الجمعة، 29 مارس، 2013

نفاضة الجراب: العربيّة لغةٌ بدويّة (1)

نفاضة الجراب 28

العربيّة لغةٌ بدويّة (1)

تاريخ العرب مخبوء في لغتهم، والعربية لغة بدوية مُعرِقة في أرضها، عكست ألفاظُها ودلالاتُها حياة العرب في فيافيهم ومراعيهم وجبالهم، وعكس شعرُها القديم ملامحَ حياتهم البدوية بكل صدق، وقديما وقف شاعرهم الجاهلي على الأطلال، فبكاها واستبكاها، ووصف ما بدا له من بقايا بيت الشعر أو الخيمة، والأطناب والأوتاد، والأثافي والدِّمَن ومعاطن الإبل، ومرابط الخيل مما عفت عليه السنون وكرّت عليه الأيام، فلم تُبقِ منه إلا رسما .

وليس بمقدور التمدّن والتحضّر أن يجتثّا جذورَ البداوة في نفوس عامة العرب، بخصائصها وسماتها المتميزة، التي تنتقل في أعقابهم جيلا بعد جيل، ولكن بداوة اللغة لم تمنعها من التكيف مع التحضر الحادث، فقد تمكنت من نقل كثير من الأصول البدوية القديمة إلى معان جديدة عن طريق التطور الدلالي والاستعارة والمجاز، فحملت الكلمة الواحدة عدة معان جديدة حسية ومعنوية إلا أن تلك المعاني المختلفة التي تحملها الكلمة تبقى كامنة فيها، وبمقدور الباحث اللغوي أن يكشف عنها بيسر.

ولقد دار الزمان، وتبدلت الأحوال، فهجر كثير من العرب صحراءهم وخيامهم، وانخرطوا في التمدّن، وتأثروا بالحضارات المختلفة والثقافات المتباينة، ففقدوا أشياء من خصائصهم الصحراوية، ومزاياهم الفطرية، ولكن لغتهم العربية في ذاتها لم تفقد شيئا، فلم تزل تختزن تاريخهم القديم، وظلوا على الرغم مما بلغوه من السلطان والعمران والمدنيّة والعلم والأدب والفن يستلهمون أمثال البداوة وصورها وأخيلتها ومجازاتها وتشبيهاتها وكناياتها، فيقولون: جاءوا على بكرة أبيهم، وضُرِبَتْ لهم أكبادُ الإبل، ورُكبت له أكتافُ الشدائد، وقلبوا له ظهرَ المِجَنّ، وهو شديدُ الشكيمة.

وتعد الإبل من ألصق عناصر البداوة بحيات العربي الأول ومن أكثرها تأثيرا في فكره ولغته، وكانت عنصرا فاعلا في حياته الصحراوية، عرف فيها صفات خارقة تناسب حياته القاسية كالقوة والتحمل والثبات والسرعة، والصبر على العطش والجوع، وعلى ظهورها حمل متاعه وماءه، ومن جلودها ووبرها صنع بيته وأكسيته، ومن لبنها ولحكها شرب واغتذى وأكرم الضيفان، وكانت الإبل رفيقة دربه في السلم والحرب، فأثارت خياله، وأذكت عواطفه، وألهمته شعرا غزيرا كما يقول الدكتور أنور أبو سويلم في بحثه عن الإبل في الشعر الجاهلي، وقد أثّرت الإبل لغة العربي بالمفردات والتراكيب والمعاني.

وقد أدرك علماء العربية القدامى منذ القرن الثاني شيوع الألفاظ المتصلة بالإبل في لغة العرب، وكثرتها فأفردوا لها معاجم خاصة تعنى بشرح معانيها وتقريب مدلولاتها، ثم أُفرغت ألفاظها في المعاجم الكبيرة، وعني بعض المعاصرين بجمع ألفاظ الإبل، كالمستشرق دي هامر De Hammer الذي جمع (5644) لفظاً مما يتصل بالإبل وأحوالها.

وتطورت دلالة بعض ألفاظ الإبل، وارتقت إلى دلالات معنوية أرحب، وتحررت بالتدرّج من دلالتها الحسية، فابتعدت كثيرا عن أصلها القديم، ككلمة (الفصاحة) التي هي البيان، أصلها من قولهم: فَصُحَ لبنُ النّاقة، إذا أخذت عنه الرغوة، وكلمة (الحنين) وهو الشوق، أصلها من حنين الناقة عند ترجيع صوتها إثر ولدها، و(المخضرم) وهو من قولهم ناقة مخضرمة، أي جدع نصف أذنها، و(الرّاوية) وهو ناقل الخبر، أصل اشتقاقه من البعير الذي يستقى عليه الماء.

ويلحق بذلك مجموعة من الأمثال، كقولهم: فلان ضيّق العطن، وألقى حبله على غاربه، وألقى عليه الليلُ بجرانه، ويخبط خبط عشواء، وأخذ الشسء برمّته، ونحو ذلك.

(وللحديث صلة)
أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/ sa2626sa@
نشرت في جريدة المدينة ملحق الرسالة الجمعة 1434/5/17 هـ 2013/03/29 م العدد : 18237
http://www.al-madina.com/node/443050