الأحد، 10 أغسطس، 2014

وقفات مع الدكتور بهاء عبدالرحمن في مسالة القيف:

الرد على الرد
(وقفات مع الدكتور بهاء عبدالرحمن في مسالة القيف)
الجزء الثاني

 3- وقال بهاء: ((وأنّ في وصف ابن دريد اضطرابا لا يصح عنه)) وقال سابقاً: ((هذا النص لو صح عن ابن دريد دلّ عندي على تخليط من أثر الشراب الذي كان يلازمه على ما حكاه الأزهري)) وقال ((كلام ابن دريد على هذا الوجه فيه تخليط))

     أقول: ادّعى الدكتور بهاء أن ابن دريد مخلّط في حديثه عن هذا الصوت (القيف) (لو صح عنه) كما يقول! فما قول ابن دريد؟ قال: ((ومثل الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم والكاف)) فيلحظ أنه جعل القفقفة حرفاً (صوتاً) واحدا بين هذه الأحرف الثلاثة، وهذا ما أزعج الدكتور بهاء؛ لأن قوله هذا يعدّ حجّة ضدّه، فاتهم ابن دريد بالتخليط، ولكنه تورّط حين وجد ابن فارس يؤكد كلام ابن دريد ويزيده إيضاحاً حين قال في الصاحبي (ص 36، 37 ): ((ومثل الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم)) فهذا اختصار لطيف لكلام ابن دريد، واختصار جيّد لصوت القفقفة، الذي يكون من مخرج وسيط بين هذه الأحرف الثلاثة المتقاربة، ومثل هذا نراه عند ابن خلدون، فهل كان الثلاثة ابن دريد وابن فارس وابن خلدون مخلّطين؟!!
     إنّ بعض التخليط الذي يشير إليه الدكتور بهاء هو أن ابن دريد ذكر الحرف ((الذي بين القاف والكاف والجيم والكاف)) فكيف يكون حرفا واحدا أو صوتا واحدا من مخرجين؟ هكذا يتوهم الدكتور بهاء أنه من مخرجين!! والأمر خلاف ذلك، ولا يخفى هذا الخفاء، فهذا الصوت الذي يقع بين ثلاثة أحرف، هي الجيم والقاف والكاف، هو صوت واحد من مخرج واحد، وهو ما أوضحته في كلامي السابق حين قلت:  تقريب الجيم إلى الكاف، وتقريب الكاف إلى الجيم، وتقريب القاف إلى الكاف.. فيأتي الحرف المقرّب في هذا المخرج وينتج عن التقريب هذا الصوت اللهجي الفريد، الذي يسمونه الگاف الفارسية، وهذا الصوت أكثر شيوعا في اللهجات البدويّة من الخليج إلى المحيط، وهو يمثل ما نسميه: ظاهرة القفقفة (وهذا مصطلح جديد نقترحه لهذه الظاهرة ولم يسبقنا إليه أحد فيما نعلم وكذلك مصطلح القيف) فابن دريد لم يخلّط، بل كان أكثر وضوحا؛ لأنه أضاف الصورة الثالثة، التي لم يذكرها سيبويه في طريقة نشأة هذا الصوت الفريد، واختصر صورتي سيبويه في لفظ واحد، وقد أفاد من كلامه تلميذُه أبو سعيد السيرافي، وفي ظني أن ابن دريد هو الذي فتح للسيرافي الطريق ليقول كلمته التي جلّت كلام سيبويه، وهي قوله عن الصوتين اللذين ذكرهما سيبويه: ((وهما جميعا شيء واحد، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف، ثم يقلبونه إلى هذا الحرف الذي بينهما)) وكذلك الصوت الذي بين القاف والكاف يكون من ذلك المخرج نفسه، والأمثلة التي ذكرتها من القفقفة تشهد، وهو مُؤيّد بكلام ابن فارس وكلام ابن خلدون، فقد تابعا ابن دريد وجعلا صوت القفقفة متوسّطا بصورةٍ ما بين الجيم والقاف والكاف.
    وزيادة على ذلك فإن سائر علماء العربية القدامى لم يفرّقوا في الرسم بالكاف الفارسية بين قفقفة القاف وقفقفة الجيم فهم يرسمون: رگل وگمل (رجل وجمل) بالكاف الفارسية، كما يرسمون الگوم والگدر (القوم والقدر) بالكاف الفارسية أيضا، والمثالان الأولان لقفقفة الجيم والآخران لقفقفة القاف، فدلّ ذلك على أن الصوت عندهم واحد فرسموه برمز واحد، وهذا واضح الدلالة، والجدل فيه عقيم.

