الثلاثاء، 22 أبريل، 2014

مداخلة في كلمة الغطاش من أكاديمي طلب عدم ذكر اسمه

مداخلة في كلمة الغطاش من أكاديمي طلب عدم ذكر اسمه، ونصها:

     كلمة الغَطاش أراها من الفوائت القطعية، وأمَّا قول ابن الأعرابي الذي انفرد به ابنُ سيده: (غَطَشَ وأغْطَشَ والغُطَاشُ - شدَّة الظُّلْمة وَقيل هُوَ أَولهَا وَآخِرهَا وليل أغْطَشُ وغَطشٌ وَلَيْلَة غَطْشَاء)
       وروى المرزوقي قول العرب عن أبي حاتم: (أتانا حين هدأت القدم، وحين هدأ السّامر، وجئتك بغطاش من اللّيل) وهو بلا ضبط في النُّسح المطبوعة عندي
ولا أستبعد خطأ ابن الأعرابي أو أنه يروي لغة في الغَطاش بالفتح؛ فهي رواية مفردة لا تكون حجة على لهجاتنا
       ودعوى أن الغَطاش محرفة عن الغُطاش لا دليل عليها بل الدليل ينفيها، فلهجاتنا لا تتخلَّص أبدا من الضم إلى الفتح وإنَّما ما كان عندهم على فُعال يسكنونه فيقولون (افْعال) وكذلك في بعض ما جاء على (فِعال) وليس في لهجاتنا فرار في هذا البناء أو ما يقاربه من الضم أو الكسر إلى الفتح.
     وما كان على (فَعال) أبقيناه لخفَّته، ولذا أراه من الفوائت؛ لأن عدم عده من الفوائت يوجب أن نقول للناس قولوا: غُطاش لا غَطاش !! 
       وهذه المسألة من أدقّ مباحث الفوائت . انتهى كلامه بنصه.
                                                                             أكاديمي (طلب عدم ذكر اسمه)

تعليقي:
قلت: رأيه يستحق النظر، وأنا أكاد أتفق معه، وأرى أن أنواع الفوائت ثلاثة، وهي:

1-     جذور وهذا قليل ولكنه ليس نادرا، ووجدت منه قدرا لا بأس به. 
2-    ألفاظ أو مشتقات في جذر مستعمل، وهذا كثير، وهو يشمل المشتقات (الأوزان) السماعية، أما القياسية فلا؛ لأنهم قد يتركون القياسيات تخفيفا، للعلم بها.
3-   دلالة للفظ مستعمل، وهذا كير أيضا.
ولذا يجب علينا التريث في القبول أو الرد في فوائت النوع الثاني، ومن أمثلتها استسمع فهو استسمع أي أصغى وأرهف السمع، قال الحطيئة:
دعاهنَّ فاسْتَسْمَعْنَ من أينَ رِزُّهُ     بسحماء من دونِ اللهاةِ هديرُها
وروى ابن سلام في الطبقات قول الفرزدق:
وإنكما قد هجتماني عَلَيْكُمَا     فَلَا تجزعا واستسمِعا للمَراجم
وروى مثله قول الراعي:
وإِن كنتما أعطيتما القَوْم موثقًا   فَلَا تغدرا واستسمعا للمراجم
قال محمود شاكر: ((استسمع: أصغى إصغاء أبلغ من الأول، ولم يرد في كتب اللغة))
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
ألا أبلغِ المستسمعينَ بوقعةٍ     تَخِفُّ لها شُمْطُ النساءِ القواعدُ
وقال ذو الرّمّة:
حداها جميعُ الأمرِ مٌجّلوّذُ السّرى    حُداءً إذا ما استسمعتُهُ يهولُها
وفسّره أبو نصر الباهلي صاحب الأصمعي في شرح ديوان ذي الرّمّة بسمعته، قال: ((قوله: إذا استسمعته يريد إذا سمعتِ الحداء هالها)) وبهذا فسّره المرزوقي في شرحه قول ابن هرمة:
فجاوبه مستسمعُ الصوت للقرى    له مـع إتيـان المهبــين مطـعم
يكاد إذا ما أصبر الضيف مقبلاً     يكلمه من حبـه وهـو أعجم
قال المرزوقي: ((يعني بمستمع الصوت: الكلب. ويقال: استمع بمعنى سمع، فهو كاستعجب وعجب))
قلت: استسمع وما تصرف منه بناء شائع في الشعر ولهذا الفعل ومتصرفاته أكثر من عشرين شاهدا، ولم تذكره المعاجم كما قال المحقق محمود شاكر، فكيف فاتتهم؟! ولاستسمع دلالة زائدة على سمع، كما قال شاكر، وهي إرهاف الإصغاء مع إرهاف السمع، وهي في زيادة المعنى مثل: أبصر واستبصر، والمعاجم تذكر الصيغة إذا كان فيها فضل معنى، ألا تراهم يذكرون نحو: اسْتَحَقبَهُ، أي: احْتَملَهُ، واسْتَحلبَ اللَّبنَ، أي: اسْتَدَرَّه، واسْتَرهبَه: من الرَّهَب، واسْتَصْحبَ الكِتابَ وغَيْرَه. واسْتَصْعَبَ عليه الأمْرُ، أي: صَعُب، واسْتَضْرَبَ العَسلُ، أي: صار ضَرَبا، واسْتَطرَبَ القَوْمُ، أي: طَرِبُوا اللَّهوِ طَرَباً شديداً.
ولذا فإن استسمع بمعنى أصغى وأرهف السمع مع كثرة شواهدها يجب أن تذكر في المعاجم، ولذا أراها من أعجب الفوائت!

عبدالرزاق بن فراج الصاعدي
23/ 6/ 1435هـ