السبت، 9 أغسطس، 2014

وقفات مع الدكتور بهاء عبدالرحمن في مسالة القيف:

الرد على الرد 
(وقفات مع الدكتور بهاء عبدالرحمن في مسالة القيف)
الجزء الأول

    قرأت ردّ الدكتور بهاء عبدالرحمن في مسألة صوت القيف وظاهرة القفقفة اللهجية فوجدته متمسّكاً برأيه السابق مضيفاً إليه أوهاماً جديدة، وتذكّرت قول شهاب الدين المقّريّ في فاتحة نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب:
 سبحانَ مَن قسَمَ الحُظُو    ظَ فلا عِتابَ ولا مَلامَهْ
أعمـى وأعشــى ثمّ ذو     بَصَـرٍ وزرقــاءُ اليمــامَهْ
    وقد حصرتُ أبرز ملحوظاتي على ردّ الدكتور بهاء في نقاط؛ أوجزها فيما يأتي:

أ- إصراره على بعض أخطائه السابقة، والدفاع عنها استكباراً أو تقصيراً في فقه بعض النصوص.

ب- ادّعاؤه بأن سيبويه لم يذكر القفقفة وصوت القيف، وأن هذا الصوت وُجد بعده بنحو قرنين، والأمر خلاف ما ادعاه، وسيأتي..

ت- استخفافه بنصّ ابن قتيبة، وخَفاء دلالته الصوتية عليه، مع أنها في غاية الوضوح. وسيأتي بيان ذلك.  

ث- تهرّبه من النصوص الصريحة بالتجاهل والسكوت عنها، وهي جزء من المسألة، وبعضها في لبّ المسألة.

ج- اضطرابه في التفريق بين وظيفة الباحث اللغوي الوصفي ووظيفة المعلم الذي يكتفي بتعليم الطلاب قواعد الفصحى المعيارية العامّة.

ح- تمسكه بحجّة واهية يكرّرها مع بعض العامّة الذين سبقوه، ويقول معهم: إن  القيف صوت مذموم مستقبح، وإن هذا يكفي –بزعمه- لردّه ومنع دراسته ووصفه؛ فإن كان هذا القول لا يستغرب من العامّة فإنه مستنكر ومستقبح حين يصدر من باحث أكاديمي؛ لا يدرك أن أصول البحث اللغوي ومناهجه تتيح للباحث اللغوي أن يتناول الظواهر اللغوية اللهجية بالدراسة الوصفية، وأن استقباح الظاهرة اللغوية لا يمنع دراستها ووصفها، ولو كان ذلك مانعا لمنع اللغويين من قبلُ من دراسة تلك الظواهر المستقبحة واللهجات المذمومة ووصفها.

خ- أخذه بالآراء الشاذة ومنها أن (القاف المعقودة) هي القاف الفصحى، وميله إلى إنكار أن يكون المراد بهذا المصطلح هذه القاف اللهجية التي نسميها القيف، معتمداً في هذا على رأي شاذ ضعيف جدا، وجده عند ابن عربي الصوفي في الفتوحات المكّيّة، ولو وعاه وتأمّله وحلّله لأدرك تهافته. وسيأتي ذلك مفصلا.

د- تقصيره في معرفة تأريخ مصطلح (القاف المعقودة) وعدم اطلاعه على نحو ثلاثين إشارة أو نصاً صريحا في دلالة هذا المصطلح، الذي ذكره أبو حيان في الارتشاف، مما يؤكّد صحته وتبيين تاريخه قبله وبعده، ولو عرفها لتبرّأ من رأي ابن عربي، وفرّ منه فرار الصحيح من المجذوب. وسيأتي ذلك مفصلا.

ذ- ادعاؤه أن صوت القيف مأخوذ أصلا من الأعاجم وأنه غير عربي في الأصل، وتعليله ذلك بالصلة بين تميم والفرس! وسيأتي إيضاح هذا والردّ عليه.

