الخميس، 14 أبريل، 2016

هل الحرف المشدد حرفان أو حرف واحد أطيل زمنه؟:

هل الحرف المشدد حرفان أم حرف واحد أطيل زمنه؟

     ثَمَّةَ خلاف بين اللُّغويِّين المتأخِّرين في أصل المشدَّدِ نحو (( عَدَّ)) و(( صَدَّ )) أثلاثيٌّ هو أم ثُنائيٌّ ؟فقد ذهب فريق إلى أنَّه ثنائيٌّ لا زيادة فيه، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفٌ واحدٌ. أمَّا الفريق الآخر فيوافق القدامى في أنَّ ذلك ثلاثيٌّ، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفان؛ أوَّلهما ساكن، وثانيهما متحرِّكٌ.
    ويحتجُّ الفريق الأوَّل بالنَّظرة الوصفيَّة الصَّوتيَّة للأصوات المتحرِّكة والصَّوامت الَّتي تؤكِّد -بزعمهم- أنَّ المشدَّد حرفٌ واحدٌ طويلٌ يساوي زمنه زمن صوتين .
    ومن هنا كان يقول (( ماريوباي )) : إنَّ (( اصطلاح : السَّاكن المضعَّفِ (double consonant) هو اصطلاحٌ مُضَلَّلٌ حقًّا [!] لأنَّه قد استعير من طريقة الكتابة؛ ففي النُّطق يُمَدُّ الصُّوت السَّاكن بتطويل مُدَّة النُّطق به؛ إذا كان هذا المدُّ ممكناً. ويكون هذا ممكناً إذا لم يكن الصُّوت السَّاكن انفجاريًّا.
وبما أنَّ الانفجاريَّ لا يمكن مدُّه عند نُقْطَةِ مخرجه، فإنَّ ما يسمَّى تطويلاً بالنِّسبة له يكون عن طريق إطالة مُدَّةِ قفل الطَّريق أمام الصَّوت قبل تفجيره )).
     ومن ثَمَّ قال (( فندريس )) : (( من الخطأ أن يقال بأنَّه يوجد ساكنان في: أَتَّ (atta) وساكنٌ واحدٌ في: أَتَ (ata) فالعناصر المحصورة بين الحركتين في كلتا المجموعتين واحدة، عنصر انحباسيٌّ يتبعه عنصر انفجاريٌّ، ولكن بينما نجد العنصر الانحباسيَّ في: أتَ (ata) يتبع العنصر الإنفجاريَّ مباشرةً، نجده في (atta) ينفصل عنه بإمساكٍ يطيل مدى الإغلاق )).
ومن هنا رأى (( رِينَان ))  أيضاً- أنَّ المضعَّف ثنائيٌّ، ولا يعدُّ ثلاثيًّا إلاَّ لاعتباراتٍ صرفيَّةٍ.
ووافقهم الدُّكتور سلمان العانيُّ في تعريف التَّضعيف بأنَّه (( إطالة الأصوات المتمادَّة، وقَفْلٌ أطولُ في الوقفيَّات)).
     والحروف المضعَّفة عند (( كانتينو )) (( هي الَّتي يمتدُّ النُّطق بها، فيضاهي مداها مدى حرفين بسيطين تقريباً، وتُرسم هذه الحروف عادةً في الأبجديَّة الأوروبِّيَّة بحرفين متتابعين: ب ب (bb) م م mm) ))).
وأخذ برأيهم الدُّكتور رمضان عبدالتَّوَّاب بقوله: (( إنَّ ما نعرفه باسم الحرف المشدَّد، أو الصَّوت المضعَّف ليس -في الحقيقة- صوتين من جنس واحدٍ؛ الأوَّل ساكنٌ، والثَّاني متحرِّكٌ؛ كما يقول نحاة العربيَّة؛ وإنَّما هو في الواقع صوتٌ واحدٌ طويلٌ؛ يساوي زمنه زمن صوتين اثنين )).
