القوات أو الفِرقة المنقولة جوًا، وهو ترجمة عربية للمصطلح الإنݠليزيّ (airborne) وقد ترجمه منير البعلبكي في المورد بقوله: ((1- مُهَومَل: محمول بالهواء 2- مُجَوقَل: منقول جوًا أو بالطائرات)) وجاء في الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) أن ((المجوقل هو المحمول جوًا، وتستخدم الكلمة بكثرة مصطلحًا عسكريًّا لوصف القوّات أو العتاد المحمول بالطائرات أو المروحيات)).

      وهذا المصطلح مأخوذ من قولهم: (المنقولة جوًا) بطريقة النحت بعد تقديم وتأخير بين الكلمتين المنحوتِ منهما، فأصبحت بعد القلب: (جو + نقل) فقالوا: جَوْقَل القوات يجوقلها فهي مُجوقلة، كالبسملة والحمدلة والسبحلة والحوقلة، وأرادوا بهذا النحت على هذا الوزن مجانسةَ قولهم: قوات مُؤَلّلة ومُجَنْزَرة ومُدَوْلَبة، وهي من الآلة والجنزير والدولاب، وفي هذا المصطلح مخالفة للمألوف في النحت؛ لأنّ فيه قلبًا، وله في التعليل وجهان:

      أولهما: أنهم حملوا الكلمتين في استجازة القلب على وقوع القلب المكاني في أصوات الكلمة الواحدة، وهذا ظاهر، وله نظير نادر في منحوتات ابن فارس، قال: ((الكَرْبَلَة وهي رَخاوةٌ في القدمين، وجاء مُكربِلاً، كأنه يمشي في الطين. وهذه منحوتةٌ من كلمتين: من رَبَل وكَبَل))(1) وقال في موضع آخر: ((العَجْرفيّة: جفوة في الكلام وخُرق في العمل، وهذا منحوتٌ من شيئين: من جَرَفَ وعَجَرَ،كأنّه يجرُف الكلام جرفًا في تعقّد, والعَجَر: التَّعَدُّ))(2)
       والتقديم التقديم والتأخير بين الكلمتين ظاهر هنا، ولعله أراد مطلق المزج بين الكلمتين من غير مبالاة بالتقديم والتأخير، على منهجه الخاص في النحت، فلا يكون فيه شاهدٌ صريحٌ حينئذ.

      والثاني: أنهم ربّما أخذوه من بعض معناه؛ لأنّ المجوقلة هي القوات (التي بالجو تنقل) كما قال بعضهم(3)، أو توهّموا أنّه من قولهم: (القوات الجوية المتنقلة)(4) فجاء في ظاهر الأمر على قواعد النحت المعروفة، دون تقديم وتأخير، فساغ به هذا المصطلح (المجوقلة)، ولكننا لم نحمل اللفظ ابتداء على النحت من هذا، أعني: (القوات الجوية المتنقلة) لأنّ معناه لا يطابق مدلول (القوات المنقولة جوًا) وهي قوات برية تتنقل جوًا، أما القوات الجوية فالمراد بها الطائرات وصواريخ الجو والمَظلّيّات ونحوها مما يكون مجالها الجوّ، فليست هي المقصودة بالمجوقلة؛ لأنّ هذه بطبيعتها متنقلة جوّا.

رأي مجمع القاهرة في النحت:
       ولمجمع اللغة العربية بالقاهرة قرار في قياسية النحت، جاء فيه: ((يجوز النحت عندما تُلجِئُ إليه الضرورة العلميّة)) و((النحت ظاهرة لغوية احتاجت إليها اللغة قديماً وحديثاً. لم يلتزم فيه الأخذ من كل الكلمات ولا موافقة الحركات والسكنات، وقد وردت من هذا النوع كثرة تجيز قياسيته. ومن ثم يجوز أن ينحت من كلمتين أو أكثر اسم أو فعل عند الحاجة، على أن يراعى ما أمكن استخدام الأصلي من الحروف دون الزوائد، فإن كان المنحوت اسماً اشترط أن يكون على وزن عربيّ، والوصف منه بإضافة ياء النسب، وإن كان فعلاً على وزن فَعْلَلَ أو تَفَعْلَلَ إلا إذا اقتضت غير ذلك الضرورة، وذلك جرياً على ما ورد من الكلمات المنحوتة))(5).