ر- استخفافه بدراسة اللهجات وبدارسيها، كما يظهر في بعض تغريداته وفي ردوده، وبدا كأنّه لا يميز اللهجة الفصيحة من العاميات، ولا يدرك مقدار التداخل بينهما، ومعلوم أن لهجاتنا جزء من لغتنا، وأن عامّيها لا يلغي فصيحها، وهو الأكثر، وأن القراءات العشر بها نزلت، وبها تفسّر الأحرف السبعة، وأن من يحارب لهجات العرب يخالف نهج القرآن ويطعن فيه من حيث لا يدري، ويخالف نهج اللغويين من لدن الخليل وسيبويه، ويخالف نهج صناع المعاجم الذين احتفوا باللهجات؛ لأنهم أدركوا قيمتها وصلتها بالفصحى، وأنها رافد من روافد العربية، وأنها مع اختلافها حُجّة، حتى عقد لها ابن جني باباً في خصائصه سماه (اختلاف اللغات وكلّها حجة) وهو يقصد باللغات لهجات العرب المختلفة المتفاوتة، وينصّ على جواز الاحتجاج بها جميعًا، ولو كانت خصائص بعضها أكثر شيوعًا من خصائص بعضها الآخر، ونراه يقول: إن الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه. ومعلوم عند أهل النظر واللغة أن اللهجات متفاوته في درجات الصواب والفصاحة، ولكنّ الاحتفاء بفصيحها ليس مانعاً من وصف ضعيفها ودرسِهِ، كما فعل شيخنا الأكبر سيبويه بلغات شاذة أو ضعيفة أو مستقبحة.
     ومن هنا تجد العنايةَ باللهجات والحفاوة بها سمةً بارزة لدى بعض اللغويين القدامى والمعاصرين، وتجد أقسام اللغة العربية في جملتها حريصة على دراسة اللهجات الفصيحة وفهمها، ومن قبلها ترى مجامع اللغة -وعلى رأسها مجمع القاهرة- تدعو اللغويين والباحثين إلى دراسة اللهجات وتأصيلها وتهذيبها، خدمة للفصحى وإثراء لمعجمها.
     وهذا الدكتور صبحي الصالح في كتابه (دراسات في فقه اللغة) يشير - بعد حديثه عن أهمية اللهجات العربية الشمالية أو لهجات العربية الباقية- إلى الثروة اللغوية المهمة للهجات، ويقول: ((وإن كنا نعتقد أن التوسّع في دراسة سائر اللهجات العربية يزيد لغتنا ثروة، ويمنحها قوة، ويفسر كثيرًا من خصائصها التي لم تنفرد بها لهجة، بل أسهمت في تكوينها هذه اللهجات قاطبة))
    إنّ غاية دارسي اللهجات ربطُها بالفصحى والكشف عمّا طرأ عليها من تغيير، وقد نص قانون مجمع القاهرة على أنه يقوم (( بتنظيم دراسة علمية للهجات العربية المعاصرة)) وعلّق الأديب الكبير عباس محمود العقاد على هذا القانون المجمعي بقوله: إنّ ((من أغراض المجمع دراسة اللهجات العامّيّة في مصر، وسائر الأقطار العربية، ونحسب أنه من أنفع أغراض المجمع في خدمة اللغة الفصحى)) (مجلة مجمع القاهرة 10/ 107)
     ومعلوم أنّ الذين يدرسون اللهجات المعاصرة في جزيرة العرب يتناولون طَرَفا من العامّيّة، لأنها مختلطة بها، ولكن العامّيّة عندهم ليست هدفاً في ذاتها، بل الهدف البحث عن الفصيح والتأصيل والتهذيب والكشف عن التطور الصحيح لإبرازه، والتطور الملحون لإصلاحه، والتحذير منه.
    وهذا الأديب السعودي الكبير (عضو مجمع القاهرة) الأستاذ عبدالله بن خميس يقول في بحث قدّمه لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ألقاه في مؤتمر المجمع عام 1977م: ((إن اللهجات في قلب الجزيرة  تمتّ إلى العربية الفصحى بأقوى الأسباب، بخلاف اللهجات الأخرى المنتشرة في مختلف الأقطار العربية... ففي استعمال اللهجات في قلب جزيرة العرب أو محاولة التقريب بينها وتنميتها محافظة على اللغة العربية وخدمة لها)) (ينظر: اللهجات العربية: بحوث ودراسات 483)
    فهل يعي الدكتور بهاء ذلك؟ وهل يعرف أن العربية واسعة وأن خدمتها ليست مقصورة على باب من أبوابها أو فن من فنونها، وأن مناهجها متعددة، وأنها في مجموعها تصبُّ في نهر اللغة العظيم؟ ثم ألا يعلم أنّ التثبيط والتسفيه واتهام علماء العربية بالتخليط ليس من مصلحة العربية في شيء ولا يبعث الروح فيها؟ وإنما يؤدّي بها وبأبنائها إلى القعود وهجر البحث العلميّ اللغويّ والاكتفاء بما وجدوه قبلهم مقرراً، فيفضي بهم الأمر إلى الاكتفاء باستهلاك العلم دون محاولة المشاركة فيه وإنتاجه، وهذا خلاف المنهج اللغوي السديد الذي سار عليه سلفنا وخلفنا ممن يُقتدى بهم في العلم والعمل.

