الجمعة، 31 مايو، 2013

نفاضة الجراب 37 حكمة العامة في التفريق بين العريس والعروس

نفاضة الجراب 37
حكمة العامة في التفريق بين العريس والعروس
كلمة (العروس) في العربية نعت يستوي فيه الرجل والمرأة، فالعروس المرأة والرجل ماداما في إعراسهما، ويقال: رجل عروس ورجال أعراس وعُرُس، وامرأة عروس في نسوة عرائس. وقد شاع في لغة المعاصرين قولهم: العريس للرجل والعروس للمرأة، دفعا للبس بين الرجل والمرأة، وفي هذا حكمة لغوية تستحق النظر.
فهل أخطأت العامة وخالفت سنن كلام العرب حين استخدمت كلمة عريس للرجل؟
الحقّ أن العامّة لم تخطئ؛ لإنّ كلمة عريس مشتقة من العرس على صيغة فعيل، فإن كانوا أرادوا أصل الصيغة، فإنهم يوافقون ما جاء في اللغة على فعيل وصفا للرجل، ففيها: رجل لبيب، ورجل جديد أي حظيظ، وشديد، وزرير أي خفيف، وضرير، وشقيق، وركيك أي ضعيف، وحليل فلانة، أي زوجها، والولد سليل أبيه، وهو في صميم قومه، والجنين، وفلان ضنين أي بخيل.
وحين الموازنة بين فعيل وفعول في نعت الرجل نجد أن فعيلا أكثر، كما يظهر ذلك جليا في ديوان الأدب للفارابي.
ويمكن لنا أن نتأوّل العريس بمعنى المُعرِس، من باب فعيل بمعنى مُفعِل، ففي الصحاح: أَعْرَسَ فلان، أي اتَّخذ عُرْسًا، وأَعْرَسَ بأهله، إذا بنى بها. قلت: فكأنّ عريسا بمعنى مُعرس من أعرَسَ، فهو فعيل بمعنى مُفعِل، مثل البديع بمعنى المُبدِع، والعزيز بمعنى المُعزّ، وعذاب أليم بمعنى مؤلم، والعجيب بمعنى المُعجب، والحريق بمعنى المُحرِق، والحكيم بمعنى المُحكِم، والبصير بمعنى المُبصِر، والسميع بمعنى المُسمِع، والغويّ بمعنى المُغوي، والحسيب بمعنى المُحسِب، والنذير بمعنى المُنذِر.. إلخ وهو سماعي لا ينقاس، لكن العامة قاسته في «العريس» وصاغته من أعرس الرجل، فكأن العريس عندهم بمعنى المُعرِس، ويرجح هذا أنهم يقولون أحيانا: المُعرِس.
وأرى أن العامّة وُفقّت في ذلك وأحسنت صنعا، لأنها أزالت اللبس الواقع في كلمة عروس للرجل والمرأة، ومن أصول اللغة الوضوح والبعد عن اللبس، فحين تقول على هذا المعنى: العروس في البيت، يعلم أنك لا تقصد الرجل، بل المرأة، فإن أردت الرجل قلت: العريس في البيت. وحين نتأمل حال الكلمتين: عروس وعريس لا نرى للأولى مزية ترفعها عن الثانية سوى أنها قيلت زمن الاحتجاج، أما كلمة عريس فامتازت بأنها أزالت اللبس دون حاجة للسياق، وليس فيها ما يشوبها في أصواتها وبنيتها الصرفية، فهي كغيرها مما جاء على وزن فعيل بمعنى مُفعِل، أو فعيل على الأصل، ولا تنحطّ عريسٌ عن عروسٍ لكونها مولدة، وربّ لفظٍ مولد أحلى وألذّ من لفظٍ جاهلي! وليس للغويٍّ أن يردّ كلمةً شاعت مع موافقتها مقاييس اللغة بحجة أنها لم تسمع في زمن الاحتجاج، وليس لنا أن نمنع اللغة من التطور، ولن نستطيع؛ لأن ذلك يخالف نواميس الله في اللغات، فاللغة تمارس حياتها بالنمو والتطور، شئنا أم أبينا، وقد مارست ذلك لغتنا في جميع مراحلها، وهذا من أسرار عظمتها، أما نحن العرب الأواخر فلن نسجن أنفسنا في حظيرة الألفاظ الجاهلية، فحين نجد لفظا متداولا شائعا جاريا على سنن كلام العرب في أصواتها وأبنية ألفاظها، فإننا نقبله وندوّنه في معاجمنا، وقد أحسن المعجم الوسيط صنعا، حين قبل كلمة ((العريس)) وأدخلها في المعجم، ولا بأس أن نصفها بأنها محدثة أو مولدة، تمييزا لها من القديم وليس ذمًّا لها.
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة



أ.د.عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
نشر في ملحق الرسالة بجريدة المدينة الجمعة 1434/7/21 هـ 2013/05/31 م العدد : 18300
  http://www.al-madina.com/node/456714