الاثنين، 31 أكتوبر، 2016

هل يصحّ التّفاضل بين اللغات؟ وأين مكان العربية؟:


هل يصحّ التّفاضل بين اللغات؟ وأين مكان العربية؟
(تسعة مقالات نشرت في الجزيرة الثقافية)
الأسئلة الرئيسة في هذا الموضوع الشائك هي: هل يصح التفاضل بين اللغات؟ فإن صحّ ما اللغة الأكمل؟ وما الدليل على عظمتها وتفضيلها على غيرها؟ دارت هذه الأسئلة الثلاثة في حوارات جدليّة في موقع التواصل: تويتر، واحتدم النقاش بيني وبين أكاديميين متخصصين فمنهم من قال: إن اللغات تتفاضل وإن العربية هي سيّدة اللغات وأكملهنّ وأعظمهنّ بنحوها وصرفها ومعجمها الثري.. ومنهم من أنكر ذلك وادّعى أن التفاضل بين اللغات غير وارد أصلا؛ لأنّ كل لغة تعبّر بطريقتها الخاصّة عن حاجات أهلها في الاتصال اللغوي وإنشاء  الآداب المختلفة.. ويرى فريق ثالث أن إمكانية التفاوت من حيث المبدأ والعقل واردة ولكن ليس ثمة سبيل إلى الوصول إلى الجواب الدقيق إلا بعد إطلاع الباحث على جميع اللغات، وهذا شبه متعذر، بل هو متعذر، لكثرة اللغات، فيتوّقف عن التفضيل، وهو رأي محايد يبدو في ظاهره مقبولا.
والأرجح في هذا صحة القول بالتفاوت، ولا يلزم الاطّلاع على جميع لغات الكون؛ لأنه محال، ويكفي المقارنة بين اللغات الأكثر انتشارا، على منهج الاستقراء الناقص، وهو منهج علمي فيما يتعذر فيه الاستقراء التام، فحين يقولون إن قريشًا أفصح العرب لا يعني أنهم سمعوا كلَّ قرشيٍّ وسمعوا كل العرب فحكموا لقريش، وكذلك حين وصفوا الظواهر اللهجية الملقبة كالكشكشة والعنعنة والتلتلة والفحفحة والطمطمانية وعزو كل منها إلى قبيلة أو بيئة لم يسمعوا من كل فرد من تلك القبائل، وحين يختار الأوربيون ملكة جمال الكون مثلا لا يعني هذا أنهم رأوا جميع النساء على وجه الأرض قبل اتخاذ حكمهم، وكذلك الحال في البحث اللغوي، ولا يمكن لباحث مهما كان علمه باللغات أن يطلع على جميع لغات الأرض ويعرف خصائصها وأسرارها ليكون حكمه دقيقا منصفا، ولكن تكفى المقاربة والنظر في اللغات الأكثر انتشارا وتأثيرا، ولا يُغفل جانب النقل وأعنى به أقوال العلماء الكبار الذين اطلعوا على عدد من اللغات بالإضافة إلى الاستعانة بالعقل والمنطق والقياس، ومن المهمّ في هذا استنطاق اللغة المراد تفضيلها وسماع شهادتها. وسأتناول الموضوع من خلال النقاط الآتية:
أولا: هل يصحّ التفاضل بين اللغات؟
  1- إن كانت اللغة منتجًا بشريًّا فإنّها قابلة للتفاضل، ككل منتج بشري، وهي كذلك، يقول فندريس في كتابه البديع "اللغة": فحال اللغة حال جميع المخترعات البشرية. ويشير إلى اللغات البدائية الضعيفة. وهذا يقتضي التفاضل بين اللغات.
  2- وتنقسم فصائل اللغات إلى ثلاث، وهي: اللغات العازلة isolantes ، واللغات الإلصاقية Agglomerantes ، واللغات التحليلية Analytiques، ومعلوم أن اللغات العازلة لغات أولية ذات خلية واحدة غالبا، واللغات الإلصاقية هي اللغات الشريطية ومنها اللغات الأوربية، وهي أكثر رقيا من اللغات العازلة، وأما اللغات التحليلية فهي اللغات الاشتقاقية أو اللغات الشجرية، وأسميها شجرية لأن ألفاظها تتفرع من جذورها كما تتفرع أغصان الشجرة.
  3- ولكلِّ لغة نظامها الخاص، فهل تتساوى الأنظمة في دقتها وشمولها وكمالها ونقصها؟ ومن أبرز مكونات اللغة المفردات والمعجم، فهل تتساوى اللغات في مفرداتها ومعاجمها في غنى مادتها وتنوعها ودقة مصطلحاتها؟!
  4- واللغة في ذاتها غير متساوية، فألفاظها تتفاضل، فمنها السلس العذب في اللسان، ومنها الثقيل والفج والقبيح النابي المؤذي للأذن والذوق.. وكذلك خصائص اللغة وقواعدها متفاوتة في الإحكام والاطراد، فما يتفاضل بعضه يتفاضل كله مع نظيره.
  5- وأهل اللغة الواحدة يتفاوتون في البيان والمخزون اللفظي والقدرة على استيعاب النظام، فيفضل بعضهم بعضا. وكذلك كانت القبائل العربية تتفاوت لهجاتها في القوة والضعف، فكل قبيلة تعدّ مجتمعًا كاملا له لغته الخاص، فمنهم من يكشكش ومنهم من يكسكس ومنهم من يعنعن أو يطمطم أو يتلتل أو يفحفح، ومنهم من ينتقي كقريش، وبعض لهجاتهم تبدو بعيدة عن العربية الفصحى، حتى تكون شبه مشتقلة، كالجبالية والمهرية، (وتسمى: لهجات الأحقاف)، وكذلك لغة جبل فيفا، والتفاضل بين تلك اللهجات والفصحى أمر يقبله العقل وأدبيات البحث العلمي.
  6- ومن الواقع اللغوي المشاهد نرى حال العامّيّة للعرب اليوم، وهي –أي العامّيّة- الوجه الشعبي المبتذل للعربية، وعلم اللغة الحديث يعدها لغةً كاملة الأركان، إذ يتكلم بها مجتمع كامل، وهي لغتهم في حياتهم اليومية تعبّر عما في نفوسهم أشد التعبير، وتحمل أدبهم الشعبي وأشعارهم وأمثالهم وقصصهم وخواطرهم، أفلا يصح التفاضل بين العربية الفصحى وعاميتها؟ بالتأكيد يصح، ولا ينكر ذلك أحد، فنحو العامية وصرفها ركيكان، والتفاضل بين اللغتين العربية والعامية لا ينكرة لغوي.
