الاثنين، 8 يونيو، 2015

مقال لغوي في: أثأته بسهم إثاءة:

مقال لغويّ في: أثأتُهُ بسهم إثاءةً
للدكتور محمد بن راجي الصاعدي
كلية اللغة – الجامعة الإسلامية

قال الصغاني في (ثأثأ): «وقال الجوهريُّ: أبو عمرو: أَثَأْتُه بِسَهمٍ إثاءةً: رميتُه، والكسائيُّ مثلُه(1).
والصَّوابُ أنْ يُفْرد لَهُ تَركيب بعد تركيبِ (ثمأ) لأنَّه من باب أَجأْتُه أُجِيئُه وأَفَأْتُه أُفِيئُه، وذكره الأزهريُّ في تركيب (أثأي) وهو غيرُ سديدٍ أيضًا»(2).
وقال الأزهري في (أثا)(3): «شَمِرٌ عن أبي عَدْنان(4) عن أبي زيد؛ يُقَال: أثَيته(5) بسَهْمٍ؛ أي: رَمَيْتُه، وهو حرفٌ غَرِيبٌ »(6).
ولم يذكره الصغاني في موضعٍ آخر، وأهمله في العباب.
ذكر الجوهريُّ هذا الفعل الثلاثي (أثأْتُه بسهم) في آخر الجذر (ثأثأ) الرباعيِّ المضاعف، ولا وجه له فيه، ولعلَّ الجوهريَّ ليس على ثقة من جذره الصحيح، ولو أراده من الأجوف لذكره بعد (ثمأ) ودونَ ذلك (ثدأ) و(ثطأ)(7).
وقد أخذ الجوهريُّ ذلك من الغريب المصنَّف؛ فإنَّه فيه من المهموز عن أبي عمرو والكسائي(8)، وليس في الغريب المصنَّف ما يُبين عن أصله؛ إذ هو في جملة مهموزاتٍ مجرَّدة ومزيدة ومعتلَّة؛ فليس لأبي عبيد رأيٌ في وزنه كما توهَّم المجد(9)، أو للكسائيِّ كما توهَّم الزَّبيدي(10).
وأجماع رواته على إسناده للتاء مع تصريح بعضهم بالمصدر (إثاءة)  خلَق تداخلًا آخر لا يمكن الجزم فيه؛ فهو محتملين لأصلين:
1- أن يكون أجوف، ووزنه (أفْعَلَ)؛ فيكون: أثاءَ إثاءةً؛ كأقام إقامةً وهو رأي الصغانيِّ الذي أوجبه، وتابعه عليه ابن معصوم(11)، وسبقهما الفارابيّ(12)، ولم يصرِّح الصغاني والفارابي بعين الفعل؛ فيمكن أن يكون جذره (ثوأ) أو (ثيأ) ، وحمله على الواويّ أظهر لأنَّه في الأجوف أكثر(13)، ولعلَّ هذا ما جعل المجد يقول إنَّ الصغاني جعله من (ثوأ)(14)، وبذلك صرَّح ابن معصوم.
ولو تنبَّه الجوهريُّ -رحمه الله- لصنيع خاله الفارابيِّ لما وقع في هذا الخلل.
2- أن يكون مجرَّدًا من (أثأ) على (فَعَلَ)؛ أَثَأَه إثاءة، نحو: قَرَأَه قِراءة، وهو رأي ابن القوطيَّة(15) وابن برِّي(16)، وجماعة(17)، وهو ظاهر إيراد الأزهريّ، على أنَّه في مطبوع
التهذيب: (أثَيْتُه) وبالياء نقله ابن منظور عنه
(18)، وزاد الزَّبيديُّ رواية غير مسندة هي:
(أَثَوْتُه)
(19) فإنْ صحَّت رواية الياء والواو؛ فهو من المجرَّد بلا ريب؛ لأنَّ اللفيف لا تُحذَف عينُه عند الإسناد، ولا ينبغي أن يختلف وزنه عند همزه.
ولكن في صحّة رواية (أثَيْتُه) و(أَثَوْتُه) نظرٌ؛ فإنَّ الصغانيَّ نصَّ على أنَّ الأزهريَّ ذكره في (أثأى) أي فيما فاؤه همزة ولامه همزة أو حرف علَّة، وليس في جذره من مطبوع التهذيب ما لامه همزة، بل ناقصٌ فقط، كما أنَّ الصغاني لم يشر إلى أنَّ الفعل عند الأزهريِّ بالياء مع حِرْصه على البيان؛ ونُسختُه من التهذيب راجعها الأزهريُّ وضبطها بخطِّه(20)؛ فهي مقدَّمة على ما سواها؛ فالأقرب أن أبا زيد والكسائي وأبا عمرو أجمعوا على رواية واحدة بالهمز.
وأمَّا رواية الزَّبيديّ (أثوته) فلا يُوثق بها؛ فنصُّه في هذا الفعل ظاهر الاضطراب، وإسناده فيه للأصمعيّ والكسائيّ والخليل لا يصحّ(21)، ولا يبعد أن يكون قد خلط بين هذا الفعل وقولهم: «أَثَوْتُهُ وأَثَيْتُهُ إِذَا وشيت به»(22).
وقال الصغانيّ عن صنيع الأزهريّ: «هو غيرُ سديدٍ»، والحقُّ أنَّ إيجاب أحد هذين الوجهين تحكُّمٌ بلا دليل، بل هما وجهان محتملان(23).
وهو حرفٌ غريبٌ كما قال الأزهريّ، ولا يُعرف له اشتقاقٌ، والذين وضعوه في المجرَّد أو في الأجوف المزيد اجتهدوا؛ وقد أغْلَقَ رواتُه الأوائل الحكمَ، وضيَّقوا استعماله؛ فلا يُطمأنَّ إلَّا إلى المصدر منه أو الماضي مسندًا لضمائر الرفع المتحرِّكة، واستعمال ما سوى ذلك منه مجازفةٌ قد تُدخل في كلام العرب ما ليس منه.

