السبت، 30 نوفمبر، 2013

رسالة للدكتور عبدالله الغذامي مع التحية

رسالة للغذامي مع التحية
أتمنى أن توصلوها إليه فهو لا يسمع مني

أستاذي القدير؛ ذكرت عَلَناً في حسابك الشخصي بتويتر أنني (سرقت وانتهكت كل الحقوق)!! ثم قلت في إشارة لي ولمجمع اللغة الاقتراضي (هؤلاء يسرقون جهد غيرهم... وفعلوها معي مراراً ، مراراً ، مراراً)!! فأقول لك: هذه تهمة كبيرة وتجنٍ خطير، تهمة عامة جامعة مانعة لـ (كلّ الحقوق) فلم تبقِ حقا لم يسرق، وليست مجرد سرقة بل هي انتهاك!! ولم تكن مرة واحدة ولا مرات، بل كانت (مراراً، مراراً، مراراً) يا للهول كيف استطعتَ يا أستاذنا أن تصبر وتسكت وأنت تتعرض لسرقة وانتهاكٍ بهذه البشاعة؟ فأنت مظلوم، والمظلوم لا يسكت، لكن قف يا أستاذنا، لقد أخذتني بالصوت والمظلومية فتعاطفت معك ونسيت نفسي، من الظالم؟ ومن المظلوم؟ كيف جعلتني السارق المنتهك المكرّر للسرقة؟ مع أني بريء من مظلوميتك ولا أعلم شيئا مما تدعيه، فمن حقي عليك أن تثبت دعواك وأن تحدد السرقة بالدليل، فالبينة على من ادعى، حتى لا تكون الظالمَ وأكون المظلوم، هذا حقي عليك وحق العلم والمنهج الذي تدعيه ولا ننازعك فيه، ثم إني سألتك عن دعواك في سبع تغريدات، وكررت السؤال وألححت عليك، وسألك الناس ممن رأوا دعواك وعجبوا منها أن تأتِ بحجّتك، فتجاهلت الطلب ورميت بالأعراف الأكاديمية عرض الحائط؛ لأنك لا تملك حجة ولا بينة، وفي هذا دلالة أولى على زيف دعواك وبطلانها.. فلا مخرج لك بعد صراخك ومظلوميتك المزعومة إلا أن تحدد المسروقات وتثبتها،  ولك منى حينئذ إعادة الحق إلى نصابة وفوقه اعتذار علني وتقبيل رأسك، أو تكون أنت الظالم المُشنّع المفتري، فيجب عليك حينئذ أن تراجع نفسك وترفع الظلم وتعتذر للعلم والمنهج والأخلاقيات إن كان ثمة منهج وأخلاقيات!!.. والناس حكمٌ بيننا.

ودعني ألتفت إلى الناس من حولنا فأخاطبهم، ليحكموا بيننا بعد عجزك عن تحديد المسروقات وإثبات دعواك، فأقول لهم: حين يطلق الدكتور الغذامي تهمة السرقة ويدعي أنني (سرقت وانتهكت كل الحقوق)!! ثم يقول في إشارة لي ولمجمع اللغة الاقتراضي (هؤلاء يسرقون جهد غيرهم... وفعلوها معي مرارا ، مرارا ، مرارا)!! ثم لا يحدد مراده ولا يبيّن حجته ودليله وهو يعلم أن البينة على المدعي، فإنه بذلك يخالف المنهج العلمي والأعراف الأدبية والأخلاقيات، ثم إنه لا يترك لي سوى التخمين والظن، ويدفعني إلى مراجعة نفسي فلعلّني سرقت له كتابا أو بحثا أو مقالة أو فقرة أو فكرة أو هاجسا مر بخاطره، فالهواجس والوساوس ربما تسرق عند الغذامي، ولعلّي  سرقت الخطيئة والتكفير أو ثقافة الوهم أو النقد التلفزيوني !! لقد راجعت نفسي ويجب أن أراجع، ونظرت في أمري فلم أجد شيئا من ذلك، فتخصصي غير تخصصه، وأنا لم أكتب شيئا في النقد، فهو في وادٍ وأنا في وادٍ، وجلّ كتاباتي في اللغة والصرف والمعجم وما يتصل بذلك، فلم يبق لي إلا النظر في معرّبات المجمع الافتراضي، وأظنه يريدها، بل قطعا هو يريدها.

فأقول: لقد تم بعون الله ثم بجهود أعضاء المجمع تعريب عدة مصطلحات، واتُّخذتْ قرارات، ومعلوم أنّ من منهج المجمع أن يختار كلمة أجنبية ثم يناقش الأعضاءُ تعريبَها علنا لعدّة أيام ثم يستخلص المجمع أبرز الآراء المقترحة لتعريبها وطرحها للتصويت، ليختار الأعضاءُ أحدها، وليس للمجمع ولا لي شخصيا إلا اختيار رأي الأغلبية، وبعض المعربات تكون خلاف رأيي وتصويتي، فالرأي للأغلبية، فإن وافقت الأغلبية رأياً سابقا لأحدٍ قبلناه، وإن خالفت رأيي أو رأيا مشهورا طرحناه وراء ظهورنا مهما كان صاحبه، واعتمدنا رأي الأغلبية؛ لأنّ التعريب في المجمع قائم على النقاش ثم الاختيار من قبل لجنة ثم التصويت، فالقرار قائم على التصويت ورأي الأغلبية لا الفردية، والهدف نشر ما يُتّفقُ عليه، وقد أطْلَعْتُ الدكتور الغذامي على بعض معرباتنا ومنها التصويت على البايو، وطلبت منه المشاركة والدعم فتجاهل الطلب وتعالى علينا، وهذا حقّه، فهو فوق السحاب ونحن على الأرض، ثم إنه ليس ملزما بمشاركتنا أو دعمنا، مع أنني كنت أنتظر دعمه لمكانته، ولكوني أحد تلاميذه القدامى الذين كان يمتدحهم ويثني عليهم، ولجهلي بنفسيته توقعت الدعم منه، ربما لأني كنت أراه يمد يد العون لكل من يطرق باب حسابه.

