الخميس، 13 مارس، 2014

تحذير من الخلط بين اللهجات الفصيحة والعاميات

تحذير من الخلط بين اللهجات الفصيحة والعامّيّات
        الحقيقة أن التعامل مع العامية من أصعب ما يكون، وعلى من يتعامل معها أن يحسن التعامل، وأن يضع نصب عينيه خدمة الفصحى وإثراء معجمها، فالعامية حين نقولها بإطلاقها هي خليط عجيب من الفصحى واللهجات الفصيحة ومن العاميات المحرفة المبتذلة، على اختلاف في مقدار كل نوع، وحين نستعمل مصطلح العامية بدقة فإننا نعني الجانب المنحرف من اللغة في أصواتها وأبنيتها وتراكيبها النحوية.
        فما الذي يجب علينا تجاه ذلك؟ يجب علينا أولا  أن نميز اللهجات الفصيحة من العامية، فالخلط بينهما من أخطر ما يكون، وفيه ظلم كبير للهجات فصاح، وللأسف رأيت أكاديميين يخلطون بين اللهجات والعاميات أشد الخلط وأقبحه، ولا يميزون لهجة فصيحة من عامية، ويرون أو يظنون أن كل ذلك عامي أو عاميات، وفي هذا يكمن الخطأ والخلل.  
         وحين نستخدم المصطلحين معا فإن الأمر يتضح أكثر، فنعني بالعامي أو العامية  كل ما فسد من اللغة، ونعني باللهجة كل ما كان له أصل وجاء على سنن لغة (لهجة) من لغات العرب القديمة التي نقلت إلينا. على أنه ينبغي أن نحذر حين نتعامل مع العامية فكثير مما نظن أنه من العامّيّ ما هو في الحقيقة إلا لهجة فصيحة مدفونة أو مختبئة فغفلنا عنها. وينبغي أيضا أن نعلم أن من يتكلم بلهجة فصيحة إنما يجري على لسانه كثير من العامّيّ، فالمعتبر إذن ليس المتكلم في ذاته ولا بيئته بل المعتبر هو الكلام أو النص (وهذا في غاية الأهمية وربما الغموض عند بعضنا) فينبغي أن نحكم على الكلام، فنقول هذا من اللهجات (ونعني به ما وجدنا له أصلاً فصيحاً) وهذا من العامي (ونعني به الجانب الفاسد في كلام المتكلم) ولذا قلتُ: إن اللهجات والعامية متداخلتان، فعلى اللغوي الحذر والدقة في المصطلح، وأن يحدد هدفه ويحرر منهجه.
      وأرى أن الاشتغال باللهجات عمل شريف يخدم الفصحى، وأن محاولة تهذيب العاميات وبيان وجه فسادها ومحاولة إصلاحها عمل لا بأس به، وهو من واجبات اللغوي؛ لأنه طبيب اللغة، فعليه أن يداوي ما يمرض منها بإصلاحٍ أو بتر، ولا يصلحه الإهمال، فهو كالنباتات الطفيلية في الحديقة الجميلة ما لم تهذبها وتصلح من شأنها تُفسد عليك الحديقة وتضرّ بنباتاتها الأصلية.
         أما البحث عن الفوائت في ركام لهجاتنا الفصيحة في موطن منابع اللغة ولهجاتها فلا يشك في نفعه للفصحى  إلا صاحب هوى أو خلل في الفهم. ويبقى الإشارة إلا أن الاشتغال بالعامّيّة لخدمة العامية وتثبيتها ووصفها لتقعيدها هو أعظم الخطر على الفصحى، ويجب أن يؤخذ على يد صاحبه كائناً من كان.    
       وأشكر لك أستاذنا القدير وأديبنا وشاعرنا (أ. صالح العوض) أن أثرت هذه المسألة المهمة، وأنا أعرف موقفك السديد من اللهجات والعاميات، وأعرف دقتك في المصطلحات وبعدك عن الخلط بينها. وقد هيأتَ لي بتغريدتك المناسَبة لأكتب هذا الإيضاح خوفا من التباس المنهج الذي نسير عليه والغاية التي نرمي إلى الوصول إليها عند بعض من يتابعنا ممن جاء متأخرا. ونسأل الله العون والتسديد. 
عبدالرزاق بن فراج الصاعدي