الجمعة، 30 ديسمبر، 2016

القول الفصل في مسألة ست تغييرات: الجزء الثالث:

القول الفصل في مسألة ستّ تغييرات
الجزء الثالث: ملحوظات وتفنيد اعتراضات

     فرغنا في الجزءين السابقين في مسألة ست تغييرات من (التنظير النحوي والصرفي) ثم (الشواهد وأساليب العلماء) من أصول كتبهم المخطوطة، ورأينا أنّ استعمال الأئمة الأعلام جاء موافقًا قاعدةَ العدد من الثلاثة إلى العشرة في (تغييرات) وأخواتها، وأنهم حين يُذكّرون العدد مع المجموع على زنة (تفعيلات) يكون ذلك عن وعيٍ منهم بالمفرد، وبما تقتضيه قاعدة الجمع التي بسطتُ القول فيها، وأنهم لم يتواطؤوا على خطأ، كما يظن من لا يُحسن فهم الدقائق في هذه الصناعة، ويبقى في تتمة المسألة وقفات تتصل ببعض اعتراضاتٍ وأساليبَ، وهي:

    الوقفة الأولى: أن العرب تجمع المصادر جمع تكسير حين إرادة النوع أو الأجناس؛ كالضروب والقتول والأنظار والضّيوم، وإذا أرادوا تعداد المرات جمعوه جمع سلامة بالألف والتاء، فقالوا: ضربات وقتلات ونظرات وضيمات؛ لأنهم يجمعون ضربة وقتلة ونظرة وضيمة، وكذلك يفعلون في مصادر فعّل، كما تقدّم، فمن يقول: ست تغييرات إنما يريد: مرات وقوع التغيير، لا أنواعه، وهذا عين المراد في قول خلف الأحمر والسيرافي والمرادي، وغيرهم، فهم يريدون عدد التغييرات لا أنواعها، ولذا يقول القائل: ست تغييرات إذا أراد المرّات والتعدّد، وستة تغايير إذا أراد أنواع التغيير، وإرادة المرّات قد تكون مع اتفاق النوع أو اختلافه، وهذا ملحظ دقيق في العربية، ولكنّ كثيرا من المولدين يتساهلون فيه، فيخلطون في الجمعين بين المعنيين الأنواع والأعداد، فيخالفون الأصل اتساعًا.

   الوقفة الثانية: أن الاحتجاج بأن المفرد المؤنث (تغييرة) لم يرد في المعاجم مردود بأنّ تغييرة اسم مرة من المصدر (تغيير) واسم المرّة معلوم بالقياس، ولا يلزم في بابه سماع، وهو كغيره من المشتقات القياسية التي تسكت عنها المعاجم اختصارا؛ لأنها في حكم المعلوم، كسائر القياسيات المجمع عليها، و((ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع، فإذا حذا إنسان على مُثُلهم وأمّ مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعًا ولا أنْ يرويه رواية)) كما يقول ابن جني (الخصائص 1/ 362)، ((ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره؟)) كما يقول أيضا (الخصائص 1/ 369), ولولا هذا ما عرف العلماء مفردات جموع لا واحد لها من أصل الوضع، أو أميت واحدها واندثر، ألم يقولوا إن التَّعاشيب والتباشير والتَّساخين والتَّعاجيب جموع لا واحد لها؟ فأنت تراهم يقدّرون المفرد ويقولون إنه: تعشيب وتبشير وتسخين وتعجيب؟ ويجرون على هذا التقدير قاعدة العدد على وجهها النحوي، ويراعون مفردًا متروكًا لم تنطق به العرب، ويتركون لفظَ الجمع الذي فيه معنى التأنيث والجماعة، فيقولون: ثلاثة تعاشيب ولا يقولون: ثلاث تعاشيب. أليس في ذلك دليلٌ قاطع على أنّ المفرد عندهم حاضر في أذهانهم بالقياس سمع أو لم يسمع؟ وفي هذا يقول محمد الطنطاوي في تصريف الأسماء ص 233 عندما ذكر جموعًا لا واحد لها: ((فتلك الجموع لا خلاف بينهم في أنّ واحدها مقدّر وأنه يكون عند التقدير حسب القياس)). ومن هنا نعلم أنّ مفرد تغييرات تغييرة لا غير، علمناه بالقياس، وشَهِد بذلك ما جرى على ألسنة العرب في هذا الوزن والجمع، كتكبيرات وتسليمات وتفعيلات وتطليقات، ومفردهن تكبيرة وتسليمة وتفعيلة وتطليقة، وكل ما لم يجر على الألسنة من هذا فهو معلوم بالتقدير، وعلى هذا المعيار جرى باب (تفعيلات) كله في العدد، فيما رأينا من أساليب العلماء، كما تقدّم في الأمثلة في الجزء الثاني، من نحو (ثلاث تصحيفات) و(ثلاث تمثيلات) و(ثلاث تقديرات) و(ثلاث تفريعات) و(ثلاث تأكيدات)، و(ثلاث تأويلات) و(ثلاث تبخيرات) و(ثلاث تشبيهات) و(ثلاث توجيهات) وغير هذا، فأين سمعت أنت أو غيرك تصحيفة أو تمثيلة أو تقديرة أو تأكيدة أو تأويلة أو تبخيرة أو تشبيهة أو توجيهة؟ وما الفرق بينهن وبين تغييرة؟

