الجمعة، 29 نوفمبر، 2013

من ذكرياتي في جامعة المؤسس (6)


1- لا يمكن أن أكتب عن ذكرياتي في قسم اللغة العربية دون أن أقف عند أستاذنا القدير الدكتور عمر الطيب الساسي، فهو من مؤسسي القسم وأعمدته الأوائل مع الدكتور عبدالهادي الفضلي، والحقيقة أنني تريّثتُ في الحديث عن أستاذنا القدير الساسي؛ لأستجمع ذاكرتي وعدّتي وعتادي وآخذ حيطتي، فأستاذنا ذو شخصية ذكية لمّاحة مزاجية حادّة كالسيف لكنها سهلة ممتنعة، وهو ذو ذاكرة قوية وعين راصدة، فويل لطالب ترصده عين الدكتور عمر في موقف ما وتختزنه ذاكرته التي لا يتسرّب منها شيء؛ لأنه حينئذ سيكون تحت المجهر والنظر، ليأخذ نصيبه وافراً من التندّر والمداعبة مطلع كل محاضرة حتى ينتهي الفصل أو العام الدراسي، وكنا نقتصد في كلماتنا ونتحفّظ في تصرفاتنا وحركاتنا ونميل إلى الانكماش والسكون في حضرته خوفا من أن نُرصد فنكون ضحية التندر طيلة العام، وممن رصدته عين الدكتور عمر (جبريل أبو ديّة) في رحلة أبحر حين ألقى جبريلٌ لسوء حظّه قصة قصيرة جاء فيها عبارة: (ولمحته بخاصرتها!!) -و(الخاصرة) كلمة رائجة وشريفة عند الحداثيين-  فكانت فرصة للدكتور عمر لا يمكن أن يفوّتها فعلّق عليها بطريقته المعهودة في السخرية من الحداثيين وقال: أها يا جبريل!! لمحته بخاصرتها!! وهل للخاصرة أعين يا جبريل؟ ومواقف كثيرة لزملائي معه، لا تحصى، حتى إن الدكتور سعيد مصلح السريحي الذي لم يكن معنا في الجامعة كان يأخذ نصيبه من تعليقات الساسي عن بعدٍ، قبل التعليم عن بعد؛ لأن السريحي كان من الحداثيين السعوديين المعروفين في تلك الحقبة، وكان الساسي خصما لدودا لهم، ويحلو له أن يتلاعب بالأسماء على طريقة الأضداد اللغوية أو تعاقب الحروف، فتراه يحوّل السعيد إلى شقيّ والمصلح إلى مخرّب، والقشاش إلى غشاش!!.
 2- والحقيقة أن أستاذنا القدير الساسي يفعل ذلك تلطيفا لأجواء النقاشات والمحاضرات وكسراً للحواجز بين الأستاذ والطالب، فألفنا مداعباته وتعليقاته وتقبّلناها، وهي تصدر منه بعفوية مطلقة؛ لأنه صاحب قلب أبيض، ما في ضميره يخرجه لسانه.. وقد درسنا عليه ثلاثة مقررات وهي (نظرية الأدب) و(الأدب المقارن) و(الأدب السعودي) وأفدنا من علمه الغزير.. أما مقرر (نظرية الأدب) فكان مادة ثقيلة الظل عسرة الهضم لطبيعتها الفلسفية نوعا ما وقد كانت هذه المادة عندي -وربما عند زملائي- كماءِ مرّ على صخرة، فلم يستقر، ولم يبقَ منها شيء في ذاكرتي، وكان الدكتور عمر لا يوليها عناية كافية، أما (الأدب المقارن) فكانت أكثر سلاسة وجمالا وكذلك الأدب السعودي، وله فيه كتاب (الموجز في تاريخ الأدب العربي السعودي) ظهرت طبعته الأولى في سنة 1407 وهي السنة التي درسنا فيها هذا المقرر عنده، فقرر علينا الكتاب، وأفدنا منه على الرغم من وجازته كما يظهر من عنوانه، وهو يشتمل على قدرٍ من التراجم لأدباء سعوديين من أجيال مختلفة، يأتي على بعض نتاجهم الأدبي، مع ذكره بعض المراجع لكل ترجمة.. وللدكتور عمر طريقته في الأسئلة في الاختبارات فهي ذكية وسهلة لكنها ممتنعة، وأحيانا تكون عامّة، وأحيانا مستفزّة، وأذكر أنه في الاختبار لمقرر الأدب السعودي قال لنا، من يريد أن يفتح الكتاب فليفعل، فلما نظرنا في الأسئلة علمنا أنه يتحدانا، فالأسئلة تعتمد على الفهم والتحليل والاستنباط وليست أسئلة معلومات يجدي فيها الغش أو النقل من كتاب.
