الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

الرضي يحسم النِّزاع في مسألة "ستّ تغييرات":

الرضي يحسم النِّزاع في مسألة "ستّ تغييرات"

     قلت في المقالة الثامنة في مسألة التفاضل بين اللغات التي نُشرت في (الجزيرة الثقافية 14 محرم 1438هـ): إنّ العربية في باب قضايا وعطايا وخطايا ((قادرة على إجراء التغييرات بانسيابٍ تامٍّ ويسرٍ دون أن يقلق بها اللسان، مع أن فيها ستَّ تغييراتٍ صرفية متوالية يكشفها التحليل الصرفي)). ففوجئت بأن الدكتور حمزة المزيني يعدّ قولي (ستّ تغييرات) خطأ نحويًّا لا يغتفر، ويزعم أن الصواب ستّة تغييرات، وعلى الرغم من وضوح القاعدة أطال الجدل وشَغَبَ كعادته وأصرّ على تخطئة الصواب!! وهذا قوله بنصه في تغريدته: ((يفضّل اللغة العربية ويصف الجذر فيها بأنه كالقنبلة الانشطارية!! ويخطئ في نحوها فيقول: "ست تغييرات"! المتوقع أن من يفضّل العربية لا يخطئ فيها!!)) هكذا!! وأصر على التخطئة فقال بعد عشرة أيام من الجدال ساخرا مني وممّن وافقني: ((سيظل هذا الخطأ عالقًا بأثوابكم مدى الدهر))!!
    هكذا يزعم!! فما القاعدة وكيف وَهِمَ الدكتور المزيني هذا الوَهْم؟ إنّ مما يعرفه المبتدئون في النحو أن العدد والمعدود من ثلاثة إلى عشرة يأتي على وجه المخالفة في التذكير والتأنيث بين العدد ومعدوده، فيُذكّر العدد مع المؤنّث ويؤنّث مع المذكّر، فتقول ثلاثة رجال وثلاث نسوة، قال عزّ وجلّ (سخّرها عليهم سَبْعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ حُسومًا) والمعتبر في المخالفة المفردُ، والتأنيث المذكور هنا هو التأنيث المعنوي، سواء أكان حقيقيًّا أم مجازيًا، وخالف الكسائي والبغداديون والحريري في الجمع المؤنثِ لفظًا، فإنّ المعتبر فيه عندهم لفظُ المعدود لا مفردُهُ، فيقولون: ثلاث سجلّات وثلاث حمّامات، والجمهور على خلافهم، يقولون: ثلاثة سجلّات وثلاثة حمّامات مراعاة للمفرد سجِلّ وحمّام، وخولفت القاعدة في شواهد تقبل التأويل.
    والدكتور المزيني يعرف هذه القاعدة المدرسية، ولكن كأنّه فقد الحسّ اللغوي السليم هنا والتبس عليه المفرد بمفرد آخر فبنى حكمه على وَهْم، وأصرّ على تخطئة (ستّ تغييرات) مع أنها الصواب، وأنها في الطبع والذوق اللغوي أدخل إلى العربية؛ لأن المتكلم يسلك بالتغييرات في باب العدد طريق أخواتها: تكبيرات وتقسيمات وتفريعات وتصويبات وتخمينات وتخريجات، وهي جموعٌ لاسم المرّة من غير الثلاثي، يجري تأنيثها على اللسان عفو الخاطر دون تفكير في قاعدة كما تجري ستّ تكبيرات وستّ تسبيحات، فإن خانه المفرد فكيف يخونه الحسّ اللغوي؟ وإن خانه الحس اللغوي مع خيانة المفرد فكيف لم يسترشد بكلام العلماء الأثبات؟ وكيف له أن يرى ابن الأثير في النهاية (مادة حول) وابن منظور في اللسان (مادة حول) والدماميني في العيون الغامزة (154) وأبا حيان في الارتشاف (2/ 599) والمكُّودي في شرح الألفية (1/ 345) وابن همّام في فتح القدير (7/ 147) والعيني في شرح أبي داوود (2/ 438) والأشموني في شرح الألفية (4/ 177) والسيوطي في الهمع (3/ 373) والخفاجي في عناية القاضي (2/ 264) وعبدالقادر البغدادي في الخزانة (11/ 276) والخُضري في حاشية ابن عقيل (2/ 169) يقولون: (ثلاث تغييرات) ثم لا يفيق من وهمه؟ لماذا جهّلهم جميعًا ولم يشكّ في نفسه؟ أهي الثقة المفرطة أم العناد وحبّ الشّغَب؟!