    وهذا الَّذي قالوه لم يكن خافياً على القدامى؛ فقد كان ابن جِنِّي يرى أنَّ (( الحرف لمَّا كان مُدْغَماً خَفِيَ؛ فنبا اللِّسان عنه وعن الآخر بعده نبوةً واحدةً؛ فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد )).
    ورُويَ عن الزَّمخشريِّ وغيره  نحوه.
   وعلى الرّغم من ذلك فإنَّ القدامى كانوا يفرِّقون بين وصف الظَّاهرة الصَّوتيَّة وحقيقة الأصول؛ فلم يؤثر عنهم أنَّهم يعُدُّون المضعَّف أصلاً وحداً؛ وليس في وضعهم الثُّلاَثِيَّ المضعَّفَ في باب الثُّنائيِّ في معاجم التَّقليبات دليلٌ؛ كما سبق به البيان، بل كانوا ينصُّون على أنَّ المضعَّف حرفان. ومن أقدم من نبَّه على ذلك الخليل في قوله: (( اعلم أنَّ الرَّاء في اقْشَعَرَّ واسْبَكَرَّ هما راءان أُدغمتْ واحدةٌ في الأخرى، والتَّشديد علامة الإدغام )).
     ونحو ذلك ما قاله ابنُ يعيش وابنُ الحاجبِ.
    ولعلَّ وراء عَدِّ بعض المتأخِّرين المضَعَّفَ حرفاً واحداً مذهَبَهم في الثُّنائيّة، ومحاولةَ الانتصارِ له؛ لأنَّ الثُّلاثيَّ المضعّف نحو (( صَدَّ )) هو الأصل الثَّنائيُّ عند كثير من الثُّنائيِّين، ولابُدَّ أن يكون كذلك، لأنَّ الثُّلاثيَّ -عندهم- ليس أصلاً.
     ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ مذهبهم في عدَّ المشدَّدِ حرفاً واحداً؛ أطيلَ صوته، فيه نظرٌ؛ فالإدغام أن يؤتى بحرفين ساكنٍ فمتحرِّكٍ فيتَّصلان من غير أن يُفَكَّ بينهما، إلاَّ إذا أريد ذلك بالوقوف وقفةً لطيفةً على السَّاكن، ثمَّ الاستئناف بالمتحرِّك.
    ويظهر ذلك في الموازنة بين كلمتين متشابهتين في الفاء والعين، ومختلفتين في اللاَّم؛ وإحداهما مضَعَّفةٌ؛ نحو (( عَدْلٍ )) و (( عَدٍّ )) فإنَّكَ إذا تأمَّلتَ ذلك، ونطقتَ الكلمتين، ووقفتَ وقفةً لطيفةً على السَّاكن فيهما - لن تجد فرقاً بينهما في عدد الحروف والحركات والسَّكنات؛ فالأولى ثلاثيَّةٌ، وكذلك الثَّانية؛ وهي (عَدْ-دٌ) وأصلها (( عَدَدٌ )) وكذلك (( شَرْقٌ )) و(( شَرٌّ )) و (( بَرْقٌ )) و (( بَرٌّ )) و (( سِلْمٌ )) و (( سِلٌّ )) ونحو ذلك.
    والفرق بينهما أنَّ اللِّسان انتقل من مخرج الدَّال إلى مخرج اللاَّم في الكلمة الأولى، ولم ينتقل من مخرج الدَّال السَّاكنة في الكلمة الثَّانية؛ لأنَّ ما بعدها دالٌ فبقي في مخرجه.
     وقد سُكِّنَ الحرفُ الأوَّلُ وأدغمَ فيما بعده طلباً للخفَّةِ؛ فالأصل ((عَدَدٌ )) و (( شَرَرٌ )).
    ولعلَّ الإدغام مرحلة متأخِّرة في الاستعمال اللُّغويِّ؛ فيكون الأصل عدم الإدغام؛ أي: بنطق السَّاكن بوقفةٍ يسيرة دون إدغامًٍ في المتحرِّك، فلمَّا ثقل ذلك -لاحتياجه لشيء من الأناة- أُدْغِمَ طلباً للخفَّةِ.