قرار مجمع اللغة الافتراضي في المُجَوقَلَة:
      بعد الوقوف على منهج العربية في النحت يرى المجمع صحّة المصطلح العسكري المنحوت: القُوّات (المجوقلة) وأنه منحوت من كلمتي (منقولة جوًا) بعد التقديم والتأخير بين الكلمتين، على نحو ما تقدم شرحه وبيان علته. ويجوز استعمال المصدر والفعل من هذا المصطلح: فيقال: جَوْقَل القوات يُجوقلها جَوقلةً فهي مجوقلة، على مثل حَوْقَل، وهي عربية محدثة يصحّحها القياس والحسّ اللغوي السليم.

       ولولا انتشار المصطلح في عرف العسكريين والإعلاميين ولهج الألسن به لاختار المجمع (القوات المنقلجة) نحتًا من (المنقولة جواً) دون تقديم أو تأخير، ولكن المجمع يرى أنّ ما شاع من مصطلحات المخترعات والمعاني المستحدثة مما له وجه في الاشتقاق والصنعة لا يحسن العدول عنه؛ لأنّ قوة الاستعمال معتبرة، لكي لا تكون قرارات المجامع اللغوية معزولة عن واقع الاستعمال في حياة الناس ومصطلحات العلوم والفنون المألوفة.. والله ولي التوفيق.




[1] مقاييس اللغة 5/ 193، وقد نبهنا إلى هذا النص الأستاذ أبو سارة عضو المجمع، من البحرين.
[2] مقاييس اللغة 4/ 365، ونبهنا إلى هذا النص أ. نوار بن قبال السلمي.
[3] قاله المغرّد عبدالله بن سعد الحربي في نقاشات هذا القرار.
[4] نبّه على هذا أ. بدر عائد، عضو المجمع.
[5] صدر القرار في ج8 مؤتمر د 31 سنة 1965م. انظر: في أصول اللغة 1/ 49 وما في الحاشية.

عبدالرزاق الصاعدي
مجمع اللغة الافتراضي
الثلاثاء 2 / 7/ 1436هـ
المدينة المنورة

السبت، 4 أبريل، 2015

أثر العربية في لغات المشرق:

