الجمعة، 29 نوفمبر، 2013

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (2)

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (2)
  عبدالرزاق بن فراج الصاعدي*
تحدثتُ في المقالة السابقة عن بعض أساتذتي في جامعة الملك عبد العزيز في أيام دراستي في مرحلة البكلوريوس (1404هـ - 1408هـ) ومنهم الأساتذة الكبار: محمد يعقوب تركستاني وعبدالله الغذّامي وعبدالمحسن فراج القحطاني وعبدالله المعطاني.. وأواصل اليوم الحديث عن بقية أساتذتي في تلك الحقبة، التي ربما تعدّ - هي وما بعدها ببضع سنوات - العصر الذهبي لقسم اللغة العربية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة.
في ذلك الوقت كان من أبرز أساتذتنا في قسم اللغة العربية الدكتور خليل عمايرة– رحمه الله- وهو أردني، وقد دَرَسنا عليه علم اللغة الحديث، وأفادنا في نظرية النحو التوليدي عند تشومسكي، وله محاولات لتقريبها من العربية وإلباسها الثوب والعقال، كما كان يقول، وتناولها في بعض كتبه ككتابه (في نحو اللغة وتراكيبها) و(البنية التحتية بين الجرجاني وتشومسكي) و(النظرية التوليدية التحويلية وأصولها في التراث العربي) وخليل عمايرة يمتلك قدرة عجيبة على اجتذاب طلابه، فشخصيته شخصية حميميّة مُرهفة وَدودة مهذّبة، وكان يُقرّب اثنين من طلابه ويخصّهما بعناية فائقة، وهما أحمد سعيد قشاش الغامدي (الدكتور فيما بعد) وكاتب هذه السطور، ولثقته فينا فاجأنا بذكر اسمينا أنا وأحمد قشاش في مقدمة كتابه (آراء في الضمير العائد ولغة أكلوني البراغيث) في طبعته الأولى التي صادفت تخرجنا في أواخر سنة 1408هـ ، وكنا نعد ذلك حدثاً كبيراً أن تكون أسماؤنا في كتاب!! وفي الحقيقة لم يكن الأمر سوى لفتة ذكية ودعم قوي من أستاذنا رحمه الله.. وبعد سنوات من تخرجنا والتحاقنا بالجامعة الإسلامية مُعيدَينِ فيها زارنا أستاذنا في المدينة، وكان سعيداً جداً بنا، وسعد أكثر حين رآنا نسكن في شقّتين متجاورتين، كما كنا جارين على مقاعد الدراسة أمامه.. رحم الله الدكتور خليل عمايرة فقد عاجلته المنية وهو في عنفوان الرجولة، وكان نعم الأستاذ المربّي الداعم لطلابه.
وأخذنا النحو في الجامعة عن ثلاثة، وهم: الدكتور عبدالهادي الفضلي والدكتور طارق نجم عبدالله والدكتور مصطفى السنجرجي، أما الدكتور عبدالهادي الفضلي فكان مُتمكّنا من النحو وعلوم التراث، له كتاب (مختصر النحو) كثير النفع، وقد عرفناه وهو في آخر أيامه بالقسم، إذ تقاعد بعد تخرّجنا مباشرة، وكان قليل النشاط يميل إلى الصمت، ربما بسبب عامل السن، وكانت طريقته تقليدية، يكتب أبيات الألفيّة على السبّورة ويشرح البيت، على ضوء شرح ابن عقيل، ولا نكاد نعرف عنه شيئا خارج قاعة الدرس، ولم ينخرط في صراع الحداثة، ولم يكن يخرج عن النحو قيد أنملة، يعطي درسه ثم ينصرف، والعجيب أننا لم نكن نعلم شيئا عن مذهبه الديني إلا بعد تخرجنا من الجامعة.!
أما الدكتور طارق نجم عبدالله فهو أستاذ عراقي متخرج من الأزهر متخصص في النحو، في عنفوان الشباب، كان صاحب شخصية قوية وله هيبة، وفيه غلظة وشدة لا تناسب المرحلة الجامعية، فكان لا يسمح لطالب أن يدخل بعده القاعة أبدا، ولا يقبل عذرا ولا شفاعة، ولبعض الطلاب قصص معه في هذا الأمر، بعضها تحوّل إلى لقطات كاريكاتورية مضحكة، وكانت مادته جافّة، وأسلوبه أكثر جفافاً، ولجبروته كان يراقب في الامتحان وحيدا في قاعة تتسع لسبعين طالبا، ولا تسمع في القاعة إلا الصمت، وطريقته في المراقبة أن يباغت الطالب من خلفه، فإن ضبطه في حالة غش قامت قيامة الطالب، فيُشرّد به من خلفه من (الغشّاشين) فلا تجد أحداً يفكّر في الغش في مادته، لكننا لم نستفد منه إلا القليل، فقد كانت بيننا وبينه جفوة وحواجز وهمية.!
