الأربعاء، 17 يونيو، 2015

تعليق على مُدراء جمع مدير كتبه الأستاذ نوار بن قبال السلمي:

 تعليق على مُدراء  جمع مدير كتبه الأستاذ نوار بن قبال السلمي

بسم الله الرحمن الرحيم
    هذا تعليق وجيز على رأي أستاذنا الدكتور عبدالرزاق الصاعدي في جمع مدير على مدراء..

       فأقول: ظهر ترك القياس الصرفيّ في ثلاثة أبواب من اللغة، وهي التوهّم، والمجاز، والإتباع.

     أما التوهّم فأكثر ما وقع في الكلمات المصدّرة بميم زائدة، كجمع (مسيل) على (أمسلة).

     وأما المجاز فمحلُّه تقارض الصّيغ، كمجي اسم الفاعل بمعنى المفعول، واسم المفعول بمعنى الفاعل، ويسمّى العدول من صيغة إلى صيغة.

      وأما الإتباع فمن شواهده قول العرب: إنّي آتيه بالغدايا والعشايا، ويسميه بعض العلماء بالمزاوجة، والمحاذاة، والمجاورة.

      ولا أستبعد أن تكون الألفاظ المحمولة على التوهّم قيلت بادئ الأمر- على سبيل الإتباع والمزاوجة، ثم عُزلت عن سياقها، وحفظت ودوّنت مفردة.

      وإذا كان التشنيع مرفوعًا عمّن توهّم فجمع (مديرًا) على (مدراء) فإن من أتبع وزاوج فقال: (الوُكلاء والمُدراء) أولى بالمسامحة منه؛ لأنه وافق سنّة من سنن العرب في كلامهم. والله أعلم.

نوار بن قبال السلمي
 29/ 8/ 1435هـ.


الأحد، 14 يونيو، 2015

رأي خاص في مُدَراء جمع مُدير:

رأي خاص في مُدراء جمع مدير

      يحكم الصرفي المعياري على جمع مدير على "مُدراء" بأنه لحنٌ لغويّ خالص، ومعه حق، لأنه يقيس على كلام العرب، قياسا صرفيا صحيحا، فالمفرد (مُدِير) ووزنه (مُفعِل) مثل منير ومعيد ومشير، تُجمع جمعًا سالمًا، فيقال: منيرون ومعيدون ومشيرون، جمع سلامة، ولا يُجمع جمع تكسير على مُنراء ومُعداء ومُشراء، وكذلك مُدير، يُجمع على (مديرين) لا (مُدراء).

     ولكنْ لـ(مُدراء) وجهٌ آخر في القياس، وهو الحمل على التوهّم أو الغلط، والتوهّم باب في التصريف، وله أمثلة في عصور الاحتجاج، وكان سلفنا من اللغويين يسمّون التوهّم: "الغلط" و"المشابهة" و"المشاكلة" و"إلحاق كذا بكذا" وهم يلجؤون إلى هذا عند التنبيه على الشذوذ ومخالفة القياس، وهو مبثوثٌ في كتبهم.

     ومن أقدم ما ورد من الإشارات الصريحة عن التوهّم ما عزاه سيبويه للخليل في جمع "مُصيبة"، قال في الكتاب 4/ 356: "فأما قولهم: مَصائب فإنه غَلَطٌ منهم، وذلك أنهم توهّموا أن مُصيبة فَعيلة، وإنما هو مُفعلة". وقال الفراء في معاني القرآن 1/ 373، 374: "وربّما همزتِ العربُ هَذَا وشبهه؛ يتوهمونَ أنها فَعيلة؛ لشبهها بوزنها في اللفظ وعدّة الحروف، كما جمعوا مَسِيل الماء: أمسله، شُبِّه بفَعيل وهو مَفعِل. وقد همزتِ العرب المصائب وواحدتها مُصيبة شُبّهتْ بفَعيلة؛ لكثرتها فِي الكلام".