4- وقال بهاء: في حديثه عن ابن دريد: ((فأنت ترى أنه جعل أحد الصوتين بين الكاف والجيم وأصله الجيم، وجعل الثاني بين الكاف والقاف وأصله القاف. والثاني أن ابن فارس الذي نقل عن ابن دريد وإن كان نقله يختلف قليلا عما في الجمهرة فرق بين الصوتين كما فعل ابن دريد، فالجيم في (جمل) في اللغة اليمنية التي أشار إليها ابن دريد تنطق بين الكاف والجيم، أما القاف التميمية فتكون بين القاف والكاف)) 

     أقول: وأكرر: نطق الصوت الذي بين الجيم والكاف هو نفسه الذي بين القاف والكاف، والفرق بينهما أن هذا مقفقف من الجيم والآخر مقفقف من القاف، وأعجب ألا يُدرك الدكتور بهاء هذا، وسأعطيه أمثلة:
 نأتي برجلين يمنيٍّ وتميميٍّ:
المثال الأول: الفعل (ݠَبَعَه) (اليمني –صاحب لهجة الجيم اليمنية- يسمعه ويظنه مقفقفا من: جَبَعَه، بمعنى قطعه، والتميمي يظنه من قَبَعَه قبعا، والصوت واحد والنطق واحد، والقفقفة عند اليمني من الجيم وعند التميمي من القاف، ولو اختلف الصوت ما التبس اللفظ. 
المثال الثاني: الاسم (الݠَدْر) (اليمني يحسبه الجَدْر بمعنى الجدار والتميمي يظنه القَدْر بمعنى المقدار)
المثال الثالث: الاسم (الݠَرْم) اليمني يحسبها: الجَرْم، والتميمي يحسبها: القَرْم واحد القروم.
     ومثل هذا كلّ ما يقفقف من هذين الحرفين، ولو كان الصوت منهما مختلفا لما التبس على السامعَين اليمنيي والتميمي، فهو صوت واحد في اللفظين، وهذا معنى كلام السيرافي، في قوله: ((ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف فيأتي بمثل لفظ الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف)) فالصوت واحد، والمخرج واحد، خلافا لما ييتوهمه الدكتور بهاء، فهما قد زالا عن مخجريهما الأصليين وانتقلا إلى مخرج جديد فالتقيا فيه، ولو كانا صوتين من مخرجين لكانا مختلفين، كما تختلف الحروف لاختلاف المخارج، فلا معنى حيئذ لكلام السيرافي، فالقيف صوت، واحد من مخرج واحد، نشأ وسيطا بين تلك الأحرف الثلاثة، أو كما سماه ابن فارس ((الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم)) وكما وصفه ابن خلدون بأنه ((بين القاف والكاف والجيم)) وسبق أن ذكرتُ له هذا مفسّرا، وهو ظاهر.