تتمة الإجابة عن السؤال الأول: هل يصحّ التفاضل بين اللغات من حيث المبدأ والعقل والواقع اللغوي؟ أشرت إلى جملة أمور مهمة في الفقرات الست الماضية وهذه التتمة:
  7- إن فكرة التفاوت في جودة النظام اللغوي ودقته وسعة المعجم وقدرة اللغة على البيان البليغ تتفق مع طبيعة الأشياء المحسوسة في الكون، ما الذي يمنع تتفاوت اللغات؟ أليس كل ما نراه من مظاهر الطبيعة في الأرض قائم على التفاوت والتفاضل حين يكون من جنس واحد؟ ولقد جعل اللة التفوات والتفاضل ناموسا في مخلوقاته وما ينتجونه من أعمال وفنون وآداب ولغات.
  8- هذا مدخل عقلي منطقي فيه رد على القائلين بأن اللغات لا تتفاضل وأن كلَّ لغة قادرة على التعبير بطريقتها وفق نظامها الخاص، وهي عند أهلها الأجمل والأكمل، فالحقّ أن اللغات تتفاضل، ولا ينازع في هذا ذو فهم لغوي ومنطق سليم، ولكن السؤال الأصعب الذي تتسع فيه فجوة الخلاف هو: ما اللغة الأكمل والأقدر على البيان؟
ثانيا: هل العربية أكمل اللغات وأفضلهن؟
للجواب عن هذا السؤال الصعب أستعرض ثلاث شهادات، شهادة الدين وشهادة فقهاء اللغة من عرب ومستعربين وشهادة اللغة نفسها:
أ‌- شهادة الدين:
  9- الإسلام هو آخر الأديان، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو (خاتم النبيين) فالإسلام دين عالمي، هكذا أراد له الله عز وجل، فيجب أن تكون لغة قرآنه عالمية، وأن تكون أحسن اللغات وأكملها وأقدرها على حمل معانيه وبلاغته وإعجازه، لا أن تكون لغة ضعيفة أو مفضولة، وكانت العربية عند نزول القرآن لغة قوم بلغاء كاملة النمو مزدهرة في جزيرة العرب، تصطنع في آداب يعتز بها أهلها، فاختارها الله لغة لكتابه: {إنًا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونْ} وفي اختيارها دليل على أنها تحمل تلك المواصفات المطلوبة، و{الله أعلم حيث يجعل رسالته} مكانا وزمانا ولغة ورسولا، ولذا وصف كتابه في غير موضع بأنه{بلسان عربي مبين}وهو أبلغ ما يوصف به الكلام، وأنه {أَحْسَن الحدِيثِ}.
   10- وفي سياق التمدّح والثناء يصف الله عز وجل كتابه بقوله: {وإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} ويؤكد هذا المعنى بقوله: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}. وفي هذا دلالة صريحة على أن الله رفع كتابه عن أن يكون بلغة أعجمية، وهنا يقول الباقلاني في كتاب (إعجاز القرآن): "فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته، لم يكن ليرفعه عن هذه المنزلة".
  11- وهل وَصَفتِ التوراةُ أو الإنجيلُ لغةَ العبرانين بمثل هذا الوصف؟ أنا هنا أسأل ولا أعرف الجواب، ولكنَّ الباقلاني يجيب بالنفي، ويعلل ذلك بأننا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادّعوا الإعجاز اللغوي لكتابهم، ولا ادّعى لهم المسلمون. فعُلم أنّ الإعجاز اللغويّ مما يختص به القرآن.
  12- ولما كانت العرب أمّة شعر وبيان رفيع، أي أمة لغة عالية، تحداهم الله في جنس ما يحسنون، وهو اللغة، ولما كانت الفراعنة يجيدون السحر تحداهم موسى بالسحر، فغلبهم في ما يحسنون، فتحدي العربِ في اللغة وبيانها يدل على مكانة تلك اللغة.
  ب: شهادات من علماء العربية والمستشرقين:
للعلماء العارفين بأحوال العربية وبعض اللغات الأخرى من عرب ومستعربين شهاداتهم مهمة تنصف العربية، وتضعها في مكان الريادة، وهنا أستعرض بعض شهادتهم:
  13- كان الإمام الشافعي ذا ثقافة لغوية عالية، وهو ممن تؤخذ اللغة من كلامه، قال في أوائل الرسالة: "لسانُ العرب أوسعُ الألسنة مذهبا وأكثرُها ألفاظا، ولا نعلمُ أن يحيط بجميع عِلمِه إنسان غير نبي".
  14- ثم يطالعنا ابن قتيبة (من أصل فارسي) في كتابه (تأويل مشكل القرآن) بتفضيله لغةَ العرب على غيرها من اللغات (وهو من ثقافة فارسية) وعلل تفضيلها بما للعرب من الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير، ولأن غير العرب لم تتسع في المجاز اتساع العرب. ويسير على نهجه أبو عبيد القاسم بن سلام (من أصل فارسي) فيفضّل لغة العرب على غيرها من اللغات، بقول صريح في مقدمة الغريب المصنّف.
  18- وحين نقفز إلى القرن الرابع عصر النهضة ونضج علوم العربية، نقف عند أبي سليمان المنطقي (محمد بن بهرام السجستاني ت 380هـ) شيخ أبي حيّان التوحيدي فنراه يفضّل العربية، في نص فريد ذكره التوحيدي في (المقابسة 88) من كتاب المقابسات، قال: فقلت لأبي سليمان: فهل بلاغةٌ أحسن من بلاغة العرب؟ فقال: هذا لا يَبين لنا إلا بأنْ نتكلّم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القِسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ثم نحكم حكما بريئاً من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يَطمع فيه إلا ذو عاهة! ولكن قد سمعنا لغاتٍ كثيرةً من أهلها، أعني من أفاضلهم وبلغائهم، فعلى ما ظهر لنا وخُيّل إلينا لم نجد لغة كالعربية، وذلك لأنها أوسع مناهجَ، وألطف مخارجَ، وأعلى مدارجَ، وحروفها أتمّ، وأسماؤها أعظم، ومعانيها أوغل، ومعاريضها أشمل، ولها هذا النحو الذي حصته منها حصّة المنطق من العقل، وهذه خاصة ما حازتها لغة على ما قرع آذاننا وصحب أذهاننا من كلام أجناس الناس، وعلى ما ترجم لنا أيضاً من ذلك؛ ولولا أن النقص من سُوسِ هذا العالم وتُوسِهِ لكان علم المنطق بهيئة الطبيعة بالعربية، وكانت بسوق العربية إلى طبائع اليونانية، فكانت المعاني طباقاً للألفاظ والألفاظ طباقاً للمعاني، وحينئذ كان الكمال ينحطّ إليه عن كثب، والجمال يصادفه بلا رَغَب ولا رَهَب.
