الجمعة، 31 مارس، 2017

توجيه قولهم: سمعتُ لغاتَهم (بفتح التاء):

توجيه قولهم: سمعتُ لغاتَهم (بفتح التاء)
      يقتضي ظاهر القياس كسر التاء في هذا المثال؛ لأن ما يجمع جمع مؤنث سالما ينصب بكسرة نيابة عن الفتحة، تقول: رأيت مسلماتٍ وسمعت لغاتٍ كثيرةً، والعرب تقول: سمعت لغاتِهم، ولكن ثمة رواية عن أبي الجرّاح والكسائي وغيرهما أن بعض العرب يقولون: سمعت لغاتَهم، بفتح التاء، ومثله إنشاد البغدادين لبيت أبي ذؤيب الهذلي:


فلمّا جَلاها بالإيامِ تحيّزتْ      ثُباتًا عليها ذُلُّها واكتئابُها

بفتح تاء ثُبات، والرواية المشهورة بكسرها.. وفي فتح تاء (لغاتَهم) في تلك الرواية أوجه من التأويل أشار إليها جماعة من الصرفيين كأبي علي الفسوي في كتاب الشعر 1/ 169- 171، وابن يعيش في شرح التصريف الملوكي 190 وابن مالك في شرح التسهيل 1/ 87، 88، وهي - مع ما ظهر لي فيها- كما يأتي:
الوجه الأول: أنها جمع لغة، بالألف والتاء، وقياسها الكسر في النصب، وهو المسموع، ولكن نُصبت بالفتحة توهما أن الألف أصلية، كألف قضاة، فلغات على على هذا الوجه جمع سالم، وهو الظاهر وإليه أذهب، ووزن لغات هنا: فُعات بحذف لام الكلمة، والمفرد لغة ووزنه: فُعَة، وأصله قبل الحذف: لُغْوَة. 
الوجة الثاني: أنها: لُغَاة، على وزن (فُعَلة) جمع لاغٍ كقضاة وحُفاة جمع قاضٍ وحافٍ، وأصلها: لُغَوة، أعلّت وجوبا لتحرك الواو وانفتاح ما قبلها، وتنصب بالفتحة، تقول: رأيت قضاتَهم وحُفاتَهم وسمعتُ لُغاتَهم أي كلام لغاتهم أي كلام اللغين منهم، والألف في لُغاتهم على هذا الوجة لام الكلمة وليست ألف جمع السلامة. ويضعف هذا الوجه سماعها من العرب بالكسرة: سمعت لغاتهم، والشيء لا يكون جمع سلامة وجمع تكسير في وقت واحد، فغلب عند حمل الوجه الخارج عن القياس على التوهم كما قلت في الوجه الأول.
الوجة الثالث: أن (لغاتَهم) -بالنصب- مفرد جاء على فُعَلة (لُغَوَة) مثل نُعَرَة (الخيلاء والكبر) ونُقَرة (داء يصيب الغنم)، على لغة التتميم، أي رد اللام كقولهم: سُماةٌ، لغة في الاسم،  فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فوجب هنا النصب في قولهم: سمعت لغاتَهم أي لُغَوَتَهم، وهي مفرد، ولا يشكل على هذا إضافة المفرد إلى ضمير الجماعة؛ لأنه ورد عن العرب إضافة المفرد إلى ضمير الجماعة، كقول الشاعر:
كُلُوا في بعض بطْنِكُمُ تصحّوا      فإنّ زمانَكم زمــنٌ خميصُ
فأفرد بطنا مع إضافته إلى ضمير الجماعة. ورد ابن مالك هذا الوجه الذي ذكره أبو علي الفسوي من أربعة وجوه ذكرها في شرح التسهيل (1/ 88):
1- أن جمعيّة لغات في غير (سمعت لغاتَهم) ثابتة بإجماع، والأصل عدم الاشتراك لا سيما بين إفراد وجمع.
2- أن التاء في هذا الجمع عوض من اللام المحذوفة، فلو ردت لكان ذلك جمعا بين عوض ومعوض منه، وذلك ممنوع.
3- أن قائل (تحيزت ثباتا)في قول إبي ذؤيب الهذلي يصف مُشتار عسل من شق جبل، والعادة جارية بأن النحل التي تكون هناك إذا نُفِّرت بالإيام، وهو الدخان، اعتزلت مع يعاسيبها ثبة ثبة، فمعنى ثبات إذن جماعات، لا يستقيم المعنى بغير ذلك.
4- أن بعض العرب قال: رأيت ثباتَك، بفتح التاء، حكاه ابن سيده، وهذا نص في الجمعية التي لا يمكن فيها ادعاء الإفراد.