      ومع ذلك لم نهضم له حقا، فكل ما كان له فيه رأي من معرباتنا ذكرناه وأشرنا إلى أسبقيته، إحقاقا للحق، واحتراما له، هذا عملنا ومنهجنا، ولا سبيل له أن يحجر على الناس أن يقولوا آراءهم وفق منهج التصويت، ولا حق له في وصف المجمع وصاحبه وأعضائه والمناقشين والمصوّتين - وهم بالآلاف- بأنهم سُرّاق لفكره؟ أما نحن فمن واجبنا أن نشير إلي أسبقيته حين تكون في مصطلح ما، وهذا ما حدث، فقد أشرت إلى سبقه في مصطلحي التدوير (تعريب رتويت) والوسم (تعريب هاشتاق) وأشار بعض أعضاء المجمع لسبقه فدوّرت تغريداتهم، وقلت حين بدأنا مناقشة تعريب الهاشتاق ما نصه: ((هناك تأييد من كثير من أعضاء المجمع لتعريب د الغذامي للهاشتاق بـ (وسم أو الوسم) والمجمع يؤيد ذلك وسيأخذ قرارا به قريبا)).. ولم نتخذ به قرارا، حين رأيت كثرة استعماله واكتفينا باستعماله وتداولة وتأييده ودعمه. وقلت تعليقا على احد أعضاء المجمع: بتاريخ May 16    2012 م ما نصه: ((نعم، أول من رأيته يستعمل كلمة "وسم" تعريبا للهاشتاق هو أ.د عبدالله الغذامي.. وأتمنى أن تنتشر هذه الكلمة )) وقلت في تغريدة أخرى: ((تعريب هاشتاق: وسم عربها الغذامي وتبناها المجمع)) وغرد بهذا المعنى عضو المجمع نواف البيضاني، ودوّرت تغريدته. وقلت في تغريدة أخرى: ((كلمة هاش تاق عربها د الغذامي وسماها (وسم) فليتنا نلتزم بهذا الاسم الجميل المعبر))

وقلنا مثل هذا في مصطلح (التدوير تعريب رتويت) وهذه تغريدة للأستاذ صالح العوض، قال: ((للبعض حول اقتراحي كلمة تدوير أشير إلى أني طرحتها في 22/ 7/1433هـ الموافق 12/ 5/2012م. ويشرفني موافقة أستاذنا الدكتور الغذامي إن سبقني)) ودوّرت تغريدته. وقال الأستاذ بدر الدريس: ((الغذامي أول من اقترح "تدوير" قبل أشهر)) ودوّرت تغريدته موافقةً وتأييدا. وبعد مناقشة تعريب مصطلح رتويت تم التصويت على مصطلحي (تدوير) و(تمرير) فذهبت أغلبية الأصوات لكلمة (تدوير) فقلت بعدها ((في اتفاق نتائج تصويتنا لكلمة retweet مع فكر علم كالدكتور الغذامي دلالة على نجاح المصوّتين وحسن اختيارهم))

ويعلم الغذامي وجميع الأعضاء أنني مع الأغلبية دائماً فلو اختارت الأغلبيّة كلمة (تمرير) لاعتمدناها ورمينا بالتدوير وراء ظهورنا، فنحن لا نتبع الغذامي ولا غيره، نحن نقدّر رأي الأغلبية ونعتزّ به ونلتزم، وفق منهج نراه صحيحا، وعززناه مؤخرا بلجنة علمية من كبار الأساتذة والأدباء أرباب الكلمة، وقد كان لهذه اللجنة جهد مشكور في تعريب مصطلح (workshop) الذي يرد في الأروقة العلمية، واختار اللجنة بضع كلمات تم التصويت عليها وفازت كلمة (حلقة نقاش أو حلقة تدريبية بحسب طبيعة الحلقة)

       ثم إننا في المجمع (أنا والأعضاء) ليس من هدفنا أن نكون سابقين أو غير سابقين بل هدفنا التعريب ونشر المعربات وخدمة لغتنا بذلك، فنحن أول من اعترف بما للدكتور الغذامي، ولم نَدّعِ شيئا له وننسبه لنا، ولذا قلت بتاريخ 18/8 / 2013 ((نحن والدكتور عبدالله الغذامى نتكامل، وما نتفق عليه (مثل وسم وتدوير) يجعلنا أكثر تمسكا به.. ونشكر للدكتور جهوده))

وهناك غير هذا جملة من المصطلحات عربها أعضاء المجمع وليس للغذامي علاقة بها من قريب أو بعيد، منها:
 تعريب الإنتركشن والمنشن: التفاعل والإشارة.
وكلمة (Report for spam) هو (إبلاغ عن إزعاج) أو (إزعاج)
و"ريموت كونترول" هو "جهاز التحكم"
و"فرن المكرويف" هو "الفرن الموجي".
و"البلوتوث" هو "القارن"
و(workshop) حلقة نقاش أو حلقة تدريبية،
وتعريب (ترجمة)  "البايو- Bio" في تويتر هو: (النُّبذة)
وقد كانت نتائج التصويت لتعريبه (البايو-Bio) كما يأتي: : النبذة 203 / المُعرِّف 191 / التعريف 83 /التوقيع 44 /اللمحة 27 /السيرة 20 /الوصف 13 /الرؤية 11.

فأقول لأستاذي القدير الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي: أين السرقات المزعومة؟ ومتى وكيف (سرقت وانتهكت كل الحقوق)!! وما معنى: ((هؤلاء يسرقون جهد غيرهم... وفعلوها معي مراراً ، مراراً ، مراراً))!!

سيّدي وأستاذي الفاضل؛ قليلا من المنهج! قليلا من الإنصاف!

عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

الجمعة، 29 نوفمبر، 2013

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (6)