  19- ثم نرى أيقونة ذلك القرن (من أصل رومي) الباحث الفريد، الذي عرف العربية معرفة الخبير، وعرف منها أدقّ أسرارها، واستخرج من مكنونها ما لم يعرفه عربي أو أعجمي قبله، فحكم عليها عند المفاضلة حكم الخبير الأمين بما عرف عنه من تثبّت ودقة في البحث، ففضّلها على لغة قومه وسائر لغات الأرض، ووافق فيها حكمه رأي أستاذه أبي علي الفارسي، وكان في الخصائص يحتجّ لرأيه في مسألة تفضيل العربية على طريقته في الحِجاج اللغوي ببسط المسألة وتقليبها من جميع جهاتها وأحوالها ورد الحجّة بالحجّة، فينطلق من الإشارة إلى شغف العرب بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم أجمل الجميل فيها، ثم يقول: فإن قيل له: فإنّ العجم أيضًا بلغتهم مشغوفون ولها مؤثرون ولأنْ يدخلها شيء من العربي كارهون، ألا ترى أنهم إذا أورد الشاعرُ منهم شعرًا فيه ألفاظٌ من العربية عِيب به، وطُعن لأجل ذلك عليه، فتساوت حال اللغتين في ذلك، فأيّة فضيلة للعربية على الأعجمية؟ قال: لو أحسّت العجم بلطف صناعة العرب في هذه اللغة وما فيها من الغموض والرقّة والدّقّة لاعتذرت من اعترافها بلغتها فضلا عن التقديم لها والتنويه منها. قال: فإن قيل له: لا, بل لو عرفت العرب مذاهب العجم في حسن لغتها, وسداد تصرفها وعذوبة طرائقها ما رفعت من رؤوسها باستحسانها وتقديمها، قال: قد اعتبرنا ما تقوله فوجدنا الأمر فيه بضدّه؛ وذلك أنّا نسأل علماء العربية ممن أصله عجمي وقد تدرّب بلغته قبل استعرابه عن حال اللغتين فلا يجمع بين العربية والعجمية، بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسه، وتقدم لطف العربية في رأيه وحسه. قال ابن جني: سألت غير مرة أبا علي الفارسي -رضي الله عنه- عن ذلك فكان جوابه عنه نحوًا مما حكيته. فإن قيل له: ما تنكر أن يكون ذلك لأنه كان عالما بالعربية ولم يكن عالما باللغة الأعجمية، ولعله لو كان عالما بها لأجاب بغير ما أجاب به! قال: نحن قد قطعنا بيقين وأنت إنما عارضت بشكّ، ولعلّ هذا ليس قطعًا كقطعنا, ولا يقينًا كيقيننا، وأيضًا فإنّ العجم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العجم فإن قواهم في العربية تؤيد معرفتهم بالعجمية وتؤنسهم بها وتزيد في تنبيههم على أحوالها لاشتراك العلوم اللغوية واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها، ولم نر أحدًا من أشياخنا فيها -كأبي حاتم وبندار وأبي علي وفلان وفلان- يُسوّون بينهما ولا يقربون بين حاليهما.. ويختم ابن جني بقوله: وكأنّ هذا موضعٌ ليس للخلاف فيه مجال لوضوحه عند الكافة.
  20- وفي هذا القرن الرابع –أيضا- يظهر لغويٌّ كبير آخر عرف أسرار العربية ووضع مقاييسَ فريدة للمعجم والدلالة، وهو أحمد بن فارس (من أصل فارسي) ونراه يثير مسألة التفضيل في كتابه الشهير (الصاحبي في فقه اللغة) ويفردها ببابٍ سمّاه: (باب القول فِي أن لغة العرب أفضلُ اللغات وأوسعُها) وينتهي فيه إلى تفضيل العربية على غيرها.

  21- فمن الأقوال التي تدل على إدراك غير العرب عظمةَ العربية وتمكنها في نفوسهم والإقرار بمكانتها قول جلال الدين الرّومي في (المثنوي) وهو الملقّب: ((قرآن الفرس)) بعد أن ذكر قصّة بالعربية: ((والآن لنعد إلى الفارسية وإن كانت العربية أعظم وأجمل))، وقريب من هذا قول أبي الريحان البيروني (440 هـ) العالِم الشهير، الذي كان يعيش ثقافتين الفارسية والعربية: ((والله لأَنْ أُهْجَى بالعربية أحبُّ إليَّ من أنْ أُمدح بالفارسية!)).. وكان جار الله الزمخشريُّ (وهو من أصل فارسي) يقول في مقدمة المفصّل: ((أحمدُ اللهَ على أنْ جعلني من علماءِ العربية)).
  22- ويرى ابن سنان الخفاجي (ت 466هـ) في سرّ الفصاحة أنه لا خفاء في أمر امتياز العربية على سائر اللغات وفضلها عليهنّ. ويؤيّد رأيه بسعتها في المعجم والمترادفات، وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني وذكر أن ذلك يبين في النقل إليها، فليس كلامٌ ينقل إلى لغة العرب إلا ويجيء الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها. قال الخفاجي: وقد أخبرني أبو داود المطران -وهو عارف باللغتين العربية والسريانية- أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبحت وخسّت، وإذا نُقل الكلام المختار من السريانية إلى العربية إزداد طلاوة وحسناً؛ قال الخفاجي: وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به أهل كل لغة عن لغتهم مع العربية. وقد حُكي أن بعض ملوك الروم -وأظنه نقفور- سأل عن شعر المتنبي فأنشد له:
كأنّ العِيسَ كانت فَوْقَ جَفني    مُناخـــاتٍ فلمَّا ثُرْنَ ســالاَ
وفُسِّرَ له معناه بالرومية فلم يعجبه، وقال كلاما معناه: ما أكذب هذا الرجل كيف يمكن أن يُناخ جملٌ على عين إنسان؟ قال الخفاجي: وهذا يعود إلى ما ذكرته عن النقل إلى اللغة العربية ومنها وتباين ذلك وأن فيها من الاستعارات والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في غيرها من اللغات. فإذا نُقلت لم يجد الناقل ما يتوصّل به إلى نقل تلك الألفاظ المستعارة بعينها وعلى هيئتها لتعذّر مثلها في اللغة التي تنقل إليها.