ز- أن الدكتور بهاء حين يسعى إلى الهدم والتقليل من عمل المجمع لم يأت ببديل، فلم يخبرنا ما الذي يقترحه مصطلحا لهذه الظاهرة التي نسميها (القفقفة) ولم يذكر لنا اختياره في تسمية حرفها المقفقف من القاف الذي نسميه (القيف) أو حرفها المقفقف من الجيم أو الكاف، مما أشرنا إلى وجوب تسميته لاحقا، وكذلك لم يحدثنا عن مقترحه في رسم الحرف المقفقف من القاف ولا الحرف المقفقف من الجيم حين يحتاج إليهما الباحث اللهجي الوصفي، مما ذكرنا أنه جدير بالرسم لمعرفة أصل الحرف المقفقف من رسمه، منعا للخلط والتخليط، وهما الصورتان الأشهر من صور القفقفة الثلاث، بخلاف الصورة الثالثة النادرة، ولعل ّأبلغ ردّ عليه هو أنّ لعلماء العربية على مرّ العصور اجتهاداتِهم المعتبرةَ في وصف هذه الظاهرة اللهجية على ما تقتضيه مناهج اللغة.

س- وحين تراه يستخف باجتهادات المجمع في خدمة اللغة في التصويب والتعريب وجمع الفوائت بنوعيها وتهذيب اللهجات وتمييز الفصيح من العامّي تحار في أمره ولا تدري أيجهل حقا واجبات اللغوي الأكاديمي وتنوّع المجالات البحثية اللغوية أمامه وما يُنتظر منه من إضافة وإثراء واجتهاد حسب طاقته أم ترجّح أن دوافع الاستخفاف غير علمية؟

     هذه الخلاصة العامة لما يؤخذ على الدكتور بهاء عبدالرحمن في الأصول والفروع مما ظهر لي في ردّه في مسألة القيف. وفيما يأتي سأعلّق على بعض المواضع من كلامه، أضعها بنصّها بين أقواس، كما كتبها هو بأسلوبه، وأبين ما فيها من خلل وزلل وما فيها من أوهام ومغالطات، وسأضعها في نقاط مرقّمة، وأنبّه على أنّ جميع ما أرسمه برسم القيف (القاف المنقوطة باثنتين من تحت) يصلح رسمه بالگاف الفارسية على مذهب القدامى في رسم هذا الصوت، فكلّ ما أرسمه بالقيف العربية ارسموه في مخيلتكم بالكاف الفارسية إن شئتم، وإن اكتفيتم برسم القيف فهو حسبكم، حتى نحرّر رسم الجيم اليمنية (كما قلنا في تاريخ 13 شعبان 1435هـ كما سيأتي بيانه) وإليكم الآن الملحوظات المفصّلة على ردّ الدكتور بهاء وبيان ما فيها من خلل ومغالطات:

1- قال بهاء: ((وذكرت أن سيبويه لم يذكر هذا الصوت في كتابه)) وقال في أكثر من موضع من ردّه أنه لم يزل مصرّا على أن سيبويه لم يذكر صوت القيف، وقال: ((إن هذا الصوت الذي ذكره ابن دريد وغيره يختلف عن الصوت الذي ذكره سيبويه بين الكاف والجيم أو بين الجيم والكاف)) وقال: ((أنت تخلط بين صوتين أشار إليهما القدماء وهما الصوت الذي بين القاف والكاف، والصوت الذي بين الجيم والكاف أو الكاف والجيم، فهما صوتان مختلفان في المخرج وفي الصفة))