     ثم نجد مصطلحَ التوهّم يتردّد عند لغويّين كُثر بعد سيبويه، كالأزهريّ وابن جني والجوهري والمعرّي وابن سيده والصغاني والرضي وابن هشام. ومما غلطت فيه العرب زمن الفصاحة جمعهم المسيل وهو مَفْعِل من سال يسيل على أمسلة ومُسلان، حملوه على رغيف، غلطًا أي توهّما، في قول الفراء السابق وقد نبّه عليه الأزهري وغيره، ومن التوهّم أو الغلط زمن الفصاحة جمع عُمارة بن عقيل الرِّيْح على أَرْياح والصواب أَرْواح، ومن ذلك قول العرب في جمع عِيدٍ أعياد، والقياس أَعْواد، ومن أشهر أمثلة الغلط أو التوهّم عند الصرفيين قول العرب الفصحاء من مِسكين ومِنديل ومِدرعة تَمَسْكَنَ وتَمَنْدَلَ وتَمَدْرَعَ، وهذا من باب الغلط، توهّموا أصالة الميم، فحملوه على تدحرج، وهو باب واسع.

      وحين نتأمل مواقف بعض اللغويين المعاصرين نجدها أكثر مرونةً ووعيًا لمفهوم التوهّم وأثره في النموّ اللغوي، فهذا مجمع القاهرة يناقش هذه الظاهرة، ويناقش مفهوم المصطلح، ويرى أنّ ((التوهّم تسجيلٌ لظاهرةٍ لغويّةٍ عُومل فيها شيء معاملة آخر، على سبيل الافتراض أو الاعتبار، لفائدة في الدلالة، وإن جاء مخالفاً للقياس... وأن جمعاً من أقطاب النحاة خلال العصور، رأوا في البناء على التوهم سراً من أسرار العربية، وأطلقوا عليه هذا التعبير))

     وفي هذا الاتجاه سار أحمد مختار عمر في معجم الصواب، وهو من المُيسِّرين،  فأجاز جمعَ مُديرٍ على مُدَراء، وذكر أن هذا الجمع المتوهّم يرقى إلى درجة الصحيح في اللغة، وقال: ((رأى مجمع اللغة المصري أن توهّم أصالة الحرف الزائد لم يبلغ درجة القاعدة العامة، غير أنه ضَرْب من ظاهرة لغوية فطن إليها المتقدمون ودعمها المحدثون؛ ولذا ففي الوسع قبول نظائر الأمثلة الواردة على توهّم أصالة الحرف الزائد، مما يستعمله المحدثون إذا اشتهرت ودعت إليها الحاجة. وقد ورد منها في القديم: تمندل، وتمرفق، وتمسكن، وتمدرع. وهو ما ينطبق على كلمة مُدَراء».

      ومن حُجج المنكرين المتمسّكين بالقياس الصرفي الصّارم أنّ وزن (مُدَراء) لا نظير له، وهو في التصريف (مُفلاء) وهي حُجّة تبدو في ظاهرها قويّة، ولكنها في الحقيقة مدفوعة؛ لأن هذا الوزن لا يلزم المتوهّم، إذ لم يلزم المتوهمين القدماء من العرب الذين جمعوا مَسِيلا من السَّيْل على أَمْسِلة، فيكون وزنه الصرفي (أَمْفِلة) وهو منكر لانظير له، ولم يرده الصرفيون؛ لأنهم يعلمون أن العرب يتوهمون أنه أَفْعِلة، وكذلك لا يلزم المتوهّمين المعاصرين في مُدَراء وزن مُفلاء لأنهم يتهمونه فُعلاء، كوُزَراء وأُمَراء وسُفَراء، ومثله تمسكن وتمدرع لم يلزمهم أن يكون وزنه تمفعل؛ لأنهم يتوهمونه تفعلل كتدحرج.

     ولذا أرى أن لجمع مُديرٍ على مُدَراء وجهًا في قياس العربية، وهو التوهّم، وإنْ قصّرَ بهذا الوجه زمانه؛ لأنه لم يسمع في عصور الاحتجاج، وهؤلاء المعاصرون حملوه على أمير ووزير ووكيل وسفير، فهو يصاحبها في الاستعمال ويقاربها في البنية، فتوهّموه منها، وحملوه عليها غلطا، واستخفّوه واستحسنوه، وكما غَلِط العرب الأقحاح وتوهّموا ووجّه الصرفيّون أغاليطهم غَلِطَ المولّدون وتوهموا فللصرفيين المعاصرين أن يوجّهوا أغاليطهم مما شاكل توهّم العرب الأوائل، فيخفف هذا عليهم التغليط والنكير، لكنني أرى أن الأحسن في جمع مُدير أن يجمع جمع السلامة، فيقال: (مُديرون) وأن يكون هذا التوجيه لتخفيف اللّوم على الناطقين به، والله أعلم.

