الجمعة، 16 مايو، 2014

مداخلة الأستاذ فهيد بن رباح في رسم صوت القيف:

مُواربة ومُقاربة


        ** بالسؤدد والثناء تُحَيَّون ..
       محمدةٌ أمرٍ ومذمّتُه عائد إلى العارض والمعروض، وذلك يكون في تفتيشهما، والتنقير فيها فالمعروض إذا كان ذا قيمة ويستجلي عن ثمرة فهو في رواق الحمد، وإن كانت الأخرى تعالج بعلاجها. والعارض إذا كان من أهل الفطانة والنباهة، والحرص والحدب فهو من المقبولين، وإن الآخر فهو مكسوع مذموم الصنيع. وعلى ذلك فإنّ ما عرضه البرفسور: الصاعديّ عبد الرزاق أستاذ المعجميّات وفقه اللغة= هو من المحمود فالعارض والمعروض حفيّان بالاستماع إليهما، والاتّساع لهما والقبول، وذلك في ضبطه لصوت عربيّ من أصوات القاف، وهو مظهر لهجيّ في غابر زمان العربيّة، وهو ظاهرة صوتيّة فاشية الآن في لسان العرب والعجم، بل هو ظاهرة من أجيال في لسان العرب إن لم يكن من قرنين أو قرون كما يحكيه ويرويه ابن خلدون.
       هذه الظاهرة الصوتيّة النطقية لحرف القاف هي التي سمّيت بالقفقفة، وهذا المنطوق سمّي قيفاً، وكل ذلك ضبط لهذا الأمر. إنّ عدم ضبطه من المتقدمين لا يكون مانعاً من ضبطه لدى المتأخرين، بل ذلك يُلزم المتأخرين، وهو من الواجب عليهم المنوط بهم صيانةً ورعايةً للغة، وحفاظاً عليها، وحفظاً لها، وضبطاً لإيقاعها المسموع والمرويّ. ولعل من نافلة القول إنّ الحروف والكتابة هي متأخرة عن اللغة بأحقاب، فاللغات ترتضع شفاهاً مع لبان الأمهات، ثم التقييد يكون متأخراً كما هو معلوم، وغير مجهول عند غير المختصّ بله المتخصصون! أنّ الكتابة محدثة، وأنّ أصوات اللغة سابقة لذلك كلّه، ولغتنا العربيّة كتابتها نبطيّة الرسوم، بل الناظر مقارناً في الكتابة، ورسم الحروف في القرن الهجريّ الأوّل والكتابة الآن ربما لا يظن أن بينهما صلة قريبة، وذلك لما صنعه الأحفاد الأفذاذ في تطوير الرسم وتنميقه حتى غدا مفخرة، ولو جمدوا لهمدوا؛ فليربع بأنفسهم مهزوزو الثقة، المظهرين حفاظاً لذمام لغة البيان.
     وقد كنت قد داخلت مع سعادة البرفسور المشرق حرفه المشرف على المجمع الافتراضيّ في ضبط ذلك الصوت برمز مميّزٍ له عن الرمز المعهود للقاف الفصحى، وكان اقتراحي أن يكون الرسم كالقاف الفصحى بزيادة نقطة في وسط دائرة القاف، لكن ذلك متعسّر في خطّ الرقعة، واقترحت ثلاث نقاط من فوقٍ ثالثتهن سفلاهن، وتواردت الاقتراحات، وخرجوا بالأغلبيّة بنقتطين من أسفل الحرف.
       وقد لفت نظري ومسمعي أمر هو أنّ بعض الكلمات ربّما نطقت بصوتين كنطق (مقبل) فبعضهم ينطقها بالقفقفة وبعضٌ بالقزقزة، والقزقزة منتشرة في نجدٍ، وهي قلب القاف زاياً كنطق قاف( القت= البرسيم)، من أجل ذلك عنّ لي ضبطٌ آخر أراه أرحب ضبطاً عندي= وهو أن يرسم حرف الكلمة بالقاف ؛الفصحى وتوضع فوق نقطتي القاف قافاً متوسطة (أي: كصورة القاف وسط الكلمة) بلا نقط إذا رغب في الإعلام أنّ القاف مقفقف، ويوضع أسفل القاف أيضاً زاياً إذا رغب في الإعلام أنّ القاف مقزقز فلعل ذلك يجد قبولاً.
      وهذا الرسم والرمز والصور كلّه لا يكون في عموم الكتب والمطبوعات ولا في المخاطبات والمكاتبات، ولكن في كتب التخصص وعند الحاجة للضبط؛ ألا ترون أنّنا عند ذكر أسماء الأعاجم نكتبها بالعربيّة، ثم نردف ذلك ضبطاً بالإنقليزيّة ونضعه بين هلالين، وكذا الحال مع المصطلحات المعرّبة.
     إنّ الكتابة العربيّة تتوخّى المنطوق، فربما أخفت حرفاً واستبدلت به آخر كما في (شمباء وعمبر)=(شنباء وعنبر) كل ذلك محاكاة للمنطوق، وقال شاعرهم، ولكن علت علماء غرلة قنبر يريد(على الماء)، وكقولهم في بني العنبر وبني الحارث: بلعنبر وبلحارث كلّه حكايةً للمنطوق.
      وأنت واجد المتخصصين في اللسانيّات يقولون: صوتيم وحرفيم، وهما لفظان هجينان بنيةً ومثالاً ونطقاً، وهما وغيرهما يجدان رواجاً بين القوم، وهما مقبولان من غير تأبٍّ أو تمنّع.
       إنّ في تقييد هذا الصوت ضبطاً للنطق بين القاف الفصحى، والقاف المقفقفة، والقاف المقزقزة؛ بحيث لو ذكرت مجتمعة لكان الضبط بالرمز كافياً عن الضبط بالوصف، إنّ الناظر في كتب التراث يجد من يكتب (شيرات) بالياء لأنه يحكي لغة في (شجرات)، وكذلك الأمر في العنعنة كما يقال في (أأن=أعن)، وربما ضبطت بالوصف، وكتبت بالحرف الأصل.
    ثم إن المتقدمين لما وجدوا رسم أغلب الحروف متشابهاً كالباء والتاء والثاء فرقوا بينها بالنقط، وكذا الحال مع المتشابهات، فصور الهجاء العربيّ ثلاث عشرة صورة من غير تنقيط، ومع التنقيط تصبح تسعاً وعشرين رمزاً.

         **همسة قبل الختام:
    المصريون أشد الناس تمسكاً بنطق الجيم عند عامتهم وخاصتهم بل الخاصة ينازعون بأفصحيتها، ومع ذلك لا يقرأون القران بها، فليفرخ روع الخائف على أن نطق القيف سيسري على القران، وستتبلبل بعد ذلك الألسنة، وستصبح العربية أثراً بعد عين، وخَبراً بعد خُبر.

       ** ختاماً:
     ليهدأ مَن ريع مِن القيف فقال إنّ ذلك من الحيف على اللسان العربيّ، وعلى الكتابة العربيّة، فهذا علم النحو دريئة للعربية من عاديات الزمن، وأمنة لها من الزوال والامّحاء شريطة تطبيق ذلك واللهج به، وكذلك إخوته؛ فهذه القواعد ضابطة وحافظة.

    ** بالمُنعم المتفضّل محفوظون!

بلسانه وكتبه ببنانه:
راجي إشراق الصباح
فهيد ابن المرحوم رباح
١٦/ ٧/ ١٤٣٥ يوم المؤنس