الثلاثاء، 26 أبريل، 2016

مسألة: دعونا نرتقِ/ دعونا نرتقي:

مسألة: دعونا نرتقِ/ دعونا نرتقي
بين الجزم والرفع

قلت في تغريدة ما نصّه: ((أتمنى في حواراتنا اللغوية أن نحترم كل الاتجاهات والآراء مهما اختلفنا معها، فليس لأحد أن يدعي صحة الرأي في كل ما يذهب إليه.. دعونا نرتقي)) فخاض بعض الفضلاء في إعراب (دعونا نرتقي) واختلطت الآراء وتباينت، فمنهم من أوجب الجزم: (دعونا نرتقِ) على معنى الجزاء، ومنهم من أوجب الرفع، ومنهم من أجاز الوجهين. وتدخل بعضهم مبديا وجهة نظره مستعينا باللسانيات الحديثة ولكنه لم يزد المسألة إلا غموضا واضطرابا، فليس للسانيات أن تكون ندّا للنحو العربي في فهم دقائق الإعراب ولطائف كلام العرب وأساليبها الفصحى، فللنحو ميدانه وللسانيات ميدانها، ومن يقحم الشيء في غير ميدانه لا يخرج بطائل.

ومبتدأ البحث سؤالُ شيخ النحاة سيبويه، وهو من أوائل من عرض لهذه المسألة، فأجاز فيها الوجهين، بناء على سماع من العرب الموثوق بعربيتهم، وذكر علة كل وجه، قال سيبويه: (الكتاب 3/ 98): ((وسمعنا عربياً موثوقاً بعربيته يقول: لا تذهبْ به تُغلَبُ عليه؛ فهذا كقوله: لا تَدْنُ من الأسدِ يأكلُك. وتقول: ذرْهُ يَقُلْ ذاك، وذرْهُ يقُولُ ذاك، فالرفع من وجهين: فأحدهما الابتداء، والآخر على قولك: ذره قائلاً ذاك؛ فتجعل يقول في موضع قائل.

فمَثَلُ الجزم قوله عز وجل: (ذَرْهُم يأكلوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهُم الأمل) ومَثَل الرفع قوله تعالى جدٌّه: (ذَرْهُم في خَوْضِهم يلعَبُون).

وتقول: ائتني تمشي؛ أي: ائتني ماشياً، وإن شاء جزمه على أنه إن أتاه مَشَى فيما يستقبل فيما يستقبل. وإن شاء رفعه على الابتداء)).

وهذا صريح الدلالة من سيبويه بجواز الوجهين في أصل المسألة، وترك الاختيار للمتكلم، إن أراد الجزاء جزم وإن أراد معنى الحال أو الابتداء رفع، ووقوعهما في كتاب الله وكلام العرب مؤذّن بذلك.

ثم يمضي سيبويه في تقليب المسألة ويورد مزيدًا من الشواهد مع توجيهها، فيقول: ((وقال عز وجل: (فاضْرِبْ لهم طَريقا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشَى) فالرفع على وجهين: على الابتداء، وعلى قوله: اضربه غير خائفٍ ولا خاشٍ.
وتقول: قُمْ يدعوك؛ لأنك لم ترد أن تجعلَ دعاءً بعد قيامه، ويكون القيام سبباً له، ولكنَّك أردت: قُمْ إنه يدعوك. وإن أردت ذلك المعنى جزمت.
وأما قول الأخطل:
كُرُّوا إلى حَرَّتَيكم تعمرونهما     كما تَكُـرُّ إلى أوطـانِها البَقَرُ
فعلى قوله: كرُّوا عامرين. وإن شئت رفعتَ على الابتداء.

وتقول: مُرْهُ يحفِرْها، وقُلْ له يَقُلْ ذاك. وقال الَّله عز وجل: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممَّا رزقناهم). ولو قلت مُرْهُ يحفِرُها على الابتداء كان جيَّداً)) (سيبويه 3/ 98، 99).

