الأربعاء، 12 أكتوبر، 2016

اقتراح قبول (حادوشاء) لتشاكل أُختيها عاشوراء وتاسوعاء:

 اقتراح قبول (حادوشاء) لتشاكل أُختيها عاشوراء وتاسوعاء

       حادوشاء اسم لليوم الحادي عشر من محرم، وهي كلمة حديثة الولادة جرت على ألسنة بعض الناس في زماننا هذا قرينة لأختيها تاسوعاء وعاشوراء، للمشاكلة اللفظية والازدواج والتيسير، استُنبطت مما جاء في الحديث عن رسولنا صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا يَوْمَ عاشُورَاءَ، وخَالِفُوا فيه الْيَهُودَ، وصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَبُو بَعْدَهُ يَوْمًا» رواه أحمد في مسنده وابن راهويه وغيرهما، وضعّفه بعضهم.
     واشتقاقها جارٍ على وجه من وجوه النحت من اليوم (الحادي عشر) من محرم على وزن فاعولاء، بأخذ الحاء والدال من الكلمة الأولى (حادي) والشين من الكلمة الثانية (عشر) وكأنها صُبّت صبّاً في القالب الوزني (فاعولاء).
      وأما عاشوراء: فاسم صيغ من لفظ العَشرة، على وزن فاعُولاء، قال ابن دريد: عاشوراء: يوم سمي في الإسلام، ولم يعرف في الجاهلية. 
      وأما تاسوعاء فنقل عن الجوهري والصغاني والفيروزي أنه مولد، وأجازه الفيومي في المصباح: وأشار إلى أنه ينبغي أن يقبل لقياسه على عاشوراء للازدواج.

     ويرى بعضهم أن عاشوراء هو اليوم التاسع من محرم، وهذا خلاف الظاهر، قال النووي رحمه اللَّه: عاشوراء وتاسوعاء اسمان ممدودان، هذا هو المشهور في كتب اللغة، قال أصحابنا: هو اليوم العاشر من المحرم، وتاسوعاء هو التاسع منه، وبه قال جمهور العلماء... وهو ظاهر الأحاديث، ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة" اهـ. المجموع (6/383). وقال ابن المنيّر: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر اللَّه المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. الفتح (4/245).
     ومما جاء على وزن فاعولاء: ساموعاء وهو اللحم، وخَابُوراء، حكاه ابن الأعرابي ويعني النهر، وزاد الموفَّق البغداديّ في ذيل الفصيح: الضَّاروراء والسَّاروراء للضرّاء والسراء، والدالولاء: الدلال، وحاضوراء بلد.. ومنه رانوناء، وادٍ صغير بالمدينة معروف إلى اليوم.
         ولا أرى بأسا في قبول (حادوشاء) علما على اليوم الحادي عشر من محرم للمزاوجة والمجانسة والمشاكلة مع أختيها عاشوراء وتاسوعاء، ومعجمتها مع النص على توليدها المعاصر والغرض منه، ولنا في قبولهم تاسوعاء ومعجمتها مع نصهم على توليدها أسوة حسنة، ومن صفات اللغة الحية أنها تعنى بالمولد الذي يجري على وجه من أوجه القياس في اشتقاق الألفاظ، وأن معجمها نامٍ وليس جامدا على عصر من العصور. ومن سنن العرب في الاشتقاق توليد الألفاظ بالنحت، وهو «أن تعمد إلى كلمتين أو جملة فتنـزع من مجموع حروف كلماتها كلمة فذّة، تدل على ما كانت تدل عليه الجملة نفسها»، ويقول ابن فارس في تعريفه:  «ومعنى النحتِ أن تؤخذ كلمتان؛ وتُنحتَ منهما كلمةٌ؛ تكون آخذةً منهما جميعاً بحظٍّ» (المقاييس 1/ 328، 229) وهو أنواع:
   1- نحت الأفعال، مثل بَسْمَلَ وحَوْقَلَ، على وزن فَعْلَلَ وما ألحق به، وهو النحت المشهور.
   2- نحت النسبة، نحو عبدريّ وعبشميّ، على وزنٍ رباعيّ.
   3- النحت المزجي أو نحت الجذور، وهو ما اشتهر به ابن فارس، وله أمثلة كثيرة عنده، منها: البُحْثُر، منحوت من بتر وحتر، والبَعْثقة، من: بعق وبثق، والبِرْشِق، وهو طائر، منحوت من: رقش وبرش، وبلطح الرجلُ، منحوت من: بُطِح وأُبلط. 
    
     وكان سلفنا بعد عصور الاحتجاج يمارسون التوليد اللغوي في حياتهم عند الحاجة ولا يتحرجون منه، واخترع الصرفيون أمثلة التمرين، وألحقوها بمباحث الصرف، وهو باب واسع يسمح بإعادة توليد ألفاظٍ من ألفاظٍ على صيغٍ أخرى، وكان سيبويه يقول من جهة التصريف: يجوز صوغ وزنٍ ثَبَتَ في كلام العرب مثلُه، فتقول: ضربَبٌ وضَرَنببٌ على وزن جعفرٍ وشرنبثٍ، بخلاف ما لم يثبت مثله في كلامهم، فلا يُبنى من ضرب وغيره مثل جالينوس، لانّ فاعيلولا وفاعينولا لم يثبتا في كلامهم . وتوسع ابن فارس في القول بالنحت من كلمتين أو أكثر، وليس له قاعدة عنده، ولكنه كان يخوض فيه متتبعاً إشارات الدلالة، ونرى اللغويين المعاصرين يتوسطون في قبول ما جاء به، فهم يأخذون به عند الحاجة، ويقبلونه عند جريانه على الألسنة، ولم يجدوا حرجاً في قبول كلمة (درعميّ) نسبة إلى دار العلوم.

       وبناء على ما سبق أرى تصحيح "حادوشاء" من جهة الاشتقاق النحتي وقبولها ليأخذ طريقها إلى المعجم المعاصر وتكتمل بها المماثلة بين أيام الصوم الثلاثة (التاسوعاء والعاشوراء والحادوشاء) ولأن هذه الكلمات الثلاث متلازمة تجري على ألسنة الناس في وقت معلوم لغرض معلوم، وفي المماثلة تيسيرٌ وتخفيف..

ملحوظة: سيصدر القرار بقبول حادوشاء كلمة مولدة أو رفضها بأغلبية الأصوات لأعضاء اللجنة العلمية الموقّرين.
عبدالرزاق الصاعدي