3- وفي مقرر (المصادر) عند الدكتور عبدالله المعطاني في عام 1405هـ  أذكر أنني تأخّرت قليلا بسبب تباعد القاعات ولعدم معرفتي بالمكان، فهي المحاضرة الأولى في المصادر، ولم أكن أعرف الدكتور المعطاني، فدخلت بُعيد دخوله، ربما بدقيقة واحدة؛ لأن الدكتور لم يشرع في الدرس بعد، ولم يتعرّف على الطلاب، فطلبتُ الإذن بالدخول فاستوقفني وسألني عن اسمي وهل أنا من طلاب المقرر؟ فأجبته، فقال: هل تحفظ شيئا من الشعر؟ قلت نعم، فأشار إلى السبورة، وقال: أكتب بيتاً، فلما رأى حيرتي قال أكتب أيَّ بيت، فتناولت القلم وأنا أستجدي الذاكرة علّها تسعفني ببيت مناسب، وأقول في نفسي: هذا جزاء من يتأخر، فقفز إلى ذهني بيت عابر جداً لمحمود سامي البارودي من قصيدته القافيّة، وهو قوله:
إذا المرءُ لم يَنهَض لِما فيهِ مَجدُهُ * قَضَى وَهْوَ كَلٌّ فِي خُدُورِ الْعَواتِقِ
وكتبت البيت، فقال لي اجلس، ولا تتأخر مرة أخرى، ثم أخذ في التعليق على البيت، وجعله مدخلا للمحاضرة، وقال لنا: هب أنك لا تعرف قائل البيت، فعليك أن تتأمل ألفاظه ومعانيه وأسلوبه وشاعريته لتحديد عصره، ثم تحاول أن تحدد قائله فإنّ لكلّ شاعر أسلوبَه الخاص، وبقدر فراستك يمكنك الوصول إليه في وقت أسرع، وإنّ للتراث الشعري مصادره، غير الدواوين، يمكن الرجوع إليها للوصول إلى البيت، وذكر لنا عددا من تلك المصادر، وكان يردد على مسامعنا مجاميع الشعر كطبقات فحول الشعراء لابن سلام وأشعار الهذليين صنعة السكري وجمهرة أشعار العرب للقرشي وحماسة أبي تمام واختيارات المفضّل ومنتهى الطلب في أشعار العرب لابن ميمون، وهذا الأخير أوسعها وقد طبع مؤخرا في تسعة مجلدات، فكان اقتناؤها هدفا لنا أنا وزملائي، وكانت مادة المصادر من أكثر مقررات القسم نفعاً.
4- أما مقرر (نشأة النحو) فدرسناه على الدكتور حسين الذواد، وهي مادة مهمة وشيّقة، وكان الدكتور حينئذ رئيساً للقسم، فينشغل به وبمشاكل الصراع بين المحافظين، ومنهم الدكتور عمر الطيب الساسي، والحداثيين الذين يتزعمهم الدكتور عبدالله الغذامي، وكان الدكتور حسين الذواد إداريا حازما وناجحا في رئاسة القسم، قاده إلى برّ الأمان بتعاون الأساتذة الكبار.. ولي مع أستاذنا قصة في بحثي عن أبي الطيب المتنبي الذي كتبته في مقرر الأدب العباسي الثاني عند الدكتور ضيف الله هلال العتيبي..
(للحديث صلة)
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي  *

* الجامعة الإسلامية.  تويتر / مجمع اللغة الافتراضي @almajma3
جريدة المدينة، ملحق  الأربعاء 27/11/2013 
http://www.al-madina.com/node/493944