الجمعة، 15 مارس 2013

بدل فاقد.. توجيه لغوي ورأي 4/4

نفاضة الجرب
بدل فاقد.. توجيهٌ لغويٌّ ورأي (4/4)

     تقدم الحديث في قول المعاصرين (بدل فاقد) بمعنى مفقود، ووقفنا بالتفصيل على شواهد مما جاء على (فاعل بمعنى مفعول) من القرآن والحديث وكلام العرب وأشعارهم، ورأينا الخلاف بين البصريين والكوفيين في تلقّيه ، فلكل من المدرستين تأويلها لما جاء من هذا الاستعمال اللغويّ، وهو عربيّ قرآني، لا تشوبه شائبة، ولكن أكثرهم يحفظه ولا يقيس عليه، وربما أجاز بعض المعاصرين القياس عليه، وصوّب على أساسه بعض ما شاع منه على ألسنة الناس والكُتّاب في اللغة المعاصرة.

     وأرى أن قولهم في الدوائر الحكومية وغيرها: (بدل فاقد) استعمال صحيح، وهو بمعنى مفقود على مذهب الكوفيين، أي بدل عن شيء مفقود، أو أن فاقدا بمعنى ذي فقد على مذهب البصريين، أي على النسب الشاذ، وذو الشيء قد يكون مفعولا كما يكون فاعلا.

ومما يعضد تصحيحَه لغةً ويحملنا على قبوله:

1- أنّ ثمة شاهداً لكلمة (فاقد) بمعنى مفقود أو ذي فقد، وهو قول بِشْر بن أبي خازم:

ذكَرتُ بها سلمى فظَلْتُ كأنَّني ذكرتُ حبيباً فاقداً تحتَ مَرْمَسِ

أي حبيباً مفقوداً (ديوان بشر80) واستشهد به ابن سيده على مجيء فاعل بمعنى مفعول. (المخصص 4 /400 والمحكم (حلق)

2- أن في (بدل فاقد) عدولاً عن الأصل، ولا يُعدَل عن الأصل إلاّ لغرض، والغرض هنا معنوي وهو المبالغة في صفة الفقد، ولفظيٌّ؛ لأن هذا التركيب جاء مصاحبا لقولهم (بدل تالف) فاستحسنوا معه أن يقولوا (بدل فاقد) للمجانسة والمشاكلة بين اللفظين المتصاحبين، والبدل يعطى في الحالتين: الفقد والتلف، ومعلوم أن المجانسة قد تؤثر في الصيغ، ولها شواهد، وفسر بها الفراء رأيه (في عيشة راضية) قال: ((وأعان على ذلك أنها توافق رؤوس الآيات التي هنّ معهن)) ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ارجَعْنَ مَأْزوارتٍ غيرَ مأجورات» قال السمين: الأصل: «مَوْزورات» ولكنْ أُريد التواخي، وكذلك قولُهم: «إنه ليأتينا بالغدايا والعَشايا» ويعني أنَّ الأصلَ: «بالغَدَاوى» لأنها من الغُدْوة، ولكن لأجل ياء العشايا جاءت بالياء دون الواو)) (الدر المصون 4/ 213 )

3- أن في هذا التركيب (بدل فاقد) ما يؤمن معه اللبس الذي اشترطه ابن ولّاد، وهو هنا سياق الإضافة لكلمة (بدل) فالبدل للمفقود وليس للفاقد بمعنى الفاعل، فالتركيب وما يكتنفه من سياق يخصص المعنى ويرفع اللبس.

    وأقول في الختام: إنه على الرغم من أن النفس قد تميل إلى الأصل الوضعي (بدل مفقود) إلا أني أرى ألّا نحجّر واسعا، ولا نضيّق على الناس ونعطل آلة القياس، فأرى أن قولهم (بدل فاقد) صحيح لفظاً ومعنى، وأن غرضه الاتّساع في اللغة، أو المجانسة اللفظية والمشاكلة مع قولهم: (بدل تالف) وهو محمول في التصريف على العدول في الصيغة، إما من باب فاعل بمعنى مفعول، أو من باب النسب الشاذ، بمعنى ذي فقد، كنظائره مما جاء في القرآن والحديث النبوي وفصيح كلام العرب، ولوجود ما يؤمن به اللبس، وهو إضافة كلمة (بدل) إلي (فاقد) فالبدل للمفقود وليس للفاقد، وهنا يؤمن اللبس، وفوق هذا كله فله شاهد على اللفظ، في شعر جاهليّ.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/ sa2626sa@
جردية المدينة (ملحق الرسالة) الجمعة 1434/5/3 هـ 2013/03/15 م العدد : 18223

http://www.al-madina.com/node/439884...%D9%8A-44.html

السبت، 9 مارس 2013

نفاضة الجراب: بدل فاقد.. توجيهٌ لغويّ (3)


