السبت، 4 مارس، 2017

فرضية الفوائت الظنية:

فرضية الفوائت الظنية
     اجتهد صُنّاع المعاجم العراقيّون في عصور الاحتجاج في جمع لغة العرب الخُلّص، وبذلوا ما يسعهم في التثبّت واستقصاء ألفاظها وغريبها وشواردها، ومع ذلك فاتهم كثير، كما قالوا هم في مناسبات عديدة، لسعة لغة العرب وتنوع لهجاتها وتعدد بيئاتها وقبائلها وبعد المسافة بين العراق ومرابع القبائل في نجد والحجاز والسراة واليمن وعُمان، وكان صانع المعجم العراقي يروي عن أعراب في أطراف الجزيرة المتاخمة للبصرة، ويأخذ ممن يردون على العراق من أبناء القبائل، وطاف بعضهم بالبادية النجدية أو الحجازية في طريق الحج، ولكنهم لم يحيطوا بالقبائل في ديارها ومرابعها، ولم يوغلوا إلى قلب نجد وجنوبها، ولم يطوفوا على أعراب الحجاز في ديارهم وأوديتهم المتفرقة، ولم يقتحموا السراة وجبالها وأوديتها ولم ينحدروا إلى قبائل تهامة الجنوبية، لم يستطيعوا فعل ذلك لقلة حيلتهم فبلاد العرب واسعة مترامية الأطراف وعرة التضاريس، فليس غريبا أن يفوتهم في التدوين شيء من متن اللغة، والفائت نوعان:
    أحدهما: ما نجده في نصوص قديمة صحّت عن العرب في وثيقة يعتدّ بها، كدواوين الشعر وكتب اللغة والأدب، وأسميه الفوائت القطعية.
     والآخر: ما نسمعه في لهجاتهم في جزيرة العرب من بقايا الفصاح الجارية على ألسنتهم في أقوالهم وأشعارهم وأمثالهم وحكاياتهم وتراثهم الشعبي الموروث عن أجدادهم، ويوشك بعضه أن يندثر للتغيير النوعي المتسارع في نمط الحياة العصرية، وأسميه الفوائت الظنية؛ لاحتماله وجهين: الفَوات والتوليد، فجاءت الفرضية مبنية على الترجيح وغلبة الظن دون اليقين، قياسًا على ما نراه في لهجاتهم من محافظتها على مخزونها اللغوي من الحوشي والغريب والشائع، فما من لهجة معزوة إلى قبيلة في كتب اللغة إلا نجدها اليوم في لهجاتنا البدوية على حالها الأول أو على حال قريبة منها، ومن العجز والظلم والتفريط في ألفاظنا أن نرى في لهجاتنا في ديارها ألفاظًا لم ترد في المعاجم ونحكم عليها بأنها عامّيّة، دون دليل، فلا يكفي خلوّ معاجمنا العراقية منها لوسمها بالعامية، مع علمنا بنقص المعاجم وأن اللحن شاع بعد عصور الاحتجاج في التراكيب (المستوى النحوي) ثم البِنى الصرفية (المستوى الصرفي) وأن الوحدات المعجمية في مجموع الأصوات والدلالة ظلت محافظة على أصولها، تتناقلها الألسن جيلا بعد جيل، كما يتناقلون الألفاظ المشهورة التي لم تتغير وظلت باقية على حالها، وهي المكوّن الرئيس في لهجاتنا.
     ولا تُرَدُّ فرضية الفوائت الظنية بالافتقار إلى رواية أو سماع قديم أو نص يُركن إليه، إذ لا نعدمُ من وسائلِنا اللغوية ما يُعين على الترجيح أو يُستأنسُ به، فحين نفتقر إلى اليقين لا نهمل رجحان الظّنّ، وقد عمل به أسلافنا عند الحاجة، حين مَعجموا بعض الألفاظ في معاجمهم وبنوا رأيهم فيها على الظّنّ والترجيح، وهو غير قليل عند ابن دريد (وكُتِبَ فيه رسالة دكتوراه) والمرجّحات هي الشروط والمعايير التي تضبط فرضية الفوائت الظنية، وهي نوعان: شروط لازمة، ومعايير فرعية أو مؤشرات مساعدة مُرجّحة، ليست لازمة، أوجزها في الآتي:

أ-  الضوابط أو الشروط اللازمة لمعرفة الفوائت الظنية: وهي ثلاثة:
      الشرط الأول: تحقق المعيار اللفظي: وأعني به بناء الكلمة الصوتي والصرفي وموافقتها ما جاء في كلام العرب زمنَ الفصاحة.
    الشرط الثاني: تحقق المعيار الدلالي: وهو أن تكون الدلالةُ مناسبةً لحياة العرب في أزمان الفصاحة، أي مما هو مألوفٌ في حياتِهم، فإن كانتِ الدلالةُ لشيءٍ محدثٍ في العصور المتأخرة مما جدّ في الحياةِ عُرفَ أنها دلالةٌ مولدة، وأنها ليست من فوائت المعاجم.
    الشرط الثالث: تحقق المعيار الجغرافي أو الأطلس الجغرافي؛ وأعني به بيئة اللهجة، فإنّ سعة الانتشار للفظ في عددٍ من القبائل المتفرقة، وسماعه من كبار السن الذين لم يتأثروا بالإعلام؛ يرجّح قِدمه مع الأخذ بالمقياسين السابقين. فكلماتٌ مثل: الجُغمة، والخَشير، وارْتَبَشَ فهو مرتَبِش، ويدمَحُ الزّلّة، والرَّهْوة: المكانُ المرتفع، والشَّرْوَى وشرواك؛ أي: مثيلُك، وأزْرَيتُ بمعنى عجَزْتُ عن فعلِ شيء، والهَمْطُ وهو الهذرُ في الكلام، وانحاشَ بمعنى هربَ وولّى، وارجَهَنّ بمعنى جلسَ وسكن، والعَزْقُ بمعنى التضييق، ومُتَحَشِّد؛ أي: مُستحٍ؛ وغاش الماء يغوش بمعنى فار، وفَخَتَ يَفْخَت وفاخَتَ يُفاخت، وتقرفط، والفام، والقحيز، والقشروب، والعذروب؛ هي مما ينتشر بينَ قبائل الجزيرة وبيئاتها، وتتحقق فيه الشروط الثلاثة.
ب: المؤشرات والمعايير المساعدة المرجّحة غير اللازمة، وهي أربعة:

1- اللهجات المهاجرة، وأعني بهذا أن تؤكد لهجة مهاجرة لفظة أو دلالة فتوافق الفروع الأصول؛ وهذا يحدث في لغات القبائل المهاجرة من المشرق إلى المغرب العربي إبّان الهجرات الأولى في زمن الفتوحات وما أعقبه من موجات للهجرة والاستقرار  هناك.
2-   نظرية الاشتقاق الأكبر عند ابن جني.
3-   الاستئناس بنظرية ثنائية الألفاظ.
4-   الاستئناس باللغات العروبية (اللغات السامية).

     واجتماع هذه الشروط الثلاثة في كلمة أو دلالةٍ مع معيار مساعد من الأربعة حريّ بأن يعزّز الثقة بها حين الحكم بالفَوات، مع الاحتراز بالظن؛ لتعذّر الجزم به دونَ شاهدٍ أو نصٍّ قديم، فحَسُنَ تسمية هذا النوع من ألفاظنا الباقية في لهجاتنا بالفوائت الظنيّة؛ لأنها تحتمل وجهين: الفَوات والتَّوليد. وقد سنحت فرصة التطبيق لهذه المعايير على ألفاظ جمعتها بمعاونة الرواة أعضاء مجمع اللغة الافتراضي خلال خمس سنوات، ورصدتُ طائفة منها في كتابي "فوائت المعاجم" وأوصيت بإلحاقها بالمعاجم بوصفها الظّنّي كما يدخل المولد بوصف التوليد.

عبدالرزاق الصاعدي

5/ 6/ 1438هـ