الأحد، 25 ديسمبر، 2016

قراءة في الرسم: أتُكتب: بإحداهما أم بإحديهما أم يإحدىهما؟!:

قراءة في الرسم: أتُكتب: بإحداهما أم بإحديهما أم يإحدىهما؟!

    كلمة (إحدى) مفرد مؤنث أحد، وهي مقصورة كذِكْرَى وشِعْرَى وسِيمَى ومَلْهَى، وعند اتّصالها بالضمير تُكتب ألفها المقصورة ألفا واقفة: (إحداهما وذِكراهما وملهاهما وشِعراهما وسِيماهما) في كل الأحوال رفعًا ونصبًا وجرًّا، والإعراب مُقدّر على الألف؛ كما تقول: بذِكراهما وبصُغْراهما وكُبْراهما، هذا هو مقتضى القاعدة العامة في الإملاء.

    وكان بعض القدماء يكتبها بالمقصورة عند اتصالها بالمضمر، هكذا: (إحدىهما) بصورة الياء دون نقط، مراعاة لمكان إمالة الفتحة قبل الألف إلى الكسرة، وهو الرسم العثماني للمصحف، في قوله عز وجل: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَىهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىهُمَا الْأُخْرَى) ]البقرة 282 [ وأخذ به بعض العلماء، قال ابن ولّاد في (المقصور والممدود 164): ((فإن أضفتَ شيئاً من هذا إلى مضمر كتبته كله بالألف، كقولك: مغزاك ومدعاك ومغزاه ومدعاه ومرماه ورحاه ورحاهما ورحانا. وقد كتبوا حرفا منه بالياء في الإضافة، وهو إحديهما والوجه ما ذكرنا))، هكذا في المطبوع (إحديهما) ولعل الصواب: إحدىهما، وهم يُعبّرون بالياء عن الألف المقصورة كما يُعبّرون بالهاء عن تاء التأنيث المربوطة، إذ ينظرون إلى صورة الحرف.

     والعلة في كتابتها بصورة الياء مع المضمر مراعاة وجه الإمالة، وأشار إلى ذلك ابن جني في سر الصناعة (1/ 50) قال: ((وأما ألف التفخيم فهي التي تجدها بين الألف وبين الواو نحو قولهم سلام عليك وقام زيد وعلى هذا كتبوا الصلوة والزكوة والحيوة بالواو؛ لأن الألف مالت نحو الواو كما كتبوا إحديهما وسَوّيهنّ بالياء لمكان إمالة الفتحة قبل الألف إلى الكسرة))، وأشار إليه ابن سيده في المحكم 5/ 137 مادة فخم. وقال السيوطي في الهمع 3/ 525: ((فإِن اتَّصل بالكلمة ضمير مُتَّصِل فخلاف؛ منهم من يكتُبهُ بالياءِ ومنهم من يكتبه بالألف نحو ملهاك ومستدعاه، كذا حكى الخلاف في التسهيل ولم يرجح شيئا. قال أبو حيَّان: واختيار أصحابنا كَتْبُهُ بالألف إِذا اتَّصل به ضمير نصب أَو خفض، سواء كان ثلاثيًّا أَو زِيد، إلّا (إحدَى) خاصَّة، فتكتب بالياء حال اتصالها بضمير الخفض نحو (إحديهما) ]هكذا؛ ولعل الصواب: إحدىهما[ كحالها دون الاتّصال)).
ولم يكن ذلك محلّ اتفاق، قال أبو جعفر النحّاس في عمدة الكتّاب 198: ((اصطلحوا على أن كتبوا (إحديهما) بالياء، ]هكذا، والوجه: إحدىهما[وهذا خطأٌ فاحشٌ، لأنه مثل قولك: حبلاه وحبلاك))، وجعلها ابن الأثير في البديع من علم العربية 2/ 377: فى النوادر من الكتابة، وقال: ((كتبوا إحديهما بالياء وحقها أن تكتب بالألف)). ولعل الصواب في النص: إحدىهما، ويقصد بالياء الألف المقصورة.

      وثمّة غموض في هذه المسألة من وجهين، الأول: أتكتب (إحدىهما) عندهم بالألف المقصورة على صورة الياء دون نقط وهو وجهها المراد على هذا المذهب، كما في رسم المصحف أم بالياء المنقوطة كما جاء في الكتب المنشورة؟ والثاني: أهي عامّة في أوجه الإعراب كما هو الوجه في رسمها أم خاصة بحالتي النصب والجر كما يُتوهّم؟ وهذا الأخير كأنه المفهوم عند بعض ناشري كتب التراث، فيجعلونها خاصة بالنصب والجر، فيقول قائلهم: هذه إحداهما ورأيت إحديهما ومررت بإحديهما، وهذا من وهم الإعراب(1)، فيكتبونها بالياء الخالصة في النصب والجر اغترارا بصورتها المقصورة لأنها كالياء، فنقطها بعض النسّاح وبعض ناشري كتب التراث، ورأيت منه مواضع في كتب محققة، منها: المقابسات 350 للتوحيدي، والإبانة 1/ 394 للعوتبي الصحاري، وأساس البلاغة (لقط) 413 للزمخشري، والمقاصد 1/ 293 للشاطبي.

    والصحيح الذي يوافق قواعد الرسم الإملائي للعربية رسمُ هذه الكلمة بالألف في جميع الأحوال، فتكتب: جاءت إحداهما ورأيت إحداهما ومررت بإحداهما، وما يخالف ذلك فهو خطأ في الإملاء لا يسوّغه الرسم العثماني ولا أخذ بعض العلماء به، لأنه يوقع في أمرين: رسمها بالياء ثم جعلها خاصة بحالتي النصب والجر ظنا أنها مثنى وأن ألفها ألف تثنية.
_______________
(1)  من هذا الوهم ما جاء في كتاب النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذّب لابن بطّال 1/ 110 ما نصه: ((واقترابُ [إحدَيْهِما] من الأُخرى)) فوضعها المحقق د. مصطفى عبد الحفيظ سالم بين معقوفين بعد أن غيّرها، وقال في الهامش: ((ع، خ: إحداهما: خطأ)) قلت: الخطأ ما صنعه المصنف، وهو من وهم الإعراب، والصواب: إحداهما.
عبدالرزاق الصاعدي

26/ 3/ 1438هـ
 المدينة المنورة