1- لا يمكن أن أكتب عن ذكرياتي في قسم اللغة العربية دون أن أقف عند أستاذنا القدير الدكتور عمر الطيب الساسي، فهو من مؤسسي القسم وأعمدته الأوائل مع الدكتور عبدالهادي الفضلي، والحقيقة أنني تريّثتُ في الحديث عن أستاذنا القدير الساسي؛ لأستجمع ذاكرتي وعدّتي وعتادي وآخذ حيطتي، فأستاذنا ذو شخصية ذكية لمّاحة مزاجية حادّة كالسيف لكنها سهلة ممتنعة، وهو ذو ذاكرة قوية وعين راصدة، فويل لطالب ترصده عين الدكتور عمر في موقف ما وتختزنه ذاكرته التي لا يتسرّب منها شيء؛ لأنه حينئذ سيكون تحت المجهر والنظر، ليأخذ نصيبه وافراً من التندّر والمداعبة مطلع كل محاضرة حتى ينتهي الفصل أو العام الدراسي، وكنا نقتصد في كلماتنا ونتحفّظ في تصرفاتنا وحركاتنا ونميل إلى الانكماش والسكون في حضرته خوفا من أن نُرصد فنكون ضحية التندر طيلة العام، وممن رصدته عين الدكتور عمر (جبريل أبو ديّة) في رحلة أبحر حين ألقى جبريلٌ لسوء حظّه قصة قصيرة جاء فيها عبارة: (ولمحته بخاصرتها!!) -و(الخاصرة) كلمة رائجة وشريفة عند الحداثيين-  فكانت فرصة للدكتور عمر لا يمكن أن يفوّتها فعلّق عليها بطريقته المعهودة في السخرية من الحداثيين وقال: أها يا جبريل!! لمحته بخاصرتها!! وهل للخاصرة أعين يا جبريل؟ ومواقف كثيرة لزملائي معه، لا تحصى، حتى إن الدكتور سعيد مصلح السريحي الذي لم يكن معنا في الجامعة كان يأخذ نصيبه من تعليقات الساسي عن بعدٍ، قبل التعليم عن بعد؛ لأن السريحي كان من الحداثيين السعوديين المعروفين في تلك الحقبة، وكان الساسي خصما لدودا لهم، ويحلو له أن يتلاعب بالأسماء على طريقة الأضداد اللغوية أو تعاقب الحروف، فتراه يحوّل السعيد إلى شقيّ والمصلح إلى مخرّب، والقشاش إلى غشاش!!.
 2- والحقيقة أن أستاذنا القدير الساسي يفعل ذلك تلطيفا لأجواء النقاشات والمحاضرات وكسراً للحواجز بين الأستاذ والطالب، فألفنا مداعباته وتعليقاته وتقبّلناها، وهي تصدر منه بعفوية مطلقة؛ لأنه صاحب قلب أبيض، ما في ضميره يخرجه لسانه.. وقد درسنا عليه ثلاثة مقررات وهي (نظرية الأدب) و(الأدب المقارن) و(الأدب السعودي) وأفدنا من علمه الغزير.. أما مقرر (نظرية الأدب) فكان مادة ثقيلة الظل عسرة الهضم لطبيعتها الفلسفية نوعا ما وقد كانت هذه المادة عندي -وربما عند زملائي- كماءِ مرّ على صخرة، فلم يستقر، ولم يبقَ منها شيء في ذاكرتي، وكان الدكتور عمر لا يوليها عناية كافية، أما (الأدب المقارن) فكانت أكثر سلاسة وجمالا وكذلك الأدب السعودي، وله فيه كتاب (الموجز في تاريخ الأدب العربي السعودي) ظهرت طبعته الأولى في سنة 1407 وهي السنة التي درسنا فيها هذا المقرر عنده، فقرر علينا الكتاب، وأفدنا منه على الرغم من وجازته كما يظهر من عنوانه، وهو يشتمل على قدرٍ من التراجم لأدباء سعوديين من أجيال مختلفة، يأتي على بعض نتاجهم الأدبي، مع ذكره بعض المراجع لكل ترجمة.. وللدكتور عمر طريقته في الأسئلة في الاختبارات فهي ذكية وسهلة لكنها ممتنعة، وأحيانا تكون عامّة، وأحيانا مستفزّة، وأذكر أنه في الاختبار لمقرر الأدب السعودي قال لنا، من يريد أن يفتح الكتاب فليفعل، فلما نظرنا في الأسئلة علمنا أنه يتحدانا، فالأسئلة تعتمد على الفهم والتحليل والاستنباط وليست أسئلة معلومات يجدي فيها الغش أو النقل من كتاب.
3- وفي مقرر (المصادر) عند الدكتور عبدالله المعطاني في عام 1405هـ  أذكر أنني تأخّرت قليلا بسبب تباعد القاعات ولعدم معرفتي بالمكان، فهي المحاضرة الأولى في المصادر، ولم أكن أعرف الدكتور المعطاني، فدخلت بُعيد دخوله، ربما بدقيقة واحدة؛ لأن الدكتور لم يشرع في الدرس بعد، ولم يتعرّف على الطلاب، فطلبتُ الإذن بالدخول فاستوقفني وسألني عن اسمي وهل أنا من طلاب المقرر؟ فأجبته، فقال: هل تحفظ شيئا من الشعر؟ قلت نعم، فأشار إلى السبورة، وقال: أكتب بيتاً، فلما رأى حيرتي قال أكتب أيَّ بيت، فتناولت القلم وأنا أستجدي الذاكرة علّها تسعفني ببيت مناسب، وأقول في نفسي: هذا جزاء من يتأخر، فقفز إلى ذهني بيت عابر جداً لمحمود سامي البارودي من قصيدته القافيّة، وهو قوله:
إذا المرءُ لم يَنهَض لِما فيهِ مَجدُهُ * قَضَى وَهْوَ كَلٌّ فِي خُدُورِ الْعَواتِقِ
وكتبت البيت، فقال لي اجلس، ولا تتأخر مرة أخرى، ثم أخذ في التعليق على البيت، وجعله مدخلا للمحاضرة، وقال لنا: هب أنك لا تعرف قائل البيت، فعليك أن تتأمل ألفاظه ومعانيه وأسلوبه وشاعريته لتحديد عصره، ثم تحاول أن تحدد قائله فإنّ لكلّ شاعر أسلوبَه الخاص، وبقدر فراستك يمكنك الوصول إليه في وقت أسرع، وإنّ للتراث الشعري مصادره، غير الدواوين، يمكن الرجوع إليها للوصول إلى البيت، وذكر لنا عددا من تلك المصادر، وكان يردد على مسامعنا مجاميع الشعر كطبقات فحول الشعراء لابن سلام وأشعار الهذليين صنعة السكري وجمهرة أشعار العرب للقرشي وحماسة أبي تمام واختيارات المفضّل ومنتهى الطلب في أشعار العرب لابن ميمون، وهذا الأخير أوسعها وقد طبع مؤخرا في تسعة مجلدات، فكان اقتناؤها هدفا لنا أنا وزملائي، وكانت مادة المصادر من أكثر مقررات القسم نفعاً.
4- أما مقرر (نشأة النحو) فدرسناه على الدكتور حسين الذواد، وهي مادة مهمة وشيّقة، وكان الدكتور حينئذ رئيساً للقسم، فينشغل به وبمشاكل الصراع بين المحافظين، ومنهم الدكتور عمر الطيب الساسي، والحداثيين الذين يتزعمهم الدكتور عبدالله الغذامي، وكان الدكتور حسين الذواد إداريا حازما وناجحا في رئاسة القسم، قاده إلى برّ الأمان بتعاون الأساتذة الكبار.. ولي مع أستاذنا قصة في بحثي عن أبي الطيب المتنبي الذي كتبته في مقرر الأدب العباسي الثاني عند الدكتور ضيف الله هلال العتيبي..
(للحديث صلة)
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي  *

* الجامعة الإسلامية.  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
جريدة المدينة، ملحق  الأربعاء 27/11/2013 
http://www.al-madina.com/node/493944

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (5)


