السبت، 18 أبريل، 2015

القرار السادس عشر: مصطلح القوات المجوقلة:


القرار السادس عشر: مصطلح القُوّات المُجَوْقَلة

     القوات المُجَوْقَلة أو الفِرقة المُجَوْقَلة مصطلحٌ عسكريٌّ شائع لدى العسكريين في العصر الحديث، ومعناه: القوات أو الفِرقة المنقولة جوًا، وهو ترجمة عربية للمصطلح الإنݠليزيّ (airborne) وقد ترجمه منير البعلبكي في المورد بقوله: ((1- مُهَومَل: محمول بالهواء 2- مُجَوقَل: منقول جوًا أو بالطائرات)) وجاء في الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) أن ((المجوقل هو المحمول جوًا، وتستخدم الكلمة بكثرة مصطلحًا عسكريًّا لوصف القوّات أو العتاد المحمول بالطائرات أو المروحيات)).

      وهذا المصطلح مأخوذ من قولهم: (المنقولة جوًا) بطريقة النحت بعد تقديم وتأخير بين الكلمتين المنحوتِ منهما، فأصبحت بعد القلب: (جو + نقل) فقالوا: جَوْقَل القوات يجوقلها فهي مُجوقلة، كالبسملة والحمدلة والسبحلة والحوقلة، وأرادوا بهذا النحت على هذا الوزن مجانسةَ قولهم: قوات مُؤَلّلة ومُجَنْزَرة ومُدَوْلَبة، وهي من الآلة والجنزير والدولاب، وفي هذا المصطلح مخالفة للمألوف في النحت؛ لأنّ فيه قلبًا، وله في التعليل وجهان:

      أولهما: أنهم حملوا الكلمتين في استجازة القلب على وقوع القلب المكاني في أصوات الكلمة الواحدة، وهذا ظاهر، وله نظير نادر في منحوتات ابن فارس، قال: ((الكَرْبَلَة وهي رَخاوةٌ في القدمين، وجاء مُكربِلاً، كأنه يمشي في الطين. وهذه منحوتةٌ من كلمتين: من رَبَل وكَبَل))(1) وقال في موضع آخر: ((العَجْرفيّة: جفوة في الكلام وخُرق في العمل، وهذا منحوتٌ من شيئين: من جَرَفَ وعَجَرَ،كأنّه يجرُف الكلام جرفًا في تعقّد, والعَجَر: التَّعَدُّ))(2)
       والتقديم التقديم والتأخير بين الكلمتين ظاهر هنا، ولعله أراد مطلق المزج بين الكلمتين من غير مبالاة بالتقديم والتأخير، على منهجه الخاص في النحت، فلا يكون فيه شاهدٌ صريحٌ حينئذ.

      والثاني: أنهم ربّما أخذوه من بعض معناه؛ لأنّ المجوقلة هي القوات (التي بالجو تنقل) كما قال بعضهم(3)، أو توهّموا أنّه من قولهم: (القوات الجوية المتنقلة)(4) فجاء في ظاهر الأمر على قواعد النحت المعروفة، دون تقديم وتأخير، فساغ به هذا المصطلح (المجوقلة)، ولكننا لم نحمل اللفظ ابتداء على النحت من هذا، أعني: (القوات الجوية المتنقلة) لأنّ معناه لا يطابق مدلول (القوات المنقولة جوًا) وهي قوات برية تتنقل جوًا، أما القوات الجوية فالمراد بها الطائرات وصواريخ الجو والمَظلّيّات ونحوها مما يكون مجالها الجوّ، فليست هي المقصودة بالمجوقلة؛ لأنّ هذه بطبيعتها متنقلة جوّا.

رأي مجمع القاهرة في النحت:
       ولمجمع اللغة العربية بالقاهرة قرار في قياسية النحت، جاء فيه: ((يجوز النحت عندما تُلجِئُ إليه الضرورة العلميّة)) و((النحت ظاهرة لغوية احتاجت إليها اللغة قديماً وحديثاً. لم يلتزم فيه الأخذ من كل الكلمات ولا موافقة الحركات والسكنات، وقد وردت من هذا النوع كثرة تجيز قياسيته. ومن ثم يجوز أن ينحت من كلمتين أو أكثر اسم أو فعل عند الحاجة، على أن يراعى ما أمكن استخدام الأصلي من الحروف دون الزوائد، فإن كان المنحوت اسماً اشترط أن يكون على وزن عربيّ، والوصف منه بإضافة ياء النسب، وإن كان فعلاً على وزن فَعْلَلَ أو تَفَعْلَلَ إلا إذا اقتضت غير ذلك الضرورة، وذلك جرياً على ما ورد من الكلمات المنحوتة))(5).

قرار مجمع اللغة الافتراضي في المُجَوقَلَة:
      بعد الوقوف على منهج العربية في النحت يرى المجمع صحّة المصطلح العسكري المنحوت: القُوّات (المجوقلة) وأنه منحوت من كلمتي (منقولة جوًا) بعد التقديم والتأخير بين الكلمتين، على نحو ما تقدم شرحه وبيان علته. ويجوز استعمال المصدر والفعل من هذا المصطلح: فيقال: جَوْقَل القوات يُجوقلها جَوقلةً فهي مجوقلة، على مثل حَوْقَل، وهي عربية محدثة يصحّحها القياس والحسّ اللغوي السليم.

       ولولا انتشار المصطلح في عرف العسكريين والإعلاميين ولهج الألسن به لاختار المجمع (القوات المنقلجة) نحتًا من (المنقولة جواً) دون تقديم أو تأخير، ولكن المجمع يرى أنّ ما شاع من مصطلحات المخترعات والمعاني المستحدثة مما له وجه في الاشتقاق والصنعة لا يحسن العدول عنه؛ لأنّ قوة الاستعمال معتبرة، لكي لا تكون قرارات المجامع اللغوية معزولة عن واقع الاستعمال في حياة الناس ومصطلحات العلوم والفنون المألوفة.. والله ولي التوفيق.




[1] مقاييس اللغة 5/ 193، وقد نبهنا إلى هذا النص الأستاذ أبو سارة عضو المجمع، من البحرين.
[2] مقاييس اللغة 4/ 365، ونبهنا إلى هذا النص أ. نوار بن قبال السلمي.
[3] قاله المغرّد عبدالله بن سعد الحربي في نقاشات هذا القرار.
[4] نبّه على هذا أ. بدر عائد، عضو المجمع.
[5] صدر القرار في ج8 مؤتمر د 31 سنة 1965م. انظر: في أصول اللغة 1/ 49 وما في الحاشية.

عبدالرزاق الصاعدي
مجمع اللغة الافتراضي
الثلاثاء 2 / 7/ 1436هـ
المدينة المنورة