5- وقال بهاء: ((عجبت ممن يستقيم في منطقه الجمع بين المتناقضات كيف يجرؤ على عرضها على الملأ! سبق أن بينت أنك لم تفهم تغريدتي، ولأنك لم تفهمها نسبت إلي ما لم أقله، فلم أقل إن هذا تخليط من ابن دريد وإنما علقت ذلك بـ(لو صح هذا عنه) وشرط (لو) ممتنع كما ذكرت)) وقال: ((فالمقصود أنه لا يصح هذا عن ابن دريد))

    أقول: سبق أن وصف الدكتور بهاء ابنَ دريد في أكثر من موضع بالتخليط، وتارة يعلّق ذلك بـ (لو) صح عنه، وتارة يجزم به، وهذا دليل تردّد واضطراب وعدم ثقة بفهمه، فأما تعليقه بـــ (لو) فمما لا فائدة فيه؛ لأن نصُّ ابن دريد لم يأتنا في عرض قولٍ مرويٍّ عنه في كتابٍ ليس له، حتى نقول: إن صحّ عنه! بل جاء في كتابه هو (الجمهرة) المتداول بين أهل العلم منذ أكثر من ألف سنة، وقد اطلع عليه علماء العربية ومعجميون محققون كبار كالقالي والفارابي والأزهري والصاحب وابن فارس والجوهري والصغاني وابن سيده وابن برّي وابن منظور والفيروزآبادي والمرتضى الزَّبيدي، وكذلك اطلع عليه محققا الجمهرة في طبعتها الأولى الشيخ محمد السورتي والمستشرق الألماني كرنكو (سالم الكرنكوي) ومحققها الثاني الدكتور رمزي منير بعلبكي في طبعتها العلمية الأخيرة، وحُقّقت الطبعتان على عدد من النسخ أحدها نسخة قرئت على ابن خالويه وعلى أبي العلاء المعرّي، ولهما تعليقات عليهما، ونسخة أخرى جاءت برواية أبي عليّ القالي وهو تلميذ ابن دريد، فهؤلاء العلماء القدامى والمعاصرون لم يعترضوا على نصّ ابن دريد في القيف أو في الأصوات الفرعية، مع أنهم انتقدوا مواضع في كتابه في غير هذا الموضع. وقد اطلع على الجمهرة ابن جني وشيخه الفارسي، وهما ممن يترصّد لابن دريد ويكشف عن أخطائه؛ لأنه كوفي، فلم يأخذا عليه شيئا في وصفه للأصوات. فما فائدة التعليق بـ (لو) وليس هذا من مواضعها المناسبة؟!

6- وقال بهاء: ((كلام ابن دريد على هذا الوجه فيه تخليط، ونقل ابن فارس عنه (بين القاف والكاف والجيم) أيضا لا يصح، ووصف ابن خلدون للكاف الفارسية أيضا (بين القاف والكاف والجيم)

    أقول: يكرر الدكتور بهاء دعوى التخليط المزعوم عند ابن دريد، وترون كيف يكيل بمكيالين، فالثلاثة عنده مخطئون ولكن الحكم مختلف، فابن دريد مخلّط وابن فارس وابن خلدون لا يصح قولهما فحسب، وليسا مخلّطَين؛ والحقيقة أنّ كلام الثلاثة صحيح واضح لا خلط فيه ولا غلط إلا عند من لم يفهم قولهم.

7- وقال بهاء: ((وأن ابن فارس ذكره في باب اللغات المذمومة))

    أقول: لم يكن خلافنا في القيف في هذه المسألة، أي في حال القيف في الصحّة والفصاحة وكونه لهجة مذمومة أو غير مذمومة؟ ألم يرَ كلامي الذي كرّرته مرارا؟ وهو أنني لا أتعدّى وصف الظاهرة كما جاءت عن العرب؟ وأنني في هذا الأمر أقتدي بابن فارس نفسه الذي ذكر هذه الظاهرة المذمومة، وذكر غيرها في باب مستقلّ في الصاحبي في فقه اللغة، وذكر سيبويه لغاتٍ مذمومةً، ووصفها وحلّلها، وعقد السيوطي في المزهر بابا لمعرفة الرديء المذموم من اللغات، ومثل هذا نراه منتشراً في كتب اللغويين، أفإن جاز لهم أن يصفوا لهجاتٍ مذمومةً ألا يجوز لنا أن نفعل مثل ما فعلوا؟! وحين كانوا في ذلك وصفيين كنا مثلهم وصفيين في القيف، نمارس حقنا اللغوي العلمي في الوصف، ونجتهد مثلهم.. وهذا من المسلّمات، والجدل فيه عقيم مستقبح.