من كتاب [مآخذ الصغاني اللغوية على الصحاح، ص 81-83]


( 1)     الصحاح (ثأثأ) 1/38.
(2)     التكملة (ثأثأ) 1/9.
(3)    كذا في مطبوع التهذيب.
(4)    هو عبد الرحمن بن عبد الأعلى السلمي، وكنيته أشهر من اسمه، عالم باللغة، روى عن أبي زيد كتبه، وهو راوية لأبي البيداء الرياحي، وأخذ عنه شَمِر بن حمدويه. ينظر: التهذيب 1/25، وإنباه الرواة 4/148.
(5)    كذا في مطبوع التهذيب واللسان (أثأ) 1/23 ولعلَّه تحريف نُسَّاخ، والصواب بالهمز.
(6)    التهذيب (أثا) 15/165.
(7)    ينظر: الصحاح 1/38-39.
(8)    ينظر: الغريب المصنَّف 3/681.
(9)    ينظر: القاموس (أثأ) 33.
(10)   ينظر: التاج (ثأثأ) 1/162.
(11)   ينظر: الطراز (أثأ) 1/17، (ثوأ) 1/41.
(12)   ينظر: ديوان الأدب 4/227.
(13)   ينظر: الكتاب3/462، والمنصف2/140، وبصائر ذوي التمييز 4/301، وتداخل الأصول 1/255.
(4 )   ينظر: القاموس (أثأ) 33.
(15)   ينظر: الأفعال له 180.
(16)  ينظر: التنبيه والإيضاح (أثأ) 1/4.
(17)   ينظر: الأفعال للسرقسطي 1/114، ونفوذ السهم (أثأ) 1/45، واللسان (أثأ) 1/23.
(18)  ينظر: اللسان (أثأ) 1/23.
(19)   ينظر: التاج (أثأ) 1/127.
(20)   ينظر: التكملة (صعع) 4/297، والعباب (قرمط) 162.
(21)   ينظر: التاج (ثأثأ) 1/162.
(22)  النهاية (أثا) 1/24.
(23)  ينظر: التاج (أثأ) 1/127.