 23- وعقد المطران يوسف داود مطران السريان في الموصل دراسة مقارنة تحت عنوان (تفوّق العربية على جميع لغات الدنيا) في كتابه (التَّمْرِنة في الأصول النحوية) فوازن بين العربية والسريانية والعبرية، وانتهى إلى تفوّق العربية في النظامين النحوي والصرفي وفي ثراء المعجم. وللأب أنستاس الكرملي في كتابه (نشوء اللغة ونموّها واكتهالها) رأي صريح في تفضيل العربية، وهو الخبير العارف بأسرارها ودقائقها بعد أن أفنى عمره في دراستها، فقال في شهادته: ((لسان العرب فوق كل لسان، ولا تدانيها لسان أخرى من ألسنة العالم جمالاً، ولا تركيبا، ولا أصولا...))
  24- وكان إبراهيم أنيس في كتابه (اللغة بين القومية والعالمية) يَعُدُّ العربية لغةً ذات مكانة عالية، وأنها اتسمت بسمات اللغة العالمية، ويوجزها في ثلاث سمات: الأولى: أنها لغة ديمقراطية لا تخاطب الكبير بخطاب والصغير بخطاب آخر، ولا تخلط بين ضمير المفرد وضمير الجمع، وإلى غير ذلك من أساليب أصيلة في العربية سوّت بين الناس في الخطاب والغيبة والتكلم. والسمة الثانية سعة انتشارها واصطناع شعوب متعددة لها. والسمة الثالثة: أنها وهي في أوج نهضتها قد رحّبت بكثير من الألفاظ التي اقترضتها من اللغات الأخرى، واستغلتها في المصطلحات العلمية ولغة الكلام، ولكنها لم تسمح لها إلا في النادر باقتحام حصون الأدب العربي. ويذكر أنيس من علامات قوة العربية أنها صمدت في كل تاريخها ولم يؤثر عليها ضعف أهلها عدة قرون بعد القرن الرابع، بخلاف اللاتينية التي ماتت نتيجة لظروف ومصاعب واجهتها، ويذكر أن المقارنة المنصفة بين العربية واللاتينية ترينا بوضوح أن القرن الثامن الميلادي قد شهد لغتين عالميتين عربية الإسلام في المشرق ولاتينية الكنيسة في أوروبا أيام شارلمان، وأنهما كانتا في ذروة مجدهما، ثم تعرّضتا لظروف متشابهة، فتفككت اللاتينية وماتت وقامت على أنقاضها لغات كالإيطالية والفرنسية والأسبانية، وأما العربية فعلى الرغم مما أصاب المشرق من مآس واضمحلال سياسي وحضاري وثقافي خلال عشرة قرون ظلّت صامدة تقويّها الروح الإسلامية وتشد من أزرها.
 وأقول: لم تنفع اللاتينية روح الكنيسة، حتى لا يقال إن عامل البقاء والثبات للعربية ديني محض، وكذلك لم ينفع هذا العامل العبرية القديمة التي ماتت من قبل وهي لغة التوراة.
  28- ولم يكن الإنصاف والإقرار والإجلال والاعتقاد بفضل العربية وقوّتها وتميّزها مجردَ عاطفة أو اعتقاد متوارث تشبّعت به نفوس العرب أو الفرس المستعربين، فثمة علماء أوربيون مستشرقون كُثُر نشأوا في محاريب البحث العلمي في عصر النهضة الغربية الحديث أتيحت لهم الفرصة للوقوف على حال العربية وعرفوا من أسرارها وخصائصها ما عرفوه فشهدوا به، ولهم أقوال مختلفة تضع العربية في مكانها اللائق بها بين اللغات. ومن أولئك: جرمانوس، ويوهان فك، وبروكلمان، وجورج سارتون، وأوجست فشر، وجاك بيرك، ووليم مرسيه، ولويس ماسينيون، وتيودور نولدكه، وكارلو نلينو وزغريد هونكه، وفان ديك، وفرنباغ، وفيلا سبازا، وجوستاف جرونيباوم، وألفريد غيوم، ورجس بلاشير، وغيرهم.. وأذكر في الفقرات الآتية بعض أقوالهم دون مراعاة للتسلسل الزمني لسنوات وفاتهم:
  29- يقول الإسباني (فيلا سبازا): اللغة العربية من أغنى لغات العالم بل هي أرقى من لغات أوروبا؛ لتضمّنها كل أدوات التعبير في أصولها، في حين أن الفرنسية والإنقليزية والإيطالية وسواها قد تحدّرت من لغات ميّتة، ولا تزال حتى الآن تعالج رِمَم تلك اللغات لتأخذ من دمائها ما تحتاج إليه.
  30- ويقول المستشرق الألماني (كارل بروكلمان): بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدًى لا تكاد تعرفه أيُّ لغةٍ أخرى من لغات الدنيا.
  31- ويرى المستشرق الأمريكي (فان ديك) أن العربية أكثر لغات الأرض امتيازاً، وأن هذا الامتياز يأتي من وجهين: الأول: من حيث ثروة معجمها، والثاني: من حيث استيعابها آدابها.
  32- ويقول المستشرق الألماني (الدكتور فرنباغ): ليست لغة العرب أغنى لغات العالم  فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العدّ، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا نحن الغرباء عن العربية وبين ما ألفوه حجاباً لا يتبين ما وراءه إلا بصعوبة.