8- وقال بهاء: ((وأنّ ابن خلدون حار في أمره وأمر القاف الفصيحة))

     أقول: قول ابن خلدون واضح في القيف وصريح وجريء، ولم يحر فيه إلا الزاعم المضطرب، فابن خلدون يصف القيف كما وصفها ابن دريد ووصفُه مطابق لما نعلمه اليوم من حال القيف في لهجاتنا التي نتكلم بها في حديثنا اللهجي اليومي، ونعرفها معرفة يقينية، وقد جعل ابن خلدون مخرج القفقفة بين الأحرف الثلاثة، قال: إنهم ((يجيئون بها متوسّطة بين الكاف والقاف)) وأنه صوت ((متوسّط بين الكاف والجيم أو القاف)) وهذا يوافق كلام ابن دريد وابن فارس.

9- وقال بهاء: ((لذلك لا يمكن القطع بأن ذلك الصوت نفسه هو القاف في بعض العامّيّات الحالية))

     أقول: الأصل في الظاهرة اللغوية أن تبقى وتستمرّ في بيئتها وخاصة في البيئات البدوية المنغلقة، كما بقيت اللغات الملقّبة، كالعنعنة والشنشنة والكسكسة والكشكشة والعجعجة والطمطمانية وغيرها، وبقيت على حالها منذ العصر الجاهلي، ووصلت إلينا كما وصفها علماء العربية القدامى، فعلى أي أساس لغوي علمي يفترض أن القفقفة التي نسمعها في القاف والجيم ليست هي ما وصفه القدامى؟ ولماذا تبقى اللغات الملقبة كلها وتتغير القفقفة؟ وما الدليل على تغيّرها؟ وأليس البيت المقفقف في شاهد الشاعر التميمي الذي رواه ابن دريد وابن فارس ورسموه بالكاف الفارسية:
ولا أگولُ لگدْرِ الگوم گد غَلِيَتْ      ولا أگولُ لبابِ الدارِ مگفولُ
باقيا على حاله في نطقنا اليوم؟ وأنه من المخرج نفسه الذي وصفه القدامى وذكروا أنه بين القاف والكاف؟ وأليست القفقفة من الجيم نحو گمل ورگل في الجيم اليمنية هي هي كما كانت في سابق أيامها؟ وأليست الباء هي الباء والسين هي السين والعين هي العين والخاء هي الخاء؟ لقد عرفنا ذلك في أصواتنا بالمشافهة والتوارث جيلا عن جيل، ووجدنا لهجتنا فيه مطابقة لوصف القدامى له. وليس للدكتور بهاء إلا أن يفترض ما يريده هو دون أن يأتي بدليل، وهذا خلاف البحث العلمي، وخلاف المسموع المتواتر وينافي أقوال جمهور العلماء التي تُبطل زعمه وتردّ قوله.  

10- وقال بهاء: ((فلا يعتد بما ذكروه لأن ذكرهم له كان تسجيلا لصوت عامّيّ في عصرهم))

    أقول: لِـمَ لا يُعتدُّ بقولهم في وصف ظاهرة لهجية يعرفونها؟ فإذا كان لا يعتد بأقوال علماء العربية عبر عصورها المختلفة فبقول من يعتدّ؟ أيريدنا بهاء أن نعتدّ بقوله هو وهو لا يحسن كيف تنطق هذه اللهجة؟ وهو لا يعرف من لهجاتنا إلا ما يقرأه قراءة ولا يحسنه نطقا؟ إن الأجدر به أن يلتزم بكلام العلماء القدامى والمعاصرين في هذه الظاهرة، أو يترك القول لغيره ممن يعرف اللهجة ويرويها سماعا كما نطقها أهلها الذين توارثوها جيلا بعد جيل.
      ثم إني ذكرتُ له غير مرّة أن البحث اللهجي وصفي ولا يعنينا أن تكون القيف والقفقفة فصيحة أو صوتاً عامّياً يوصف، فهذا الصوت ممتد منذ عصور الفصاحة تتوارثه الأجيال، وعلى الباحث اللغوي الوصفي في لهجات العربية أن يرصد الظاهرة ويصفها ويحرر مصطلحاتها وما تحتاج إليه من رموز كتابية تعين الباحثين اللهجيين الخائضين فيها، وهذه نقطة خلاف كبيرة بيني وبين الدكتور بهاء.

