الخميس، 10 يوليو، 2014

رسالة ابن فارس ومذهبه في التجديد:

رسالة مهمة لابن فارس
 يَظهر فيها مذهبُه في التجديد

       نقلت الأخت الفاضلة صابرين (من أعضاء مجمع اللغة الافتراضي) تغريدات منتقاة من رسالة لابن فارس اللغوي كتبها لأبي عمرو الكاتب الذي كان ينكر فضل معاصريه من الأدباء والشعراء ولا يقيم لهم وزنا، وينصرف عنهم إلى القديم، فكتب إليه رسالة في غاية الأهمية تبين مذهبه في تلقي إبداع المعاصرين ونظرته المتوازنة بين القديم والجديد، وأن المحسن منهم قد يأتي بما لم يسبق إليه، وأن الحُسْن لا يرجع إلى الزمان وإنما إلى الشيء في ذاته.

     وقد اطلع المحقق عبدالسلام هارون وأعجب بها وبفكر ابن فارس فيها، فنقلها في مقدمته لتحقيق معجم المقاييس (1/ 15- 20) 
وفيما يلي مقتطفات منها:
رسالة ابن فارس لأبي عمرو الكاتب:
      كتب ابن فارس لأبي عمرو محمد بن سعيد الكاتب، قائلا: ((ألهمك الله الرشاد، وأصحبك السداد، وجنّبك الخلاف، وحبب إليك الإنصاف. وسبب دعائي بهذا لك إنكارك على أبي الحسن محمد بن علي العجلي تأليفه كتاباً في الحماسة وإعظامك ذلك. ولعله لو فعل حتى يُصيبَ الغرض الذي يريده، ويرد المنهل الذي يؤمُّه، لاستدركَ من جيّد الشعر ونقيِّه، ومختاره ورضيّه، كثيراً مما فات المؤلّف الأول. فماذا الإنكار، ولمَه هذا الاعتراضُ، ومن ذا حَظَر على المتأخّر مضادَّة المتقدِّم، ولمَه تأخذ بقولة من قال: ما ترك الأول للآخر شيئا، وتدع قول الآخر:
 كم ترك الأوّل للآخِر 
      وهل الدّنيا إلا أزمان، ولكل زمان منها رجال. وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأوهام ونتائج العقول. ومن قصر الآداب على زمانٍ معلوم، ووقفها على وقت محدود؟! ولمَه لا ينظر الآخر مثلما نظر الأوّل حتى يؤلف مثل تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل مثل رأيه. وما تقول لفقهاء زماننا إذا نزلت بهم من نوادر الأحكام نازلة لم تخطر على بال من كان قبلهم. أوما علمت أن لكل قلب خاطراً، ولكل خاطر نتيجة. ولمه جاز أن يقال بعد أبي تمام مثل شعره ولم يجز أن يؤلف مثلُ تأليفه. ولمه حجرت واسعاً وحظرت مباحاً، وحرّمت حلالاً وسددتَ طريقا مسلوكاً. وهل حبيبٌ إلا واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم. ولمه جاز أن يُعارض الفقهاءُ في مؤلفاتهم، وأهل النحو في مصنفاتهم، والنظّار في موضوعاتهم، وأرباب الصناعات في جميع صناعاتهم، ولم يجز معارضة أبي تمام في كتاب شذ عنه في الأبواب التي شرعها فيه أمرٌ لا يدرك ولا يدرى قدره.

    ولو اقتصر الناسُ على كتب القدماء لضاع علمٌ كثير، ولذهب أدبٌ غزير، ولضلّت أفهامٌ ثاقبة، ولكلَّتْ ألسُنٌ لسِنة، ولما توشّى أحد بالخطابة، ولا سلك شعباً من شعاب البلاغة، ولمجّت الأسماعُ كلَّ مردودٍ مكرر، وللفظت القلوبُ كلَّ مُرجّعٍ مُمضَّغ... )) 

     والرسالة طويلة، وللاستزادة ينظر: يتيمة الدهر للثعالبي 3/ 463 وما بعدها، ومقدمة تحقيق مقاييس اللغة 1/ 15-20 .