  33- ويذكر المستشرق المجري (عبدالكريم جرمانوس) عنصرين مهمين يرجع إليهما الفضل في عظمة العربية وبقائها حيّة فتيّة رغم تقادم العصور؛ الأول الإسلام وفيه سندٌ مهمٌّ للعربية، أبقى على روعتها وخلودها، فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة على نقيض ما حدث للغات القديمة المماثلة... والعنصر الثاني الذي أبقى على اللغة العربية -كما يقول جرمانوس- هو مرونتها التي لا تبارى، فالألماني المعاصر مثلا لا يستطيع أن يفهم كلمة واحدة من اللهجة التي كان يتحدث بها أجداده منذ ألف سنة بينما العرب المحدثون يستطيعون فهم آداب لغتهم التي كتبت في الجاهلية قبل الإسلام.
  34- ويرى المستشرق الإيطالي (كارلو نلينو) أن اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقا وغنى، وأن اللسان يعجز عن وصف محاسنها.
  35- ويقول المستشرق النمساوي (جوستاف جرونيباوم): وما من لغة تستطيع أن تُطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السّعّة فالأمر فيها واضح، ومن يتتبّع جميع اللغات لا يجد فيها على ما سمعتُهُ لغة تضاهي اللغة العربية، ويضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات، إضافة إلى الدّقّة ووجازة التعبير، وتمتاز لغة العرب بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز، وإنما بها من كنايات ومجازات واستعارات ما يرفعها كثيرا فوق كل لغة بشرية أخرى، ولها خصائص جمة في الأسلوب والنحو مما ليس من المستطاع أن يكتشف له نظائر في أي لغة أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني، وفي النقل إليها، ويُبَيّن ذلك أن الصورة العربية لأيّ مثل أجنبي أقصر في جميع الحالات.
  36- إن هذه الشهادات التي قيلت في مناسبات مختلفة لهؤلاء المستشرقين الذين ينتسبون إلى أقطار أوروبية مختلفة لتعطي مع تنوعها مؤشرا على حقيقة المكانة المرموقة للعربية عند عارفيها من غير أهلها ممن يجيد أكثر من لغة تعينه على الموازنة، وإن أقوالهم وآراءهم وأحكامهم لتستحق النظر والاحترام؛ لسمعتهم العلمية ومكانتهم.

   ت: (شهادة اللغة على نفسها):
  37-  فيما سبق من مقالات كنا نطارد الإجابة عن سؤالين: مدى صحة التفاضل بين اللغات وموقع العربية منها، وبدا لي -وربما للقراء- أن التفاضل من جهة المسلمات الجدلية والمنطق اللغوي ما هو إلا نتيجة حتمية للتمايز والتفاوت والتغاير بين اللغات، فاللغات لا تجرى على منوالٍ واحد في الألفاظ أو التراكيب للتعبير عن المعاني والدلالات المختلفة، فلكل لغة نظامها الخاص، وهذا التمايز أو التفاوت أو التغاير لا ينكره أحد؛ لأنه واقع حيّ ملموس تعيشه اللغات باختلافها وتغايرها.. ثم وقفنا فيها –أي في المقالات السابقة- على أطراف من شهادة القرآن للعربية ثم شهادات العلماء المعتبرين من القدماء والمعاصرين ثم شهادات المستشرقين ممن يجيدون العربية مع لغاتهم أو عدة لغات معها.
  38- وهنا نترك للعربية أن تشهد على نفسها وتبرز خصائصها، وندخل إلى حرمها البهيّ ونفتش في خصائص أصواتها وصرفها ونحوها ومعجمها وعروضها، وأول ما نبدأ به الأصوات، فتبدو لنا أصوات العربية بالغة النضج والتنوع، يحتوي مدرجها على الأصوات الطبيعية، وتتدرج مخارج حروفها من أقصى الحلق إلى الشفتين، وتمتاز بأصوات تخلو اللغات أو أكثرها منها، ولا يشاركها فيها إلا القليل من اللغات، ولذا ترى الجهاز النطقي لأهل العربية شبه مكتمل ولا يشق عليهم تعلم اللغات الأجنبية، ولا يعسر عليهم النطق بأصواتها، وهذا محسوس، خلافا للأعاجم الذين يشق عليهم النطق ببعض الأصوات العربية. وفي هذا يقول محمد المبارك (فقه اللغة 250): ((تمتاز اللغة العربية في مجموع أصوات حروفها بسعة مدرجها الصوتي سعة تقابل أصوات الطبيعة في تنوعها وسعتها، وتمتاز من جهة أخرى بتوزعها في هذا المدرج توزعا عادلا يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات)).
  39- وتحافظ العربية على نقائها ونصاعتها في تأليف الأصوات، فنرى فيها تأليف الحروف المتباعدة، وهو الكثير المختار فيها، ثم تضعيف تلك الأحرف وهو يلي الأول في الحسن، ويندر تأليف الأحرف المتجاورة، وهو منبوذ، فلم تجمع بين الحروف الحلقية في كلمة واحدة، ولا تجمع بين ساكنين أو متحركين متضادين ولا تؤلّف بين حرفين لا يأتلفان، مما لا يعذب النطق بهما أو مما يستشنع تأليفهما في جرس النغمة وحس السمع، كالعين والحاء، والحرف المطبق مع غير المطبق، مثل الصاد والضاد وأخواتهما في تاء الافتعال، ولا الواو الساكنة مع كسرة قبلها ولا الياء الساكنة مع ضمة قبلها، كما يقول الفارابي في مقدمة ديوان الأدب، وغير ذلك مما يطول حصره. ولذا نجدهم يضعون في معاييرهم لتمييز العربي من الأعجمي فصلَ تأليف الحروف، فالعربية تأنف من اجتماع القاف والجيم، والجيم والصاد، والجيم والكاف، والزاي بعد الدال، والسين والزاي والذال، والصاد والطاء، فليس في العربية الأصيلة نحو قج ولا جق ولا كج ولا جك ولا دز ولا سز ولا سذ على ما تقرر في كتب المعرّب والدخيل.