     فاصلة: (مدراء) من أظهر أمثلة اللهجة البيضاء التي ازدهرت بفضل وسائل الإعلام المتنوّعة، وهي أرقى من العامّيّة وأحطُّ من اللهجة الفصيحة التي نسمعها في أرض المنبع، والفصحى أعلى من الجميع.

  عبدالرزاق الصاعدي
خلاصة تغريدات كتبتها بتاريخ

24/ 8/ 1436هـ

السبت، 13 يونيو، 2015

رموز الصبان في حاشيته على شرح الأشموني:

رموز  الصبان في حاشيته على شرح الأشموني

للصبان (محمد بن علي المصري ت 1206هـ) رموز متنوّعة في حاشيته على شرح الأشموني لألفية ابن مالك، ربما يحتاج إلى معرفتها طالب العلم، ومنها ما يلي:
إذا قال الصبّان:
-  "شيخنا" يعني المدابغي (حسن بن علي المابغي) ت 1170هـ
-  "قال شيخنا السيّد" يعني محمد بن محمد البليدي ت 1176هـ
-  "البعضيعني يوسف بن سالم الحنفي ت 1178هـ
-  "سم" يعني ابن قاسم (أحمد بن قاسم العبادي) 992هـ له حاشية على شرح ابن الناظم ومنها نسخة في مكتبة الحرم المكي، وله تعليقات على الهمع للسيوطي.
-  "يس" يعني ياسين الحمصي العليمي ت 1061هـ
- "السيد" يعني الشريف علي بن محمد الجرجاني صاحب التعريفات ت 816هـ
-  "زكريا" يعني شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ت 926هـ
-  "الدنوشري" هو عبدالله بن عبدالرحمن ت 1025هـ
-  "السعد" ويعني سعد الدين التفتازاني ت 791هـ
-  "الفارضي" يعني محمد الفارضي الحنبلي ت 981هـ
-  "التصريح" يعني التصريح على التوضيح لخالد الأزهري ت 905هـ
-  "اللقاني" يعني ناصر الدين محمد اللقاني المالكي ت 954هـ


نقلت هذا مما كتبته قديمًا على طرة نسختي، ولا أتذكّر الآن مصدري في هذا.
عبدالرزاق الصاعدي    
المدينة المنورة 26/ 8/ 1436هـ

الاثنين، 8 يونيو، 2015

مقال لغوي في: أثأته بسهم إثاءة:

مقال لغويّ في: أثأتُهُ بسهم إثاءةً
للدكتور محمد بن راجي الصاعدي
كلية اللغة – الجامعة الإسلامية