نفاضة الجراب
بدل فاقد.. توجيهٌ لغويّ (3)

رأينا مذهب الكوفيين في نحو (عيشة راضية) و(ماء دافق) و(هم ناصب)، و(ليل نائم) وقولهم : إنها من باب فاعل بمعنى مفعول.. فما رأي البصريين؟

المذهب الثاني:

وهو مذهب كثير من البصريين، وعلى رأسهم الخليل وسيبويه، وهم ينكرون (باب فاعل بمعنى مفعول) ويرون أن ما جاء في ظاهره أنه منه ينبغي أن يحمل على باب النسب الشاذ، أي إنه فاعلٌ بمعنى ذي كذا، مثلُ لابِنٍ وتامِرٍ، فقولهم: هَمٌّ ناصِبٌ: ذو نَصَب ، ومنه في أحد القولَيْن: «عِيشَةٌ رَاضِيَةٌ، ومَاءٌ دَافِقٌ» أي: ذاتُ رِضاً، وذو دَفْقٍ، وكذلك قوله تعالى (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي لا ذا عصمة.

قال سيبويه في باب الإضافة (2 /382): ((وتقول لمن كان شيءٌ من هذه الأشياء صنعته: لبَّان، وتمارٌ، ونبَّال... وتقول: مكانٌ آهلٌ، أي: ذو أهلٍ. وقال ذو الرمَّة:

إلى عَطَنٍ رَحْبِ المَبَاءةِ آهِلِ

وقال الخليل: إنَّما قالوا: عيشةٌ راضيةٌ، وطاعمٌ وكاسٍ على ذا، أي: ذات رضاً وذو كسوة وطعامٍ، وقالوا: ناعلٌ لذي النَّعا، وقال الشاعر:

كِليني لهمٍّ يا أميمةَ ناصِبِ وليلٍ أقاسيهِ بطيءِ الكواكبِ

أي: لهمٍّ ذي نَصَبٍ))

واستنكر أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن على الفراء في توجيهه (ماء دافق) (إعراب القرآن 5 /124) بمعنى مدفوق، وقال: فاعل بمعنى مفعول فيه بطلان البيان، ولا يصح ولا ينقاس، ولو جاز هذا لجاز ضارب بمعنى مضروب، والقول عند البصريين أنه على النسب، كما قال الشاعر:

وليس بذي سيفٍ فيقتلني به وليس بذي رمحٍ وليس بنبّالِ

وقال الزجاج: معناه من ماء ذي دفق، وكذلك سرّ كاتم، ونَقل عنه الواحديّ في البسيط (23 / 409) أن هذا الذي قاله الزجاج هو قول جميع النحويين..
قلت: هذا تعميم لا يصح، ينافيه المنقول عن الكوفيين وغيرهم، ولعله يريد البصريين.

لكن ابن جني يفرق بين المعنى والصنعة الصرفية، قال في (الخصائص 1/ 152، 153): ((فأما تفسير أهل اللغة أن استاف القومُ في معنى تسايفوا؛ فتفسير على المعنى، كعادتهم في أمثال ذلك، ألا تراهم قالوا في قول الله عز وجل: (مِن ماءٍ دافِقٍ) : إنه بمعنى مدفوق, فهذا -لعمري- معناه، غير أن طريق الصنعة فيه أنّه ذو دفق كما حكاه الأصمعي عنهم من قولهم: ناقة ضارب إذا ضربت. وتفسيره أنها ذات ضرب أي ضربت. وكذلك قوله تعالى (لا عاصِمَ اليَومَ مِن أَمْرِ اللَّهِ) أي لا ذا عصمة، وذو العصمة يكون مفعولا، كما يكون فاعلا فمن هنا قيل: إن معناه: لا معصوم))

ومع الاختلاف بين الكوفيين والبصريين في تأويل ما جاء من هذا الاستعمال اللغويّ إلا أنّه غير منكر، ولكن أكثرهم يحفظه ولا يقيس عليه، وربما قاسه بعض المعاصرين، كالدكتور أحمد الحوفي الذي أجاز القياس عليه، وصوّب على أساسه بعض ما شاع منه على ألسنة الناس والكُتّاب في اللغة المعاصرة.