  40- وانفردت أصوات العربية الفصحى بدرجة عالية من الثبات، فهي لم تكد تتغير منذ العصر الجاهلي على الأقل، سوى تغييرات على حرف الضاد، ولذا يمكننا أن نستشرف المستقبل قياسًا على ثباتها خمسة عشر قرنًا في تاريخها المدوّن، فنقول: إنها لن تتغير أيضا في الآتي من عمرها، وإنها في ثبات أصواتها ورسوخها فضلا عن ثبات نحوها وصرفها تكاد تنفرد عن غيرها من اللغات، كما يقول محمد المبارك في (فقه اللغة 253) فلم تثبت أصوات أخواتها الساميات كالعبرية والسريانية والآرامية والحبشية، وطرأت تغييرات على أصوات اللاتينية وبناتها، ومن ثمّ فإن حال اللغات في التغيّر والتبدّل مع القرون متقاربة، حتى قرر علماء اللسانيات حتمية تبدل الأصوات لجميع اللغات، وأن أصواتها لا بد أن تتزحزح مع الوقت، ولكن العربية حالة خاصة في ثبات أصواتها ونحوها وصرفها، وعلى الأرجح فإن ذلك الثبات يعود إلى الكتاب المقدس (القرآن) ولكن الملاحظ أن الكتب المقدسة الأخرى لم تشفع للغاتها ولم تحمها من التغيّر والتبدّل، فعصفت بأصواتها القرون والأعصر المتعاقبة. وفي هذا الشأن يقول صبحي الصالح (دراسات في فقه اللغة 285): إن معجزة الكلمة العربية تتجلى في ثبات أصواتها التي تومئ إلى مدلولاتها، حتى لو أن عربيًّا جاهليًّا بُعِثَ الآن وسَمِعَنا ننطق بلفظ فصيح لفهمه؛ لأنّ أصوات لغتنا الفصحى لم يطرأ عليها تغيير، فطريقة النطق بها اليوم لا تختلف في شيء عن طريقة النطق بها بالأمس البعيد بخلاف اللغات الحية الأخرى.
  41- ومن حسن ائتلاف الأصوات في العربية أنه ليس فيها كلمة خماسية أو رباعية غير مضاعفة تخلو من حرفٍ من حروف الذلاقة، ليكسبها ذلك حسنا وشيئًا من التوازن الصوتي، وهذا يدل على حكمة العربية في صناعة المفردة. وسميت بذلك؛ لأن الذلاقة -أي السرعة في النطق- إنما هي برأس اللسان والشفتين، والحروف الذلق حروف طرف اللسان والشفة، وهي ستة أحرف، ثلاثة ذلقية اللام والراء والنون وثلاثة شفهية الباء والفاء والميم. يجمعها قولهم: (مر بنفل) وهذه الأحرف الستة أحسن الحروف امتزاجا بغيرها، ولا تجد كلمة رباعية أو خماسية أصيلة إلا وفيها شيء منها، فليس في كلامهم مثل: عقجش أو حكاثج أو صقعد أو جعكص، ولذا حكموا على عسجد بأنها أعجمية لخلوها من حروف الذلاقة.
  42- ومما تمتاز به العربية رمزية الصوت، وهو باب صوتي/دلالي لطيف، والعرب تصدر في لغتها عن حكمة مقصودة وعلل منطقية مقبولة، والحرف في أصل لغتهم صوت قد يدل على معنى زائد في ذاته، فمثلا الحاء تدل على الحرارة، ونجد ذلك في عدد من الكلمات التي تبدأ بهذا الحرف، مثل: حميم/ حَرّ/ حرّة/ حرارة/ حريق/ الحرّيف/ حسد/ حرافة/ وهو الطعم الحار، وحتى الحبّ، فيه معنى الحرارة والدفء، وإن كان هذا لا يطّرد إلا أنه باب واسع في العربية، حتى قال ابن جني (الخصائص 2/162): إنه لو شاء لكتب فيه أوراقًا مِئين.. وذكر أنهم قد يختارون للكلمة أصواتًا تعبّر عن ترتيب أجزاء الحَدَث، كالفعل: (بحث) فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكفّ على الأرض والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد أو الذئب إذا غارت في الأرض، والثاء لنفث التراب ونفيه، وكالفعل: (شدّ الحبل) ونحوه، فالشين بما فيها من التفشّي تشبه بالصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد ثم يليه إحكام الشدّ وتأريب العقد فيُعبّر عنه بالدال التي هي أقوى من الشين، لا سيما وهي مدغمة.. وهذا باب دقيق يحتاج إلى لطف الصنعة لاستخراج ما فيه. ويحذر ابن جني من إنكاره دون علم، ويقول: (الخاصئص 2/ 164): "فإن أنت رأيت شيئًا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه, ولا يتابعك على ما أوردناه, فأحد أمرين: إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد بك فكرك عنه, أو لأن لهذه اللغة أصولًا وأوائل قد تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا كما قال سيبويه، أو لأنَّ الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر".
  43- ويذهب اللغوي المعاصر (عبدالله العلايلي) بعيدًا في رمزية الصوت العربي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب) حين يضع جدولاً كاملا لحروف الهجاء؛ يحدّد فيه معنى كلّ حرف، ويعدّه نواة لمعاني اللّغة في دورها القديم، ومنهجًا لدراسة الجذور التي يراها نشأت أحادية لا ثنائية، ووافقه باحثون وخالفه باحثون. وأكتفي هنا بذكر معاني الأصوات السبعة الأُوَل في (الأبتثية العربية) كما يراها؛ وهي على النحو التالي:
   - الهمزة: تدلّ على الجوفيّة، وعلى ما هو وعاء للمعنى، وتدلّ على الصّفة تصير طبعاً.
   - الباء: تدلّ على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تامّاً، وتدلّ على القوام الصّلب.
   - التّاء: تدلّ على الاضطراب في الطبيعة، أو الملابس للطبيعة في غير ما يكون شديداً.
   - الثّاء: تدلّ على التّعلق بالشيء تعلقاً له علامته الظاهرة في الحِسِّ أو في المعنى.
   - الجيم: تدلّ على العِظَمِ مطلقاً.
   - الحاء: تدلّ على التَّماسك البالغ، وبالأخصِّ في الخفيّات، وتدلُّ على المائيَّة.
   - الخاء: تدلّ على المطاوعة والانتشار، وعلى التَّلاشي مطلقاً.