قال الصغاني في (ثأثأ): «وقال الجوهريُّ: أبو عمرو: أَثَأْتُه بِسَهمٍ إثاءةً: رميتُه، والكسائيُّ مثلُه(1).
والصَّوابُ أنْ يُفْرد لَهُ تَركيب بعد تركيبِ (ثمأ) لأنَّه من باب أَجأْتُه أُجِيئُه وأَفَأْتُه أُفِيئُه، وذكره الأزهريُّ في تركيب (أثأي) وهو غيرُ سديدٍ أيضًا»(2).
وقال الأزهري في (أثا)(3): «شَمِرٌ عن أبي عَدْنان(4) عن أبي زيد؛ يُقَال: أثَيته(5) بسَهْمٍ؛ أي: رَمَيْتُه، وهو حرفٌ غَرِيبٌ »(6).
ولم يذكره الصغاني في موضعٍ آخر، وأهمله في العباب.
ذكر الجوهريُّ هذا الفعل الثلاثي (أثأْتُه بسهم) في آخر الجذر (ثأثأ) الرباعيِّ المضاعف، ولا وجه له فيه، ولعلَّ الجوهريَّ ليس على ثقة من جذره الصحيح، ولو أراده من الأجوف لذكره بعد (ثمأ) ودونَ ذلك (ثدأ) و(ثطأ)(7).
وقد أخذ الجوهريُّ ذلك من الغريب المصنَّف؛ فإنَّه فيه من المهموز عن أبي عمرو والكسائي(8)، وليس في الغريب المصنَّف ما يُبين عن أصله؛ إذ هو في جملة مهموزاتٍ مجرَّدة ومزيدة ومعتلَّة؛ فليس لأبي عبيد رأيٌ في وزنه كما توهَّم المجد(9)، أو للكسائيِّ كما توهَّم الزَّبيدي(10).
وأجماع رواته على إسناده للتاء مع تصريح بعضهم بالمصدر (إثاءة)  خلَق تداخلًا آخر لا يمكن الجزم فيه؛ فهو محتملين لأصلين:
1- أن يكون أجوف، ووزنه (أفْعَلَ)؛ فيكون: أثاءَ إثاءةً؛ كأقام إقامةً وهو رأي الصغانيِّ الذي أوجبه، وتابعه عليه ابن معصوم(11)، وسبقهما الفارابيّ(12)، ولم يصرِّح الصغاني والفارابي بعين الفعل؛ فيمكن أن يكون جذره (ثوأ) أو (ثيأ) ، وحمله على الواويّ أظهر لأنَّه في الأجوف أكثر(13)، ولعلَّ هذا ما جعل المجد يقول إنَّ الصغاني جعله من (ثوأ)(14)، وبذلك صرَّح ابن معصوم.
ولو تنبَّه الجوهريُّ -رحمه الله- لصنيع خاله الفارابيِّ لما وقع في هذا الخلل.
2- أن يكون مجرَّدًا من (أثأ) على (فَعَلَ)؛ أَثَأَه إثاءة، نحو: قَرَأَه قِراءة، وهو رأي ابن القوطيَّة(15) وابن برِّي(16)، وجماعة(17)، وهو ظاهر إيراد الأزهريّ، على أنَّه في مطبوع
التهذيب: (أثَيْتُه) وبالياء نقله ابن منظور عنه
(18)، وزاد الزَّبيديُّ رواية غير مسندة هي:
(أَثَوْتُه)
(19) فإنْ صحَّت رواية الياء والواو؛ فهو من المجرَّد بلا ريب؛ لأنَّ اللفيف لا تُحذَف عينُه عند الإسناد، ولا ينبغي أن يختلف وزنه عند همزه.
ولكن في صحّة رواية (أثَيْتُه) و(أَثَوْتُه) نظرٌ؛ فإنَّ الصغانيَّ نصَّ على أنَّ الأزهريَّ ذكره في (أثأى) أي فيما فاؤه همزة ولامه همزة أو حرف علَّة، وليس في جذره من مطبوع التهذيب ما لامه همزة، بل ناقصٌ فقط، كما أنَّ الصغاني لم يشر إلى أنَّ الفعل عند الأزهريِّ بالياء مع حِرْصه على البيان؛ ونُسختُه من التهذيب راجعها الأزهريُّ وضبطها بخطِّه(20)؛ فهي مقدَّمة على ما سواها؛ فالأقرب أن أبا زيد والكسائي وأبا عمرو أجمعوا على رواية واحدة بالهمز.
وأمَّا رواية الزَّبيديّ (أثوته) فلا يُوثق بها؛ فنصُّه في هذا الفعل ظاهر الاضطراب، وإسناده فيه للأصمعيّ والكسائيّ والخليل لا يصحّ(21)، ولا يبعد أن يكون قد خلط بين هذا الفعل وقولهم: «أَثَوْتُهُ وأَثَيْتُهُ إِذَا وشيت به»(22).
وقال الصغانيّ عن صنيع الأزهريّ: «هو غيرُ سديدٍ»، والحقُّ أنَّ إيجاب أحد هذين الوجهين تحكُّمٌ بلا دليل، بل هما وجهان محتملان(23).
وهو حرفٌ غريبٌ كما قال الأزهريّ، ولا يُعرف له اشتقاقٌ، والذين وضعوه في المجرَّد أو في الأجوف المزيد اجتهدوا؛ وقد أغْلَقَ رواتُه الأوائل الحكمَ، وضيَّقوا استعماله؛ فلا يُطمأنَّ إلَّا إلى المصدر منه أو الماضي مسندًا لضمائر الرفع المتحرِّكة، واستعمال ما سوى ذلك منه مجازفةٌ قد تُدخل في كلام العرب ما ليس منه.

