الجمعة، 19 يوليو، 2013

نفاضة الجراب 44 فضائل الصمت

نفاضة الجرب 44
فضائل الصَّمْت
هذه شذراتٌ وتفاريقُ من نفاضة جرابي في شيء من فضائل الصمت:
1- لن تجد ألذّ من الصَّمْت والتأمّل، مع أنه في العزلة قد يبدو مخيفاً ومرعباً.
2- للكلام براعة وللصمت نبل.!
3- حين تكون في صحراء ممتدة حيت لا شيء يتحرك.. يمكنك أن تسمع صوت الصمت.!!
4- حين تُقفِرُ من أحاسيسك أمام جليسك ينقذك الصمت.!
5- عجيب أن تأنس بعواء الذئب، ويفزعك صوتُ إنسان.!!
6- كان الأُحَيمر السعديّ يأنس بصوت الذئب ويفزع من صوت الإنس، وهو القائل:
عَوى الذِئبُ فَاستَأنَستُ بالذئبِ إذعَوى * وصَـوَّتَ إِنســانٌ فكِدتُ أَطيـرُ
7- جاء في أخبار أبي تمّام: تكلم رجل في مجلس الهيثم بن صالح فهذر ولم يُصب، فقال: يا هذا، بكلام أمثالِك رُزِقَ الصمتُ المحبة.!
8- قال قسامة بن زهير: يا معشر الناس إن كلامكم أعثر من صمتكم، فاستعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الصواب بالفكر.
9- جاء في سنن الترمذي (من صمتَ نجا)
10- قال ابن أبي الدنيا: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس.
11- قيل: الصمتُ منامُ العقل، والنطقُ يقظته، ولا منام إلا بيقظةٍ، ولا يقظة إلا بمنامٍ.
12- قال المدائني: يقال: العلم يرشدك، وترك ادعائه ينفي الحسد عنك، والمنطق يبلغك الحاجة، والصمت يلبسك المحبة.
13- وفي فضل الصمت قال الشاعر أُحَيحة بن الجُلاح:
والصمتُ أجملُ بالفتَى * ما لم يكن عيٌّ يشينُهْ
والقولُ ذو خطلٍ إذا * ما لم يكـنْ لُبٌّ يُعِينُهْ
14- قال الجاحظ في البيان والتبيين: كان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة بعد المُقعطل، يقال له الصموت؛ لأنه لما طال صمته ثقل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوّى، ولا يكاد يبين.
15- قال شاعر الوجدان إبراهيم ناجي:
لِمَنِ الصمتُ والفؤادُ المُشرّدْ / أينَ من أسكرَ الرُّبَى حينَ غرّدْ؟
طائرٌ أم رأتْ عيونُ الأماني / حُلُماً مثـل غيـرِه قد تَبَـدَّدْ
16- كان أعرابيّ يجالس الشَّعبيّ، فيطيلُ الصمت، فقال له: ألا تتكلم؟ فقال: أسمع وأعلم، وأسكت فأسلم.
17- ذُكر الصَّمت والمنطق عند الأحنف فقال رجلٌ: الصَّمت أفضل وأحمد. فقال: صاحب الصمت لا يتعداه نفعه، وصاحب المنطق ينتفع به غيره. والمنطق الصَّواب أفضل.
18- قال ابن سلام: قال بعض أشياخنا: كان ربيعة الرأي مِكثاراً، فسمعا أعرابي يوماً يتكلّم، فلما كان عند انقضاء مجلسه سأله رجل: ما تعدون العيّ عندكم بالبادية؟ فقال الأعرابيّ: ما هذا فيه منذ اليوم، يعني إكثار ربيعة.
19- إنك لم تندم على الصمت قط، وإن كان منك عيّاً، وإنك ندمتَ على الكلام مراراً وإن كان منك صواباً.
20- أخيرا أجدني أُردد مع الشاعر :  
متْ بداءِ الصمتِ خيرٌ لكَ من داءِ الكلام.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدم المدينة، ملحق الرسالة
الجمعة 1434/9/10 هـ 2013/07/19 م العدد : 18349
http://www.al-madina.com/node/467003