(للحديث صلة.. وللقول خاتمة في المقالة القادمة، آتي فيها على الرأي الذي أراه راجحا، إن شاء الله)


أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/ sa2626sa@
الجمعة 1434/4/26 هـ 2013/03/8 م
العدد : 18216 جريدة المدينة، ملحق الرسالة
http://www.al-madina.com/node/438301...A%D9%91-3.html




الجمعة، 1 مارس 2013

بدل فاقد.. توجيهٌ لغويّ (2)

نفاضة الجراب
بدل فاقد.. توجيهٌ لغويّ (2)

      ذكرت في المقالة السابقة أن قولهم (بدل فاقد) شائعٌ في الاستعمال اللغويّ المعاصر وأنه استعمال معروف في بعض المؤسسات الحكومية في بعض البلدان العربية للدلالة على وثيقة أو بطاقة تستخرج بدلَ مفقودٍ، ويكتبون عليها (بدل فاقد) وأن لهذا الاستعمال في التصويب اللغوي وجهين: وجهُ قبولٍ ووجهُ رفض، وأنه يمكن حمله على أنه من باب فاعل بمعنى مفعول، وأن شواهده كثيرة ..

ج ـ ومما جاء منه في كلام العرب وأشعارهم :

حكى الأصمعي أن العرب تقول: (ناقةٌ ضاربٌ إذا ضُربت، فهي مضروبة) فبناء الفعل للمفعول يدل على كون ما اشتق منه اسم مفعول.
ويقولون: وسرٌّ كاتم بمعنى مكتوم، وَهَمٌّ نَاصِبٌ، ويومٌ فاجر، قال وَعْلَةُ الجَرميّ:

ولمّا رأيتُ الخيلَ تَترى أثائِجا علمتُ بأنّ اليومَ أحمسُ فاجرُ
 
أي يوم صعب مفجور فيه، وقول الشاعر:

لقد لمتِنا يا أُمَّ غيلانَ في السُّرى ونمتِ وما ليلُ المَطِىِّ بنائمِ
 
أي بمنوم فيه.
ومنه (ساحِلُ البحر ) قالَ ابن دُرَيد هو فاعل بمعنى مفعول لأنّ الماء سحله أَي قشره.
وفي المصباح: طريق شارع يسلكه الناس عامة فاعل بمعنى مفعول، مثل طريق قاصد، أي مقصود.
ومنه جَبَلٌ حالِقٌ لا نباتَ فيه، كأنه حُلِق، قال ابن سيده في المخصص: هو فاعِل بمعنى مَفْعول.
والغامر الخراب من الأرض، وقيل ما لم يزرع، وهو يحتمل الزراعة، وقيل له غامر لأن الماء يغمره فهو فاعل بمعنى مفعول.
واللاحب: الطريق الواضح، وهو فاعل بمعنى مفعول، أي: ملحوب.
و أمر عارف؛ أي معروف فهو فاعل بمعنى مفعول، ومنه قول الحُطيئة يهجو الزِّبرِقان:
دَعِ المَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغْيَتِها واقْعُدْ فإنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي
 