    أقول: القفقفة ظاهرة صوتية فريدة تحدث بين ثلاثة أحرف (الجيم والقاف والكاف) فينشأ منها ثلاثة أوجه، قفقفة الجيم وقفقفة القاف وقفقفة الكاف، وسيبويه ذكر صوت القيف في وجهين من وجوهه وهما قفقفة الجيم وقفقفة الكاف وهما شيء واحد، أي أنّ الصوت واحد عند القفقفة، كما قال السيرافي. وأحد الوجهين يسمّى الجيم اليمنية كما قال ابن دريد وشُرّاح الكتاب، وليس للوجه الآخر اسمٌ لقلّته في الاستعمال، والفرق بين الوجهين هو الأصل الذي نشأت منه القفقفة، أما الوجه الثالث الذي يأتي منه هذا الصوت الفريد، وهو ما يسمى بالقاف التميمية، وهو قفقفة القاف، فقد أهمله سيبويه، وهو معدود في فوائت الكتاب، كغيره من المسائل الفائتة، كما سيأتي في الفقرة رقم 2، وقفقفة القاف هي الأكثر والأشهر عند العرب، وهي عين ما نعنيه بمصطلح القيف عند الإطلاق، والقفقفة تشمل الصور الثلاث المشار إليها، وقد بيّنت للدكتور ذلك سابقا وأريته كلام السيرافي والرضي وفهمهما لكلام سيبويه، ولا أريد أن أعيده، ولكني هنا سأناقشه بالأمثلة التي تقرّب له الأمر:
أولا: قفقفة الجيم (ذكرها سيبويه ولم يمثل لها) ومثالها: (رَݠَعَ يرݠع)
ثانيا: قفقفة الكاف (ذكرها سيبويه ولم يمثل لها) ومثالها (رَݠَعَ يرݠع) أيضا !!
ثالثاً: قفقفة القاف (وهذه لم يذكرها سيبويه) ومثالها: (رَݠَعَ يرݠع) أيضا!!! (وهنا زادت علامات التعجب؛ لأني كررت المثال نفسه في الحلات الثلاث!) وبيان ذلك أن نطق الألفاظ الثلاثة واحد، وهو صوت القيف، فلا فرق بينهن في النطق ألبتة، ولكن الأصل يختلف، فأصل الأولى قبل القفقفة (رَجَعَ يرجع) وأصل الثانية (رَكَعَ يركع)  وأصل الثالثة (رَقَعَ يرقع) وهذه الصورة الثالثة هي الصورة التي لم يذكرها سيبويه.
     وأوضحها بصورة أخرى لعلها تكون أسهل؛ فأقول: إذا أردت قفقفة (الجَرْش والكَرْش والقَرْش) فإنك تقول: (الݠَرْش) كلمة واحدة ونطق واحد للكلمات الثلاث، وهنّ مختلفات في الأصل.
وقفقفة: أكبر وأجبر وأقبر: (أݠَبر) كلمة واحدة ونطق واحد للثلاث.
وقفقفة: كَرَفَ وجَرَفَ وقَرَفَ (ݠَرَفَ) كلمة واحدة ونطق واحد للثلاث
وقفقفة: كَرَعَه وجَرَعَه وقَرَعَه (ݠَرَعَه) كلمة واحدة ونطق واحد للثلاث
وقفقفة: فَرَكَه وفَرَجَه وفَرَقَه (فَرَݠَه) كلمة واحدة ونطق واحد للثلاث.
وقفقفة: حَكَرَه وحَجَرَه وحَقَرَه (حَݠَرَه) كلمة واحدة ونطق واحد للثلاث.
ومن هنا نعلم كيف يكون الصوت بين ثلاثة أحرف، وتظهر أيضا دقة كلام ابن فارس حين قال: ((الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم)) يقصد أنه صوت واحد يُقفقف من هذه الأحرف الثلاثة فيكون وسيطا بينها.