وثم نعرّج على شيخ الكوفيين الفراء في (معاني القرآن 1/ 158- 161) فنجد عنده فِقها بالمسألة وتفصيلا جميلا يستحقّ النظر والتأمل، وخلاصة رأيه أنه يفرّق بين الأمر والنهي، ويفصّل في حالات التركيب والفِعلَين والفاعلين، ومن أبرز ما عرض له:

1-  أنه يرى أن الجزم على الجزاء يكثر في الأمر، ويكثر الرفع في النهي، ومن النوع الأول أن يكون بعد معرفته فعلٌ لها فيجوز فيه الرفع والجزم مثل قوله: (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) وقوله: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا) وهذا مثل قولنا: دعونا نرتقِ، فهو نهي وبعد معرفته فعل لها، أي للمعرفة، وهي الضمير في دعونا. ويقول الفراء: ولو كان رفعا لكان صوابا كما قال تبارك وتعالى: (ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) ولم يقل: يلعبوا. ووجه الرفع عند الفرّاء أن تجعل (يَلْعَبُونَ) فِي موضع نصب على الحال كأنّك قلت في الكلام: ذرهم لاعبين. وكذلك دعهم وخلّهم واتركهم. وكل فعل صلح أن يقع على اسم معرفة وعلى فعله ففيه هذان الوجهان، والجزم فِيه وجه الكلام لأن الشرط يحسن فِيه، ولأن الأمر فِيهِ سهل، ألا ترى أنك تقول: قل له فليقُمْ معك؟

فإن كان الفعل الثاني مما يحسن فيه امتحان الأمر واختباره ففيه الوجهان بمذهب كالواحد، وفي إحدى القراءتين: (ذَرْهُمْ يأكلون ويتمتّعون ويلهيهم الأَمَلُ).

2- وأما في النهي فالأرجح الرَّفع، يقول الفراء: ((والعرب لا تجازي بالنهي كما تجازي بالأمر. وذلك أن النهي يأتي بالجحد، ولم تجاز العرب بشيء من الجحود. وإنما يجيبونه بالفاء. وألحقوا النهي إذا كان بلا، بليس وما وأخواتهن من الجحود. فإذا رَأَيْت نهيا بعد اسمه فعل فارفع ذلك الفعل. فتقول: لا تدعنه يضربه، ولا تتركه يضربك. جعلوه رفعا إذ لم يكن آخره يشاكل أوله إذ كان أوله جحد وليس فِي أخره جحد. فلو قلت: لا تدعه لا يؤذك جاز الجزم والرفع إذ كان أوله كآخره كما تقول في الأمر: دعه ينام، ودعه ينم إذ كان لا جحد فيهما، فإذا أمرت ثُمَّ جعلت فى الفعل (لا) رفعت لاختلافهما، أيضا، فقلت: ايتنا لا نسيء إليك كقول اللَّه تبارك وتعالى: (وأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) لما كان أول الكلام أمرا وآخره نهيا فيه (لا) فاختلفا، جعلت (لا) على معنى ليس فرفعت))(معاني القرآن 1/ 160،161).

3- وإذا اتفق فاعل فعل الأمر  وفاعل فعل الجزاء جزمت وإذا اختلفا رفعت،  ومن الاتفاق قوله عزّ وجل: (ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فقوله: (نقاتلْ) مجزومة لا يجوز رفعها. فإن قرئت بالياء (يقاتل) جاز رفعها وجزمها. فأما الجزم فعلى المجازاة بالأمر، وأما الرفع فأن تجعل (يقاتل) صلة للملك كأنك قلت: ابعث لنا الَّذِي يقاتل.

4-- فإذا رَأَيْت بعد الأمر اسما نكرة بعده فعل يرجع بذكره أو يصلح في ذلك الفعل إضمار الاسم، جاز فيه الرفع والجزم، تقول في الكلام: علمني علما أنتفع به، كأنك قلت: علمني الَّذِي أنتفع به، وإن جزمت (أنتفع) على أن تجعلها شرطا للأمر وكأنك لم تذكر العلم جاز ذلك.

5-- فإن ألقيت «به» لم يكن إلا جزما لأن الضمير لا يجوز فى (أنتفع) ألا ترى أنك لا تقول: علمني علما أنتفعه. فإن قلت: فهلا رفعت وأنت تريد إضمار (به) ؟ قلت: لا يجوز إضمار حرفين، فلذلك لم يجز فى قوله (نقاتل) إلا الجزم.