11- وقال بهاء: في سياق من السخرية: ((وقد أثارت هذه التغريدات ثائرة رئيس (ما يسمى) بمجمع اللغة الافتراضي الدكتور عبد الرزاق الصاعدي الذي (اخترع) للقاف العامية اسم القيف))

أقول: الحكم على مصطلح القيف متروك لأهل العلم، ومعلوم أن لمجمع اللغة الافتراضي فيه قرارين: العاشر في المصطلح والحادي عشر في الرسم، وجهدنا فيه موصول بجهود من سبقنا، ومحاولتنا موصولة بمحاولات عديدة قبلنا للقدامى والمعاصرين، والمجمع يمارس حقه في العلم والبحث اللغوي وخدمة العربية ولهجاتها وأصواتها ومصطلحاتها وألفاظها ومعجمها، ولا أظن أحدا يستطيع أن يغرينا بأن نقعد بجواره مع القاعدين المتواكلين، فهذا لا نرضاه لأنفسنا إن رضيه غيرنا لنفسه، ليبقى مستهلكا للمعرفة، ولن تثنينا أو تثبطنا مثل هذه الخرفشة والأحكام المستخفّة المستهجنة، وما كلماتٌ مثل (ما يُسمّى) و(اخترع) التي يتفوّه بها استخفافا بنا إلا دليل إلا على الجمود وضيق الأفق ومحدودية الاطلاع على تراث العربية وتاريخها، ومن المرجّح أنه لا يعلم أن لهذا الصوت عدة مصطلحات ومحاولات عبر القرون في تاريخ العربية؛ لأنه لو عرف هذا لعدّ محاولة المجمع محاولةً كغيرها من المحاولات معلّلة بعللها ومسبّبة بأسبابها فقد تنجح ويؤخذ بها أو يطويها الزمن كما طوى غيرها، على ما تقضي به سنن العلم والتاريخ، والمجمع لم يأتِ بمنكر يستحق النكير عليه، ولم يتجاوز أن مارس حقه، ومن تلك المصطلحات لصوت القيف التي وجدناها عند علمائنا: (القاف المعقودة) و(الكاف المعقودة) و(الجيم المعقودة) و(قاف العرب) و(القاف التميمية) و(قاف الحجاز) و(القاف المغلظة) و(القاف اليابسة) و(القاف المترددة) و(القاف الصماء)  و(قاف الجماعة) و(القاف الطبقية) و(القاف الصعيدية) و(القيف) و(القفقفة) والأخيران تسميتنا. فهل تسمح له أدبيات العلم بأن ينكر على متقدمٍ أو معاصر من أصحاب هذه المصطلحات اجتهادَه سواء كان مصيبا أو مخطئا؟ وهل تسمح له الأدبيات بأن يستهجن اجتهاد مجتهدٍ منهم ويستخفَّ به بعبارت مثل (ما يسمّى) فلان (اخترع) كذا؟!! إنّ هذه اللغة المستهجنة لا تصدر من أهل العلم، والعالم لا يستخفّ بمحاولات غيره وبخاصة حين تكون ملتزمة بمنهج معروف من مناهج اللغة.

