الأحد، 29 مايو، 2016

"الجيم" لأبي عمرو الشيباني:

 "الجيم" لأبي عمرو الشيباني
1
بسم الله الرحمن الرحيم
         الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خير الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه نجوم الدين.
       أما بعد.. فهذا حديث حثيث عن كتاب "الجيم" لأبي عمرو الشيباني، وهو أحد أئمة العربية الكبار، الذي خدموا هذا اللسان العربي المبين، فجزاه الله عنا خير الجزاء.
      والله أسأل القبول، وأن ينفع بهذا المزبور إخواني، وصلى الله وسلم على خير الناس محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

[البدء]:
       لا نعرف لهذا المعجم حتى الآن من المخطوطات إلا نسخة واحدة عليها قد حُقِّق الكتاب، وهي نسخة دير الأسكوريال، وفي النسخة عبارات تفيد بأنها قوبلت على نسختين خطيتين صرح باسمي كاتبيها: وهما: نسخة أبي سعيد السكري (ت275هـ) ونسخة أبي موسى سليمان بن محمد الحامض الكوفي (ت305هـ)،   وتفيد هذه العبارات أيضا بأن نسخة السكري منقولة من نسخة المؤلف، أبي عمرو الشيباني.
       وقد جاء في صفحة العنوان ما يفيد بأنها قد دخلت "مصر" في حوزة العالم اللغوي ابن هشام النحوي (ت761هـ) المشهور، صاحب القطر والشذور. ثم رحلت هذه النسخة إلى "قابون" بدمشق، وامتلكها عالم حنفي يدعى "علي بن محمد القابوني الحنفي" إلى أن استقرت في آخر رحلتها بالأندلس في مكتبة الأسكوريال. وهذه النسخة لم يصرح فيها باسم ناسخها، وقد رجح المحقق إبراهيم الأبياري رحمه الله أن هذه الكتابات التي على صفحة العنوان ترجع إلى القرن الرابع أو القرن الخامس.
      وقد اعتمد الناسخ في نسخه على نسخة أبي موسى الحامض، وقابلها على نسخة السكري، وأكمل السقط الوارد في نسخة السكري من نسخة أبي موسى الحامض، فتمت له النسخة وصحَّتْ، ولكن الناسخ شك في بعض الزيادات التي لم يجدها في نسخة أبي موسى الحامض، والتي قد تفردت بها نسخة أبي سعيد السكري.

[التعريف بصاحب الأصل الأول: نسخة أبي سعيد السُّكَّري (ت275هـ)]:
      وهو الحسن بن الحسين بن عبد الله، أبو سعيد السكري النحوي، المقرئ، البصري، الناقد، الأديب، راوية البصريين، مكثر، سمع يحيى بن معين، وأبا حاتم السجستاني، والرياشي، وغيرهم، وكان ثقة دينا، صادقا، يقرئ القرآن. روى أشعار الفحول الكبار، وله كتاب الوحوش، والنبات. روايته في الذُّرَى. (و212هـ).
ينظر: الأعلام للزركلي (2/188).

[التعريف بصاحب الأصل الثاني: نسخة أبي موسى الحامض (ت305)]:
      هو سليمان بن محمد بن أحمد، أبو موسى الحامض: نحوي، من العلماء باللغة والشعر، من أهل بغداد. من تلاميذ ثعلب. كان ضيق الصدر سيّئ الخلق، فلقب بالحامض. من تصانيفه (خلق الإنسان) و (السبق والنضال) و (النبات) و (الوحوش) و (غريب الحديث) . و (ما يذكر ويؤنث من الإنسان واللباس).
ينظر: الأعلام للزركلي (3/132).

[مفردات المعجم]:
     معجم "الجيم": يعد معجما في غرائب المفردات، وفيه تفردات كثيرة قد أُخذت عن أبي عمرو الشيباني، وتناقلتها المعاجم بعده، والشيباني إسحاق بن مِرَار، حجة، ثقة، شيخ الإمام أحمد بن حنبل، جمع أشعار العرب، فكان كلما جمع شعر قبيلة خرج بها على الناس، فرحمة ربي عليه!، وقد أهمل التعريف بمعجم "الجيم" الدكتور حسين نصار، في كتابه "المعجم العربي"، وقد أفرد له بحثا مستقلا تحدث فيه عنه، وكتاب الجيم طبع سنة م1974. واكتشفه قبل ذلك المستشرق كرنكو، وهو كتاب حري بالدراسة والتتبع والتحقيق.