1- في أيامنا تلك كان مدير الجامعة هو الدكتور رضا عبيد، وعاصرنا ثلاثة من عمداء كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وهم على التوالي: د. حمد العرينان، ود. سليمان الغنام، ود. عبدالوهاب بغدادي، وكانت صلتنا بالعمداء ضعيفة جدا، بل إننا لم نر بعضهم، ولم نتمكن من دخول مكاتبهم، إطلاقاً، وأقصى مرادنا أن نصل إلى مكتب مدير مكتب العميد، لكن لهذا استثناءات، وأذكر أن الدكتور حمد العرينان استدعاني يوما إلى مكتبه، بتوصية من الدكتور عبدالله المعطاني، كان العميد لطيفا جدا ومتواضعا، وأثنى على قسمنا وجدية طلاب اللغة في العموم، وخصني بشيء من المديح والثناء مما لا أستحقه، وكلّفني بإحصاء ما ورد في بعض المصادر القديمة عن (عوانة بن الحكم الكلبي الكوفي الضرير العلامة الإخباري أحد الفصحاء) لعدم ثقة عميدنا فيما جاء في فهارس بعض المظانّ القديمة التي نقلت روايات عوانة الكلبي، كالطبقات لابن سعد وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد والبداية والنهاية لابن كثير، فعكفت على الكتب الثلاثة في إجازة الصيف وأحصيت روايات عوانة، وجئت الدكتور في بداية العام الدراسي الجديد بما أحصيته، فشكرني وأهداني ثلاثة كتب تقديراً وتحفيزاً لي على القراءة والتعلّق بالتراث، ولم تزل الكتب في مكتبتي وهي: البداية والنهاية لابن كثير، وفتوح البلدان للبلاذري، وكتاب المغازي للواقدي، وربما تسبّبتْ هذه الكتب في توجيه بعض اهتمامي إلى كتب التاريخ والتراجم فتكونت لي مكتبة تاريخية جيدة.. وقد علمت فيما بعد أن الدكتور حمد العرينان ترك العمل الأكاديمي في الجامعة وانتقل إلى العمل مديرا عامّا للمؤسسة العامة لجسر الملك فهد بين السعودية والبحرين.
2- ودرسنا مقرر (كتاب قديم) على الدكتور أحمد عبدالله السومحي، وهو حضرمي من اليمن الجنوبي، عمل في القسم في المدة (من 1979-1999م) كان مُغرما بالأديب الحضرمي الكبير علي أحمد باكثير وتناوله في عدة أبحاث: منها (علي أحمد باكثير: حياته وشعره الوطني والإسلامي) و( الرواية التاريخية في أدب علي أحمد باكثير) ودرسنا على الدكتور السومحي نصوصا من أدب الجاحظ في البيان والتبيين والبخلاء، ونصوصا من أمالي القالي، وهو في الجملة هادئ الطباع يميل إلى السكون واحترام طلابه.
3- أما مقرر (الصورة الأدبية) فدرسناه على الدكتور فوزي عيسى، كان من أساتذة الأدب الحديث، معارا للقسم من جامعة الإسكندرية بين عامي (1982-1986م) له كتاب في الشعر السعودي المعاصر، وموسيقى الشعر والدراسات الأندلسية والدراسات النقدية، وعلمت مؤخرا أنه فاز بجائزة (يوسف بن أحمد كانو) التي تعد من أرفع الجوائز بمملكة البحرين، وكانت الجائزة  لكتابه (صورة الآخر في الشعر العربي)
4- ودرسنا مقرر (الأدب الرومنسي) على الدكتور السعيد الورقي، كان في عنفوان  شبابه، ولكنه كان هادئاً هدوء الشيوخ، يتحدث همساً ورمساً، وكان مغرما بقصائد الشعراء الرومنسيين الكبار، ويروي لنا بعض أشعارهم، من أمثال (جيته) الشاعر الألماني و(لا مارتين) و(ألفرد دو موسيه) و(ألفرد دوفينيي) و(فيكتور هوغو) و(شيلي) و(بايرون) و(ووردزورث) و(كلوريدج ) ومن العرب خليل مطران أبو الرومنسية العربية، وعلي محمود طه، وجبران خليل جبران، وإبراهيم ناجي، وغيرهم.. وكان يسرد لنا تأريخ الأدب الرومانسي الذي يعدّ أحد أشكال الحركة الرومنتيكية في أوروبا في القرن التاسع عشر, التي نشأت في أحضان الطبيعة، لتثور على العقل وسلطانه وتجعل القلب منبع الإلهام.. ومن رواد هذا الأدب ويليام ووردزورث وصامويل تايلور كوليردج اللذَين ألفا معاً أول كتاب في الأدب الرومانسي والحركة الرومانسية وهو ما يعرف بالأناشيد الغنائية The Lyrical Ballads)) ودرسنا مع أستاذنا قصائد مختارة مترجمة منها قصيدة (الفراشة) لويليام ووردزورث، وقصيدة (أغنية البَحّار العتيق) لكوليردج.. ثم وقفنا طويلا عند جماعة أبولو ومؤسسها في الأدب العربي (أحمد زكي أبو شادي) ونماذج من أشعارهم كقصيدة المساء لخليل مطران، ومنها:
يا لَلغـــروبِ وما بهِ من عَبْـرةٍ * للمُســـتهامِ وعِبْــــرةٍ للرّائــي
والشّمس في شفقٍ يسيلُ نضارُه * فوقَ العقيقِ على ذُراً سوداءِ
مَـرَّتْ خِـلالَ غمامتيْن تحـدُّراً * وتقطَّـرتْ كالدّمعةِ الحمــراءِ
فكأنّ آخـرَ دمعةٍ للكـونِ قد * مُزجَتْ بآخـرِ أدمـعي لرثائي
أما أنا فقد كان للأدب الرومنسي في شقِّهِ الذاتي وتيّاره الوجداني المتدفق تأثيرٌ كبير في ذائقتي فيما مضى، وله أثر غائر في نفسي، وكنت مغرما بشعر الرومنسيين العرب وشعرهم الوجداني وأخيلتهم وعواطفهم الفردية من أمثال جبران وأبي القاسم الشابّي وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي على وجه الخصوص لسلاسة شعره وتدفّقه العاطفي الساحر في دواوينه وراء الغمام والطائر الجريح وفي معبد الليل، وكنت أقف طويلا عند بعض قصائده، كقصائد البُحيرة والخريف والأطلال.. وفي الرواية الرومنسية أولعت بروايات فكتور هوجو على وجه الخصوص:  (البؤساء) و(أحدب نوتردام) ثم (عُمّال البحر).
 لقد كان للأدب الرومنسي أثرٌ كبيرٌ في ذائقتي ولم تزل في نفسي بقايا رومنسية لا تنمحي تلعب بوجداني وعاطفتي وتجعل من نفسي نفس طفل يهيم ويغني وفجأة ربما تراه يبكي! والحقّ أنه ما من أحد منا إلا لديه حظه من الرومنسية أو الوجدانية الحالمة أو البائسة، وإن بدا فضّاً غليظ القلب، فكلٌّ منا في داخله طفلٌ يبكي أو طائرٌ يغرد.!
(للحديث صلة)
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

*  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
جريدة المدينة، ملحق الأربعاء 20/11/2013
http://www.al-madina.com/node/492378

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (4)