12- وقال بهاء: ((ذكر سيبويه الحرف الفرعي الذي بين الكاف والجيم ولم يذكر الصوت الذي بين القاف والكاف. فإن كان الصوتان في نظرك صوتا واحدا فهو خطأ منك، فلا تنسب إلى سيبويه شيئا لم يقله في الحقيقة، فلا يجوز في المنهج العلمي الخلط بين ما هو حقيقة وواقع وما هو مجرد خيال في ذهن صاحبه))  
      
       أقول: أوضحت له ما خفي عليه، وذكرت له الأمثلة التي يتضح منها أن الجيم المقفقفة والقاف المقفقفة والكاف المقفقفة تنطق بصوت واحد وسيط بينها، وأوردت الأمثلة التي تؤكد ذلك، وما ذكرته يكفي لمن هدفه البحث العلمي المجرد، وذكرت له أن القدامى رسموا الجيم اليمنية بالكاف الفارسية ورسموا القاف التميمية بالكاف الفارسية أيضا، وسموا النطق بالصوتين المختلفين في الأصل المتفقين بعد القفقفة گافاً فارسية، لأنهما جاءا من مخرج واحد، ومثلهما الصورة الثالثة أعني قفقفة الكاف، وفي هذا دلالة تؤكد التحليل اللفظي الذي ذكرته فيما سبق في الفقرة رقم (1) فليرجع إليه.

13- وقال بهاء: ((إذا كان السيرافي قد استدركه فهذا يعني أن سيبويه لم يذكره، وقد سبق أن ذكرتَ أن سيبويه ذكره، لذلك يجب أن تحرر عبارتك فتقول: الصوت الذي بين القاف والكاف لم يذكره سيبويه واستدركه السيرافي))

    أقول: لقد قرأ قولي بعد العبارة السابقة، وهو: ((لقد ذكر سيبويه صوت القيف في كلامه عن الحروف الفرعية في باب الإدغام، واكتفى بصورتين، الأولى نطق الصوت بين الكاف والجيم، والثانية نطق الصوت بين الجيم والكاف، وذكر ابن دريد وتلميذه السيرافي ثلاث صور ينتجع عنها صوت القيف)) ثم نقلت كلام السيرافي وما فيه من استدراك الصورة الثالثة التي لم يذكرها سيبويه وقلت عقبها: ((فهذه هي الصورة الثالثة التي لم يذكرها سيبويه، وكلام السيرافي واضح وصريح، وهو خير من يفهم نصوص سيبويه، ولذا تابعه الرضي وأبو حيان)) فعبارتي واضحة ومفهومة، وليس بعد هذا، فإن كان يطالبني بتحرير عبارتي فأنا أطالبه بتحرير فهمه!

14- وقال بهاء: معقّبا على قول السيرافي: ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف، فيأتي بمثل لفظ الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف: ((ومعنى هذا أن هذا الصوت الذي بين القاف والكاف يشبه الكاف التي بين الكاف والجيم، أو الجيم التي كالكاف، لأن تقدير كلامه: فيأتي بلفظ مثل لفظ كذا، ولم يقل: إنهما صوت واحد، لأنه يستحيل أن يتطابق الصوتان مع اختلاف مخرجيهما، ولو أراد أن يجعلهما صوتا واحدا لقال: ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف، فيأتي بالكاف التي بين الجيم والكاف))

     أقول: هذا تمحّل والتواء، ومعنى كلام السيرافي واضح، وقوله ((ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف، فيأتي بمثل لفظ الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف)) يؤكد ما شرحته سابقا بالأمثلة حين ذكرت أن قفقفة الجيم تلتبس بقفقفة القاف، وتنطق بالنطق نفسه تماما، وقلت: إن السامع حين يسمع (ݠَرَعَ) فإنه لا يدري من غير سياق أهو جَرَع أو قَرَع؟ وحين يسمع (نَݠَرَ) فإنه لا يدري من غير سياق أهو نَجَرَ أو نَقَرَ؟ لأن هذا من ذاك، فصوت الجيم المقفقفة عند اليمني مثل صوت القاف المقفقفة عند التميمي وعامة العرب، يعني أنه مطابق له؛ لأنه من مخرج واحد وليس من مخرجين.

انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث


أ.د عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
المدينة المنورة
السبت 14 شوال 1435هـ
الموافق 10 أغسطس 2014م