الوجه الرابع: لغة الإشباع، ونبهني إليها الدكتور مكين القرني، فكأنّ الألف في (لغاتهم) ناشئة من إشباع فتحة الغين فقالوا: (سمعت لُغاتهم) يريدون: لغتَهم، ومنه قرئ في الشواذ: (كسراب بقيعة): (كسراب بقيعات) كديماتٍ وقيمات، في ديمةٍ وقيمة.

    وخلاصة الكلام في هذه المسألة في قولهم (سمعت لغاتَهم) أنها جمع على الوجهين الأول والثاني، ومفرد على الوجهين الثالث والرابع، وأميل إلى الوجه الأول، وهو الأقرب عندي.
عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة 
3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م

السبت، 4 مارس، 2017

فرضية الفوائت الظنية:

فرضية الفوائت الظنية
     اجتهد صُنّاع المعاجم العراقيّون في عصور الاحتجاج في جمع لغة العرب الخُلّص، وبذلوا ما يسعهم في التثبّت واستقصاء ألفاظها وغريبها وشواردها، ومع ذلك فاتهم كثير، كما قالوا هم في مناسبات عديدة، لسعة لغة العرب وتنوع لهجاتها وتعدد بيئاتها وقبائلها وبعد المسافة بين العراق ومرابع القبائل في نجد والحجاز والسراة واليمن وعُمان، وكان صانع المعجم العراقي يروي عن أعراب في أطراف الجزيرة المتاخمة للبصرة، ويأخذ ممن يردون على العراق من أبناء القبائل، وطاف بعضهم بالبادية النجدية أو الحجازية في طريق الحج، ولكنهم لم يحيطوا بالقبائل في ديارها ومرابعها، ولم يوغلوا إلى قلب نجد وجنوبها، ولم يطوفوا على أعراب الحجاز في ديارهم وأوديتهم المتفرقة، ولم يقتحموا السراة وجبالها وأوديتها ولم ينحدروا إلى قبائل تهامة الجنوبية، لم يستطيعوا فعل ذلك لقلة حيلتهم فبلاد العرب واسعة مترامية الأطراف وعرة التضاريس، فليس غريبا أن يفوتهم في التدوين شيء من متن اللغة، والفائت نوعان:
    أحدهما: ما نجده في نصوص قديمة صحّت عن العرب في وثيقة يعتدّ بها، كدواوين الشعر وكتب اللغة والأدب، وأسميه الفوائت القطعية.
     والآخر: ما نسمعه في لهجاتهم في جزيرة العرب من بقايا الفصاح الجارية على ألسنتهم في أقوالهم وأشعارهم وأمثالهم وحكاياتهم وتراثهم الشعبي الموروث عن أجدادهم، ويوشك بعضه أن يندثر للتغيير النوعي المتسارع في نمط الحياة العصرية، وأسميه الفوائت الظنية؛ لاحتماله وجهين: الفَوات والتوليد، فجاءت الفرضية مبنية على الترجيح وغلبة الظن دون اليقين، قياسًا على ما نراه في لهجاتهم من محافظتها على مخزونها اللغوي من الحوشي والغريب والشائع، فما من لهجة معزوة إلى قبيلة في كتب اللغة إلا نجدها اليوم في لهجاتنا البدوية على حالها الأول أو على حال قريبة منها، ومن العجز والظلم والتفريط في ألفاظنا أن نرى في لهجاتنا في ديارها ألفاظًا لم ترد في المعاجم ونحكم عليها بأنها عامّيّة، دون دليل، فلا يكفي خلوّ معاجمنا العراقية منها لوسمها بالعامية، مع علمنا بنقص المعاجم وأن اللحن شاع بعد عصور الاحتجاج في التراكيب (المستوى النحوي) ثم البِنى الصرفية (المستوى الصرفي) وأن الوحدات المعجمية في مجموع الأصوات والدلالة ظلت محافظة على أصولها، تتناقلها الألسن جيلا بعد جيل، كما يتناقلون الألفاظ المشهورة التي لم تتغير وظلت باقية على حالها، وهي المكوّن الرئيس في لهجاتنا.
     ولا تُرَدُّ فرضية الفوائت الظنية بالافتقار إلى رواية أو سماع قديم أو نص يُركن إليه، إذ لا نعدمُ من وسائلِنا اللغوية ما يُعين على الترجيح أو يُستأنسُ به، فحين نفتقر إلى اليقين لا نهمل رجحان الظّنّ، وقد عمل به أسلافنا عند الحاجة، حين مَعجموا بعض الألفاظ في معاجمهم وبنوا رأيهم فيها على الظّنّ والترجيح، وهو غير قليل عند ابن دريد (وكُتِبَ فيه رسالة دكتوراه) والمرجّحات هي الشروط والمعايير التي تضبط فرضية الفوائت الظنية، وهي نوعان: شروط لازمة، ومعايير فرعية أو مؤشرات مساعدة مُرجّحة، ليست لازمة، أوجزها في الآتي:

أ-  الضوابط أو الشروط اللازمة لمعرفة الفوائت الظنية: وهي ثلاثة:
      الشرط الأول: تحقق المعيار اللفظي: وأعني به بناء الكلمة الصوتي والصرفي وموافقتها ما جاء في كلام العرب زمنَ الفصاحة.
    الشرط الثاني: تحقق المعيار الدلالي: وهو أن تكون الدلالةُ مناسبةً لحياة العرب في أزمان الفصاحة، أي مما هو مألوفٌ في حياتِهم، فإن كانتِ الدلالةُ لشيءٍ محدثٍ في العصور المتأخرة مما جدّ في الحياةِ عُرفَ أنها دلالةٌ مولدة، وأنها ليست من فوائت المعاجم.
    الشرط الثالث: تحقق المعيار الجغرافي أو الأطلس الجغرافي؛ وأعني به بيئة اللهجة، فإنّ سعة الانتشار للفظ في عددٍ من القبائل المتفرقة، وسماعه من كبار السن الذين لم يتأثروا بالإعلام؛ يرجّح قِدمه مع الأخذ بالمقياسين السابقين. فكلماتٌ مثل: الجُغمة، والخَشير، وارْتَبَشَ فهو مرتَبِش، ويدمَحُ الزّلّة، والرَّهْوة: المكانُ المرتفع، والشَّرْوَى وشرواك؛ أي: مثيلُك، وأزْرَيتُ بمعنى عجَزْتُ عن فعلِ شيء، والهَمْطُ وهو الهذرُ في الكلام، وانحاشَ بمعنى هربَ وولّى، وارجَهَنّ بمعنى جلسَ وسكن، والعَزْقُ بمعنى التضييق، ومُتَحَشِّد؛ أي: مُستحٍ؛ وغاش الماء يغوش بمعنى فار، وفَخَتَ يَفْخَت وفاخَتَ يُفاخت، وتقرفط، والفام، والقحيز، والقشروب، والعذروب؛ هي مما ينتشر بينَ قبائل الجزيرة وبيئاتها، وتتحقق فيه الشروط الثلاثة.
ب: المؤشرات والمعايير المساعدة المرجّحة غير اللازمة، وهي أربعة:

1- اللهجات المهاجرة، وأعني بهذا أن تؤكد لهجة مهاجرة لفظة أو دلالة فتوافق الفروع الأصول؛ وهذا يحدث في لغات القبائل المهاجرة من المشرق إلى المغرب العربي إبّان الهجرات الأولى في زمن الفتوحات وما أعقبه من موجات للهجرة والاستقرار  هناك.
2-   نظرية الاشتقاق الأكبر عند ابن جني.
3-   الاستئناس بنظرية ثنائية الألفاظ.
4-   الاستئناس باللغات العروبية (اللغات السامية).

     واجتماع هذه الشروط الثلاثة في كلمة أو دلالةٍ مع معيار مساعد من الأربعة حريّ بأن يعزّز الثقة بها حين الحكم بالفَوات، مع الاحتراز بالظن؛ لتعذّر الجزم به دونَ شاهدٍ أو نصٍّ قديم، فحَسُنَ تسمية هذا النوع من ألفاظنا الباقية في لهجاتنا بالفوائت الظنيّة؛ لأنها تحتمل وجهين: الفَوات والتَّوليد. وقد سنحت فرصة التطبيق لهذه المعايير على ألفاظ جمعتها بمعاونة الرواة أعضاء مجمع اللغة الافتراضي خلال خمس سنوات، ورصدتُ طائفة منها في كتابي "فوائت المعاجم" وأوصيت بإلحاقها بالمعاجم بوصفها الظّنّي كما يدخل المولد بوصف التوليد.