       1- وضمن الأنشطة الثقافية لكلّية الآداب نظّم قسمنا رحلة ترفيهية إلى كلية علوم البحار على ضفاف شرم أبحر، بتاريخ 12/ 1/ 1406هـ كنا مجموعة وكان معنا الدكتور حسين الذواد رئيس القسم، والدكتور عبدالمحسن القحطاني والدكتور محمد يعقوب تركستاني والدكتور عبدالله المعطاني والدكتور بكري شيخ أمين، والدكتور فوزي عيسى، وعبدالرحمن إدريس وعدد من زملائي، وكان منهم عبدالرحمن عيسى الحازمي وحمدان الزهراني وحسين بافقيه وعبده قزان (عبدالعزيز قزّان) وعائض بن سعيد القرني ومحمد العُمري وعبدالمحسن الدوسري وعبدالعزيز قدسي وراشد الحسيني من عمان، وكنز الدولة من السودان، وطالب من كوريا الجنوبية نسيت اسمه.. ولو أردتُ التخمين لقلت: تشاو يونغ هونغ!!
2- وأقيمت في أثناء الرحلة بعض المسابقات الثقافية الخفيفة، وأذكر أننا بعد رجوعنا من رحلة بحرية على ظهر قارب بمعية الدكتور بكري شيخ أمين ومجموعة من الطلاب نظم لنا المسؤول عن النشاط الثقافي بالقسم الدكتور عبدالله المعطاني مساجلة شعرية بحضور أساتذتنا، وطُلِبَ من الدكتور عبدالمحسن القحطاني أن يفتتح المساجلة مع أحد الطلاب وهو عبدالمحسن الدوسري فقال الدكتور القحطاني للطالب مازحاً: إن غلبتك قالوا: أستاذٌ غلبَ طالباً من طلابه واستقوى عليه، وإن غلبتني قالوا كبيرة! طالبٌ يغلب أستاذه!! فأنا الخسران في الحالتين، فساجله الدكتور وكانت مساجلة جميلة وممتعة، وكأنهما اتفقا ألا غالب ولا مغلوب..
3- وأذكر أن الدكتور عبدالله المعطاني سأل سؤالا بعد المساجلة وكان معه مجموعة من الكتب جوائز، وكان من الأسئلة التي علقت في ذاكرتي، سؤاله عن بيت المعرّي:
فمدّتْ إلى مثلِ السَّماءِ رقابَها * وعَبَّتْ قليلاً بينَ نِسْرٍ وفَرْقَدِ
ما معناه؟ وكيف تمدُّ الإبلُ رقابَها إلى مثل السماء وتشرب بين كوكب النسر والفرقد؟ ومن قائل البيت؟ فأجبتُه؛ لأنّ الدكتور نسي أنه حدّثنا عن هذا البيت في محاضرته أوّل الأسبوع فكان جوابي مستمدّاً مما أخذناه عنه، وكانت هذه الإجابة مباركة، إذ جلبت لي جائزة ثمينة كتابين نفيسين، هما المفضّليات والأصمعيات، بتحقيق العَلمين أحمد شاكر وعبدالسلام هارون، ولم أكن أعرف الكتابين، واليومَ هما من أعز مقتنيات مكتبتي، وعليهما تاريخ تلك الرحلة، وتعليق وجيز، وربما كانت من ثمرات قراءتي فيهما أن أحببت الشعر العربي الأصيل، وتعلّقت بالتراث ومصادره، ومن قصائد المفضليات التي كنت أطيل النظر فيها دالية الأسود بن يعفر النهشلي، ومطلعها:
نامَ الخَلِيُّ وما أُحِسُّ رُقادي * والهمُّ مُحتضِرٌ لَدَيَّ وِسادِي
وعينيّة سويد بن أبي كاهل، ومطلعها:
بَسَطَتْ رابعةُ الحبلَ لنا * فوصلنا الحبلَ منها ما اتسعْ
وقد أطال الوقوف عندها أستاذنا الدكتور الغذّامي في مقرر النصوص الأدبية، وحلّلها تحليلا بديعاً كعادته في تحليل النصوص.. ومن قصائد الأصمعيات فائيّة قَيس بن الخَطيم، ومطلعها:
رَدَّ الخليطُ الجِمَالَ فانصرفُوا * ماذا عليهم لو أنّهُمْ وقفُوا؟
4- ومما أتذكره من أحداث تلك الرحلة أن نقاشاً أدبيا نقديا دار بين الدكتور عبدالحسن القحطاني والدكتور حسين الذواد وكان موضوعه نرجسية المتنبي وأخلاقه وشاعريته، وهو صدى لما كان يدور من نقاشات بين الشاعر اليمني الأديب أحمد بن محمد الشامي (رحمه الله) والفيلسوف أحمد الشيباني (رحمه الله) بتوقيع مستعار هو (ذيبان الشمري) وكان حوارا أدبياً ساخناً على صفحات هذا الملحق العريق (ملحق الأربعاء) في عدة مقالات من عام 1403هـ وقد طال الحوارُ وأمتعَ، وكانت أصداؤه تتردّد في كليتنا وقسمنا على وجه الخصوص بين الأساتذة والطلاب، في ذلك الزمن الجميل، وهو من أجمل ما قرأت على صفحات هذا الملحق الذي كنا ننتظر صدوره صباح كل أربعاء بشغف وترقّب، أسبوعاً لذيبان الشمري وأسبوعاً للشامي، واستمرّ أشهراً عديدة، تارة تميل الكفّة للشامي وتارة لذيبان الشمري، وقد جُمعتْ مقالات الشامي وصدرت بعنوان ((المتنبي شاعر مكارم الأخلاق)) من مطبوعات نادي جدة الأدبي.. فدار نقاشٌ بين أستاذَينا الكريمين القحطاني والذوّاد، ظُهْرَ يوم الرحلة قبل الغداء، إذ كنا نتداول إبريق الشاي في جلسة حميميّة في صالون مُطلّ على البحر في كلية علوم البحار على شرم أبحر، ولا أذكر الآن على وجه الدقّة ما الذي دار في النقاش الذي شارك فيه بعض الطلاب بأسئلة أو مداخلات مقتضبة، ولكنني أذكر أن أستاذنا الدكتور القحطاني كان يؤيد الشامي في دفاعه عن المتنبي وعروبته وأصالته، وأما أستاذنا الدكتور الذوّاد فكان يميل إلى رأي الشيباني (ذيبان الشمري) في دعواه بأن المتنبي كان نرجسيا قلقَ الشخصية مضطرباً يعاني من مشكلات نفسية، وأنه كان رقيق الدين منافقاً طامعاً في إمارة لم يظفر بها في كنف سيف الدولة بحلب فرحل عنه متجها إلى مصر وكافورها الإخشيدي طمعا في الحصول على ولاية أو توزيرٍ يليق به، فلمّا استيأس من كافور دسّ له الهجاء في معسولات المديح.. وتشعّب النقاش بين الأستاذين.. فكانت بحقّ جلسة أدبية مع أساتذتنا في غاية البساطة والحميمية والمتعة.. ذهبت الأيام وتفرّق الجمعُ وبقيت الذكرى كطيفٍ عابر يبعث الشجن.. وما أصدق قول حبيب بن أوس الطائي:
ثُمَّ انقضتْ تلك السِنُونَ وأهلُها * فكـأنّها وكأنَّهـمْ أحــــلامُ
(للحديث صلة)
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