   ومن قبل هؤلاء جميعا قال خلف الأحمر (ت 180هـ) فيما يرويه الصفدي في (تصحيح التصحيف 523): ((أخذتُ على المُفضَّل في يومٍ واحدٍ ثلاث تصحيفاتٍ)) وقال أبو جعفر النحاس (ت 338هـ) في (معاني القرآن 4/464): ((فيه ثلاث تقديرات))، وقال الأزهري (370هـ) في التهذيب : ((أخبرني أبو الفضل المنذريّ عن أبي الهيثم الرّازِيّ أنه قال: العَرَب تؤكّد الكلمة بأربع توكيدات))، وقال النيسابوري (ت 505هـ) في غرايب التفسير (1/ 433) ((وله ثلاث تقديرات)) ومثل هذا في كلام القرطبي (ت 671هـ) في تفسيره (11/ 228).  
    هذا كلّه مدخل، فما مفرد تغييرات؟ وما الفرق بين تغايير وتغييرات؟ إن أصل الوهم في هذه المسألة يعود إلى الاضطراب في تقدير المفرد والخلط بين جمع المصدر (تغايير) واسم المرة (تغييرات) فمفرد تغايير هو (تغيير) ومفرد تغييرات هو (تغييرة) ومعلوم أن المصدر الدالّ على مجرّد الحدث لا يجمع؛ لأنه يدلّ بنفسه على القليل والكثير، فإن اختلفت أنواعه وتعددت أجناسه جُمع جمع تكسير، كالضُّرُوب والظُّنُون والتخاريج والتسابيح، وأمّا المصدر الدال على الوحدة (اسم المرّة) فجمعه قياسيّ، ويجمع جمع سلامة، بالألف والتاء، ويصاغ اسم المرّة على صيغة (فَعْلَة) من الثلاثي المجرد، كالضَّرْبة والشَّرْبة والجَلْسة، ويُكتفَى في غير الثلاثي بزيادة تاء تأنيثٍ على المصدر، كانطلاقة وإكرامة واستخراجة وتخريجة وتسبيحة وتكبيرة وتقسيمة وتهويمة وتغييرة، وهذا قياس مطّرد لا يحتاج إلى سماع.
     ويُجمع هذا المصدر المؤنث بالتاء جمعَ مؤنثٍ سالما، على القياس أيضًا، فتخالف المرّة مصدرها في الجمع منعا للتداخل، لتكون هي على جمع السلامة ويكون هو على التكسير، فيقال في تغيير: تغايير، ويقال في تغييرة: تغييرات، وعلى هذا يجري جمع المصادر: ضَرْبٍ وقَتْلٍ وإكرامٍ وتخريجٍ وتسبيحٍ وتفصيلٍ وتصريحٍ وتعليمٍ وتعويذٍ وتمثيلٍ وتصويرٍ وتقسيمٍ وتفعيلٍ وتهويلٍ فيقال: ضُرُوب وقُتُول وأكاريم وتسابيح وتفاصيل وتعاويذ وتماثيل وتصاوير وتقاسيم وتهاويل، والمفرد مذكر، ويجمع اسم المرة منها جمعَ مؤنث سالما، فيقال: ضربات وقتلات وإكرامات وتخريجات وتسبيحات وتفصيلات وتعليمات وتعويذات وتمثيلات وتصويرات وتفعيلات وتهويلات، والمفرد مؤنث. ولذا تقول في العدد على قاعدته المطردة: ثلاث تخريجات وثلاث ضربات وثلاث قتلات وثلاث تفعيلات وثلاث تقسيمات وتلاث تسبيحات وثلاث تغييرات، بتذكير العدد، وتقول: ثلاثة تخاريج وثلاثة ضُرُوب وثلاثة قُتُول وثلاثة تفاعيل وثلاثة تقاسيم وثلاثة تسابيح وثلاثة تغايير، بتأنيث العدد.
    وفي التفريق بين جمع المصدر واسم المرّة منه يقول الرضي في شرح الكافية (القسم الثاني 1/ 687 طبعة جامعة الإمام) عند حديثه عن جمع المؤنث السالم: ((ومنه قولك الإكرامات والتخريجات والانطلاقات ونحوها؛ لأن الواحد: إكرامة وتخريجة بتاء الوحدة، لا إكرام وتخريج. وجمع المجرد: أكاريم وتخاريج عند اختلاف الأنواع (يعني حين يجوز جمعه) فالإكرامات كالضربات والقتلات، والأكاريم كالضروب والقتول. فلذا يقال ثلاث إكرامات وتخريجات بتجريد العدد من التاء، وثلاثة أكاريم وتخاريج إذا قصدت ثلاثة أنواع من الإكرام)).
    وقول الرضي هنا حاسم للخلاف، وهو في غاية الأهمية والوضوح، ففيه التفريق عند الجمع بين المصدر واسم المرّة، فتقول في جمع اسم المرة: (تغييرات) وتقول في جمع المصدر المجرد من تاء التأنيث للمرّة أو الوحدة: (تغايير) وعلماء العربية على هذا في كلامهم عند إرادتهم جمع المصدر (تغيير) قال ابن جني (سر الصناعة 2/ 137) ((سائر التغايير العارضة)) وقال ابن سيده (المخصص 4/ 210 تحقيق جفال): ((لأَن التغايير أشدُّ اعتقاباً))، وقال ابن عطية (المحرر الوجيز 4/ 213): ((وفيما كثرت فيه التغايير))، وقال حازم القرطاجَنّي (منهاج البلغاء 244): ((ووقوع هذه العلل والتغايير))، وقال الشاطبي (المقاصد 7/ 432): ((في الكلام أربعة تغايير مطَّردة))، هكذا يجمعون تغييرًا، فإن أرادوا جمع اسم المرة منه قالوا: تغييرات، كما جاء في كلام ابن الأثير وابن منظور والدماميني وأبي حيان والمكُّودي وابن همّام والعيني والأشموني والسيوطي والخفاجي وعبدالقادر البغدادي والخضري، قالوا جميعا: ثلاث تغييرات، على القياس.
    وأشير هنا إلى أن أول من أشار إلى قول الرضي في هذه المسألة هو الأستاذ سعيد عبدالخالق في تغريدة له، وأول من أشار إلى صحة ست تغييرات بحملها على اسم المرة (تغييرة) هو الدكتور سليمان العيوني في تغريدة له أيضا، فلهما شكري وتقديري.
    وبهذا نطوي الخلاف النحوي الذي افتعله الدكتور حمزة المزيني في موضِع لا يصلح للخلاف، فخالفْ رأيَه وقل: ستّ تغييرات وستّة تغايير.
عبدالرزاق الصاعدي
  3/ 2/ 1438هـ