أي: المُطْعَم المَكْسوّ.. فاعل بمعنى المفعول.
واشترط ابن ولاد في رده على الفراء منع اللبس، فهو يرى أن (( مثل ذا إنما يجوز فيما لا يلبس، فأما ما ألبس فلا يجوز فيه ذلك، ألا ترى أنك لو قلت: لا ضارب في الدار، وأنت تريد مضروبا، لم يعلم المخاطب حقيقة ما أردت، وكذلك لو قلت: رأيت زيدا ضاربا، وأنت تريد مضروبا، لم يعلم ما نويت، وفي هذا اختلاط الكلام والتباسه وفساده. وأما احتجاجه بعيشة راضية فإن العيشة لا تكون فاعلة من رضيت البته، ولا تكون إلا مفعولة، فلما لم يحتمل غير وجه واحد لم يجز فيها لبس، وكذلك ماء دافق، لما كان الماء لا يفعل ذلك كان بمنزلة عيشة راضية، فأما عاصم وضارب وما أشبههما فلا يجوز فيه ذلك، ولا أن تضع مفعولا في موضع فاعل، ولا فاعلا في موضع مفعول؛ لأن الرجل قد يكون عاصما ومعصوما وضاربا ومضروبا، بحقيقة المعنيين المختلفين، فلم يجز أن تضع أحدهما في موضع الآخر فيلتبس هذا بهذا))
وشرط ابن ولاد يتّسق مع فطرة اللغة وطبيعتها، وهو طلب الوضوح وتنكب طرائق اللبس، و عليه جرت العربية فيما ورد عنهم من نصوص في ما جاء من فاعل بمعنى مفعول، ففي كل مثال ما يمنع اللبس، ظاهرا أو مقدرا مفهوما. 
(وللحديث صلة)

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
جريدة المدينة - ملحق الرسالة : الجمعة 1434/4/19 هـ 2013/03/01 م العدد : 18209
http://www.al-madina.com/node/436834...A%D9%91-2.html

الجمعة، 22 فبراير 2013

(بدل فاقد) توجيهٌ لغويّ

نفاضة الجراب
(بدل فاقد).. توجيهٌ لغويّ


شاع في الاستعمال اللغويّ المعاصر قولهم (بدل فاقد) وهي عبارة شبه رسمية ترد في بعض المؤسسات الحكومية في بعض البلدان العربية للدلالة على وثيقة أو بطاقة تستخرج بدلَ مفقودٍ، ويكتبون عليها (بدل فاقد) ولهذا الاستعمال في التصويب اللغوي وجهان: وجهُ قبولٍ ووجهُ رفض، ولذا يختلف في أمره أهل اللغة، بين قابل ورافض.. وفيما يأتي خلاصة الوجهين، على ضوء السماع والقياس:

أولا: توجيه الرفض:
يرى أصحاب هذا الرأي، أن التركيب الصرفي لكلمة (فاقد) لا يطابق المعنى المراد؛ لأن الشيء مفقودٌ وليس فاقداً، فهو من قولهم: فُقِد الشيءُ فهو مفقود، وليس فاقدا، أما الفاقد فهو صاحب الشيء، الباحث عنه، فيكون البدل للمفقود، وليس لصاحبه الذي فقده، فيكون الصواب أن يقال: (بدل مفقود) لا بدل فاقد؛ ويؤيد هذا الوجه:

1- أن الأصل في الصيغة الصرفية أن تأتي على المعنى الذي وضعت له، منعا للتخليط واللبس، وليس ثمة ما يمنع أن يقال بدل مفقود حتى يُعدل إلى بدل فاقد!

2- أن هذا الاستعمال – بدل فاقد - مولّد، وينبغي أن يقاس على أوجه الكلام الذي يصح القياس عليه، وهو أن توضع الصيغ في محلها، وليس للمتأخرين حقّ المخالفة أو القياس على القليل.

ثانيا: توجيه القبول:
يرى المجيزون أن قولهم: (بدل فاقد) من باب (فاعل بمعنى مفعول) ومعلوم أن من سَنَن العربية العدول اللغوي في الأبنية أو التحويل في الصيغ، وقد جاء العدول في صيغ عديدة، وسمع في ألفاظ متفرقة من القرآن والحديث وكلام العرب، وجاء للتوسع في الكلام والتفنن فيه أو المشاكلة أو طلب الخفة، والعرب قد تعبّر بالفاعل عن المفعول، وتعبر بالمفعول عن الفاعل، وتتوسع في العدول في صيغ دون صيغ، ولكلٍّ شواهد في كلامهم، رصدها علماء اللغة.
والقدامى مختلفون في توجيه ما جاء معدولا من باب (مجيء الفاعل بمعنى المفعول) ولهم فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن هذا من باب فاعل بمعنى مفعول، وهو يوافق مذهب الكوفيين وكثير من البصريين في أمثاله، ومما جاء منه على هذا التوجيه:

أ ـ مما في القرآن:
ومنه قوله سبحانه: ( فهو فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) أي مرضيّ بها، فاعل بمعنى مفعول.
وقوله: (يقولون أإنا لمَرْدُودُونَ في الحافِرَة) قيل: الحافرة بمعنى الأرض المحفورة.
وقوله: (خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) أي مدفوق.

