الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

تاسُوعاء وعاشُوراء وحادُوشاء


       قبل أن نلج إلى التفصيل في كلمة "حادوشاء" أودّ أن أُطمئن القرّاء وأقول لهم: إن كلمة (حادوشاء) كلمة إنسيّة وليست من كلام الجنّ، ولا من طلاسم السحرة، لكنها كلمة حديثة الولادة، ولغتنا مُذْ كانت ولاّدة، ففي العصر الإسلامي الأول ولدت الشقيقة الكبرى لحادوشاء، وهي كلمة (عاشوراء) على وزن (فاعولاء) وهو وزن مرعب غير مألوف في حينه، حتى زعم بعضهم أنه وزن عبرانيّ، لكن اللغة والناس تقبلوا عاشوراء، وظهرت في القرون المفضلة كلماتٌ جديدة على هذا الوزن، وكان ذلك في غفلة من صُنّاع المعاجم فزعم بعض متقدّميهم أنه  ليس لهم فاعُولاء غير عاشُوراء وأنه لا ثانِيَ له، وسنرى أن هذا الزعم أحد الأدلة على عدم الاستقراء، وأن المعاجم فاتها الكثير.


لكن السؤال هنا: ما معناهنّ واشتقاقهنّ ووزنهنّ ؟


أما عاشوراء: فهي الأقدم؛ مشتقة من لفظ العَشرة، مصوغة على وزن فاعولاء، وهمزتها للتأنيث، كأنها معدولة عن عاشِرة، للمُبالغة والتعظيم، وهي  في الأَصل صفة لليلة الْعَاشِرَة، كلمة إسلامية لم تعرف في العصر الجاهلي، ولها ذكرٌ في أحاديث صيام العاشر من محرم، وقال ابن دريد: عاشوراء: يوم سمي في الإسلام، ولم يعرف في الجاهلية، وليس في كلام العرب فاعولاء ممدودا إلا عاشوراء، ومثله قول ابن قتيبة في أدب الكاتب.


أما تاسوعاء فنقل عن الجوهري والصغاني والفيروزآبادي أنه مولد، قال الفيومي في المصباح: فينبغي أن يقال: إذا استعمل مع عاشوراء فهو قياس العربي؛ لأجل الازدواج، وإن استعمل وحده فمسلّم إن كان غير مسموع.


أما حادوشاء: فهي كلمة منحوتة من (الحادي عشر) على وزن فاعولاء للمزاوجة والمشاكلة فالحادي على وزن الفاعل (ظاهرا) مع وجود قلب مكاني فيها، فهي كالتاسع والعاشر، فنحتت على وزنهما.


وزعمهم أنه ليس في العربية سوى العاشوراء غير صحيح، فقد زاد بعض العلماء ألفاظاً على وزن فاعولاء: وهي: ساموعاء وهو اللحم، وخَابُوراء، حكاه ابن الأعرابي يعني النهر، وزاد الموفَّق البغداديّ في ذيل الفصيح: الضَّاروراء والسَّاروراء للضرّاء والسراء، والدالولاء: الدلال، وحاضوراء بلد.. ومنه رانوناء، وادٍ صغير بقرب قباء، وكانت أول جمعة صلاها الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالمدينة في مسجد بوادي رانوناء.


قلت: ولكثرة الكلام عن هذه الأيام الثلاثة في صيام المحرم فإنني أقترح قبول كلمة الحادوشاء للمشاكلة والازدواج والاختصار والتيسير فنقول: صيام العاشوراء والتاسوعاء قبله، والحادوشاء بعده، والعرب سمّت التاسع والعاشر تاسوعاء وعاشوراء، فلا يستنكر تسمية الحادي عشر: حادوشاء، وهي مليحة في الازدواج مع تاسوعاء وعاشوراء.


ونقلت آنفا أن الفيومي نقل عن الجوهري والصغاني أن تاسوعاء مولد.. وقال: فينبغي أن يقال: إذا استعمل مع عاشوراء فهو قياس العربي؛ لأجل الازدواج. قلت: هذا تعليل نفيس، جعلهم يستحسنون تاسوعاء ويدخلونها في معاجمهم القديمة مع أنها مولدة، فما المانع من إدخال الحادوشاء  بمعنى الحادي عشر وعلّته علة استحداثهم لفظ التاسوعاء بعد العاشوراء؟ وهي الرغبة في المزاوجة والمجانسة والمشاكلة.


وللحديث صلة ومزيد من التعليل في المقالة القادمة لاستخراج شهادة ميلاد لكلمة "الحادُوشاء" .

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
مقال نشر في ملحق الرسالة بجريدة المدينة 
الجمعة 1434/1/23 هـ 2012/12/07 م العدد : 18125
http://www.al-madina.com/node/418717/risala