الجمعة، 3 يناير، 2014

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (11)

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (11)

عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
1- لا يُوثق في الذاكرة فإنّها خؤون!! وقد خانتني في بعض المواضع من الذكريات، حين قلت في الذكريات (4) : إن زميلنا الذي ساجَلَ الدكتور عبدالمحسن القحطاني في رحلة أبحر هو عبدالمحسن الدوسري، والصواب أنه (محمد ناصر الدوسري).. وقلت في الذكريات (4) أيضا: إن ممن كان معنا من زملائنا في تلك الرحلة عبدالعزيز قدسي والصواب أنه (أسامة كردي) وهو الذي ظهر في الصورة المنشورة في ذلك المقال واقفا بجوار حسين بافقيه.. وقلت في الذكريات (10) إن أمسية فندق العطاس كانت لثلاثة من الشعراء، والحقيقة أنهم أربعة، فقد نسيت الشاعر أحمد عائل فقيهي، وحقه ألا ينسى، وهو رابعهم، وكان يجلس بجوار محمد الثبيتي، ومن قصائده في تلك الأمسية: (البكاء تحت خيمة القبيلة) وأحمد فقيهي من الشعراء الشباب في ذلك الوقت، وهو من جيل الثبيتي ومحمد جبر الحربي وعبدالله الصيخان.
2-وكان أساتذتنا في الجامعة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بقسم اللغة العربية يعنون كثيرا بتكليفنا بأبحاث ضمن أعمال كل مقرر، والتكليفات تتفاوت من أستاذ إلى آخر، فبعضهم يطلب بحثا صغيرا أشبه بمقالة في بضع صفحات، وبعضهم يطلب بحثا متكاملا لا يقلّ عن ثلاثين صفحة.. فكتبت في السنة الأولى أبحاثا هزيلة لا قيمة لها، كان هدفي منها الدرجة فحسب، وقد حصلت على مرادي، وفي السنة الثانية حصل لدي تحوّل خطير في فكري وأهدافي بتوجيه وتشجيع من بعض أساتذتي، فاكتشفت أسرار البحث العلمي وذقت لذّة الاكتشاف والوصول إلى المعلومة في مصادرها الأصلية، ولذّة توظيفها، وذقت حلاوة الإنجاز.
3- وكان أول بحث أكتبه وأنتشي بإنجازه بحث عند الدكتور عبدالله المعطاني في مقرر النقد القديم كان عنوانه (الوحدة العضوية والموضوعية في القصيدة العربية القديمة: دراسة نقدية) كتبت فيه 50 صفحة تقريبا، ووجد استحسانا من أستاذي المعطاني وأثني عليّ وعلى ما كتبت مع أنه لا يرقى إلى درجة بحث حقيقي، ولكنه راعى البدايات وقدّرها وأراد التشجيع والتعضيد، فأفادني هذا كثيرا وأوجد لديّ رغبة قوية في البحث، ظهرت بصورة أوضح في بحثي التالي في مقرر الأدب العباسي مع الدكتور ضيف الله هلال العتيبي (المتنبي ماله وما عليه) وقد حشدت له وقتا أطول ومصادر عديدة متنوعة على رأسها (الصبح المنبي عن حيثية المتنبي) ليوسف البديعي، وقد تحدثت عنه في مقالة سابقة (الذكريات 7)
4- أما بحثي الثالث فكان في مقرر (دراسات لغويّة في القراءات القرآنية) عند الدكتور محمد يعقوب تركستاني، وهو بحث من نوع مختلف، فهو فهرسة عامة لكتاب تراثي، إذ أراد منا أستاذنا أن نتعلم الفهرسة العلمية، فاختار لي كتابَ (تحبير التيسير) لابن الجزري، وطلب مني فهرسته فهرسة كاملة شاملة، ففعلت ذلك واستفدت فائدة كبيرة، وعرفت أسرار الفهرسة، وقيمتها العلمية، وما يعانيه المفهرس من مشقة، وتعلمت من أستاذنا أنّ الفهرسة مفاتيح الكتب وأنّ الكتاب غير المفهرس كنز لا مفتاح له!