* الجامعة الإسلامية.  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
ملح الأربعاء، جريدة المدينة، الأربعاء 13/11/2013
http://www.al-madina.com/node/490791

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (3)

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (3)
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
أواصل حديث الذكريات عن بعض أساتذتي في قسم اللغة العربية في تلك المدة الذهبية (1404- 1408هـ ) وسأذكر بعضا من زملائي الذين عاصرتهم، في تفاريق، حسب ما تجود به الذاكرة الكليلة.
1- قلت في المقالة الأولى في الدكتور عبدالله الغذامي ما عرفته عنه أيام الدراسة، ولم أبالغ في مدحه علمياً، وهو ليس بحاجة إلى شهادتي فيه، فعلمه الشاهد، وهو من الأعلام الكبار في تاريخنا الثقافي المعاصر، ولكنها ذكرياتي وانطباعاتي، لا تنفعه ولا تضرّه، فمما أذكره أنني قرأتُ له محاولةً شعرية قديمة نُشرت في مصدر نسيته الآن، لا أدري أكتابٌ هو أم مجلة أم جريدة؟ لكن علق في ذهني من قصيدته قوله: (والحُبُّ جرادة!!) فلم أستوعب التشبيه المعجِز!! فكنّا ذات يوم من عام 1407هـ نسير بجواره أنا وبعض زملائي خارجين من المبنى القديم للقسم متجهين شرقا إلى مبنى كلية الآداب الجديد، وكنت أَهُمُّ بسؤاله: كيف يكون الحُبّ جرادةً يا دكتور؟ وكان بجواري بخيت سعد وقد أطلعته على ما أضمرته من سؤال، فنصحني ألا أسأله، فلما رآني أُهمهم بالسؤال ضغط على يدي، أي: لا تسألْ! فتردّدت، ثم امتنعت عن السؤال.. وليتني سألته! فإنّ أستاذنا لطيفٌ جدا (كان) مع طلابه، وخاصة من يتوسّم فيهم شيئا ما، أو يأمّل أن يكونوا على منهجه ومن أتباعه، ولكن صورته الجميلة تغيرت كثيراً في عيون بعض طلابه بعد تخرّجهم، فرأيناه يقصي من يخالفه أو يُبيّن بعض أخطائه في بعض مسائل العلم ، فيلجأ إلى التجاهل والإقصاء والتنكّر، ليس عن ضعفٍ علميّ، فهو جبلٌ في الأدب والنقد، فما حاجته إلى التجاهل والإقصاء والتعالي ما لم تكن نرجسية تتضخُم مع تقدم العمر لتصبح منهجا مع الخصوم والطلاب الذين لم يسيروا في الجوقة القديمة أو الجديدة؟!
 وباختصار فإنّ أستاذنا الفريد يريد أتباعاً ومريدين ورواة لعلمه وشُرّاحا لنظرياته التي تخلّى هو عن نصفها، بعد رحلته من البنيوية إلى التشريحية عبر (الخطيئة والتكفير) في صومعة الحداثة التي خرج منها بعد نضالِ عقدين انتهى بكتاب ينعِي فيه الحداثة السعودية، فأضاع أوقاته وأوقات طلابه في البحث عن الصُّوتيم والفُونيم وتشريح النص والسميولوجية والأبستموليجية وموت المؤلف، فماتت الحداثة وتحوّل هو إلى النقد الثقافي وثقافة الوهم وثقافة الصورة ونقد الفضائيات.
2- ومن أساتذتنا الدكتور بكري شيخ أمين، من سوريا، وكان أستاذا أنيقا مهذبا، ذلّل لنا علوم البلاغة، وخفف من جفافها في كتب المتقدمين وأعاد عرضها بأسلوبه الخاص، فكان بارعا في تقريب علومها وتقديمها في ثوبٍ جديد أنيق، ومنه عرفنا أن البلاغة هي وضع الكلمة المناسبة في مكانها المناسب، أو مراعة مقتضى الحال مع فصاحة اللفظ، كما قال القدامى، أو ما يسميه الشيخ عبدالقاهر الجرجاني النظم، وقد أفدنا من الدكتور بكري ومن كتبه (البلاغة في ثوبها الجديد في ثلاثة أجزاء) ودرسنا عليه المستويات الثلاثة من البلاغة، وفي المستوى الأول قرّر علينا كتاب الخطيب القزويني (التلخيص في علوم البلاغة) بشرح عبدالرحمن البرقوقي، وإلى اليوم أحتفظ بنسختي وعليها تعليقاتي مع الدكتور، والحقيقة أن التلخيص لا يصلح أن يكون كتابا لمقرر البلاغة، لوجازته وجفافه.. وفي المستويين الثاني والثالث رأى أستاذنا أن كتابه (البلاغة في ثوبها الجديد) في جزءيه الثاني والثالث هو المرجع للمقررين مع مصادر قديمة عند الحاجة، وكان أحدهما عن البيان والآخر عن البديع، وكنا نرجع بين الحين والحين إلى المفتاح للسكاكي وكتب عبدالعزيز عتيق وبدوي طبانة.. ومن أبرز كتب الدكتور بكري بعد البلاغة في ثوبها الجديد كتابه (الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية) الذي أخرجه عام 1492هـ / 1972م.
والدكتور بكري بطبعه يميل إلى الرزانة والهدوء ويبادل طلابه الاحترام المطلق، وقد سعدت برؤيته قبل سنة حين استضافته الجامعة الإسلامية في المؤتمر الدولي الأول للغة العربية ومواكبة العصر، وكان له ورقة بحث بعنوان (اللغة العربية بين الواقع والمرتجى).