الجمعة، 12 يوليو، 2013

نفاضة الجراب 43 وقفة مع بحر المنسرح

نفاضة الجراب 43

وقفة مع بحر المنسرح
      سبق أن صنّفت بحور الشعر إلى أربعة أقسام، بحور شريفة وبحور عريقة وبحور ضعيفة وبحور خبيثة، وجعلت المنسرح من القسم الثاني ( البحور العريقة) وأنه يتعذّر عليه أن يدرك البحور الشريفة (الطويل والكامل والبسيط والوافر والخفيف) وعراقة المنسرح جاءته من قصائد جياد متفرّقة في تراثنا، نظمت عليه، كمرثية أوس بن حجر:
أيّتهَا النفسُ أجملِي جَزَعَاً * إن الذي تحذرِينَ قد وقـعَا
وفائية قيس بن الخَطيم:
ردَّ الخليطُ الجمالَ فانصرفُوا* ماذا عليـهمْ لو أنّهمْ وقفُـوا
      والمنسرح من البحور الوسطى، وهو البحر الثاني من دائرة المجتلب، ووزنه المفكوك من الدائرة: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن مرتين ، ويزعمون أن الخليل سماه منسرحا لانسراحه وسهولته، والصحيح أنّه سمّي لانسراحه مما يقع في أمثاله سمي منسرحا كما يقول التبريزي في الكافي، أي مفارقته عما يحصل بأشكاله، فإن مستفعلن في ضربه لا تأتي تامة، بل يلزم الطي فيها، فتأتي (مستعلن) والغالب في عروضه أن تأتي مطوية مستعلن، ومن هنا انسرح عن غيره، وتكثر الزحافات في حشوه، ويقع الخبن في مفعولاتُ فتتحول إلى معولاتُ، ولذا يبدو مضطرب الوزن قريبا من النثر.
ووزن المنسرح عند حازم القرطاجني (مستفعلاتن مستفعلن فاعلن) وهذا عبث، ولولا دوائر الخليل لما انضبط علم العروض.
وثقل المنسرح وكزازته واضطرابه راجع إلى أمرين:
        الأول: تفعيلة مفعولاتُ في وسطه، ووتدها المفروق، وما يصيبها من زحافات تقربها من النثر.
       والثاني: الطي اللازم في ضربه (مستعلن) وهو أي هذا الطّيّ- غالب في عروضه. مع كثرة الزحافات، ولذا تراه مضطرب النغم.
      وقد لاحظ ذلك الاضطراب بعض العروضيين، قال جلال الحنفي: وهو في بعض صوره يبدو مشدودا إلى النثر شيئا من الشد، مما يفهم منه أنه من أسبق البحور ظهورا إلى المجالات الشعرية، وأقدمها في مضمار التطور.
     وصوّر عبدالله الطيب المنسرح بصورة الراقص المتكسّر وأنه يصلح للغناء، وأن فيه من اللين والتثنّي والتأنّث ما فيه، وأنه يصلح للنوح والردح، ويصلح للرثاء والنقائض، وما بينهما من غزل وشبيهه، ولذا وجد فيه الحجازيون بحرا يلائم مذاهبهم اللينة الغنائية في العصر الأموي، فشاع عندهم، ولكنه قل عند شعراء الفخامة أمثال كثيّر والأخطل وجرير والفرزدق والقطامي وابن الرقاع.
      ويراه إبراهيم أنيس بحرا ثقيلا يشقّ على ناظمه، قال: هذا هو البحر الثاني الذي أبى معظم شعرائنا المحدثين النظم منه أولم يستريحوا إليه، وإلى موسيقاه، ولعل الذين حاولوه منهم إنما أُعجبوا بقصائد معيّنة قالها القدماء من هذا الوزن، فنسجوا على منوالها، ولعلّهم وجدوا في النظم منه عنتا ومشقّة، ونحن حين نقرأ قصائده لا نكاد نشعر بانسجام في موسيقاه، ويخيّل إلينا أن الوزن مضطرب بعض الاضطراب، وقد هجره المحدثون وأغلب الظنّ أنه سينقرض من الشعر في مستقبل الأيام.
     ومع هذا أُعجب الدكتور عبداللطيف عبدالحليم بالمنسرح فأصدر ديوانا كاملا كلّ قصائده من المنسرح، ولعلّ ذلك كان نكاية بإبراهيم أنيس وبرأيه في المنسرح وانتصاراً لهذا البحر.. وأنا مع أنيس لا أستسيغ إيقاع هذا البحر، وأره سائرا في طريقه إلى الهجر عند المعاصرين لما فيه من التيبس والعسر والاضطراب والكآبة.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي

الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدة المدينة، ملحق الرسالة: الجمعة 1434/9/4 هـ 2013/07/12 م العدد : 18342
http://www.al-madina.com/node/465622

الجمعة، 5 يوليو، 2013

نفاضة الجراب 42 قرار (بدل فاقد) بعد مناقشته والتصويت عليه

قرار (بدل فاقد) بعد مناقشته والتصويت عليه
كتبتُ قبل أشهر مسوّدة قرار (بدل فاقد) ونُشرتْ في حلقاتٍ على صفحات هذا الملحق المتميز (ملحق الرسالة) ثم عُرضت مسوّدة القرار على عددٍ من المتخصّصين في العربية من المملكة وغيرها، وهم كُثُر، يزيد عددهم عن مئة، تَم التواصل معهم بطرق التواصل الحديثة، وممّن عُرضت عليهم مسوّدة القرار أعضاءُ قسم اللّغويّات بكليّّة اللّغة العربيّة بالجامعة الإسلاميّة، وعدد من الأساتذة في أقسام اللغة العربيّة بالجامعات السعودية، وجامعاتٍ عربية، بالإضافة إلى أعضاء (مجمع اللغة الافتراضي) في حسابه على تويتر من أهل التخصص، وقد تفضّل بالرّدّ ممّن استُطلعت آراؤهم وطُلب منهم النّظر في مسوّدة القرار (تسعةٌ وسبعون عضواً) وكانت النتيجة كما يأتي:

أولا: أربعةٌ وسبعون عضواً أجازوا الاستعمال الشائع (فدل فاقد)

ثانياً: خمسةُ أعضاءٍ لم يجيزوه، وتمسّكوا بالأصل (بدل مفقود)

فصدر قرار المجمع بالأغلبيّة، ونصُّ القرار:
((يرى مجمع اللغة الافتراضي أنَّ الأصل في الأوراق الثبوتيّة التي فُقِدَتْ واستُخرج بديلٌ عنها أنْ تُسمّى: (بدل مفقود) ويُجيز المجمع الاستعمالَ الشائع المعاصر (بدل فاقد) ويرى أنّه صحيح لفظاً ومعنى، وأن غرضه الاتّساع في اللغة، أو المجانسة اللفظية والمشاكلة مع قولهم: (بدل تالف) وهو محمولٌ في التصريف على العدول في الصيغة، إما من باب فاعل بمعنى مفعول، أو من باب النّسب الشاذّ، بمعنى ذي فقد، كنظائره ممّا جاء في القرآن والحديث النبويّ وفصيح كلام العرب، ولوجود ما يؤمن به اللّبس، وهو إضافةُ كلمة (بدل) إلى (فاقد) فالبدل للمفقود وليس للفاقد، وهنا يُؤمن اللّبس، أو يُحمل على تضمين الفعل (فَقَدَ) معنى (ضاعَ) فيكون لازماً، ويكون الشيءُ فاقداً أي ضائعاً.
ويرى المجمع أنّ أجازته على هذه الأوجه اللغويّة أولى من تعسّف الرّدّ وتخطئة الناس، فاللغة استعمالٌ وقياس، وجريان هذا اللفظ على الألسن مساير لقانون علم اللغة الاجتماعيّ ولا يُنافي أقيسة العربيّة المشار إليها)) انتهى.

