الخميس، 20 نوفمبر، 2014

وزن «أباتَ» من قوله: كأنَّك فينا يا أَباتَ غَرِيبُ:

وزن «أباتَ» من قوله: كأنَّك فينا يا أَباتَ غَرِيبُ

      أنشد ابن السكيت وغيره:
تَقُولُ ابْنَتي لما رَأَتْني شَاحِبًا     كأَنَّك فِينا يا أَباتَ غَرِيبُ
ويُروَى: يا أباتِ، بكسر التاء.

     وقبل أن نأتي على وزن (أباتَ) لا بد من الوقوف على كلام الأعلام في لام الأب والتاء في أبتِ، قال سيبويه: «وسألت الخليل رحمه الله عن قولهم: يا أبَهْ، ويا أبَتِ لا تفعلْ، ويا أبتاه ويا أمّتاه، فزعم الخليل رحمه الله أن هذه الهاء مثل الهاء في عمّةٍ وخالة.
وزعم الخليل رحمه الله أنه سمع من العرب من يقول: يا أمّةُ لا تَفعلى. ويدلك على أن الهاء بمنزلة الهاء في عمة وخالة أنك تقول في الوقف: يا أمة ويا أبَهْ، كما تقول يا خالَهْ. وتقول: يا أمّتاهْ كما تقول يا خالتاهْ. وإنما يُلزمون هذه الهاء في النداء إذا أضفتَ إلى نفسك خاصة، كأنهم جعلوها عوضاً من حذف الياء، وأرادوا أن لا يخلوا بالاسم حين اجتمع فيه حذف الياء، وأنهم لا يكادون يقولون يا أباهْ ويا أماه، وهي قليلة في كلامهم وصار هذا محتملا عندهم لما دخل النداء من التغيير والحذف، فأرادوا أن يعوّضوا هذين الحرفين كما قالوا أيْنُقٌ لما حذفوا العين رأسا جعلوا الياء عوضا، فلما ألحقوا الهاء في أبَهْ وأمّهْ، صيروها بمنزلة الهاء التي تلزم الاسم في كل موضع، نحو خالة وعمّة. واختُصّ النداء بذلك لكثرته في كلامهم كما اختُصّ النداء بيا أيها الرجلُ» (الكتاب 2/ 210، 211)

     وقال المرادي: «قالوا في "أبا" المقصور: يا أبات.
قال الشاعر:
كأنك فينا يا أَبَات غريب
ولو لم يعوض لقال: أباي» (توضيح المقاصد2/ 1093)

     وقال خالد الأزهري: « وزعم ابن مالك أن الألف في "يا أبتا" هي التي يوصل بها آخر المندوب والمنادى البعيد والمستغاث، وأنها ليست بدلًا من الياء، والأول قول ابن جني. وربما جُمع بين التاء والياء فقيل: يا أبتي ويا أمتي، وعليه قوله:
أيا أبتي لا زلتَ فينا فإنما  لنا أملٌ في العيش ما دمتَ عائشًا
وهو ضرورة خلافًا لكثير من الكوفيين، والأول أسهل من هذا لذهاب صورة المعوض منه، وهو الياء، وربما قيل: يا أباتِ، وعليه قول:
................... ... كأنك فينا يا أباتِ غريب
فقيل: أراد: يا أبت ثم أشبع. وقيل: أراد: يا أبتا ثم قلب, وقيل: أراد يا أبا على لغة القصر، ثم قدر لحاق الياء وأبدل منها التاء، واقتصر في النظم على قوله:
وفي الندا أبت أمت عوض واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض» (التصريح)

وعلى ما تقدم فإن وزن (يا أباتَ) يحتمل وزنين:

     الأول: أن الوزن (فعات) وله وجهان:
إما على القلب، فتقديره في الأصل يا أبتا، دون هاء السكت من قولهم: (يا أبتاه) فقلب ضرورة، فقال: (يا أباتَ) فالألف زائدة، وكذلك التاء، ولام الكلمة محذوف، ولام (أب) حرف علّة، لقولهم أَبَوْتَ وأَبَيْتَ: صِرْتَ أَباً.
وإما على الإشباع، أي إشباع فتحة (يا أبَتَ) مثل ألف ينباع وواو أنظور، بمعنى: ينبَع وأنظُر. قال المرادي: «قيل: يخرج على أن الألف إشباع»(توضيح المقاصد2/ 1093)
 وعلى الوجهين الوزن واحد وهو: فعات.

    الثاني: أن الوزن (فَعَلت) وهو رأي ابن برّيّ (ينظر: اللسان والتاج مادة أبو) قال: الصَّحيحُ أَنه ردَّ لامَ الكلمة إليها لضرورة الشِّعر كما ردَّ الآخرُ لامَ دَمٍ في قولِهِ:
فإِذا هِيَ بِعِظامٍ ودَمَا
وكما ردَّ الآخرُ إلى يَدٍ لامَها في نحوِ قولِهِ:
إِلَّا ذِراعَ البَكْرِ أَو كفَّ اليَدَا
وضعّفه المرادي (توضيح المقاصد2/ 1093)
   
    والوجهان عندي سائغان والوزن الأول أعني (فعات) أرجح لقولهم فيه: يا أباتِ،  فالإشباع في هذا أقرب، وأصله: يا أبَتِ. وكأنَّ القلب (وهو الوجه الثاني ووزنه فعلت) بعيدعلى هذه اللغة أعني لغة كسر التاء، ووجهه إن صح أن يكون جاء به على لغة الجمع بين التاء والياء (يا أبتي) ثم قلب قلبا مكانياً، أي قدّم الياء على التاء، ثم قلب الياء ألفاً لتناسب الفتحة قبلها، فقال: يا أباتِ، وهو مرجوح، والله أعلم.

عبدالرزاق الصاعدي
الأربعاء 28/ 1/ 1436هـ
المدينة المنورة