الجمعة، 8 فبراير، 2013

تداخل بحر المديد وبحر (المبسوط)!

نفاضة الجراب
تداخل بحر المديد وبحر (المبسوط)!

يزعم بعض المعاصرين أن قول الشاعر:
رُبَّ أوراقٍ ذَوَتْ فَارْتوتْ من مُقْلَتي أو غُصـونٍ أيْنَعَتْ أحْرَقَتْها زَفْرَتي
من بحر (المبسوط) وكذلك قول شاعر معاصر:
أسقه كأس الردى سلسبيلا في الشفاهْ وأعطه حرية الموت يا قيد الحياهْ
أزِفَ النصرُ فيا ليلُ طلْ أو لا تَطُلْ وكأنّي بيقيني – وإنْ طلتَ- أراهْ

ويزعمون أن وزن هذا المبسوط: (فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن) مرتين، هكذا قالوا، فما حقيقة المبسوط هذا؟ وهل هو وزن حديث، أو وزن قديم لم يستخرج من دوائر الخليل؟

الحق أنه ليس في بحور الشعر الخليلية مستعملها ومهملها بحر يسمى (المبسوط) وهذا من فذلكات المعاصرين أو من أوهامهم أو من جهلهم بأوزان الخليل ودوائره؛ لأن هذه الأبيات بلا شك من المديد التام (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن) وأن المبسوط هذا ما هو إلا المديد التام؛ جاء متنكرا، في وزن (فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن) وهذا الوزن الحديث أول من اقترحه وزنا للمديد هو أديب العربية العلاّمة محمود شاكر، ولكنه لم يدّعِ أنه بحر جديد يسمى المبسوط! أو غيره، فهو المديد، لكنه يرى أنه الوزن الأمثل له خلافا للخليل، وقد بسط القول في تعليل الوزن المقترح في كتابه الفذ (نمط صعب نمط مخيف) وسأتناول النمط الصعب عند محمود شاكر في مقالة لاحقة إن شاء الله.

ويبقى أن أقول: إن المديد لا يستخدم تاما، إلا نادرا وله شواهد قليلة، منها:
بؤس للحربِ التي غادرت قومي سدا يا لبكر شمروا شمرتْ حرب لظا
ومنها قول الآخر:

من لقلبٍ هائمٍ في غزالٍ ناعم قد براني إذ بدا بين حورٍ خُرَّدِ

والصنعة فيهما بادية، ولم يأت المديد عند القدامى تاما، وجاء مجزواء ووزنه (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن) مرتين، وكل هذا على وزن المديد التام، ولو وزنته بـ (فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن) فالوزن صحيح عروضيا؛ لأنهما متطابقان في الأوتاد والأسباب تمام المطابقة، لكن الخليل اختار (فاعلاتن فاعلن...) واعتمده وزنا للمديد، وعليه جميع العروضيين القدامى، أما (فاعلن مستفعلن...) فيوافق ما انتهى إليه محمود شاكر في وزن المديد، والخلاف في الوزن، وهو خلاف شكلي، فمن غير المناسب تسميته بالمبسوط، حتى لا يَظُنّ ظانٌّ أنه بحر جديد.

ودائرة المختلف تشتمل على خمسة أبحر، وهي: الطويل والمديد والبسيط والمستطيل والممتد، والأخيران مهملان. وليس منها بحر اسمه المبسوط، وهو كما قلت: المديد بعينه ولكنهم غيروا الوزن وغيروا الاسم، فالمبسوط هو المديد التام.

والمديد التام كزّ، وغير مطرب، وفيه تفكك، ولكن المجزوء منه جميل، ومن روائع هذا المديد المجزوء قول العبّاس بن الأحنف:

يا بعيدَ الدارِ من وطنِـهْ مفرداً يبكي على سكنِهْ
كلّما جَـدَّ النجاءُ به جَـدّتِ الأسقامُ في بدنِهْ
ولقد زاد الفـؤادَ شجًى صوتُ قُمريِّ على فَنَنِهْ
شفّه ما شفنِي فبـكى كلّ مَن يبكي على شَجَنِهْ

وقول علي بن جبلة العكوّك في مدح أبي دُلَف:

إنما الدُّنيا أبو دُلَفٍ بينَ باديه ومحتَضَرِه
فإذا ولَّى أبو دُلَفٍ ولَّتِ الدنيا على أثَرِه

ومن يريد أن يتوسع في وزن المديد عند محمود شاكر، ويريد أن يقف على حقيقة (فاعلن مستفعلن) وعلّته عنده، فعليه أن يقرأ كتابه (نمط صعب نمط مخيف) وسيقف على رأي نفيس لهذا العالم الفذ.


أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/ sa2626sa@
جريدة المدينة، ملحق الرسالة، الجمعة 1434/3/27 هـ 2013/02/08 م العدد : 18188
http://www.al-madina.com/node/432309...%88%D8%B7.html