5- وفي قسمنا كان الاهتمام بالجانب اللغوي أقل بكثير من العناية والحفاوة بالجانب الأدبي، وطغت المقررات الأدبية على المقررات اللغوية، وكانت الغلبة للأدب والنقد، وحتى مكتباتنا طُبعت بطابع الأدب والنقد.. ففوجئت لاحقا بعد تخرجي والتحاقي بالماجستير في اللغويات بالجامعة الإسلامية بأن حصيلتي في علم الصرف كحصيلة الأصمعي من علم العروض، أو أقل، وأدركت أنني أقل من المبتدئين في هذا العلم الدقيق؛ مع أنني متخرج في قسم لغةٍ عربية!، ويفترض أن أكون مُلمّاً بالصرف، ثم عرفت علة ذلك، وهي أننا لم ندرس شيئا يذكر من علم الصرف طيلة أربع سنوات قضيناها في قسم اللغة العربية، سوى إلماحة عابرة للميزان الصرفي وإلماحة لحروف الزيادة، ولذا واجهتُ مشقة كبيرة في فهم كلام الرضي في شرح شافية ابن الحاجب في الصرف، حين كان يشرحها لنا - أنا وزميلي (الدكتور) عبدالله بن محمد العتيبي في برنامج الماجستير بقسم اللغويات في الجامعة الإسلامية - أستاذُنا الكبير الدكتور عبدالعزيز فاخر -رحمه الله- وهو من كبار الصرفيّين المعاصرين في الوطن العربي، وله كتابان مشهوران عند دارسي العربية المعاصرين، وهما: توضيح الصرف وتوضيح النحو.
6- وقلت للدكتور عبدالعزيز فاخر: أنا لم أدرس شيئا في الصرف فعجب من قولي، وعامَلَني معاملة المبتدئين، ثم (وضعت هذا العلم في رأسي) كما يقولون، حتى تمكنت منه وصار أحبَّ العلوم إلى نفسي، فوجدت لذّتي وسلوتي في دقائق التصريف، ومعضلات الصرفيين القدامى كأبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وربما أعانني على ذلك أن الخارطة الذهنية لعقلي رياضية التكوين، وربما لو لم تقدني المصادفة إلى علوم اللغة والآداب لكنت فيزيائيا متخصصا في الفلك، وأحمد الله أن اختار لي علم العربية ويسّره، وحبّب إليّ علم التصريف وأصول اللغة، فكانت جُلّ أبحاثي متصلة بالتصريف.
 7- ومن المُرجّح أن زملائي كانوا يعانون مثلي من مشكلة الصرف، ولذلك أسباب، من أولها وأهمها أن القسم جعل الصرف ذيلا للنحو في كل مستوى من المستويات الستة، ولطول مقررات النحو، فإننا لم نكمل مقررا نحويا قط، فكان الفصل الدراسي ينتهي قبل أن نصل إلى موضوعات الصرف، ولم يكن لنا أن نشعر ونحن طلاب بذلك الخلل، بل إننا أحيانا نكون سببا في تأخير سير المقرر والحيلولة دون انتهائه بافتعالنا ما يشغل الأستاذ بطرق مشروعة وحيل لا يجيدها إلا الطلاب، وما أخبث الطلاب! وما أجهلهم وأبعدهم عن مصلحتهم!
8- وفي نهاية هذه الذكريات أقول: إنني وزملائي مدينون لقسم اللغة العربية في كلية الآداب ومدينون لأساتذتنا بالكثير الكثير.. فلا نملك لهم إلا الثناء الأجزل والشكر والعرفان والدعاء بالمثوبة.. (تمت ذكرياتي في جامعة المؤسس، وبدأتْ مرحلة جديدة في حياتي، في الجامعة الإسلامية، وهي مرحلة ثرية وحافلة.. ربما أكتب عنها لاحقا إن شاء الله ذلك)
* الجامعة الإسلامية -  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
   جريدة المدينة، ملحق الأربعاء: الجمعة 1435/3/2 هـ   2014/01/03 م     العدد : 18517