الخميس، 31 مارس، 2016

محمود شاكر يخطّئ الجاحظ:

محمود شاكر يخطّئ الجاحظ

          روى الجاحظ في البيان والتبيين 1/ 150 قول راجزٍ يصف حمارًا أصابه سهم:

حَتَّى نَجا من جَوْفِهِ وما نَجا

يريد أن السهم نجا من جوف الحمار؛ أي: اخترقه ولم ينجُ الحمار. وذكره في الحيوان 3/ 75 وفسّره بأنه من باب الإيجاز المحذوف وأن الراجز يصف سهمَه حين رمى عَيرا كيف نفذ السهم  من جوف العير وصرعه.

      لكن محمود شاكر يرى أن المعنى خلاف ذلك، لأن نجا الأولى بمعنى أحدث، ومن جَوْفه مصحفه، وصوابها: من خَوْفه، يريد أن العير من خوفه أحدث، ثم لم ينجُ، قال شاكر في حاشية دلائل الإعجاز 523 معلقا على تفسير الجاحظ: ((وهكذا الكلام عندي من أوهام الجاحظ، وإنما الصواب: من خوفه، بالخاء المعجمة من فوق، ونجا الأولى من النَّجْو، وهو ما يخرج من البطن من الغائط، يريد أنه من خوفه أحدث، ثم لم ينجُ، أما الذي قاله الجاحظ فهو لا شيء)).
  
       أقول: ماذكره كل من الشيخين الجاحظ ومحمود شاكر تقبله اللغة وسياق البيت، وتفسير شاكر أقرب عندي، لأن بعض الطرائد كالذئب والحمر الوحشية تحدث من شدّة الخوف، وطالما سمعنا في ثقافتنا الشعبية أن الذئب إذا فَجَأه الصيّاد عن قرب ربما أحدث.
        وتفسيرُ محمود شاكر البيتَ وردُّه على الجاحظ بهذه الثقة والقوة وتبيانه تصحيفه وفساد تأويله هو جزء من منهج اختطه لنفسه، وهو ألا يجامل أحدًا على حساب لغة العرب وآدابها مهما علت مكانته، ويدلّ أيضا على قدرته على الغوص على الدقائق والخبايا التي تخفى على غير خبير، وقد أعانه على ذلك تمكّنه من اللغة وقدرته العالية على تذوق الشعر.
عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة
22/ 6/ 1437هـ

31 مارس 2016م