  44- ومن خصائص العربية أن كثيرًا من ألفاظها في توالي حروفها تجانس معانيها، وعقد ابن جني لهذا بابا في الخصائص سماه: (باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني) وهو يرى الإمساس من وجهين؛ أحدهما: أصوات الكلمة، والآخر: بنيتها الصرفية، والإمساس باب واسع كما يقول ابن جني، وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سَمْتِ الأحداث المعبَّر بها عنها, فيعدلونها بها ويحتذونها عليها, وهو أكثر مما نقدّره، وأضعاف ما نستشعره، ومنه: خَضِمَ وقَضِمَ, فالخَضْم لأكل الرَّطْب كالبِطِّيخ والقِثّاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب, والقَضْم للصُّلب اليابس نحو: قَضِمَت الدّابّة شعيرها، ونحو ذلك؛ فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب, والقاف لصلابتها لليابس حذوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.. وهذا كثير يضيق عنه الحال والمقال، وفي خصائص ابن جني حشد وتفصيل لمن أراد الوقوف عليه.
  45- وأما تصريف العربية فبالغ الدقة والمرونة في التصرّف والاشتقاق، فمن الجذر الثلاثي يُشتق الكثير من المشتقات، كالمصدر والفعل بأزمنته الثلاثة، وأسماء الفاعلين والمفعولين والزمان والمكان والمرّة والهيئة وجموع التكسير وصيغ المبالغة واسم الآلة والآسماء المرتجلة.. كل هذا يتولّد من جذر ثلاثي واحد، وللفعل الثلاثي في العربية أكثر من عشرة صيغ (أوزان) يمتاز كل منها بمعنى خاص متصل بالمعنى الأصلي للفعل وجذره. فالجذر في العربية كالقنبلة الانشطارية، بفضل النظام الصرفي البديع للعربية.
  46- ومما تتميّز به العربية ويدلّ على عبقريتها وفخامتها إمساسُ البنيةِ أشباهَ المعاني، وهذا مما أشار إليه سيبويه وبسط القول فيه ابن جني في الخصائص، ومنه المصادر التي جاءت على الفَعَلان ومدار دلالتها على الحركة والنشاط, كالنَّقَزَان والغَلَيَان والغَثَيَان, فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال، ومن هذا الضرب المصادرُ الرباعية المضعّفة للتكرير، كالزعزعة والقلقلة والصلصلة والقعقعة والصعصعة والجرجرة والقرقرة.. وتأتي الأصوات على صيغة الفُعال فيجانس المبني الصرفي المعنى: كالرُّغاء والثُّغاء والعُواء والخُوار والجُؤار والضُّباح والنُّباح.. وغير هذا كثير مما يلحظ فيه التجانس بين الدلالة والبنية الصرفية.
  47- وإذا نظرت إلى سلوك العربية في الإعلال والإبدال وكيف تتخلّص من مواضع الثقل وجدتها تجري كالماء الذي يجري على سجيته، فالعربية تغيّر في المعتلات ما يوافق المدرج الصوتي، محكومة بنظام صرفيّ دقيق، فتقول في سَيْوِد ومَيْوِت: سيّد وميّت، وفي تسعَيِين: تسعَيْنَ، وفي اوتعاظ: اتّعاظ، وفي اضترب: اضطرب، وفي إجواب وإبيان: إجابة وإبانة.
  48- وتراها تعدل عن حرف العلة المتطرف فتقول: سماء ودعاء وبلاء بدلا من سماو ودعاو وبلاو حتى لا يكون ذلك عند الوقف كمُواء القطط. وكذلك تفعل في اليائي. وتفرّق في مواضع من الإعلال بين الألف المنقلبة عن حرف أصلي والألف الزائدة، وكذلك فرقت في الجمع بين صحيفة وباب معيشة في التكسير، فقالت: صحائف ومعايش، الأولى بهمز والثانية دون همز وفق قاعدة صرفية صارمة؛ لأن ياء معيشة أصلية وياء صحيفة زائدة، وكل ذلك يجري على ألسنة العرب الفصحاء سليقة دون علم بقواعد الإعلال والإبدال.
  49- ومع تنوّع أبنية العربية الصرفية وكثرتها حتى تجاوزت المئات استطاعت حصر أوزان التصغير في ثلاثة أوزان فحسب: فُعَيل وفُعَيعل وفُعَيعيل، مهما كان وزن الاسم قبل تصغيره، جعلتها كالقوالب الثابتة، ولا تلتفت للوزن الصرفي للاسم.
  50- والعربية بارعة في المواءمة بين الأصوات والبنية الصرفية، يظهر ذلك في أبواب منها الجمع الذي على مفاعل وشبهه من المعتل مثل قضايا وعطايا وخطايا فهي قادرة على إجراء التغييرات بانسياب تام ويسر دون أن يقلق بها اللسان، مع أن فيها ستَ تغييرات صرفية متوالية يكشفها التحليل الصرفي، وكذلك نرى التغيير في باب مَقْوِيّ عليه ومَلوِيّ عنده عدولا عن: مقوُوْو وملوُوْو، فانظر كيف عدلت بهم لغتهم عن هذا الذي يشبه نباح الكلاب!
  51- ولماذ قالوا: اتّصل واتّعد فهو متّصل ومتّعد بدل اوتصل فهو مُوتصل واوتعد فهو مُوتعد؟ وكيف غيرت اللغة هندسة افتعل واخترعت قلب حرف العلة تاء لإدغامة في تاء الافتعال؟ ولماذا قالوا: يقول ويبيع بدل يَقْوُل ويَبْيِع لتجري بذلك قاعدة صرفية صارمة؟
  52- وما الناموس اللغوي الذي يجعلهم يعدلون عن عُصُويٍ ودُلُويٍ ليقولوا: عِصِيٌّ ودِلِيٌّ سوى براعة اللغة ومرونتها؟! ولماذا يقولون: داعيان وغازيان وأدعياء وأشقياء بدل داعِون وغازِوان وأدعِواء وأشقِواء؟! ولماذا يقولون: صِيام وقِيام بدل صِوام وقِوام؟! ولماذا يقولون: مِيزان وميقات بدل مِوزان ومِوقات؟ كيف يحدث هذا دون أن يعرفوا قاعدته الصرفية؟ ألا يرجع هذا إلى جودة نظامها الصرفي الفطري ومرونته؟!