لمَ سمَّى أبو عمرو كتابه بـ"الجيم" ؟
     لا نعلم على وجه اليقين لم سمَّى أبو عمرو الشيباني معجمه بالجيم، وأغلب الظن أنه اقتفى في ذلك أثر الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه "العين". ولم تأت في النسخة الخطية مقدمة يعرف منها أسباب ذلك، وقد قيل: لأنه بدأه بحرف الجيم، والنسخة التي بين أيدينا تبدأ بحرف الهمزة، وقد مات من يعلم ذلك دون أن يخبر بها الناس، وهما الشيخان اللغويان ابن القطاع والقفطي، والأمر يحتاج إلى دراسة، ولعل الله يخرج لنا نُسخًا أخرى من الكتاب تحل لنا مثل هذه الإشكالات!

[وقفة مع المحققين]:
    لم يلتزم محقق الجزء الأول من كتاب الجيم "إبراهيم الإبياري" بأصل النسخة الخطية التي أمامه بل خالفها في مرات كثيرة، ولم يكتف بهذا، بل زاد في النص زيادات ظن أن السياق يقتضيها دون بياض في النص أو طمس، مع سرعة تخطئة الناسخ، لا مسوغ لها، بل أحيانا يخطئ الناسخ في أشياء ويصوب قراءة أخرى، فلما تعود إلى النسخة الخطية تجد الناسخ قد كتبها كما صوبه، وما خطأه فيه غير موجود أمامك.  
ينظر على سبيل المثال: كلمة [قال ابن مقبل] قال في الحاشية في النسخة: [قال أبي مقبل] ص  (1/72)، فلما عدت إلى النسخة التي عليها قد حقق الكتاب وجدت قراءة النسخة: [قال ابن مقبل] كما أثبت.
 ينظر: الجيم. مخطوط، الأسكوريال، ورقة [7/ب].

[دلالات الرموز التي اتخذها ناسخ معجم الجيم في الهامش]:
[ص]: الأصل.
[س]: نسخة السكري.
[ض] نسخة أبي موسى الحامض.
[س] حفظي: إشارة من الناسخ إلى مخالفةِ السكريِّ روايةَ أبي عمرو الشيباني، فهذه من قول السكري وجدها الناسخ في نسخته فالمعنى عند السكري: هذه رواية أبي عمرو التي وجدتها في نسخته التي بخط يده، وهي تخالف محفوظي لها، ثم يذكر الناسخ في الهامش محفوظ السكري.

[خط النسخة]:
قال المحقق (إبراهيم الأبياري) عن النسخة: وهي ليست جيدة الخط. اهـ. ص (316).
قلت: وهذا منه غريب، فخط النسخة من أجود الخطوط، وهو خطٌّ يستطيع القارئ المتخصص قراءته بعد معرفة منهج الناسخ في شكل الحروف وضبطها.

[ما كتبه الناسخ على صفحة عنوان النسخة الخطية من كتاب الجيم، وهو نفيس]:
قال المحقق: [اقتفيتُ] ولعل الصواب: [قابلتُ].
وقال المحقق: [سقط عليه من ورقة فنقلته] والصواب: [سقط عليه من <ورقة ووجه> ورقةٌ فنقلته].
قال المحقق: [صححته (ض)] وفي النسخة: [ضاد]. وهذا هين.
ينظر: (1/51).