وكان ثالث النحاة الدكتور مصطفى عبدالعزيز السنجرجي، وهو من مصر، كان أسهل الثلاثة أسلوبا، فيه روح الدعابة، وسهولة التعامل، ولكنّ تأثيره فينا كان محدوداً، له كتاب (المذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة) وقد أدركناه قُبيل انتهاء مدة إعارته، لتقدم سنّه.
ومن أساتذتنا الدكتور عاصم حمدان الغامدي عرفناه وهو حديث التعيين في القسم، بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة مانشستر ورجوعه من البعثة عام 1406هـ جاءنا الدكتور عاصم حمدان ونحن في المستويات الأخيرة لندرس عليه مادة الأدب المملوكي، كانت محاضرته عصرا، وهو أديب وكاتب يمتعك بحديثه في محاضرته، ويحترم طلابه، وكانت له عناية ظاهرة بكتابة السيرة الأدبية والتأريخ للمدينتين المقدستين، وبخاصة المدينة، فكنا نقرأ مقالاته وسير الأماكن وأشجانها التي عرفها في الزمن الجميل، كحارة المناخة وحارة الأغَوَات وأشجان الشامية، بعد تخرجنا، وربما عنه أخذتُ حبَّ الكتابة في تاريخ المدينة.
ومنهم الدكتور أحمد النعمي – رحمه الله- دَرَسنا عليه مقرّرين: (الأدب الأندلسي) و(نصوص أدبية) وهو أديب ممتع الحديث، صاحب أسلوب سهل ممتنع، محبوب جدا عند الطلاب، لتواضعه وسماحته وعفويته، حتى لتظن أنّ به غفلةً، وهو من أذكى الناس، ولكنه كان زاهداً ينطوي على حزن دفين، وكان شديد النقد للنساء خاصة، ويسمّيهنّ (البهائم)! ولا تمرّ محاضرة دون أن يذكر البهائم!! وكنا نتسابق إلى محاضرته، ونجلس أمامه وهو يتكلم عن الأدب الأندلسي ودولة بني أُميّة في الأندلس، وعبدالرحمن الداخل وعبدالرحمن الناصر، وابن تاشفين، وتاريخ دول الطوائف والممالك، ومأساة المعتمد بن عباد، وابن زيدون وحبيبته ولادة بنت المستكفي وابن الرندي وقصيدته في رثاء الأندلس:
لكلِّ شيءٍ إذا ما تَمَّ نُقصانُ ** فلا يُغرُّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتُها دولٌ ** من ســرَّهُ زمنٌ ساءتْه أزمانُ
ولم يكن الدكتور النعمي المتخصص الوحيد في الأدب الأندلسي، كان الدكتور عبدالله المعطاني متخصصا أيضا في الأدب الأندلسي لكن القسم في أيامنا أسند إليه النقد القديم وهنا أتذكر أمراً طريفاً وهو أن الدكتور عبدالله المعطاني في مادة المصادر كان يقول لنا في قاعة الدرس: تداركوا الضاد الفصيحة المشربة باللام على لسان دعد من هذيل ممن يسكنون وادي نعمان وما تاخمه من نواحيه الجنوبية بين مكة والطائف قبل أن تندثر هذه الضاد، فإنهم ينطقونها أقرب ما تكون إلى وصف سيبويه، لكننا للأسف لم نفعل شيئا تجاه تلك الضاد اللاميّة إلى اليوم، وأخشى أن تكون اندثرت أو هي في سبيلها إلى الاندثار، فهل يفعل طلاب اللغة ممن يقرؤون كلامي هذا ما لم نفعله بالأمس؟ فأنا وزملائي في تلك المرحلة آثرنا الراحة، واكتفينا بمعاجمنا العراقية، التي كنا نظن أنها لم تترك شيئا، وأن من صنعوها (جنّ أو كالجنّ)لم يتركوا موضعا في جزيرة العرب على اتساعها وصعوبة تضاريسها دون أن يشافهوا أهله ويدونوا لغتهم.!!
(للحديث صلة)

* الجامعة الإسلامية - تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
ملحق الأربعاء، جريدة المدينة الأربعاء 30/10/2013
 http://www.al-madina.com/node/487636