وثمّة تعليقاتٌ وآراء لعدد من الأساتذة وردت من بلدانٍ مختلفةٍ وجامعات عديدة، ولبعضهم أقوالٌ مطوّلة في تعليل القرار وقبوله، ولضيق المساحة فإنّي أكتفي بنقل تعليقٍ واحد، للأستاذ الدكتور عبدالكريم عوفي من الجزائر، قال: ((إن استعمال الناس في اللغة المعاصرة (بدل فاقد) استعمال تؤيّده أصول التقعيد اللغويّ والنحويّ (السّماع والقياس) وشواهدُهُ من الكلام العربيّ الفصيح؛ شعره ونثره،كثيرةٌ ومتنوعة، ولعلّ أهل العربيّة المعاصرة يريدون مجاراة السّلف فيما جرَوا عليه من التّوسّع في الاستعمال والمجانسة وطلب الخفّة، وهو مسلك أخذ به كثيرٌ من علماء التصويب اللّغويّ على مرّ الأعصُر، كما جاء في حيثيّات القرار ومسوّغاته، ثم إنّ كلماتٍ كثيرةً مماثلةً نسمعها في عربيّتنا المعاصرة، في الأقاليم المختلفة، في المشرق والمغرب، تجري على ألسنة العامّة، وهي ذات أصول فصيحة، لكنّ منشئي النصوصِ الإبداعية والإعلامية يهجرونها ظنّا منهم أنّها ليست سليمة، ولذلك لا نرى مانعاً في استعماله))

وهناك تعليقات وآراء لعدد من الأساتذة، من السعودية ومصر والمغرب، تم توثيقها في حيثيات القرار، ويمكن الرجوع إليها في أرشيف المجمع.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدة المدينة - ملحق الرسالة
الجمعة 1434/8/26 هـ 2013/07/05 م العدد : 18335
http://www.al-madina.com/node/464298

الخميس، 4 يوليو، 2013

مسودة قرار مجمعي في قولهم مبرّرات بمعنى مسوغات

كتب أ.د. عبدالرحمن بودرع عضو مجمع اللغة الافتراضي المسودةَ الآتية:

هل يَجوزُ أن نقولَ: بَرّر يُبرّرُ تبْريراً،
بمَعْنى سَوَّغَ تسويغاً وأساغَ إساغةً ؟
1- الرأي الأول:
يَجوزُ أن نقولَ برَّر يُبرِّرُ تَبْريراً، وبرّرَ رأيَه بِمُبرِّرٍ وجيهٍ، أو برَّره بمُبرِّرٍ واهٍ. وهذا أمرٌ لا مُبرِّرَ له، ومبرِّراتُ حُجَّتِه ضعيفةٌ...
* وإنَّما جازَ عند قومٍ من المُحدَثينَ وتبعهُم عامّةُ الكتّابِ والمثقَّفينَ وطلاّبِ العلم، لأنّه يدلُّ على مَعْنى المُبالَغةِ في جعلِ الشيءِ بِرّاً وخيْراً ومبرّةً، مثل قطّعَ وغلّقَ أي بالغ في القَطعِ والغَلْقِ، وبرّرَ رأيه وحُجَّتَه أي بالَغَ في تحسينها وتبيين وجه الخيرِ والبِرِّ فيها لتلْقى القَبولَ.
* فلا مانعَ يمنعُ أن نَقيسَ هذا الفعلَ -وإن لم تُسمَع له شَواهدُ من لسانِ العربِ- على غيرِه من الأفعالِ ممّا وزنُه فعّل بتضعيف العَيْن، وأنّ من واجبِ تطويرِ اللغةِ وتنميتها وتوليدِ أفعالٍ جديدةٍ لها أن نشتقّ صيغاً جديدةً سُمِعَت أم لم تُسمَعْ. وما جَرى به العُرفُ اللغويّ الحَديثُ واتّفقَ عليْه ولو احتمالاً وإجماعاً سُكوتياً، فهو جائزٌ لا يُعتَرَضُ عليْه.