    الوقفة الثالثة: أن الوهم في مفرد تغييرات قد يقع فيقود إلى وهم آخر، إذ يرد في أساليبهم نحو قولهم: (أحد التغييرات) وقولهم: (فيه تصحيفات: الأول) فربما ظُنَّ أن في هذا دليلاً على المفرد، وأنه تغيير لا تغييرة، وهذا مردود أيضا، وهو محمول على الوهم أو التوهم أو التوسّع غير المنضبط، فالقائل هنا يرجع بالمصدر إلى أصله، فيساوي بين تغايير وتغييرات وتصاحيف وتصحيفات، فكما يقول: (فيه تغايير: الأول) يقول: (فيه تغييرات: الأول) وهذا يخالف الأصل الذي وضعت عليه اللغة، في المخالفة بين مفردي الجمعين، فلا يصلح أن يكون مفرد تغايير وتغييرات شيئًا واحدًا، والقياس يأباه؛ لأنّ الوجه التفريق كما تقدم، فينبغي أن يقول: (الأُولى) مع تغييرات، و(الأوّل) مع تغايير، ولو جعلت باب تفعيلات تحت النظر والفحص الدقيق لوجدته يجري على أصله، فهم يقولون: إحدى التكبيرات وإحدى التسليمات وإحدى التطليقات وإحدى التسبيحات، ويقولون: (فيه تكبيرات: الأولى) وكذا مع تسليمات وتطليقات وتسبيحات وتحميدات، فكان القياس على هذا الباب أن يقولوا: (فيه تغييرات: الأولى) أي التغييرة الأولى كالتكبيرة الأولى، ولا عبرة بقول القائل: أحد التغييرات وأحد التنبيهات؛ لأنه يخالف الأصل، ولا يجعل الوهم طريقًا لمخالفة الأصول والأقيسة. ولهذا قال أبو جعفر النحاس (ت 338هـ) في معاني القرآن 4/ 464: ((ثلاث تقديرات: إحداهن))، ولم يقل: أحدهن، ولو قاله لحمل على ما ذكرتُ من التوهم أو الرجوع إلى أصل المصدر (تقدير) تجوّزا واتساعًا لا قياسًا.