6-- ومنه ما يكون الجزم فِيهِ أحسن وذلك بأن يكون الفعل الَّذِي قد يجزم ويرفع فِي آية، والاسم الَّذِي يكون الفعل صلة له فِي الآية التي قبله، فيحسن الجزم لانقطاع الاسم من صلته من ذلك: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي) جزمه يحيى ابن وثاب والاعمش- ورفعه حمزة «يَرِثُنِي» لهذه العلة، وبعض القراء رفعه أيضا- لمّا كانت (وليا) رأس آية انقطع منها قوله (يرثنى) ، فحسن الجزم. ومن ذلك قوله: (وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ. يَأْتُوكَ) على الجزم. ولو كانت رفعا على صلة الحاشرين قلت: يأتوك.

7--  فإذا كان الاسم الَّذِي بعده فعل معرفة يرجع بذكره، مما جاز فِي نكرته وجهان جزمت فقلت: ابعث إلى أخاك يصب خيرا، لم يكن إلا جزما لأن الأخ معرفة والمعرفة لا توصل. ومنه قوله: (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) الهاء معرفة و «غَداً» معرفة فليس فِيهِ إلا الجزم، ومثل قوله: (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ) جزم لا غير.

ويحاول نحاة العصور الوسطى تهذيب المسألة وتقريبها، نرى ذلك عند غير واحد منهم، وأكتفي بما عند ابن يعيش في شرح المفصل ونقف معه هو يجمل المسألة بقوله: إنك إن أردت جزاء الشرط جزمت، وإن لم تقصده رفعت، والرفع على أحد ثلاثة أوجه: إمّا على الصفة إن كان قبله ما يصح وصفه به؛ وإمّا على الحال إن كان قبله معرفة؛ وإمّا على القطع والاستئناف.

ومثالُ الأوّل قولك: أعْطِني درهمّا أُنْفِقه، إذا لم تقصد الجزاء، رفعت على الصفة، ومنه قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي)، فقُرىء بالجزم والرفع، فالجزمُ على الجواب، والرفغ على الصفة، أي: هب لي من لدنك وليا وارثًا، ومثله قوله تعالى: (رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) بالرفع والجزم.
ومثال الثاني: خَلِّ زيدًا يمزَحُ؛ أي: مازحًا, لأنه لا يصلح أن يكون وصفًا لما قبله لكونه معرفة، والفعلُ نكرة، ومثله قوله تعالى: (ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) فهو حالٌ من المفعول في ذرهم ولا يكون حالاً من المضمر في خوضهم لأنه مضاف، والحالُ لا يكون من المضاف إليه.

والثالث: أن يكون مقطوعًا عما قبله مستأنفًا، كقولك: لا تذهب به تُغلبُ عليه. وذلك أن الجزم ها هنا على الجواب لا يصح لفساد المعنى، إذ يصير التقدير: إن لا تذهب به تُغلَب عليه، فيصير عدمُ الذهاب به سببَ الغَلَب عليه، وليس المعني عليه، فكان مستأنفًا، كأنك أخبرت أنه ممن يُغْلَب عليه على كل حال. وكذلك قُمْ يَدعُوك، أي: إنه يدعوك، فأمرتَه بالقيام، وأخبرته أنه يدعوه ألبتة، ولم ترد الجواب على أنه إن قام دعاه.

            وبالقياس على ما سبق جاء قولنا: (دعونا نرتقِ) و(دعونا نرتقي) فإن ما قبل الفعل معرفة، وهو أمر لا نفي، فيجوز فيه الجزم على الجزاء والمعنى دعونا من هذا السلوك بمعنى اتركوه فإن تركتموه نرتقِ، فالارتقاء مشروط بالترك، وعلى رأي الفراء يكون الجزم هو الأرجح؛ لأنّ ((كل فعل صلح أن يقع على اسم معرفة وعلى فعله ففيه هذان الوجهان، والجزم فيه وجه الكلام لأن الشرط يحسن فيه، ولأنّ الأمر فيه سهل، ألا ترى أنك تقول: قل له فليقمْ معك)) وتقديره في مثالنا: دعونا من هذا السلوك فلنرتقِ. وأما الرفع فعلى الاستئناف على تقدير فإننا نرتقي أو على الحال على تقدير دعونا مرتقين.


أ. د. عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة
19/ 7/ 1437هـ