2- الرأي الثاني:
* لا يَجوزُ اصطناعُ فعلٍ لم يَردْ به السّماعُ عن العَرب، فإنّ الفعلَ برّرَ يُبرّرُ تَبْريراً، إن جازَ اشتقاقُه، فهو مُشتقٌّ من الفعل برّ يبرّ براً وبُروراً. وتُفيدُ هذه المادّةُ المُعجمّيةُ [الباء والراء في المضاعف] أربعةَ أصول: الصِّدقُ، وحكايةُ صَوتٍ، وخلاف البَحْرِ، والغَلَبَةُ والقَهْرُ، ونَبتٌ[1]. فأمّا الصِّدق فقولهم: صدَق فلانٌ وبَرَّ، وبَرَّتْ يمينُه صدَقت، وأَبَرَّها أمضاها على الصِّدق.
وبَرَّ الله حَجَّه وأَبَرَّهُ، وحِجَّةٌ مَبْرُورة، أي قُبِلَتْ قَبولَ العملِ الصَّادق. ومن ذلك قولهم يَبَرُّ ربَّه أي يُطيِعه. وهو من الصِّدق.
1- فالبرُّ يدلُّ مَعْنى الخير كلّه، لأنّه تفسيرٌ جامعٌ لأصول الخيرِ كلِّه، ويُطلَقُ على الصِّدْقِ والطاعةِ، على نحو ما ورَدَ به التّنزيلُ الحَكيمُ: «لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلّوا وُجوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ» الآيَة... [البَقَرَة: 177]، ويُرادُ به التُّقى حيثُ قالَ الشّاعرُ:

وما البِرُّ إِلا مُضْمَراتٌ مِنَ التُّقى

والبِرُّ كلُّ ما تَقرّبَ به العبدُ إِلى الله عز وجل من عمل خير، ومنه الإِنفاقٌ: «لَنْ تَنالوا البِرَّ حتى تُنْفِقوا مما تُحِبّونَ»، والفعلُ بَرَّ يَبَرُّ إِذا صَلَحَ وبَرَّ في يمينه يَبَرُّ إِذا صَدَقه ولم يَحْنَثْ وبَرَّ رَحِمَهُ إِذا وَصَلَه، وبرَّ فلانٌ يَبَرُّ رَبَّهُ أَي أطاعه، ومنه قوله الشّاعرُ:

يَبَرُّك الناسُ ويَفْجُرُونَكا

ورَجلٌ بَرٌّ وبارٌّ من قوم بَرَرَةٍ وأَبْرَارٍ والمصدر البِرُّ، وتَبارُّوا تفاعلوا من البِرّ، وبَرَّةُ اسْمٌ عَلَمٌ بمعنى البِرّ، والبَرُّ من صفات الله تعالى وهو العَطُوف على عباده بِبِرَّهِ ولطفه، والبارُّ صاحبُ البِرّ، وبَرَّ بَرّاً وبُرُوراً وأَبَرَّ وأَبَرَّه الله، وبُرَّ حَجُّه. والحجُّ المَبْروُ الذي لم يُخالطْه شيءٌ من المآثم، والبيعُ المبرورُ الذي لا شُبهةَ فيه ولا كذبَ ولا خيانةَ. وبَرَّ والدَه يَبَرُّه ويَبِرُّه بِرّاً فَيَبَرُّ على بَرِرْتُ ويَبِرُّ على بَرَرْتُ وفلانٌ يَبَرُّ خالقَه ويَتَبَرَّرهُ أَي يطيعه وامرأَة بَرّةٌ بولدها وبارّةٌ.
2- والبَرُّ بالفتح خلاف البحرِ والبَرِّيَّة من الأَرَضِين بفتح الباء خلاف الرِّيفِيَّة والبَرِّيَّةُ الصحراءُ. ويُقال أَفْصَحُ العرب أَبَرُّهم معناه أَبعدهم في البَرِّ والبَدْوِ داراً.
3- وأبَرَّ عليه غَلَبَه وقَهَرَه، والإِبرارُ الغَلَبةُ؛ قال طرفةُ:

يَكْشِفُونَ الضُّرَّ عن ذي ضُرِّهِمْ /// و يُبِرُّونَ على الآبِـي الْمُبِـرّْ

أي يغلبون. يقال أَبَرَّ عليه أَي غلبه والمُبِرُّ الغالب
* فالفعلُ برَّرَ يُبرِّرُ تَبْريراً، لا مكانَ له بين وُجوه الاستعمالِ التي وَرَدَت في الوَضعِ اللّغوي؛ فهو مُستحْدثٌ مُولَّدٌ، ومَنسوبٌ إلى العَربية المعاصرة التي هي أقرب إلى الدّارجة، ولو عوّدْنا المُخاطَبَ على اللفظ العَربيّ الفَصيحالذي ورَدَت به الشواهد لقلّ الدّخيلُ ولاضمحلّ.
* وعليْه فإنّ اللّفظَ الأنسبَ الأفصَحَ هو أساغَ يُسيغُ إساغَةً، وسَوَّغ يُسَوِّغُ تَسويغاً وأصلُ هذا الفعلِ: ساغَ الشرابُ في الحَلْقِ يَسُوُغُ سَوْغاً وسَواغاً سَهُلَ مَدْخَلهُ في الحلقِ، وساغَ الطعامُسَوْغاً نزَلَ في الحلقِ، وأَساغَه هو وساغَه يَسُوغُه ويُسِيغُه سَوْغاً وسَيْغاًوأَساغَ فلانٌ الطعامَ والشرابَ يُسِيغُه وسَوَّغَه ما أَصابَ هَنَّـأه ، ويُمكنُ أن نَستعملَ الفعلَ مَجازاً في الأمورِالمعنويّةِ، فنقول: أساغَ الفكرَةَ وسَوَّغَها جعَلَها سائغةً.
* نَعم، قد يَجوزُ أن نقولَ: أبرَّ رأيَه يُبرّه إبْراراً أمْضاه على الصّحّةِ والصّدقِ والحُسنِ، وهو مَعْنى مُستمَدٌّ من أصل مَعْنى المادّةِ على كلِّ حالٍ، ولكنّه فعلٌ مَصوغٌ على بناءٍ واردٍ مَسموعٍ في هذه المادّةِ المعجميّةِ.

والله الموفِّقُ للصّوابِ، ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله، وصلّى الله على محمّد وسلَّمَ تسليماً كثيراً
---------------------
[1] مَقاييس اللغة ، لأبي الحُسين أحمدَ بنِ فارس، تحقيق: عبد السّلام محمّد هارون، دار الجيل، بيروت، 1392هـ-1972م، مادة الباء والرّاء في المُضاعف، ج:1، ص:178.

وانظرْ أيضاً : لسان العرب، لابن مَنظور، دار صادر، بيروت، مادّة: برر.

أعد المسودة سعادة الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بودرع
أستاذ اللسانيات بجامعة عبدالمالك السعديّ
تطوان - المغرب
***********************
يأمل المجمع من الأعضاء الكرام والزوار الفضلاء أن يتكرموا بقراءة هذه المسودة وكتابة تعليق مختصر أو مطول (حسب الرغبة) تمهيدا للتصويت على القرار من قبل لجنة متخصصة يختارها المجمع.. ولكم أن ترشحوا من ترونه لعضوية اللجنة من أعضاء المجمع أو من خارجهم.