3- وكانت دفعتنا في تلك الحقبة الذهبية مميزة جدا، وقد تفرّقت بزملائي السبل بعد تخرجهم، شرقوا وغربوا، وحققوا نجاحات تثلج الصدر، ومناصب علمية وإدارية جيدة، وكتبوا أبحاثا ونشروا كتباً، وشاركوا في حراكنا الثقافي والأدبي والأكاديمي، وسأذكر بعضهم هنا، من الذاكرة، وأرجو أن يعذرني من نسيت أن أذكره، وهم:
الدكتور عبدالرحمن بن عيسى الحازمي، والدكتور أحمد سعيد قشاش، والناقد حسين بافقيه، والدكتور محمد هادي مباركي، والدكتور ناجي بن محمدو حين عبدالجليل، والدكتور حمدان الزهراني، والدكتور عبدالعزيز عاشور العبيدان، والدكتور نصّار بن محمد حميد الدين، والإعلامي عبده قزّان (عبدالعزيز قزّان) والإعلامي جبريل أبو ديّة، والدكتور عائض بن سعيد القرني، والدكتور عبدالهادي حتاتة الغامدي، ، والدكتور حمدان الزهراني، والدكتور عامر الثبيتي، والدكتور مطيع الله السلمي، والدكتور محمد شتيوي الحبيشي، والدكتور يحيى الحكمي، والشاعر مسفر الغامدي، وبخيت سعد الصاعدي، وعبدالله حارق، والمعلق الرياضي الأنيق كمال السوادي، ومحمد الدخيل، وزايد هندي الزهراني، وحسين الأسمري، وعطية الزهراني، وعبدالمحسن الدوسري، وعبدالعزيز قدسي، وعبدالله آل سلطان، وحميد أحمد عبدالله، وكنز الدولة، وراشد الحسيني.. وغيرهم كثر.
4- وأذكر أننا كنا في رحلة علمية إلى كلية علوم البحار على ضفاف شرم أبحر، بتاريخ 12/ 1/ 1406هـ نضمها القسم وكان معنا الدكتور حسين الذواد رئيس القسم، والدكتور عبدالمحسن القحطاني والدكتور محمد يعقوب تركستاني والدكتور عبدالله المعطاني والدكتور بكري شيخ أمين، والدكتور فوزي عيسى، وعدد من زملائي، كان منهم عبدالرحمن عيسى الحازمي وحمدان الزهراني وحسين بافقيه وعبده قزان وعائض بن سعيد القرني وجبريل أبو ديّة، وراشد الحسيني، عماني، وكنز الدولة من السودان، وطالب من كوريا الجنوبية نسيت اسمه.
وأقيمت في أثناء الرحلة بعض المسابقات الثقافية الخفيفة، وأذكر أننا بعد رجوعنا من رحلة بحرية بمعية الدكتور بكري شيخ أمين ومجموعة من الطلاب نظم لنا المسؤول عن النشاط الثقافي بالقسم الدكتور عبدالله المعطاني مساجلة شعرية بحضور أساتذتنا، وطُلِبَ من الدكتور عبدالمحسن القحطاني أن يفتتح المساجلة مع أحد الطلاب وهو عبدالمحسن الدوسري فقال الدكتور القحطاني للطالب: إن غلبتك قالوا أستاذ تغلّب على طالب واستقوى عليه، وإن غلبتني قالوا كبيرة! طالب يغلب أستاذه!! فأنا الخسران في الحالتين، فساجله الدكتور وكانت مساجلة جميلة وممتعة، وكأنهما اتفقا ألا غالب ولا مغلوب..
وأذكر أن الدكتور عبدالله المعطاني سأل سؤالا بعد المساجلة وكان معه مجموعة من الكتب جوائز، وكان من الأسئلة التي علقت في ذاكرتي، سؤاله عن بيت المعرّي:
فمدّتْ إلى مثلِ السَّماءِ رقابَها * وعَبَّتْ قليلاً بينَ نِسْرٍ وفَرْقَدِ
ما معناه؟ وكيف تمدُّ الإبلُ رقابَها إلى مثل السماء وتشرب بين كوكب النسر والفرقد؟ ومن قائل البيت؟ فأجبتُه؛ لأنّ الدكتور نسي أنه حدثنا عن هذا البيت في محاضرته أول الأسبوع فكان جوابي مما أخذناه عنه، وكانت هذه الإجابة مباركة، إذ جلبت لي جائزة ثمينة، كتابين نفيسين، هما المفضّليات والأصمعيات، بتحقيق العَلمين أحمد شاكر وعبدالسلام هارون، ولم أكن أعرف الكتابين، واليومَ هما من أعز مقتنيات مكتبتي، وعليهما تاريخ تلك الرحلة، وتعليق وجيز، وربما كانت من ثمرات قراءتي فيهما أن أحببت الشعر العربي الأصيل، وتعلّقت بالتراث ومصادره، ومن قصائد المفضليات التي كنت أطيل النظر فيها دالية الأسود بن يعفر النهشلي، ومطلعها:
نامَ الخَلِيُّ وما أُحِسُّ رُقادي * والهمُّ مُحتضِرٌ لَدَيَّ وِسادِي
وعينيّة سويد بن أبي كاهل، ومطلعها:
بَسَطَتْ رابعةُ الحبلَ لنا * فوصلنا الحبلَ منها ما اتسعْ
وقد أطال الوقوف عندها الدكتور الغذّامي في مقرر النصوص الأدبية، وحلّلها تحليلا بديعاً كعادته في تحليل النصوص.
ومن قصائد الأصمعيات فائيّة قَيس بن الخَطيم، ومطلعها:
رَدَّ الخليطُ الجِمَالَ فانصرفُوا * ماذا عليهم لو أنّهُمْ وقفُوا؟
(للحديث صلة.. وسأتحدث في المقالة القادمة عن بقية أساتذتي وبعض المواقف)