    والصورة الأولى والثانية عند سيبويه شيء واحد قطعا، قال السيرافي: ((الگاف التي بين الجيم والكاف... والجيم التي كالكاف، هي كذلك، وهما جميعا شيء واحد، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف، ثم يقلبونه إلى هذا الحرف الذي بينهما)) (شرح الكتاب: 5/ 389، 390) وقال: ((والدليل على أنهما شيء واحد أنك إذا عددت ما بعد الخمسة والثلاثين فهو سبعة بعدها واحد، وثمانية بعدها اثنان))
    وقال الرضي في (شرح الشافية 3/ 257) ((... وهما جميعا شيء واحد إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف))
    وقال ركن الدين الأستراباذي في (شرح شافية ابن الحاجب 2/ 922): ((وأما الجيم التي كالكاف -وهي عكس الكاف التي كالجيم- فلا يتحقق أنها غير الكاف التي كالجيم، بل هما شيء واحد))
    فهذا يؤكّد للدكتور بهاء أن قفقفة الجيم كقفقفة الكاف بنص العلماء، وبالسماع عن العرب والأمثلة السابقة، لكن هنا أدوّن ملحوظة وهي أن فقفقفة الكاف قليلة وقد مثل لها ركن الدين الأستراباذي بأن من العرب من يأتي في موضع الكاف من نحو:كسب ووكد بحرف بين الكاف والجيم (شرح الشافية 2/ 923)
    قلت: والشائع قفقفة الجيم وهي يمنية حضرمية، وقفقفة القاف وهي أكثر شيوعا (وعزاها ابن دريد لتميم) والحقيقة أنها لكثير من قبائل العرب، وهي غالبة في بادية العرب منذ عشرة قرون متتابعة على الأقل، وهي أوسع أنواع القفقفة انتشارا. وقد مثّل القدامى لقفقفة الجيم بـــ (ݠَمَل) و(رَݠُل) في جمل ورجُل، ويسمونها الجيم اليمنية.
    وليعلم الدكتور بهاء أن قفقفة القاف هي في الصوت كـقفقفة الجيم، تماما، وهي (أي قفقفة القاف) هي الصورة التي لم يذكرها سيبويه، وسأعود مرة أخرى لأمثل للجيم اليمنية والقاف التميمية (القيف) للمقارنة بينهما ولأثبت له ما خفي عنه من لهجاتنا التي لا يعرفها ولا يرويها:
فإن قلت (المَݠَرّ) فإنك لا تدري من غير سياق أهو المجرّ أو المقرّ
وإن قلت (الݠُرْعة) فإنك لا تدري من غير سياق أهو الجُرْعة أو القُرْعة.
وإن قلت (المَݠال) فإنك لا تدري من غير سياق أهو المجال أو المقال.
    وبهذا يتبين أن سبب الخفاء في هذه الألفاظ هو أن الصوت واحد، من مخرج واحد، ينشأ في صوت القفقفة، وسيبويه ذكر صورتين من صور القفقفة ولم يذكر الثالثة، كما قلت، ومما أوقع الدكتور بهاء في الاضطراب الذي وقع فيه، أنه إلى اليوم لا يدرك أن الجيم اليمنية مطابقة تماما للقاف التميمية في النطق؛ لأن الجيم عند قفقفتها تنزاح إلى جهة الكاف فتكون في المخرج نفسه الذي تنزاح إليه القاف عند قفقفتها، وأنّ هذا المخرج الوسيط مخرج واحد تلتقي فيه هذه الأحرف الثلاثة عند قفقفتها، وأنّ كلام ابن دريد وابن فارس وابن خلدون يؤكّد هذا، ويدلّ على فهم عميق منهم لطبيعة هذا الصوت الفريد.
    ومما يدلّك على أنّ هذه الأصوات الثلاثة هي في النطق شيء واحد وإنِ اختلفت في الأصل أنهم يرسمونها جميعا بالگاف الفارسية، فهي رسم القاف التميمية والجيم اليمنية والكاف المقفقفة، وفي هذا إشارة قوية لم يلتقطها الدكتور بهاء ولم يفطن إليها! 