عبدالرزاق الصاعدي

5/ 6/ 1438هـ

الخميس، 2 مارس، 2017

اشتقاق الفعل (جاب) بمعنى أحضر الشيءَ:

     اشتقاق الفعل (جاب) بمعنى أحضر الشيءَ

    نقل الأديب أبو تراب الحزمي خبرًا للذهبي في تاريخ الإسلام (14/ 691 ت بشار)  في أحداث سنة 659هـ  فيه الفعل جاب بمعنى أحضر، قال الذهبي: ((وكانت الوقعة عند قبر خالد إلى قريب الرَّسْتَن، وذلك يوم الجمعة خامس المحرَّم، وقُتل منهم فوق الألف، ولم يُقتَل من المسلمين سوى رجلٍِ واحد. ثُم جاءت رؤوسهم إلى دمشق. قلت: حكى أَبِي أنهم جابوها في شرائج، وكنّا نتعجّب من كبر تلك الرؤوس لأنّها رؤوس المُغْل)) انتهى. 

      وثمة نصوص قبل الذهبي بقرون؛ منها نصٌّ لأبى بكر عبد الله بن أبى عبد الله محمد بن عبد الله المالكى (توفى بعد 460 هـ) في كتابه (رياض النفوس في طبقات علماء القيروان ص 2/ 368 تحقيق بشير البكّوش) قال فيه: ((قال لي أبو رزين حَشَدني حاشِد السودان قديما إلى رقاده فبذل أهل البلد للحاشد دينارين ليتركني فأبى بكل حيلة، فأخذني ومضى إلى رقادة، وأبو معلوم الكتامي يسمي [الناس] المحشودين، فلما قربت منه نظر إلي وقال: من أمركم أن تجيبوا هذا؟ وهو لا يعرفني، فقال: [جيبوا] دواة وقرطاسًا، وكتب: يا معشر الحَشَّاد...))

    أقول: جاب هذه التي في كلام المالكي والذهبي وغيرهما هي عينها جاب في كلام الناس اليوم في جزيرة العرب، وهي موروثة عن أجدادهم، منذ قرون لا نعلم عدّتها، وجاب في القرآن والمعجم بمعنى قطع الشيء (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) أي قطعوه، وجاب هذه مفكوكة بلا ريب من الثنائي جبّ، بقلب أوّل مثلية حرف علّة، والجبّ القطع، فجبّ الصخر وجابه بمعنًى. وأما جاب بمعنى أحضر الشيء فتحتمل عند التحليل اللغوي ثلاثة أوجه:

    الأول: أن تكون مختزلة من الفعل جاء وباء التعدية بعده (جاء+ بـ كذا)، فقالوا بعد التسهيل والحذف: جابه، أي جاء به، ثم توهّموا الباء لام الفعل، فغدت منه وصرّفوه فقالوا: جابه يجيبه، وهو جايب ومجيوب. وهو مذهب بعض اللغويين ومنهم دوزي في تكملة المعاجم العربية، وقد نقل نص المالكي الآنف الذكر في رسم (حاشد) وللاختزال نظائر في كلامهم.

    والوجه الثاني: أن تكون مقلوبة من فعل الجبابة، أي من جباه يجبيه، والجباية استخراج الأموال من مظانها وإحضارها إلى الوالي، وفعلها جَبَى يَجْبِي، ثم قلبوه فقالوا: جاب، على وزن فلع، وتوسعوا في دلالته فجعلوه لمعنى إحضار الشيء والإتيان به مطلقا. 

   والوجه الثالث: أن تكون جاب بمعنى أحضر قديمة كجاب المعجمية التي بمعنى قطع ولكن دلالتها فائتة لم ترصد، ولا نملك دليلا يصحح هذا الاحتمال فيبقى احتمالا. 

    وثمة سؤال: لمَ اختفت في لهجاتنا جاب بمعنى قطع وبقيت جاب بمعنى أحضر؟ 

عبدالرزاق الصاعدي 
المدينة المنورة 
3/ 6/ 1438هـ الموافق 2/ 3/ 2017م