ب ـ ومما في الحديث الشريف والأثر:
ما جاء في كتب غريب الحديث والأثر للحربي والخطابي والزمخشري وابن الأثير عدد من الأحاديث، منها:
حديث العباس رضي الله عنه: ((ما بال قريش يلقوننا بوجوه قاطب)) أي مقطّبة.
ومنه الحديث ((لا يزال الشيطان ذاعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس)) أي مذعورا.
و((لا رَأْيَ لحازق)) أي محزوق، وهو الّذي ضاقَ عليه خُفُّه فحزق قدمه، أي ضغطها.
وفي حديث عمرو بن سلمة الجرمي ((كنا بحاضرٍ يمرّ بنا النا)) الحاضر: القوم النـزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه. قال الخطابي: ربما جعلوا الحاضر اسما للمكان المحضور. يقال نزلنا حاضرَ بني فلان، أي محضورهم، فهو فاعل بمعنى مفعول.
(للحديث صلة)

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
نشرت في ملحق الرسالة، بجريدة المدينة الجمعة 1434/4/12 هـ 2013/02/22 م العدد : 18202
http://www.al-madina.com/node/435398...%8A%D9%91.html

الجمعة، 15 فبراير 2013

البحور الشريفة والبحور الخبيثة

نفاضة الجراب
بحر الخبب وانتساب الخليل إلى جن نصيبين المسلمين!
أو 
البحور الشريفة والبحور الخبيثة

المتدارك أو الخبب هو البحر الثاني من الدائرة الخامسة، يزعمون أنه فات الخليل، وأن الأخفش تداركه عليه، والحق أنه لم يفت الخليل، فهو ظاهر سهل الفكّ من الدائرة، والخليل فك جميع البحور المستعملة والمهملة من الدوائر، وبعضها شديد الخفاء، أفيعجز عن فك بحر ساذج كهذا، وبخاصة أنه معكوس المتدارك: فعولن (لن فعو، لن فعو، لن فعو، لن فعو) ويتحول إلى (فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن) لكن الخليل كان يستهجنه ويزدريه، وكان الشعراء قبله لا يرونه شيئا، ويستعيبون النظم عليه، فقل في أشعارهم إلى حد الندرة، لذا سكت عنه الخليل، لا جهلا به ولكن استهانة أو ازدراء له، وترفعا عن وضعه مع بحور شريفة كالطويل والكامل والوافر، أو لأنه رأى دخول التشعيث أو القطع في حشوه، وهوّلَ العروضيون أمره وجعلوه مما استدرك على الخليل ونسبوه إلى الأخفش، والخليل أكبر من الخبب ومن الأخفش معا..

والذين يزعمون أنه فات الخليل لا يعرفون قدر الخليل، فصنعته في الدوائر، وتصنيفها، واستخراج مستعملات البحور ومهملاتها من تلك الدوائر شيء مذهل، لا يطيقه عقل غير عقل الخليل، وهي صنعة تنبئ عن عقل جبار مبدع، أبدعها وتعداها ذلك العقل إلى تقليبات الألفاظ جذورها ليضع بين أيدينا مستعمل الكلام ومهمله بطريقة رياضية حاصرة جامعة مانعة، فلله درّ هذا الخليل! ما أعظم عقله! فلا تعجب لو كُشف في أرض وبار عن مخطوط في التراجم يدعي أن الخليل كان من جن نصيبين الذين أسلم أجدادهم.. فإني سأكون أول المؤمنين بانتساب الخليل الفراهيدي إلى جن نصيبين المسلمين!

