الأحد، 27 سبتمبر، 2015

من الفوائت الظنية: ولّعتِ النارُ:

من الفوائت الظنية: ولّعتِ النارُ

        يقولون: وَلَّعِ النَّارَ: أَشْعِلْها، والنارُ وَلّعتْ، وأُولعت، وهي مُولّعة ووالعة، شائعة في كثير من اللهجات، مسموعة مستفيضة في كل جزيرة العرب حجازها ونجدها وعسيرها وتهامتها وشمالها وشرقها ويمنها وعمانها، وكذلك في فلسطين والعراق والشام.
     ولم تذكرها المعاجم القديمة بهذا المعنى باستثناء التاج، الذي وصفها بأنها من كلام العامة، قال: ((واستعملتِ العامَّةُ الوَلَعُ بمعنى: الشَّوْق والتَّوْلِيعَ بمعنى: إيقاد النّار، وبمعنى: التَّثْوِيق)). وتأثر بقوله البستاني فقال: ((وبعض العامّة يستعملها بمعنى القَبْسَة من النّار، ويقولون: وَلَّعِ النّارَ؛ أي: أشعلْها)).
      ونص التاج مهم في إعطائها بعدا تاريخيا، فهي ليست حادثة في زماننا، ولكننا لا نوافقه في حكمه عليها بأنها من كلام العامة، فحكمه مبني على سماعه في زمانه، ولأنه لم يجدها في المعاجم قبله وحين سمعها من الناس ظنها عامية. والأظهر أنها عربية صحيحة، متطورة دلاليا من بعض دلالات ما جاء في جذر ولع، تطوراً قديماً، أو قريبا من عصور الاحتجاج، وفي اشتقاقها أوجه محتملة:
  الأول: أن تكون من معنى الانتشار، فمن معاني التوليع: الانتشار، والعرب تستخدم ولع لانتشار شيء في شيء، تقول: وَلّع جسدُه؛ أي: انتشر فيه البَهَق (البرص) ومنه اشتقت دلالة انتشار النار في الحطب وانتشار الضوء في المكان.
الثاني أن يكون من انتشار اللون الأبيض في الجسد، وهو البهق والبرص، قال ابن فارس في معنى الجذر (ولع) الواو واللَام والعَينُ: كلمتانِ تَدُلُّ إِحداهما على اللَّهَج بالشّيء، والأُخرى على لونٍ من الألوان.
فالأُولَى قولهم: أُولِعْتُ بالشَيء وَلُوعًا... والأُخرَى قولهم للمُلَمَّعِ مُوَلَّعٌ. والتَّوْلِيعُ: اسْتِطَالَةُ البَلَقِ. وفي اللسان: التوليع: التلميع من البرص وغيره، وفرس مولّع: تلميعه مستطيل، وهو الذي في بياض بَلَقِه استطالة وتفرّق.. ورجل مولّع: أبرص، وأنشد لرؤبة:
كأنها في الجلد توليع البهق
ويقال: ولّع الله جسده أي برّصه.
الثالث: أن تكون من أصول اللغات العروبية (السامية) القديمة، وذكر الدكتور سالم الخماش أن ولع في معنى أشعل موجودة أيضا في بعض الساميات القديمة، كالإثيوبية، يقولون:  walla?a  ولّع أشعل، أضاء، وهذا يدل على قدمها. ويؤيد هذا ما ذكرناه في الوجهين الأول والثاني.
وننتهي من هذا إلى القول بأن ولّع النار بمعنى أشعلها من الفوائت الظنية، تحققت فيها الشروط الثلاثة ومعيار رابع مرجح هو معيار اللغات (العروبية) السامية.

كتبه عبدالرزاق الصاعدي
14/ 12/ 1436هـ