الوقفة الرابعة: أن في مطلق الجمع معنى التأنيث كما يقولون، والمجموع بالألف والتاء أكثر دلالة على التأنيث وأشدّ التصاقًا به من جمع التكسير، فهو بابه، ولذا قال ابن يعيش عن تلك الجموع: إن العرب ((تَخيّلوا فيها التأنيثَ، فجمعوها بالألف والتاء على حدِّ ما فيه تاء التأنيث)) (شرح المفصل 3/ 346) أو ((هو مشبّه بما في واحده هاءُ التأنيث)) (النُّكت للأعلم الشّنتمري 2/ 1019) ولهذه العِلّة نلمح في مذهب الكسائي والبغداديين ما يُقرّبه من روح اللغة وبنائها الفلسفي؛ لأنهم حملوا سجلّات وحمّامات على التأنيث مع أنّ مفردهما مذكر؛ فراعوا أصل الباب، وهو التأنيث، وجعلوا المجموع بالألف والتاء دليلا عليه، ليدخل في الباب ما شذ من المذكّرات المجموعة بالألف والتاء، فحملوا القليل على الكثير؛ لأنّ قياس مفرده في الباب أن يكون مؤنثًا، وبمثل هذا علل الحريري (درة الغواص 234) مذهبهم؛ فقال: ((لما كان الغالب على المجموع بالألف والتاء أن يكون مؤنثَ الذي تجرد عدده من الهاء لحق به ما جمع عليهما من جنس المذكر، ليطرد الحكم فيه، ويسلم أصله المنعقد من نقض يعتريه)). فكأنهم انتقلوا من النظر إلى المفرد إلى الاكتفاء بلفظ المؤنث بالألف والتاء، وجمهرة العلماء الذين استعملوا (ثلاث تغييرات) يردّون هذا المذهب البغدادي؛ فلا يُحمل كلامهم عليه بل على أصل القاعدة في جمع المصدر ومغايرة العدد، وإنما ذكرته هنا ليُعلَم أنَّ هذا الجمع بابه التأنيث؛ فإذا وقع منه ما يحتمل مفرده التذكير والتأنيث حُمِلَ على المؤنث الجاري على القياس.
الوقفة الخامسة: أن القول بـ ((انعدام استعمال الجمع (تغايير) في المعجمات اللغوية وفي استعمالات اللغويين والنحويين والمفسرين دلالةٌ على عدم تسويغ استعماله، وانعدام استعماله مماثلٌ لانعدام جمع تنبيهٍ على تنابيهَ، وتوجيهٍ على تواجيهَ، والمستعمل في الجمع تنبيهاتٌ وتوجيهاتٌ)) منقوض بأمرين: أولهما القياس على ما سبق ذكره في تكسير تفعيل على تفاعيل وثانيهما استعمال العلماء الأثبات من اللغويين والمفسرين والمحدثين والأصوليين والأطباء والأدباء، فقد جاء هذا الجمع – أعني تغايير - في كلام كثير منهم، ونراه في أساليب الرازي ت 313هـ  في (الحاوي في الطب 4/ 571، 5/ 118، 7/ 428) وابن جني ت 392هـ  في (سر الصناعة2/ 137) والخطيب الإسكافي 420هـ  في (درة التنزيل 1/ 67 ) وابن سينا ت : 428هـ في (القانون في الطب 3/ 138 ) وأبي الريحان البيروني ت 440هـ  في (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة 41) وأبي الحسن الماوردي ت 450هـ في (أعلام النبوة 58) وابن سيده ت 458هـ في (المخصص 4/ 210 تحقيق جفّال)، وأبي المعالي  الجويني، الملقب بإمام الحرمين ت 478هـ في (نهاية المطلب في دراية المذهب 1/ 355،  2/ 130،  426، 573، 575، 587، 590، 4/ 339، 5/ 149)، والراغب الأصفهاني ت 502هـ في (الذريعة إلى مكارم الشريعة 294 )، وأبي حامد الغزالي ت 505هـ في (الوسيط في المذهب 2/ 637) وابن عطية 542هـ في (المحرر الوجيز 4/ 213)، وأبي القاسم الرافعي القزويني ت 623هـ في (العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير 3/ 391) وابن الصلاح ت 643هـ في (صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسَّقَط 164) وحازم القرطاجَنّي ت 684هـ في (منهاج البلغاء 244) وابن الرّفعة ت 710 هـ في (كفاية النبيه في شرح التنبيه 4/ 224 ) وابن الفُوَطي الشيباني ت 723 هـ في (مجمع الآداب في معجم الألقاب 3/ 194)، والشاطبي 790هـ في (المقاصد 7/ 432)، واليونيني ت 726 هـ  في (ذيل مرآة الزمان 1/ 128) والمقريزي ت 845هـ في (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار 2/ 370) والنيسابوري ت 850هـ في (غرائب القرآن 6/ 471) فهل لهذا الجمع - تغايير - أن يجري على ألسنتهم ويقع في كتاباتهم لو كان مخالفًا للقياس المعلوم في تكسير تفعيل؟!

     الوقفة السادسة: أنه يلزم مَن أنكر ستَّ تغييرات تلحينُ الأئمة الأعلام من علماء الأمة، لقولهم: ثلاث تغييرات، وقولهم مثلها فيما جاء في بابها، فيكون خالف القاعدة ولحّنَ العلماء، فارتكب بذلك خطأين وجمع بين قُبحين.

عبدالرزاق الصاعدي
المدينة المنورة
الجمعة 1/ 4/ 1438هـ الموافق 30/ 12/ 2016م