ويمكن أن يستدلَّ بورود كلمة لم يقع فيها الإدغام؛ وهي (( رِيْيَا )) بمعنى المنظرِ الحسنِ، وأصلها (( رِئْيَا))  فلعلَّ ذلك من بقايا الأصل القديم في عدم الإدغام.
    ومذهب القدامى في المضعَّف قويٌّ. ومن اليسير أن يستدلَّ على قوَّته ورجحانه بجملةٍ من الأدلّة؛ وهي تُضْعِفُ -في المقابل- مذهب هؤلاء المتأخِّرين.
    وأحدُ تلك الأدلّة: جواز تضعيف الحرف الأوسط الصَّحيح قياساً من الفعل الثُّلاثيِّ؛ فيقال في (( كَسَرَ )) و (( قَتَلَ )) و (( خَرَمَ )) : (( كَسَّرَ )) و((قَتَّلَ )) و (( خَرَّمَ )). ويقال -أيضاً- في نحو (( عَدَّ )) و (( شَدَّ )) و (( مَدَّ )) : (( عَدَّدَ )) و((شَدَّدَ )) و (( مَدَّدَ )) فهو كالثُّلاثيِّ الصّحيح.
    فماذا يقولون في ذلك؟ هل يقولون: إنَّ الحرفَ الواحدَ المشدَّدَ؛ أطيلَ صوته وزمنه حتَّى غدا يماثل ثلاثة أحرفٍ، ثمَّ فُصِلَ ثُلُثُهُ، وهو الحرف الأخير؟ أو يقولون: إنَّ نصف الحرف المشدَّد في نحو (( عَدَّ )) هو الَّذي أطيل بالتَّشديد؛ فانفصل نصفه الثَّاني المتحرِّك؟ أو يقولون: إنَّ الدَّال الطَّويلةَ (المشدَّدَةَ) في (( عَدَّ )) بقيت على حالها؛ فاجتُلِبَتِ الدَّالُ الأخيرةُ اجتلاباً؟ أو يقولون: إنَّ (( عَدَّ )) فعلٌ و (( عَدَّدَ )) فعلٌ آخر مستقلٌّ بنفسه؛ ولا صلة بينهما؟ فيلزم -حينئذٍ- انتفاءُ العلاقة بين (( كَسَرَ )) و (( كَسَّرَ )) ونحوهما، وكُلُّ ذلك بعيدٌ.
    وثانيها هو: إدغام تاء الافتعال في فاء الكلمة؛ كقولهم (( اذَّكَرَ )) و((اطَّلَبَ )) و (( اصَّبَرَ )) ونحو ذلك؛ فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الذَّالَ والطَّاءَ والصَّادَ المضعَّفات كلٌّ منها حرف واحد، ولا يجوز ذلك؛ لأنَّ أصل ((اذَّكَرَ )) و (( اطَّلَبَ )) و (( اصَّبَرَ )) : (( اذْتَكَرَ )) و (( اطْتَلَبَ )) و (( اصْتَبَرَ )) قبل إبدال تاء الافتعال. ومثله: (( مُتَّقِدٌ )) و (( مُتَّعِدٌ )) وأصلهما (( مُوتَقِدٌ )) و (( مُوتَعِدٌ )).
    ويَلحقُ بذلك نحو (( عُدُّ )) فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الدَّال حرف واحد؛ أطيل صوته، وأنَّى يكون ذلك؛ لأنَّ الدَّال الثَّانية هي الفاعل؛ ألا ترى أنَّها مبدلة من التَّاء وأنَّ أصلها (( عُدْتُ؟ ))
ومثلها (( خَبَطُّ )) وأصلها (( خَبَطْتُ )).