2- قال بهاء: ((ولو سلمنا أنه هو فلا يصحّ إلحاقه بأصوات العربية لا المستحسنة منها ولا المستقبحة، لأنه لم يذكره سيبويه))

    أقول: هكذا –كما ترون- يقطع الدكتور بهاء ويجزم بأنه لا يصح إلحاق هذا الصوت بأصوات العربية بنوعيها؛ لأن سيبويه لم يذكره!! فيا للعجب !! كيف يصنَّف هذا الزعم ما لم يصنَّف في بابٍ من غرائب بعض الأكاديميين؟! إن (لو) تفتح الباب لـ (لو) فلو سايرناه في فهمه ووهمه وزعمه أنّ سيبويه لم يذكر هذا الصوت الوسطي بين الأحرف الثلاثة الجيم والقاف والكاف، وأنّه ((لا يصح ّإلحاقه بأصوات العربية لا المستحسنة منها ولا المستقبحة، لأنه لم يذكره سيبويه)) لرُدّ الكثير من علم العربية، وهذا من أفسد ما علمتُ من الرأي وأضلّه، فكيف لأستاذ جامعي أكاديمي أن يقول مثل هذا وألا يقبل مسألة أو رأياً ذكره علماء أجلّاء بعد سيبويه، وكيف له أن يحتجّ بمعيار فاسد كهذا في القبول أو الردّ؟! إذن يلزمه أن يردّ كلَّ الأبنية التي لم يذكرها سيبويه مما استدركه عليه المستدركون كالزبيدي في (الاستدراك على سيبويه في كتاب الأبنية) وهي كثيرة.
    ولا يخفى عليه أنهم استدركوا على سيبويه في الأصوات والنحو والأبنية واللغات والقراءات والأساليب؟ وأنهم ردوا عليه وصححوا له، وأنهم لم يرفعوه إلى درجة التنزيه والكمال كما يفعل هو، وأنهم لم يردوا لهجة معروفة بحجّة سكوت سيبويه عنها، وقد استدرك ابنُ السراج على سيبويه في الأبنية وزاد 22 مثالًا، واستدرك عليه أبو عُمر الجَرميّ أمثلة، وزاد ابن خالويه أمثلة، وزاد أبو بكر الزُّبيدي أكثر من ثمانين بناء في كتابه الاستدراك.
    ويعلم الدكتور بهاء أن ابن جني عقد بابا في الخصائص سماه (باب القول على فوائت الكتاب) (الخصائص 3/ 185 – 218) ذكر فيه عدداً من الأبنية فاتت سيبويه؛ منها: تِلِقّامة وتِلِعّابة، وفِرناس، وفُرانس، وتَنُوفَى، وتَرْجُمان، وشحمٌ أُمْهُج، ومُهْوَأَنّ، وعُياهِم، وتُرامِز، وتُماضر، ويَنابعات، ودِحِندِح، وعِفِرّين، وتِرعاية، والصِّنَّبِر، وزَيتون، ومَيْسُون، وكُذُبْذُب، وكُذُّبْذُب، وهَزَنبَزان، وعَفَزّران، وهَدَيكُر، وهُنْدَلع، ودُرْداقِس، وخُزْرانق، وشَمَنْصِير، ومُؤْقٍ، ومَأْقٍ، وجَبَرُوّة، ومَسْكِين، ومَنديل، وحَوْريت، وتَرْقُؤة، وخَلْبُوت، وحَيُّوت، وسَمَرْطُول، وقَرَعْبَلانة، وعُقْرُبان، ومَألُك، وإصْرِّي، وإِزِلْزِل، وإِصْبُع، وخِرْفُع، وزِئْبُر، وخُرُنْباش، وزَرْنُوق، وصَعْفُوق، وكُنادِر، والماطِرون، وخَزْعال وقسطال، وفِرْنَوس، وسُراوِع، وضَهْيَد، والحُبْلِيل، والأُرْبُعاوَى، ومُقْبَئنّ، ويَرْنَأ، وتَعَفْرَت.. وتعجّب ابن جني وغيره كيف فات سيبويه بناءُ (فَعْلُون) وهو قرآنيّ وعلى طرف اللسان؟! قال: ((وأما زيتون فأمره واضح، وأنه فَعُلون، ومثال فائت. والعجب أنه في القرآن، وعلى أفواه الناس للاستعمال!)) (الخصائص 3/ 203)