[تعليقات النسخة]:
هذه بعض التعليقات التي كتبها الناسخ في هامش النسخة:
قال الناسخ في هامش الورقة رقم (33): « هذا آخر ما وجد من حرف الجيم بخط السكري، وذكر في آخر الجيم، أنه قد بقي منه، ولم يوجد ».
 وقال في الهامش المقابل للتعليق: « قابلت بهذا الجزء (ما فيه) نسخة أبي موسى الحامض، وكانت أصله بخطه وصح، والحمد لله.
وفي الوجه المقابل بياض وفيه: [... من الأصل، ومن خط أبي عمرو].
وفي هامش ورقة [34/أ]: ... هذا الحرف بخط الحامض. وهو صحيح.
وتحته: [كذا في نسخة أخرى].
ويرمز الناسخ لنسخة أبي موسى الحامض بـ[ض] فجاء في [34/ب]: ... في نسخة [ض].
ويرمز لنسخة السكري بـ[س] وجاء في ورقة [51/ب]: [س]. ثم ذكر الفرق.
 ويقول في [58/أ]: كذا بخط [س]... كذا في الأصل.
كذا بخط [س] وكذا في نسخة أخرى.
 ويقول في [38/أ]: كذا في النسختين.
وجاء في ورقة [51/ب]: [نسخة أبي عمرو بخطه].
وجاء في ورقة [66/ب]: هذا آخر ما وجدته في أصل أبي عمرو بخطه.
وفي هامش الورقة: [بلغت المعارضة على الأصل بخط السكري، والحمد لله].
وقال تحتها: [قابلت بهذا الجزء ثانية كتابا بخط أبي موسى الحامض، وصححه عليهم].
وفي [74/أ]: كذا في نسختين.
وفي ورقة [76/أ]: آخر ما وجد من الخاء بخط السكري، وذكر أنه آخر ما وجده <بخط أبي عمرو> من الخاء.
وجاء في هامش [81/أ]: باب آخر الدال الأولى من نسخة أبي عمرو، وأول الدال الثانية من أصل أبي عمرو، وهذه حكاية السكري. اهـ.
وقال تحتها: لم يكن هذا الباب الثاني من الدال عند الحامض.
وقال في [89/ب]: [س] من نسخة أبي عمرو. اهـ وهو يعني بها أن هذا ما وجده السكري في نسخة أبي عمرو الشيباني.
وقال في الهامش نفسه: [قال السكري: هذا آخر ما وجدت في أصل أبي عمرو من حروف الدال، وهي النسخة الباقية].
وفي ورقة [92/أ]: [س] هذا آخر ما وجدت من باب الذال في نسخة أبي عمرو، قابلت بهذا الجزء كتابا بخط أبي موسى الحامض، وصح، والحمد لله].
وقال في الهامش المقابل: [عورض به أصل السكري بخطه، وصح عليه إلا ما كانت عليه علامة "ثاني كذلك". وجدته بخط].
وفي هامش ورقة [103/ب]: [س] هذا آخر ما وجدتُ من كتاب الراء في نسخة أبي عمرو، وبخطه عند "ابن بسطام"... ثم قال الناسخ: لم أجد في نسخة الحامض: [هذا الباب الثاني من الراء].
وفي هامش ورقة [108/أ]: [س] كان في كتاب أبي عمرو كتاب ولا أعرفه.
وفي ورقة [115/ب]: هذا آخر ما وجدتُ في أصل أبي عمرو من باب الراء.
ثم قال الناسخ تحتها: [قابلتُ بهذا الجزء ثانية كتابا بخط أبي موسى الحامض، وصححته عليه، والحمد لله كثيرا].
وقال في الهامش: [من خط السكري: قوبل به الأصل المنقول من أصل أبي عمرو وصح إلا ما أعلمت عليه، والحمد لله].
وفي هامش ورقة [117/أ]: [من خط السكري]، [س] من نسخة أبي عمرو، [قابلت به خط الحامض].
[بياض ص كذا].
وفي هامش ورقة [120/أ]: [س] آخر باب الزاء، من نسخة أبي عمرو بخطه، باب الزاء، من أصل أبي عمرو.
وفي الهامش المقابل: [لم أجد هذا الباب الثاني، هي الزاء في خط الحامض].
وقال في ورقة [126/ب]: [س] هذا آخر ما في أصل كتاب أبي عمرو من حرف الزاء. ثم كتب في الهامش المقابل: [قابلت به خط الحامض].
وكتب في هامش ورقة [135/أ]: [س] آخر باب السين من نسخة أبي عمرو بخطه.
وكتب في ورقة [143/ب]: آخر باب الشين من نسخة السكري بخطه المنقول من خط أبي عمرو الشيباني، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله وسلم]. وكتب في الهامش: [قوبل به الأصل المنقول منه بخط السكري، وصح إلا ما أعلمه عليه والحمد لله] ثم كتب تحتها: [قابلت بهذا الجزء كتابا بخط الحامض وصححته على ما وجدته فيه، والحمد لله كثيرا].
وفي ورقة [175/أ]: قال [س]. لم تكن هذه الزيادة عند الحامض.
وفي ورقة [202/أ]: قابلت بحرف الغين وحده من هذا الجزء خطَ الحامض؛ لأن الزيادة في حرف العلل لم تكن عند الحامض. وصح.
وكتب الناسخ في هامش ورقة [203/أ] في باب الفاء: قال أبو سعيد (يعني السكري): سقطت الورقة الأولى.
وكتب في آخر الباب [212/ب]: آخر الفاء من أصل أبي عمرو.
وقال في باب القاف، هامش ورقة [213/أ]: ذكر السكري أنه من نسخة أبي عمرو وكان قد بيض في أوله صفحتين، ذهبت.
وقال الناسخ في هامش [220/أ]: آخر القاف من نسخة أبي عمرو. وفي الهامش المقابل: [س] ومن أصل أبي عمرو. [لم أجد هذه الزيادة عند الحامض].
وقال الناسخ في ورقة [234/ب]: وجدتُ هذه الزيادة في كتاب الحامض في أول الفاء فكتبتُها حتى اتصلت بأول باب الفاء من نسخة السكري، وفيها حروف مكررة.
وقال في ورقة [236/أ]: وهذا أول الفاء عند السكري، وسقط عليه منها ورقتان. والوجه المقابل لها: بياض مكتوب في أوله: [قوبل به وصح إلا ما أعلمت عليه بما وجدته في الأصل فحكيته.
وفي هامش [240/ب] تعليقا على باب الكاف "من نسخة أبي عمرو الأصل": [لم تكن هذه الزيادة عند الحامض].
وفي ورقة [258/ب]: [قوبل به الأصل المنقول منه، وصح إلا ما كانت عليه علامة. والحمد لله].
وكتب في الهامش المقابل: [عارضت به نسخة بخط الحامض، وصححت ما وجدت من الأصل، فأما الزيادات فلم تكن في كتاب "الحامض"].
وكتب في هامش ورقة [262/أ]: ذهب من الأصل من هذا الموضع صفحُ ورقةٍ سليماني.
وفي هامش [265/ب]: هذا آخر باب الميم من نسخة أبي عمرو بخطه.
وكتب تحتها: [بلغ].
وفي ورقة [285/ب] علق الناسخ على [باب الياء]: قابلت الياء خط الحامض من الياء. وصح.
وقال في خاتمة الكتاب:
تمت الياء وتم الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد النبي صلى الله عليه وسلم.
وكتب في الهامش: وصح إلا ما وجدته في الأصل مبهما، أو خطأ، فأعلمت عليه والحمد لله وصلى الله على خيرة من خلقه محمد النبي وآله وسلم.
ثم كتب تحتها: قابلت هذا الجزء كتاب "الحامض" وصححه على ما وجدت فيه صحيحا، وأخبرت بفساد ما كان فاسدا وكذلك سائر الأجزاء التي قبله، جزءًا جزءًا. والحمد لله كثيرا كما هو أهله.
انتهى المقصود. والله الموفق، وهو المستعان.