من كتاب [مآخذ الصغاني اللغوية على الصحاح، ص 81-83]


( 1)     الصحاح (ثأثأ) 1/38.
(2)     التكملة (ثأثأ) 1/9.
(3)    كذا في مطبوع التهذيب.
(4)    هو عبد الرحمن بن عبد الأعلى السلمي، وكنيته أشهر من اسمه، عالم باللغة، روى عن أبي زيد كتبه، وهو راوية لأبي البيداء الرياحي، وأخذ عنه شَمِر بن حمدويه. ينظر: التهذيب 1/25، وإنباه الرواة 4/148.
(5)    كذا في مطبوع التهذيب واللسان (أثأ) 1/23 ولعلَّه تحريف نُسَّاخ، والصواب بالهمز.
(6)    التهذيب (أثا) 15/165.
(7)    ينظر: الصحاح 1/38-39.
(8)    ينظر: الغريب المصنَّف 3/681.
(9)    ينظر: القاموس (أثأ) 33.
(10)   ينظر: التاج (ثأثأ) 1/162.
(11)   ينظر: الطراز (أثأ) 1/17، (ثوأ) 1/41.
(12)   ينظر: ديوان الأدب 4/227.
(13)   ينظر: الكتاب3/462، والمنصف2/140، وبصائر ذوي التمييز 4/301، وتداخل الأصول 1/255.
(4 )   ينظر: القاموس (أثأ) 33.
(15)   ينظر: الأفعال له 180.
(16)  ينظر: التنبيه والإيضاح (أثأ) 1/4.
(17)   ينظر: الأفعال للسرقسطي 1/114، ونفوذ السهم (أثأ) 1/45، واللسان (أثأ) 1/23.
(18)  ينظر: اللسان (أثأ) 1/23.
(19)   ينظر: التاج (أثأ) 1/127.
(20)   ينظر: التكملة (صعع) 4/297، والعباب (قرمط) 162.
(21)   ينظر: التاج (ثأثأ) 1/162.
(22)  النهاية (أثا) 1/24.
(23)  ينظر: التاج (أثأ) 1/127.

الأحد، 7 يونيو، 2015

القرار السابع عشر: التستسة والتشتشة:

القرار السابع عشر (التستسة والتشتشة)

    هذه رسالة تلقيناها من عضو المجمع: أ. حمود بن عبدالرحمن العبيد، وفيما يلي نصها: 
بسم الله الرحمن الرحيم
   الأستاذ الدكتور عبدالرزاق الصاعدي المشرف على مجمع اللغة الافتراضي سدّده الله.
أتقدم لكم ولمجمعكم الموقر ببالغ التحايا والإجلال على ما تقومون به من خدمة جليلة للغة القرآن الخالدة، وأرجو التكرم بعرض مصطلحين لظاهرتين صوتيتين، وهما:

1- التستسة اللغوية: وهي نطق الكاف بصوت: (تْسَ) في كثير من الكلمات، نحو: كذوب، كايد، مكازي، فتنطق: (تْسِذوب، تْسايد، مْتْسَازي) وغيرها كثير، قد لا يحصى.

2- التشتشة اللغوية: وهي نطق الكاف بصوت: تْشَ، وهي قليلة نحو: كرخ، وهو الكلام الفارغ الكثير، ومِكرخ لصاحبه، حيث ينطقان: (تْشَرخ ومِتْشرخ) ونحو: كَبّ، أي اسكت، بزجرٍ، حيث تنطق: تْشَبّ، وغيرها.

فهما ظاهرتان صوتيتان لغويتان، منتشرتان في اللهجات الدارجة بكثرة، فأرجو عرضهما على لجنة مجمعكم الموقر، لمناقشتها، آملا التكرم باتخاذ القرار المناسب لإقرارهما واعتمادهما مصطلحين صوتيين على غرار ظاهرتي الدَّزْدَزَة واليَأْيَأَة.

   بارك الله جهودكم في السير قدما في مجمعنا الموقر في خدمة لغتنا الخالدة.
وتقبلوا فائق تحياتي وتقديري.
أخوكم/ حمود عبدالرحمن العبيد
في 26/ 6/ 1436هـ        
*****

القرار السابع عشر: التستسة والتشتشة:

    انطلاقا من عناية مجمع اللغة الافتراضي بالمصطلح اللغوي ورغبته في المشاركة في تحريره من شوائبه يرى المجمع مناسبة ما تقدم به الأستاذ حمود بن عبدالرحمن العبيد، في مصطلحي التستسة والتشتشة، على الوجة الآتي:

     أولا: التستسة: وهي نطق الكاف بصوت ممزوج من تاء ساكنة وسين: (تْسَ) في أول الكلمة أو في حشوها أو في آخرها، نحو: (تْسَيف حالك = كيف حالك) و(تْسذوب = كذوب) و(تْسايد = كايد) و(متْسازي - مكازي) و(مِتْسان = مكان) و(عِلتْس = عِلْك)وهي ظاهرة صوتية منتشرة في بعض لهجات جزيرة العرب، وربما غيرها.
    وبهذا تختلف التستسة عن الكسكسة عند جمهور القدماء، وخلاصة رأيهم في الكسكسة أنها إما زيادة سين بعد كاف المخطابة في الوقف، نحو ((أعطيتكِسْ وأُكرِمُكِسْ)) كما يقول سيبويه والمبرد أو إبدال كاف المخاطبة سينا، كقول بعض العرب: اجعلي هذا في فِيسِ؛ أي: في فيكِ، على نحو ما روى أبو الطيب اللغوي في كتاب الإبدال، فهي عندهم خاصة بكاف المخاطبة. 

    ثانيا: التشتشة: وهي نطق الكاف بصوت ممزوج من تاء ساكنة وشين: (تْشَ) وتأتي في أول الكلمة أو حشوها أو آخرها، نحو: (تْشلب = كلب) و(تْشرخ = كرخ) و(مِتْشرخ = مِكرخ) و(لبّيتْش = لَبَّيْك) وغيرها كثير في لهجاتهم المعاصرة في بعض البيئات في جزيرة العرب وغيرها من البلاد العربية.
     وبهذا تختلف التشتشة عن الكشكشة، فالكشكشة عند جمهور القدماء إلحاق كاف المخاطبة شينًا؛ نحو: ((أعطيتكِشْ وأُكرِمُكِشْ)) أو إبدال كاف المخاطبة في الوقف شينًا، نحو ((إنَّشِ ذاهبة، ومالَشِ ذاهبة)) وما رواه ابن جني في سر الصناعة من أمثال العرب: ((إذا أعياشِ جارتُشِ فأقبلي على ذي بيتِشِ)) فهي عندهم خاصة بكاف المخاطبة.

     ثالثا: أن التستسة والتشتشة ظاهرتان صوتيتان مرغوب عنهما، لأنهما عامّيتان حادثتان فيما يظهر لنا أو هما -في أحسن الأحوال- ظاهرتان لاحقتان بالأصوات المذمومة التي وصفها القدماء، ولذا ندعو إلى هجرهما ونطق الكاف على أصلها في الفصحى غير مُتستسة ولا مُتشتشة.

       ويستفاد من هذا القرار أمور منها:
1- تحرير ظاهرتين صوتيتين قريبتين من الكسكسة والكشكشة، ولا يشملهما تعريف القدماء، وهما التستسة والتشتشة، وهذا مما يساعد على رفع التداخل بين الظواهر الصوتية اللهجية.
2- بقاء مصطلحي الكسكسة والكشكشة على مفهومها القديم، أما التستسة والتشتشة فتكونان في غير كاف الخطاب، وتقعان في أول الكلمة أو وسطها.
3- دلالة هذين المصطلحين على صوتين مزجيين، وهما: تْس وتْش، بسكون التاء، أما الكسكسة والكشكشة فليسا عند جمهور القدماء صوتين مزجيين.
4- الكسكسة والكشكشة تختصان بكاف المخاطبة، وأما التستسة والتشتشة فلا تقتصران على كاف المخاطبة وتعقان في أي موضع من مواضع الكلمة من أولها أو حشوها أو آخرها.
5- أن التواضع على مثل هذه المصطلاحات هو من باب الوصف وتقريب الظواهر اللغوية في تاريخ العربية ولهجاتها ومساعدة الباحثين الوصفيين، وليس من باب إقرار المضمون أو الدعوة إليه.
6- أن إبدال الكاف شينا مطلقا في آخر الكلمة يسميه القدماء الشنشنة، وقد يختلط بالكشكشة.
7- أن تعميم مدلول الكسكسة لتشمل التستسة قد يؤدي إلى لبس؛ وكذلك الحال في الكشكشة والتشتشة، فالموصوف عند القدماء خاص بكاف المؤنث، ويبقى الخلاف في الصوت الناتج منهما.
8- أن من أهداف المجمع إبقاء مصطلحات القدماء على حالها، لتُفهم نصوصُهم ومصطلحاتُهم في كتب التراث على وجهها الذي أرادوه.

9- أنه ليس من أهداف المجمع في هاتين الظاهرتين تتبع أماكن ورودهما في القبائل والبيئات، لابتذالهما وعامّيتهما، وإنما يكتفي المجمع بالوصف والتسمية والحكم.
مجمع اللغة الافتراضي
20/ 8/ 1436هـ