    قلت: سبحان الذي لا ينسى ولا يفوته شيء.. والدكتور بهاء يرفض صوت القيف بحجّة واهية وهي أن سيبويه لم يذكره، ثمّ لا يلتفت لمن ذكره من علماء العربية الذين جاءوا بعد سيبويه على الرغم من كثرتهم ومكانتهم في العلم والعربية، وهذا موقف غير علمي من أكاديمي. ولو قرأ شروح الكتاب بتدبّر كشرح السيرافي وشرح الرماني وشرح الأعلم وشرح الصفّار وشرح المجريطي وشرح ابن خروف لوجد أنهم يستدركون عليه أشياء مختلفة، ويكملون نقصه.
    ونعود مع الدكتور بهاء في الاستدراك في الأصوات نفسها فسيبويه ذكر من الحروف (الأصوات) الأصلية والفرعية اثنين وأربعين حرفا فاستدركوا عليه، فزاد بعضهم أربعة أحرف (البديع 2/609) ثم زادوا أربعة، لتصل إلى خمسين حرفا (صوتا) فالأصوات وعددها وصفاتها ليست حكرا على سيبويه، وإن كان هو الركن الركين في علم العربية، ولكن العلم بعده لم ينقطع، وعجلة العربية تدور، والعلماء في الأمصار يستدركون، واستدراكهم معتبر ومقدّر علميا، وها نحن اليوم نرى المعاصرين يستدركون على سيبويه في الأصوات ومخارجها وصفاتها.
    وحين نقدّر سيبويه حق قدره وننزّله المنزلة اللائقة به لا نلغي سماع غيره وروايته، فالعمدة في إلحاق صوت فرعي شائع بأصوات العربية هو السماع وتواتر نقل الرواة الصادقين، فحين يكون القيف مشهورا شائعا، ونجد جمهرةَ من أهل اللغة يرون أن النطق به لغة أكثر العرب كما رأينا في كلام أبي حيّان والأسنوي وابن خلدون وغيرهم، بل نرى من هو أقدم من هؤلاء ممن جاء بعد ابن دريد بقرن واحد، فينص على أنها لغة أكثر العرب، في كتاب (المباني لنظم المعاني) لمؤلف مغربي شرع في تأليفه سنة 425هـ في قوله: ((أكثر العرب يجعلون القاف تقارب الكاف في السماع)) (ينظر: مقدمتان في علوم القرآن ص 221 تحقيق آرثر جفري) ونرى من المحدثين من المعاصرين (وهو الأستاذ عبدالستار أحمد فراج) من لا يستثني من العرب الذين ينطقون بهذه القاف اللهجية إلا قريشا (ينظر القبائل والقراءات، الرسالة العدد 812 ص 112ولغة قريش 45) وهذا يؤيد أن المراد بتميم في نص ابن دريد القبائل النجدية بعامة كما يقول الدكتور مختار الغوث (لغة قريش 45) فحين يكون الأمر كذلك فليس لنا إلا الاعتراف بحقيقة هذا الصوت، وأن نصفه كما وُصِف لنا وكما سمعناه في البيئات البدوية، وليس لنا أن نرده بحجّة غير علمية!
    وبهذا يظهر أن حجة الدكتور بهاء في رد القيف بأنّ سيبويه لم يذكره باطلة، ومنقوضة بما سبق، وقولي هذا ردٌّ على افتراض صحّة زعمه أن سيبويه لم يذكر ذلك الصوت الوسطي (القيف) ومعلوم أن سيبويه ذكر القفقفة في صورتين من صورها، ولم يذكر الثالثة، واستدركها ابن دريد والسيرافي وابن فارس كما استدركوا عليه في الأبنية.
انتهى الجزء الأول من الرد ويليه الجزء الثاني

أ.د عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
المدينة المنورة
السبت 13 شوال 1435هـ
الموافق 9 أغسطس 2014م