وبحور الشعر أربعة أنواع:
1- (بحور شريفة) وهذا ترتيبها في الشرف الأدبي وقبولها لدى الشعراء: الطويل ثم الكامل ثم البسيط ثم الوافر ثم الخفيف.
2- (بحور عريقة) ولكنها لم تدرك الشرف وهي المديد والسريع والرمل والرجز والمنسرح.
3- (بحور ضعيفة) رخوة وهي الهزج والمتقارب والمجتث والخبب (المتدارك).
4- (بحور خبيثة) وهي المضارع والمقتضب.

وأرجو أن أكون مصيبا في هذا التقسيم.. نعم، ولمعرفة شويع البحور كلفت طلابي في الماجستير بإجراء دراسة إحصائية على البحور في الشعر العربي للوقوف على ترتيبها في الشيوع والنظم عليها مستخدمين موسوعات الشعر، فجاءت النتيجة على هذا الترتيب: الطويل – الكامل – البسيط – الوافر – الخفيف – السريع – الرجز – المتقارب – الرمل – المنسرح – المجتث – الهزج – المديد – الخبب (المتدارك) – المقتضب – المضارع.

وينقل البستاني في إلياذة هوميروس أن الخليل كان يعرف هذا البحر ولكنه أهمله؛ لأنه يغاير أصوله التي سار عليها بدخول التشعيث أو القطع في حشوه، وهما من خصائص الأعاريض والأضرب لا الحشو.
ومن القصائد الذائعة المنظومة على هذا البحر قصيدة قصيدة الحصري القيرواني، التي يقول في مطلعها:


يا ليلُ، الصبُّ متى غَدُهُ أقيامُ الساعةِ موعِدُهُ
رَقَـدَ السُمَّارُ وأرَّقَهُ أسَـفٌ للبَيـنِ يُردِّدُهُ
فبكاهُ النجـمُ ورقَّ لهُ ممَّا يَرعَاهُ ويرصـدُهُ
نَصبَتْ عينايَ لهُ شَرَكاً في النَومِ فعزَّ تصيُّدُهُ

وعارضها شوقي بقصيدة شهيرة منها قوله:


مُضناك جفاه مرقدُهُ وبكاه ورَحَّمَ عُودُهُ
حيرانَ القلبِ معذّبُهُ مقروحُ الجَفنِ مُسهّدُهُ

والعجيب أن بعض المصادر تضبط مطلع قصيدة الحصري هكذا: (يا ليلَ الصبِّ متى غدُهُ) وهذا لا يستقيم مع مراد الشاعر، والصواب: ( يا ليلُ، الصبُّ متى غدُهُ)


أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/ sa2626sa@

نشر بجريدة المدينة المنورة، ملحق الرسالة،
الجمعة 1434/4/5 هـ 2013/02/15 م العدد : 18195
http://www.al-madina.com/node/433849...86.html/risala

الجمعة، 8 فبراير 2013

تداخل بحر المديد وبحر (المبسوط)!

نفاضة الجراب
تداخل بحر المديد وبحر (المبسوط)!

يزعم بعض المعاصرين أن قول الشاعر:
رُبَّ أوراقٍ ذَوَتْ فَارْتوتْ من مُقْلَتي أو غُصـونٍ أيْنَعَتْ أحْرَقَتْها زَفْرَتي
من بحر (المبسوط) وكذلك قول شاعر معاصر:
أسقه كأس الردى سلسبيلا في الشفاهْ وأعطه حرية الموت يا قيد الحياهْ
أزِفَ النصرُ فيا ليلُ طلْ أو لا تَطُلْ وكأنّي بيقيني – وإنْ طلتَ- أراهْ

ويزعمون أن وزن هذا المبسوط: (فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن) مرتين، هكذا قالوا، فما حقيقة المبسوط هذا؟ وهل هو وزن حديث، أو وزن قديم لم يستخرج من دوائر الخليل؟

الحق أنه ليس في بحور الشعر الخليلية مستعملها ومهملها بحر يسمى (المبسوط) وهذا من فذلكات المعاصرين أو من أوهامهم أو من جهلهم بأوزان الخليل ودوائره؛ لأن هذه الأبيات بلا شك من المديد التام (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن) وأن المبسوط هذا ما هو إلا المديد التام؛ جاء متنكرا، في وزن (فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن) وهذا الوزن الحديث أول من اقترحه وزنا للمديد هو أديب العربية العلاّمة محمود شاكر، ولكنه لم يدّعِ أنه بحر جديد يسمى المبسوط! أو غيره، فهو المديد، لكنه يرى أنه الوزن الأمثل له خلافا للخليل، وقد بسط القول في تعليل الوزن المقترح في كتابه الفذ (نمط صعب نمط مخيف) وسأتناول النمط الصعب عند محمود شاكر في مقالة لاحقة إن شاء الله.