    وثالثها: أنَّ نظريَّة المخالفة الصَّوتيَّة ، الَّتي تبنَّاها الكثير من المتأخِّرين؛ ممَّن قالوا بأنَّ المشدَّد حرف واحد تنقض مذهبهم؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ من المخالفة الصَّوتيَّة نوعاً يقوم على فَكِّ الإدغام بالإبدال؛ مثل (( القُنْفُذِ)) أصلها -عندهم (( القُفُّذُ )).
    وهذا النَّوع من تخالف الحروف المشدَّدةِ؛ الَّذي يكون بقلب أوِّل الحرفين إلى النُّون هو الأكثر وقوعاً في العربيَّة. وقد يصير الحرف الأوَّل من المشدَّدِ راءً، أو لاماً؛ نحو كلمة (( فَرْقَعَ )) الَّتي يرى (( برجشتراسر ))   أنَّ أصلها (( فَقَّعَ )) بتشديد القاف، ويرى أنَّ أصل (( بَلْطَحَ )) : (( بَطَّحَ )) أي: ضرب بنفسه الأرض.
والمخالفة تكون بين صوتين، وتفسيرهم وُقُوعَهَا في المشدَّد على هذا النَّحو يخالف مذهبهم في أنَّ المشدَّد حرف واحد.
    ورابع الأدلَّةِ: الإدغام بين حرفين في كلمتين؛ نحو (( مَن نّامَ )) و(( مِن نّعِيم ))وكذلك الإدغام بين حرفين من كلمتين ؛ بعد قلب أحدهما؛ نحو ((مَن يَّشَاءُ )) و (( مَن رَّامَ )) و (( هَرَّ أيْتَ )) ونحو ذلك من الإدغام المذكور عند القُرَّاء.
   وقريب من ذلك إدغام لام التَّعريف في ثلاثة عشر حرفاً؛ وهو ما يعرف بـ (( لام التَّعريف الشَّمسيَّة )) نحو (( الدَّلْوِ )) و (( الشَّرْقِ )) و((الصَّبْرِ)).
    وقد قلبت اللاَّم فيهنَّ من جنس ما بعدها، ثمَّ أدغمت فيه لسكونها.
    ولا أحدَ -خلا هؤلاء- يقول: إنَّ المُدْغَمَين حرفٌ واحدٌ.
   وآخر الأدلَّة من العروض، ودلالته قويَّةٌ؛ لأنّه مبنيٌّ على أساسٍ صوتيٍّ لا وظيفيٍّ - كما يقولون- وذاك الأساس هو: المتحرِّك والسَّاكن؛ فقد أجمع العَرُوضيُّون -منذ زمن الخليل إلى زمننا هذا- على أنَّ الحرف المشدَّدَ حرفان؛ أوَّلهما ساكن.
    قال الأخفش: (( فأمَّا الثَّقيل فحرفان في اللَّفظ؛ الأوَّل منهما ساكن، والثَّاني متحرِّكٌ؛ وهو في الكتاب حرف واحدٌ؛ نحو راء شَرٍّ )).
    وبمثل ذلك قال الجوهري، و ابن القطَّاع.
   وبه استدلَّ عَلَمُ الدِّين السَّخاوي على أنَّ المدغم حرفان بقوله: ((والدَّليل على ما قلته من كون الأوَّل ساكناً أنَّ كلَّ حرفٍ مشدَّدٍ في تقطيع العروض حرفان، الأوَّل ساكنٌ؛ تقول:
بِسِقْطِلْ لِوَىَ بَيْنَدَ دَخُوْلِ فَحَوْمَلِ
    فإن قلتَ: فلِمَ أسكنوا الأوَّل: قلتُ: لو لم يُسكنوه لفصلت الحركة بينهما؛ فلم تحصل الدَّفعة الواحدة )).
وبالجملة فإنَّ مذهب القدامى في المشدَّدِ هو الصَّحيح، وعليه المعوَّل في الأصول وتداخلها. وأنَّ ما ذهب إليه بعض المتأخِّرين في المشدَّدِ اجتهاد لم يحالفه التَّوفيق.
   
عبدالرزاق الصاعدي
من كتابي تداخل الأصول اللغوية