[كتاب الجيم والقرَّاء]:
     قارئ كتاب الجيم قارئ متخصص، وأريد أن أنهي الكلام عن هذا الكتاب، فأقول: لابد لك في مطالعتك الكتابَ المطبوع من الرجوع إلى النسخة الخطية الوحيدة حتى الآن للكتاب، وهي نسخة نفيسة مقابلة على نسختين: نسخة أبي السكري وهي منقولة من نسخة المؤلف، ونسخة أبي موسى الحامض، وقد أثبت لك ناسخها في الهامش القراءات المختلفة للنص، وسوف يتبين لك في قراءتك أشياء قد تخالف فيها المحققين، وقد نظرت في عمل المحققين الثلاثة فوجدت محقق الجزء الثالث "عبد الكريم العزباوي" الوحيد الذي لم يضف أي إضافات في النص من كيسه أو زيادات يقتضيها السياق، أو زيادات من المعاجم مضافة في النص، كما فعل محقق الجزء الأول والثاني، فما أضافه المحققان المذكوران ينبغي لقارئ الكتاب المتخصص التوجس من مثل هذه الإضافات حتى يتبين له صحتها، ويصح لك أن تخالف مُضيفها إما بالتوقف في القراءة وإما برفضها، أو قبولها مع الدليل على ذلك والتعليل له.
     والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا رسول الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه/ يوسف السِّنَّاري
مصر