  53- إن براعة العربية وحكمتها تظهر جلية في كل باب من أبواب التصريف، يراها العارفون من الخاصّة ويتذوقها أهل التذوق اللغوي الرفيع.. ولك أن تتأمل سلوكها في الإعلال كيف تتخلص من الثقل وكيف تجري كالماء يتجنّب الحزون والمرتفعات ويجري منسابًا رهوًا في السهول! وهي تفعل تلك التغييرات الصرفية "الميكانيكية" في المعتلات بسرعة الضوء دون أن يتعثّر بها اللسان؛ وليس ثمّة سرّ سوى النظام المحكم الحكيم.! نعم؛ وذاك شيء يسير من عبقرية العربية في أصواتها وصرفها، وفي الحلقة القادمة (وهي ختام الحلقات) سأذكر إلماحة من أخصائص العربية في النحو والمعجم.
  54- وأما النحو في العربية فبناءٌ متماسك على مستوى الجملة الصغرى والكبرى، يتجلى فيه الضبط والموضوعية والشمول والترابط والاقتصاد والوضوح والمرونة العالية، وكانت العرب تنطق على سجيتها وطباعها -كما يقول الخليل- وكانت تعرف مواقع الكلام، وتقوم في عقولها عِلَلُه. وكَتَبَ فقهاء النحو في علل التراكيب، وفسروا أسرار العوامل والمعمولات، وبيان أوجه النظام فيه والحكمة.
  55- واخترعت العربية منذ وقت مبكر "الإعرابَ" فاكتسبت مرونة كافية في أبواب التقديم والتأخير والحذف والإضمار دون إخلال بالمعنى مع أمن اللبس. واخترعت الضمائر المتصلة والمنفصلة والمستترة، وتوسعت فيها مما ساعدها على الاختصار وتوفير الجهد. ففي كلمة واحدة مثل: "فسيكفيكهمُ" و"أنلزمكموها" و"سألتمونيها" عدة ضمائر، فأعطى هذا الإيجاز والتكثيف للعربية ميزة بلاغية جيدة ندر أن نجد مثيلا لها.
  56- والعربية من اللغات التي تفرق بين المذكر والمؤنث، وهذا من خصائص اللغات العروبية (الساميّة) وكانت تلك اللغات ومنها العربية تفرق بين المذكر والمؤنث بالوحدة اللغوية فتجعل للمذكر لفظا وللمؤنث لفظا، كالغلام والجارية، والجمل والناقة، والحمار والأتان، فلما رأت هذا التفريق مكلفا ومرهقا خاصة في الصفات اخترعت عنصرا نحويا صغيرا للتأنيث، وهو تاء التأنيث، التي تلحق الكلمة المذكرة فتقلب معنى التذكير فيها إلى معنى التأنيث، ويجري ذلك بأقل مجهود.
  57- وأما معجمها فبالغ السعة، بفضل النظام الهندسي الفريد لتقليبات الجذور الثلاثية والرباعية والخماسية.. ولكل جذر عدد من المشتقات، ويكاد ينعقد الإجماع ممن عرف معجمها وعرف غيره أنه أوسع المعاجم وأغناها، ونُقل عن الخليل أن إمكانات اللغة في المستعمل والمهمل 12,305,412، ويبقى المهمل رصيدا هائلا عند الحاجة، وحسبنا أن نعلم أن اللغة المدونة في المعاجم الكبيرة تزيد عن 10,000 جذر، وحين نوازن بين العربية وأعظم اللغات الحية الآن كالإنقليزية أو الفرنسية أو الألمانية نجد البون شاسعا في الثراء اللفظي لصالح المعجم العربي في الألفاظ والمترادفات، والذين كتبوا في صناعة المعاجم أشاروا إلى هذا.
  58- وإن ألفاظ العربية المرصودة في معاجم الموضوعات والمعاني كالغريب المصنف والمخصص تدل على أن لدى العرب وعيًا عامًّا شاملًا وقدرةً على تصنيف ما يحويه الوجود من محسوسات ومعانٍ بطريقة منطقية جميلة، ويمكن ملاحظة ذلك عند قراءة معجم من تلك المعاجم المتخصصة.
  59- وتمتاز العربية ببراعتها في الإيجاز، وإيصال المعنى بأقل العبارات، وأيسر الكُلفة.. وهي بارعة في الإيماء والإيحاء والكناية والتعريض والمجاز والبديع، وكان الجاحظ يرى البديع من خصائص العربية، يقول في البيان والتبيين: 4/ 55، 56 ((والبديع مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربتْ على كلّ لسان)).
  60- وتظهر عبقرية العربية في هندسة العروض الرياضية المحكمة التي كشفتها دوائر الخليل وأظهرت تماسك الأوزان في شعر العربية وقدرتها على توليد البحور من مفاصل الأوتاد والأسباب بصورة لا مثيل لها في أي لغة، ولا يستطيع أحد أن يأتي بشيء يداني هذا في أي لغة من لغات العالم.
  61- ومن علامات قوة العربية الفصحى ثباتها أكثر من 15 قرنا وربما 20 قرنا، فالعربي اليوم يقرأ القرآن بلفظه وأدائه الصوتي كما أُنزل على محمد -صلى الله عليه وسلّم- ويقرأ المعلقات ودواوين الشعراء الجاهليين ويقرأ أشعار الفرزدق وجرير وذي الرمة وأبي تمام والبحتري والمتنبي ويفهمها ويستطيبها كما يستطيب شعر أحمد شوقي والجواهري ونزار قباني وغازي القصيبي، فهل هناك لغة واحدة في العالم ثبتت ثباتًا تامًّا طيلة 15 قرنًا أو 20 قرنًا؟!
  62- ذلك طرف يسير من خصائص العربية وسماتها ورأي العلماء المنصفين في مكانتها وفضلها وحسنها، وأخلص بعد هذا إلى أن للغات أنظمة صوتية تركيبية متفاوتة وقابلة للتفاضل، وأن العربية بشهادة الخبراء وبالنظر إلى خصائصها وأسراراها من أكمل اللغات وأكثرهن نضجًا في تصريفها ونحوها، وأغناها على المستوى المعجمي، وأنتهي إلى أن المساواة المطلقة بين اللغات بعيدة عن الواقع؛ فالتحليل اللغوي والموازنة بين لغتين يبطلان دعوى المساواة المطلقة بين اللغات ويثبتان التفاوت والاختلاف في التصريف والنحو والمعجم والأساليب، وهذا التفاوت أو الاختلاف بين نظامين لغويين متباينين يفضي إلى حتمية التفاضل كنتيجة عقلية منطقية تؤيدها وقائع التحليل للنظام اللغوي.

عبدالرزاق الصاعدي