* الجامعة الإسلامية.  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
جريدة المدينة، ملحق الأربعاء 06/11/2013
 http://www.al-madina.com/node/489208

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (2)

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (2)
  عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
تحدثتُ في المقالة السابقة عن بعض أساتذتي في جامعة الملك عبد العزيز في أيام دراستي في مرحلة البكلوريوس (1404هـ - 1408هـ) ومنهم الأساتذة الكبار: محمد يعقوب تركستاني وعبدالله الغذّامي وعبدالمحسن فراج القحطاني وعبدالله المعطاني.. وأواصل اليوم الحديث عن بقية أساتذتي في تلك الحقبة، التي ربما تعدّ - هي وما بعدها ببضع سنوات - العصر الذهبي لقسم اللغة العربية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة.
في ذلك الوقت كان من أبرز أساتذتنا في قسم اللغة العربية الدكتور خليل عمايرة– رحمه الله- وهو أردني، وقد دَرَسنا عليه علم اللغة الحديث، وأفادنا في نظرية النحو التوليدي عند تشومسكي، وله محاولات لتقريبها من العربية وإلباسها الثوب والعقال، كما كان يقول، وتناولها في بعض كتبه ككتابه (في نحو اللغة وتراكيبها) و(البنية التحتية بين الجرجاني وتشومسكي) و(النظرية التوليدية التحويلية وأصولها في التراث العربي) وخليل عمايرة يمتلك قدرة عجيبة على اجتذاب طلابه، فشخصيته شخصية حميميّة مُرهفة وَدودة مهذّبة، وكان يُقرّب اثنين من طلابه ويخصّهما بعناية فائقة، وهما أحمد سعيد قشاش الغامدي (الدكتور فيما بعد) وكاتب هذه السطور، ولثقته فينا فاجأنا بذكر اسمينا أنا وأحمد قشاش في مقدمة كتابه (آراء في الضمير العائد ولغة أكلوني البراغيث) في طبعته الأولى التي صادفت تخرجنا في أواخر سنة 1408هـ ، وكنا نعد ذلك حدثاً كبيراً أن تكون أسماؤنا في كتاب!! وفي الحقيقة لم يكن الأمر سوى لفتة ذكية ودعم قوي من أستاذنا رحمه الله.. وبعد سنوات من تخرجنا والتحاقنا بالجامعة الإسلامية مُعيدَينِ فيها زارنا أستاذنا في المدينة، وكان سعيداً جداً بنا، وسعد أكثر حين رآنا نسكن في شقّتين متجاورتين، كما كنا جارين على مقاعد الدراسة أمامه.. رحم الله الدكتور خليل عمايرة فقد عاجلته المنية وهو في عنفوان الرجولة، وكان نعم الأستاذ المربّي الداعم لطلابه.
وأخذنا النحو في الجامعة عن ثلاثة، وهم: الدكتور عبدالهادي الفضلي والدكتور طارق نجم عبدالله والدكتور مصطفى السنجرجي، أما الدكتور عبدالهادي الفضلي فكان مُتمكّنا من النحو وعلوم التراث، له كتاب (مختصر النحو) كثير النفع، وقد عرفناه وهو في آخر أيامه بالقسم، إذ تقاعد بعد تخرّجنا مباشرة، وكان قليل النشاط يميل إلى الصمت، ربما بسبب عامل السن، وكانت طريقته تقليدية، يكتب أبيات الألفيّة على السبّورة ويشرح البيت، على ضوء شرح ابن عقيل، ولا نكاد نعرف عنه شيئا خارج قاعة الدرس، ولم ينخرط في صراع الحداثة، ولم يكن يخرج عن النحو قيد أنملة، يعطي درسه ثم ينصرف، والعجيب أننا لم نكن نعلم شيئا عن مذهبه الديني إلا بعد تخرجنا من الجامعة.!
أما الدكتور طارق نجم عبدالله فهو أستاذ عراقي متخرج من الأزهر متخصص في النحو، في عنفوان الشباب، كان صاحب شخصية قوية وله هيبة، وفيه غلظة وشدة لا تناسب المرحلة الجامعية، فكان لا يسمح لطالب أن يدخل بعده القاعة أبدا، ولا يقبل عذرا ولا شفاعة، ولبعض الطلاب قصص معه في هذا الأمر، بعضها تحوّل إلى لقطات كاريكاتورية مضحكة، وكانت مادته جافّة، وأسلوبه أكثر جفافاً، ولجبروته كان يراقب في الامتحان وحيدا في قاعة تتسع لسبعين طالبا، ولا تسمع في القاعة إلا الصمت، وطريقته في المراقبة أن يباغت الطالب من خلفه، فإن ضبطه في حالة غش قامت قيامة الطالب، فيُشرّد به من خلفه من (الغشّاشين) فلا تجد أحداً يفكّر في الغش في مادته، لكننا لم نستفد منه إلا القليل، فقد كانت بيننا وبينه جفوة وحواجز وهمية.!
وكان ثالث النحاة الدكتور مصطفى عبدالعزيز السنجرجي، وهو من مصر، كان أسهل الثلاثة أسلوبا، فيه روح الدعابة، وسهولة التعامل، ولكنّ تأثيره فينا كان محدوداً، له كتاب (المذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة) وقد أدركناه قُبيل انتهاء مدة إعارته، لتقدم سنّه.
ومن أساتذتنا الدكتور عاصم حمدان الغامدي عرفناه وهو حديث التعيين في القسم، بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة مانشستر ورجوعه من البعثة عام 1406هـ جاءنا الدكتور عاصم حمدان ونحن في المستويات الأخيرة لندرس عليه مادة الأدب المملوكي، كانت محاضرته عصرا، وهو أديب وكاتب يمتعك بحديثه في محاضرته، ويحترم طلابه، وكانت له عناية ظاهرة بكتابة السيرة الأدبية والتأريخ للمدينتين المقدستين، وبخاصة المدينة، فكنا نقرأ مقالاته وسير الأماكن وأشجانها التي عرفها في الزمن الجميل، كحارة المناخة وحارة الأغَوَات وأشجان الشامية، بعد تخرجنا، وربما عنه أخذتُ حبَّ الكتابة في تاريخ المدينة.
ومنهم الدكتور أحمد النعمي – رحمه الله- دَرَسنا عليه مقرّرين: (الأدب الأندلسي) و(نصوص أدبية) وهو أديب ممتع الحديث، صاحب أسلوب سهل ممتنع، محبوب جدا عند الطلاب، لتواضعه وسماحته وعفويته، حتى لتظن أنّ به غفلةً، وهو من أذكى الناس، ولكنه كان زاهداً ينطوي على حزن دفين، وكان شديد النقد للنساء خاصة، ويسمّيهنّ (البهائم)! ولا تمرّ محاضرة دون أن يذكر البهائم!! وكنا نتسابق إلى محاضرته، ونجلس أمامه وهو يتكلم عن الأدب الأندلسي ودولة بني أُميّة في الأندلس، وعبدالرحمن الداخل وعبدالرحمن الناصر، وابن تاشفين، وتاريخ دول الطوائف والممالك، ومأساة المعتمد بن عباد، وابن زيدون وحبيبته ولادة بنت المستكفي وابن الرندي وقصيدته في رثاء الأندلس:
لكلِّ شيءٍ إذا ما تَمَّ نُقصانُ ** فلا يُغرُّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتُها دولٌ ** من ســرَّهُ زمنٌ ساءتْه أزمانُ
ولم يكن الدكتور النعمي المتخصص الوحيد في الأدب الأندلسي، كان الدكتور عبدالله المعطاني متخصصا أيضا في الأدب الأندلسي لكن القسم في أيامنا أسند إليه النقد القديم وهنا أتذكر أمراً طريفاً وهو أن الدكتور عبدالله المعطاني في مادة المصادر كان يقول لنا في قاعة الدرس: تداركوا الضاد الفصيحة المشربة باللام على لسان دعد من هذيل ممن يسكنون وادي نعمان وما تاخمه من نواحيه الجنوبية بين مكة والطائف قبل أن تندثر هذه الضاد، فإنهم ينطقونها أقرب ما تكون إلى وصف سيبويه، لكننا للأسف لم نفعل شيئا تجاه تلك الضاد اللاميّة إلى اليوم، وأخشى أن تكون اندثرت أو هي في سبيلها إلى الاندثار، فهل يفعل طلاب اللغة ممن يقرؤون كلامي هذا ما لم نفعله بالأمس؟ فأنا وزملائي في تلك المرحلة آثرنا الراحة، واكتفينا بمعاجمنا العراقية، التي كنا نظن أنها لم تترك شيئا، وأن من صنعوها (جنّ أو كالجنّ)لم يتركوا موضعا في جزيرة العرب على اتساعها وصعوبة تضاريسها دون أن يشافهوا أهله ويدونوا لغتهم.!!
(للحديث صلة)

* الجامعة الإسلامية - تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
ملحق الأربعاء، جريدة المدينة الأربعاء 30/10/2013
 http://www.al-madina.com/node/487636