ويبقى أن أقول: إن المديد لا يستخدم تاما، إلا نادرا وله شواهد قليلة، منها:
بؤس للحربِ التي غادرت قومي سدا يا لبكر شمروا شمرتْ حرب لظا
ومنها قول الآخر:

من لقلبٍ هائمٍ في غزالٍ ناعم قد براني إذ بدا بين حورٍ خُرَّدِ

والصنعة فيهما بادية، ولم يأت المديد عند القدامى تاما، وجاء مجزواء ووزنه (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن) مرتين، وكل هذا على وزن المديد التام، ولو وزنته بـ (فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن) فالوزن صحيح عروضيا؛ لأنهما متطابقان في الأوتاد والأسباب تمام المطابقة، لكن الخليل اختار (فاعلاتن فاعلن...) واعتمده وزنا للمديد، وعليه جميع العروضيين القدامى، أما (فاعلن مستفعلن...) فيوافق ما انتهى إليه محمود شاكر في وزن المديد، والخلاف في الوزن، وهو خلاف شكلي، فمن غير المناسب تسميته بالمبسوط، حتى لا يَظُنّ ظانٌّ أنه بحر جديد.

ودائرة المختلف تشتمل على خمسة أبحر، وهي: الطويل والمديد والبسيط والمستطيل والممتد، والأخيران مهملان. وليس منها بحر اسمه المبسوط، وهو كما قلت: المديد بعينه ولكنهم غيروا الوزن وغيروا الاسم، فالمبسوط هو المديد التام.

والمديد التام كزّ، وغير مطرب، وفيه تفكك، ولكن المجزوء منه جميل، ومن روائع هذا المديد المجزوء قول العبّاس بن الأحنف:

يا بعيدَ الدارِ من وطنِـهْ مفرداً يبكي على سكنِهْ
كلّما جَـدَّ النجاءُ به جَـدّتِ الأسقامُ في بدنِهْ
ولقد زاد الفـؤادَ شجًى صوتُ قُمريِّ على فَنَنِهْ
شفّه ما شفنِي فبـكى كلّ مَن يبكي على شَجَنِهْ

وقول علي بن جبلة العكوّك في مدح أبي دُلَف:

إنما الدُّنيا أبو دُلَفٍ بينَ باديه ومحتَضَرِه
فإذا ولَّى أبو دُلَفٍ ولَّتِ الدنيا على أثَرِه

ومن يريد أن يتوسع في وزن المديد عند محمود شاكر، ويريد أن يقف على حقيقة (فاعلن مستفعلن) وعلّته عنده، فعليه أن يقرأ كتابه (نمط صعب نمط مخيف) وسيقف على رأي نفيس لهذا العالم الفذ.


أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
تويتر/ sa2626sa@
جريدة المدينة، ملحق الرسالة، الجمعة 1434/3/27 هـ 2013/02/08 م العدد : 18188
http://www.al-madina.com/node/432309...%88%D8%B7.html




أسماء شياطين الشعراء وأوصافهم (2/2)

نفاضة الجراب
أسماء شياطين الشعراء وأوصافهم (2/2)

سبق في المقالة الماضية الحديث عن أسماء شياطين الشعراء وما يجري مجراها، وفي هذا المقالة تتمة الحديث، فمن أسمائهم:

(الصُّلادم) فقد زعم بعض الأدباء والرّواة أنّه اسم شيطان من شياطين الشّعراء، وهو والد شيطان عبيد بن الأبرص، المسمّى: هبيد بن الصُّلادم. نقلوه من قولهم: الصُّلادم القويّ الشّديد الصّلب من الإبل والخيل، وهو رباعيّ، ووزنه (فُعالل) وهو ثلاثيّ عند بعض العلماء، من (صلد) بزيادة الميم، على وزن (فُعالِم) واشتقّه ابن فارس من أصلَين ثلاثيَّين: (صلد) و(صدم)

