الخميس، 4 يوليو، 2013

مسودة قرار مجمعي في قولهم مبرّرات بمعنى مسوغات

كتب أ.د. عبدالرحمن بودرع عضو مجمع اللغة الافتراضي المسودةَ الآتية:

هل يَجوزُ أن نقولَ: بَرّر يُبرّرُ تبْريراً،
بمَعْنى سَوَّغَ تسويغاً وأساغَ إساغةً ؟
1- الرأي الأول:
يَجوزُ أن نقولَ برَّر يُبرِّرُ تَبْريراً، وبرّرَ رأيَه بِمُبرِّرٍ وجيهٍ، أو برَّره بمُبرِّرٍ واهٍ. وهذا أمرٌ لا مُبرِّرَ له، ومبرِّراتُ حُجَّتِه ضعيفةٌ...
* وإنَّما جازَ عند قومٍ من المُحدَثينَ وتبعهُم عامّةُ الكتّابِ والمثقَّفينَ وطلاّبِ العلم، لأنّه يدلُّ على مَعْنى المُبالَغةِ في جعلِ الشيءِ بِرّاً وخيْراً ومبرّةً، مثل قطّعَ وغلّقَ أي بالغ في القَطعِ والغَلْقِ، وبرّرَ رأيه وحُجَّتَه أي بالَغَ في تحسينها وتبيين وجه الخيرِ والبِرِّ فيها لتلْقى القَبولَ.
* فلا مانعَ يمنعُ أن نَقيسَ هذا الفعلَ -وإن لم تُسمَع له شَواهدُ من لسانِ العربِ- على غيرِه من الأفعالِ ممّا وزنُه فعّل بتضعيف العَيْن، وأنّ من واجبِ تطويرِ اللغةِ وتنميتها وتوليدِ أفعالٍ جديدةٍ لها أن نشتقّ صيغاً جديدةً سُمِعَت أم لم تُسمَعْ. وما جَرى به العُرفُ اللغويّ الحَديثُ واتّفقَ عليْه ولو احتمالاً وإجماعاً سُكوتياً، فهو جائزٌ لا يُعتَرَضُ عليْه.

2- الرأي الثاني:
* لا يَجوزُ اصطناعُ فعلٍ لم يَردْ به السّماعُ عن العَرب، فإنّ الفعلَ برّرَ يُبرّرُ تَبْريراً، إن جازَ اشتقاقُه، فهو مُشتقٌّ من الفعل برّ يبرّ براً وبُروراً. وتُفيدُ هذه المادّةُ المُعجمّيةُ [الباء والراء في المضاعف] أربعةَ أصول: الصِّدقُ، وحكايةُ صَوتٍ، وخلاف البَحْرِ، والغَلَبَةُ والقَهْرُ، ونَبتٌ[1]. فأمّا الصِّدق فقولهم: صدَق فلانٌ وبَرَّ، وبَرَّتْ يمينُه صدَقت، وأَبَرَّها أمضاها على الصِّدق.
وبَرَّ الله حَجَّه وأَبَرَّهُ، وحِجَّةٌ مَبْرُورة، أي قُبِلَتْ قَبولَ العملِ الصَّادق. ومن ذلك قولهم يَبَرُّ ربَّه أي يُطيِعه. وهو من الصِّدق.
1- فالبرُّ يدلُّ مَعْنى الخير كلّه، لأنّه تفسيرٌ جامعٌ لأصول الخيرِ كلِّه، ويُطلَقُ على الصِّدْقِ والطاعةِ، على نحو ما ورَدَ به التّنزيلُ الحَكيمُ: «لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلّوا وُجوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ» الآيَة... [البَقَرَة: 177]، ويُرادُ به التُّقى حيثُ قالَ الشّاعرُ:

وما البِرُّ إِلا مُضْمَراتٌ مِنَ التُّقى

والبِرُّ كلُّ ما تَقرّبَ به العبدُ إِلى الله عز وجل من عمل خير، ومنه الإِنفاقٌ: «لَنْ تَنالوا البِرَّ حتى تُنْفِقوا مما تُحِبّونَ»، والفعلُ بَرَّ يَبَرُّ إِذا صَلَحَ وبَرَّ في يمينه يَبَرُّ إِذا صَدَقه ولم يَحْنَثْ وبَرَّ رَحِمَهُ إِذا وَصَلَه، وبرَّ فلانٌ يَبَرُّ رَبَّهُ أَي أطاعه، ومنه قوله الشّاعرُ:

يَبَرُّك الناسُ ويَفْجُرُونَكا

ورَجلٌ بَرٌّ وبارٌّ من قوم بَرَرَةٍ وأَبْرَارٍ والمصدر البِرُّ، وتَبارُّوا تفاعلوا من البِرّ، وبَرَّةُ اسْمٌ عَلَمٌ بمعنى البِرّ، والبَرُّ من صفات الله تعالى وهو العَطُوف على عباده بِبِرَّهِ ولطفه، والبارُّ صاحبُ البِرّ، وبَرَّ بَرّاً وبُرُوراً وأَبَرَّ وأَبَرَّه الله، وبُرَّ حَجُّه. والحجُّ المَبْروُ الذي لم يُخالطْه شيءٌ من المآثم، والبيعُ المبرورُ الذي لا شُبهةَ فيه ولا كذبَ ولا خيانةَ. وبَرَّ والدَه يَبَرُّه ويَبِرُّه بِرّاً فَيَبَرُّ على بَرِرْتُ ويَبِرُّ على بَرَرْتُ وفلانٌ يَبَرُّ خالقَه ويَتَبَرَّرهُ أَي يطيعه وامرأَة بَرّةٌ بولدها وبارّةٌ.
2- والبَرُّ بالفتح خلاف البحرِ والبَرِّيَّة من الأَرَضِين بفتح الباء خلاف الرِّيفِيَّة والبَرِّيَّةُ الصحراءُ. ويُقال أَفْصَحُ العرب أَبَرُّهم معناه أَبعدهم في البَرِّ والبَدْوِ داراً.
3- وأبَرَّ عليه غَلَبَه وقَهَرَه، والإِبرارُ الغَلَبةُ؛ قال طرفةُ:

يَكْشِفُونَ الضُّرَّ عن ذي ضُرِّهِمْ /// و يُبِرُّونَ على الآبِـي الْمُبِـرّْ

أي يغلبون. يقال أَبَرَّ عليه أَي غلبه والمُبِرُّ الغالب
* فالفعلُ برَّرَ يُبرِّرُ تَبْريراً، لا مكانَ له بين وُجوه الاستعمالِ التي وَرَدَت في الوَضعِ اللّغوي؛ فهو مُستحْدثٌ مُولَّدٌ، ومَنسوبٌ إلى العَربية المعاصرة التي هي أقرب إلى الدّارجة، ولو عوّدْنا المُخاطَبَ على اللفظ العَربيّ الفَصيحالذي ورَدَت به الشواهد لقلّ الدّخيلُ ولاضمحلّ.
* وعليْه فإنّ اللّفظَ الأنسبَ الأفصَحَ هو أساغَ يُسيغُ إساغَةً، وسَوَّغ يُسَوِّغُ تَسويغاً وأصلُ هذا الفعلِ: ساغَ الشرابُ في الحَلْقِ يَسُوُغُ سَوْغاً وسَواغاً سَهُلَ مَدْخَلهُ في الحلقِ، وساغَ الطعامُسَوْغاً نزَلَ في الحلقِ، وأَساغَه هو وساغَه يَسُوغُه ويُسِيغُه سَوْغاً وسَيْغاًوأَساغَ فلانٌ الطعامَ والشرابَ يُسِيغُه وسَوَّغَه ما أَصابَ هَنَّـأه ، ويُمكنُ أن نَستعملَ الفعلَ مَجازاً في الأمورِالمعنويّةِ، فنقول: أساغَ الفكرَةَ وسَوَّغَها جعَلَها سائغةً.
* نَعم، قد يَجوزُ أن نقولَ: أبرَّ رأيَه يُبرّه إبْراراً أمْضاه على الصّحّةِ والصّدقِ والحُسنِ، وهو مَعْنى مُستمَدٌّ من أصل مَعْنى المادّةِ على كلِّ حالٍ، ولكنّه فعلٌ مَصوغٌ على بناءٍ واردٍ مَسموعٍ في هذه المادّةِ المعجميّةِ.

والله الموفِّقُ للصّوابِ، ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله، وصلّى الله على محمّد وسلَّمَ تسليماً كثيراً
---------------------
[1] مَقاييس اللغة ، لأبي الحُسين أحمدَ بنِ فارس، تحقيق: عبد السّلام محمّد هارون، دار الجيل، بيروت، 1392هـ-1972م، مادة الباء والرّاء في المُضاعف، ج:1، ص:178.

وانظرْ أيضاً : لسان العرب، لابن مَنظور، دار صادر، بيروت، مادّة: برر.

أعد المسودة سعادة الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بودرع
أستاذ اللسانيات بجامعة عبدالمالك السعديّ
تطوان - المغرب
***********************
يأمل المجمع من الأعضاء الكرام والزوار الفضلاء أن يتكرموا بقراءة هذه المسودة وكتابة تعليق مختصر أو مطول (حسب الرغبة) تمهيدا للتصويت على القرار من قبل لجنة متخصصة يختارها المجمع.. ولكم أن ترشحوا من ترونه لعضوية اللجنة من أعضاء المجمع أو من خارجهم.