الجمعة، 31 مايو، 2013

نفاضة الجراب 36 حكمة العامة في اللغة


نفاضة الجراب 36
حكمة العامّة في اللّغة
العامة عقلٌ جمعيٌ قد نظنّه عقلا غبياً فاسداً في كل أحواله، ولكنه في الحقيقة عقل حكيم في أحايين كثيرة، وقد فطن إمام العربية الأكبر الخليل إلى بعض حكمتهم، غير أنه تغافل عنها ولم يصفهم بالحكمة ربما خوفا من الفصحاء، واكتفى بأن أومأ إليها إيماء خفياً، ومن حكمة العامة أنهم يفرقون بين (عباد) الله و(عبيد) الناس، فالعباد لله والعبيد للناس، وأول من رصد ذلك الخليل في معجم العين، حين قال: "إن العامة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد الله، والعبيد المملوكين"
قلت: يعني أن العامة تقول: مع الله: عباد ، ومع الناس: عبيد، وهذا تفريق حسن، غرضه التفريق بين الاستعمالين.
ومن حكمة العامة في القرن الرابع أنهم يسمون (الجلمين) و(المقراضين) و(الكلبتين): الجلم والمِقراض والكلبة، قال ابن خالويه في ليس في كلام العرب: ((ومنها تثنية أفردتها العامة خطأ: الجلم والمقراض، إنما هما الجلمان والمقراضان، وكذلك الكلبتان؛ لأن الكلبة الواحدة؛ والمقراض الواحد لا يقطع، ولا الجلم))
وجاء في اللسان: المِقْراضانِ: الجَلَمانِ لا يُفْرَدُ لهما واحد، هذا قول أَهل اللغة.
قلت: العامة أقرب للواقع، وأسهل في الاستعمال؛ وإفرادهم كلمة الجلم والمقراض والكلبة أحسن؛ لأنهم نظروا إلى الآلة بكاملها، وهي واحدة، ولم ينظروا إلى جزئيها، فلم يعد للتثنية وجه.
وسُمع فيه قولهم: (الجلمانُ) و(المقراضانُ) بضم النون، وهذه محاولة من الفصحاء تبتغي تحسين اللفظ وتقريبه من المنطق اللغوي، وذلك بإبعاده عن التثنية وتقريبه من المفرد، بضم النون، قال الفيومي في المصباح: ويجوز أن يُجعل الجلمان والقلمان اسما واحدا، على فعلان، كالسرطان والدبران، وتُجعل النون حرف إعراب.
وربما كان ضمّ النون توهّما، بسبب اللبس، لكن تصرف العامة بإفراده وقولهم: الجلمُ والمقراض، وعده آلةً واحدة أحسنُ من تصرّف بعض الخاصة الفصحاء بضم النون، فالعامة حكيمة وقد تتفوق على الخاصة.
ومن ذلك قال أبو حاتم: تُوْلَعُ العامَّةُ في تصغير العَينِ بعُوَيْنَةٍ، ويقولون: ذو العُوَيْنَتَيْن، وإنما هو: العُيَيْنَتَيْنِ بالياء. وجاء: حُوْرٌ عُوْنٌ: في مَعْنى عِيْن.
قلت: (عوينة) أخف من (عُيينة) وكذلك (كويّس) العامية أخف من (كُيَيّس) تصغير كَيّس بمعنى عاقل، وذلك للفرار من كثرة الياءات، وهنا تظهر حكمة العامة.
ومن ذلك أن الجوهري قال: ((ويقال لبائع الرؤوس رآَّسٌ، والعامة تقول: رواس))
قلت: قول العامة هنا أسهل على اللسان، بسبب ثقل التضعيف على الهمزة، فهي كالتهوع، وإبدال الهمزة واوا سائغ في العربية وكثير.
ومن حكمة لهجتنا أنهم جعلوا الهرجة للكلام فلما شاعت وأرادوا معنى الاختلاط في الأصوات قالوا : (الرهجة) و(لا ترهجنا) أي لا تزعجنا؛ جعلوها على القلب؛ لأنهم لما وجدوا (رهج) و(هرج) تدلان على اختلاط الكلام في دلالة الجذر عمّموا الهرجة لكل كلام وأبقوا الرهجة للاختلاط فيه.
وحين نتغلغل أكثر في العقل الجمعي للعامّة نرى أن لغتهم ليست غبيّة وليست فاسدة في كل أحوالها،كما قد نتوهم، بل إننا نجد فيها من مظاهر الحكمة الشيء الكثير، وهو موضوع يحتاج إلى تنقيب واسع في مأثور كلام العامة قديما وحديثا (وللحديث صلة)



أ.د. عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
نشر بملحق الرسالة في جريدة المدينة
الجمعة 1434/7/21 هـ 2013/05/31 م العدد : 18300
  http://www.al-madina.com/node/455192