(لافظ) ذكر أبو زيد القرشيّ في جمهرة أشعار العرب أنّ لافظَ بنَ لاحظ هو اسم شيطان امرئ القيس، وأورده في قصّة طويلة، لتأكيد زعمهم أن لكلّ شاعر شيطاناً يمده بالشّعر، وأنهم قد يختارون لأسماء شياطين الشّعر أسماء توافق أسماء الإنسز
واشتقاق لافظ من اللّفظ، وهو اسم فاعل، كأنّهم لحظوا فيه وظيفته في إمداده الشّاعر بألفاظ الشّعر فراعوا ذلك في التّسمية.
(مُدْرِك) ذكره أبو زيد القرشيّ ضمن شياطين الشّعراء، قال: هو مُدْرِك بن واغم صاحب الكميت بن زيد الأسديّ، وأنشد على لسان هبيد صاحب عَبيد بن الأبرص:

ولاذَ بمُدْرِكَ رَهْـطُ الكُمَيْتِ ملاذاً عَزيزاً ومَجْـداً وَجَدّْ.
وهو اسم مفعول من أدرك، كأنّه أدرك لصاحبة المعاني الشّاردة والقوافي الوحشية، وجيد الشّعر.
(مِسْحل) هو اسم رجل، وزعموا أنّه اسم شيطان الأعشى، أي: شيطان شعره، وقد قال الأعشى فيه:

وما كنتُ شاحرداً ولكن حسبتُني إذا مِسْحلٌ سَدَّى لِيَ القَوْلَ أنطقُ
شـريكان فيـما بيننا من هوادةٍ صَـفِيّـان: جِنّـيٌّ وإنسٌ مُوَفَّقُ
يقـول فلا أَعْيَـى لشـيءٍ أقولُهُ كفـانيَ لا عَيٌّ ولا هو أخـرقُ

ومِسْحَل (مِفْعَل) واشتقاقه من قولهم: انسحل بالكلام: جرى به، ومنه: (المِسْحل) بمعنى اللّسان، أو الخطيب الماضي.
(النَّجِيّ) وصف لكل شيطان من شياطين الشعراء، يقولون: لفلان من الشّعراء نجيٌّ من الجنّ، بمعنى صاحب من الجنّ أو الشياطين يناجيه ويحادثه دون سواء. وهو فعيل من النّجوى، وهي المُسارّة.

(هادر) زعموا أنّه صاحب زياد الذّبيانيّ (النّابغة) أي: شيطان شعره، وهو الذي استنبغه، قال أبو زيد القرشيّ: هو أشعر الجنّ، وأضنّهم بشعره. واشتقاقه من الهدير، وهو الصّوت، كأنّهم أرادوا أنّ هذا الجنّيّ يرفع صوته هادراً بالقوافي.

(هبيد) بنُ الصُّلادم، زعموا أنّه شيطان عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، وأنشد على لسان هبيد:

أنا ابنُ الصُّلادم أُدعى الهبيد حَبَوتُ القوافـيَ قَرْمَيْ أَسَـدْ
عبيـداً حبـوتُ بمأثوره وأنطقت بِشْراً على غـير كَدّْ

وهو علم منقول من قولهم: الهبيد: الحنظل، كأنّ شعره مُرّ المذاق لدى خصومه.

(الهَوْبَر) و(الهوجل) زعموا أنّ للشّعر شيطانين، أحدهما: الهوبر، والآخر: الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره، وصحّ كلامه، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره. والهوبر (فَوْعَل) اسم منقول، وهو في أصل اللّغة: القِرْد الكثير الشّعر..والصّلة بين وظيفة هذا الشّيطان (الهوجل) ومعنى اسمه ظاهرة، فالهوجل هو البطيء المتواني الثّقيل الأحمق.

(واغم) وهو والد مدرك بن واغم شيطان الكميت، بزعمهم، وهو اسم فاعل، من (الوَغْم) القهر، أو الذَّحل والتِّرة والحقد.

أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة

جريدة المدينة ملحق الرسالة الجمعة 1434/3/27 هـ 2013/02/08 م العدد : 18188
http://www.al-madina.com/node/430718