أثر العربية في لغات المشرق

      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد فقد قال عزّ وجلّ: ﴿وَاختِلَافُ أَلسِنَتِكُم﴾ وهذا هو الباب الذي نلجُ منهُ في مقدمتنا عن تأثير اللغة العربية في اللغات الأخرى، فالمتتبع للغات العالمية إذا ما أراد أن يفاضل لغةً على العربية يرجع حسيرا كسيرا، ففيها من الامتيازات ما يجعلها تتصدر اللغات جمالا وبهاء، وذلك لا يعني الانتقاص من اللغات الأخرى، فكل اللغات -ومن ضمنها العربية- ذاقت من مفردات بعضها قليلا أو كثيرا...
*  *       *
    ولما كانت العربية لغة حيوية وحضارية، ولغة طافت بأرجاء المعمورة من خلال الفتوحات شرقا وغربا تركت بصمات واضحة، وغرزت غِرزها اللغوي أينما حلت، فقد ذكر [انجلمان ودوزي أن اللغة البرتغالية في طياتها ما يقارب ٣٠٠٠ كلمة عربية([1])، وتحوي اللغة الفرنسية في قواميسها حوالي ٧٠٠ مفردة ذات أصل عربي([2])، كما أن الإنجليزية أخذت حظها من الكلمات العربية إذ تحتضن ما يساوي ١٠٠٠ كلمة([3])]([4])، وقد جمع الدكتور ف. عبد الرحيم في كتابه Europe speaks Arabic عددا لا بأس به من المفردات العربية التي دخلت اللغات الأوروبية في مختلف المجالات.
*  *       *
    كما أثرت العربية على اللغات الأوروبية كانت اللغات الشرقية لها النصيب الوافر من التأثير، كما نلاحظ في اللغة الأردية، فقد أثرت فيها العربية مباشرة من خلال سماع المولود للأذان، وتسمية المواليد بالأسماء العربية، والتعليم الابتدائي باللغة العربية؛ فكل عائلة مسلمة في شبه القارة الهندية لا بد أن تعلم أطفالها القرآن الكريم، كذلك استخدام الناس الأدعية في حياتهم اليومية من الآداب النبوية، وأداء الفرائض اليومية، وقد كانت هناك صلات تجارية قديمة بين العرب وشبه القارة الهندية، كما أن الفتح الإسلام للسند ترك آثاره العميقة، إضافة إلى اهتمام القاطنين باللغة العربية كونها لغة الدين أيضا.... وفي المقابل فقد أعطت اللغات الهندية بعض الألفاظ التي بدأت تستخدم في العربية جراء التواصل([5])... وأجزم أن بعض هذه الأسباب كانت سببا في دخول المفردات العربية إلى لغات مثل التركية والفارسية، فقد تأثرت اللغة التركية بأعلى نسبة من الألفاظ العربية الدخيلة فيها من بين اللغات الأخرى، حيث بلغت عدد المفردات العربية في اللغة التركية ما يقارب 6436 كلمة، ثم الفرنسية 4974 مفردة، تلتها الفارسية بمقدار 1347 كلمة([6]).

الخلاصة والنتائج:
    ومما ظهر من خلال المشاركات في ندوة أثر العربية في لغات المشرق أن المدخل الدي تدخل منه العربية إلى اللغات الأخرى يكاد ينحصر في المدخل الديني، حيث أن أداء العبادة لا تكون إلا بترتيل القرآن الكريم وقراءة الأدعية النبوية الشريفة، كما أن محبة الناس للغة العربية تأتي كونها لغة النبي ثم إن المسلم إذا ولد له يؤذن في أذنه، ويسمي طفله باسم عربي، وهكذا.. 
    كما ساهمت الرحلات التي كان يقوم بها التجار العرب بشكل مباشر في نقل المفردات العربية إلى بلاد الشرق، وقد تناولت بعض الجامعات في شبه القارة الهندية موضوعات تخص أثر اللغة العربية في اللغة الأردية سواء في الجامعات الهندية أو الباكستانية..

    وختاما أجد أنه لا بد أن يكون هناك تواصلا ثقافيا بين الناطقين باللغات الشرقية مع العربية، وتكثف حركة الترجمة بين اللغات المتعددة من وإلى العربية لتقوية أواصر المحبة بين البلدان الإسلامية، كذلك للاستفادة من كنوزها الأدبية المنطوية في الكتب، والله سبحانه ولي التوفيق.



[1] معجم المفردات الإسبانية والبرتغالية للمستشرقين انجلمان ودوزي، ص: ٢٨٢.
[2] ملاحظات على ألفاظ الفرنسية المشتقة من العربية عن كتاب الفصحى لغة القرآن ص: ٩٥.
[3] الكلمات العربية في الإنجليزية ص: ٩٣.
[4] ما بين المعقوفتين نقلا عن بحث: (أثر اللغة العربية في اللغات الحية: الإنجليزية والإسبانية مثالا) للدكتورة مريم التميمي.
[5] أثر اللغة العربية في اللغة الأردية، دراسة أدبية، رسالة دكتوراه من جامعة بنجاب بلاهور للدكتورة حليمة منصور، ص: 53-80 بتصرف وحذف واختصار.
[6] ورقة بحث بعنوان: (التأثر والتأثير اللغوي بين اللغة العربية والتركية)، ص: 10، للباحثين: تيسير الزيادات، وسميرة ياير.


أ. راسخ الكشميري
المدينة المنورة
15/ 6/ 1436هـ